Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نَصُّنا الكِتابِيُّ في هذا الصَّباحِ، مَرَّةً أخرى، هُوَ إنجيلُ يُوحَنَّا والأصحاحُ الرَّابع. وَأودُّ أن أقرأَ الأعدادَ مِن 20 إلى 24؛ وَهِيَ أعدادٌ رائعةٌ تُطْلِعُنا على الحَديثِ الَّذي دَارَ بينَ المرأةِ السَّامِريَّةِ ورَبِّنا بِخُصوصِ مَوضوعِ العِبادَة. وَهِيَ تَتحدَّثُ في العَددِ العِشرين فتَقول:

"آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ فِي أُورُشَلِيمَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ فِيهِ». قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «يَا امْرَأَةُ، صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ. أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ، أَمَّا نَحْنُ فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ. لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ. وَلكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ، لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ. اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا»".

والآن، كَما ذَكَرنا في دُروسِنا السَّابقةِ عَن مَوضوعِ العِبادَةِ، فإنَّ هَذا النَّصَّ يُطْلِعُنا على الأرجَحِ على أعظَمِ تَعليمٍ في العهدِ الجديدِ عَن هَذا المَوضوع. فالكلمةُ "سُجود" تَظْهَرُ بِصيغةٍ أو بأخرى عَشْرَ مَرَّاتٍ في هذهِ الآياتِ القَصيرة. وَمِنَ المُهِمِّ جدًّا أن نَفهمَ تَفاصيلَها الدَّقيقةَ، وتّفسيراتَها، ومَعاني استِخدامَاتِها في هذا المَقطَعِ الكِتابِيّ؛ لا فقط لأنَّها مَذكورةٌ في كلمةِ اللهِ (مَعَ أنَّهُ سَبَبٌ كَافٍ في ذَاتِه)، وَلا فقط لأنَّ رَبَّنا تَكَلَّمَ عَنها (مَعَ أنَّهُ سَبَبٌ كَافٍ أيضًا في ذَاتِه)؛ بَل لأنَّها تُرَكِّزُ في اعتقادي على مُشكلةٍ خَطيرةٍ جدًّا مَوجودة في الكنيسةِ اليوم.

وكَما حَاولتُ أن أُبَيِّنَ لَكُم ولآخرينَ مُؤخَّرًا في أثناءِ رِحْلاتي هُنا وَهُناكَ، أعتقدُ حَقًّا أنَّ كَنيسةَ يَسوعَ المَسيحِ تَفْتَقِرُ جدًّا اليومَ إلى التَّركيزِ على مَوضوعِ العِبادَة. فالكَنيسةُ لا تُرَكِّزُ على العِبادةِ في حَالاتٍ كَثيرةٍ جدًّا. وَكَما قَالَ "تُوزَر" (Tozer)، الَّذي يَنتَمي إلى جِيْلٍ سَابِق: "العِبادَةُ هِيَ الجَوْهَرَةُ المَفقودَةُ في الكَنيسةِ الإنجيليَّة".

وَإنْ كَانَ هَذا صَحيحًا في وَقْتِهِ، فإنَّهُ صَحيحٌ أو رُبَّما أكثرَ صِحَّةً في وَقْتِنا الحَاضِر. وَكُنتُ قَد شَارَكْتُ مَعَكُم الفِكرةَ بأنَّنا لا نَعرِفُ كَيفَ نَعبُدُ اللهَ في كَنيسةِ القَرنِ العِشرين في أمريكا. وعِندَما شَاركتُ الفِكرةَ نَفسَها مَعَ أشخاصٍ آخرينَ صَرَفْتُ مَعَهُمْ وَقتًا في الأسبوعَيْنِ الأخيرينِ في أماكِنَ أُخرى، تَأكَّدَ لي ذلكَ عِندَما سَمِعتُ تَأكيدًا شَديدًا مِنهُم بأنَّهُم يُوافِقونَني الرَّأيَ أيضًا.

لِذا فإنَّنا نَدعُو كَنيسَتَنا ونَدعُو شَعبَ اللهِ إلى تَكريسِ أنفُسِهم تَكريسًا لائِقًا للعِبادَة. في ضَوْءِ ذلك، اختَرْنا هَذا النَّصَّ ليَكونَ نَصَّنا الرَّئيسيَّ. ولكِن إنْ كُنتُم تَذكُرونَ مِن أينَ ابتدأنا دِراسَتَنا، لا بُدَّ أنَّكُم تَذكُرونَ أنَّنا تأمَّلنا في آياتٍ كَثيرةٍ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ في مُحاولةٍ مِنَّا للإشارةِ إلى كَثْرَةِ المَرَّاتِ الَّتي يُشارُ فيها إلى العِبادَةِ في كَلمةِ الله.

ويُمكِنُ تَلخيصُ ذلكَ، في اعتقادي، في كَلماتِ رَبِّنا يَسوعَ في إنجيل مَتَّى 4: 10 إذْ إنَّهُ يَقولُ: "لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ". فيَسوعُ يَدعُو البَشَرَ إلى العِبادَة. وَقد رأينا في رِسالةِ رُومية والأصحاحِ الأوَّلِ أنَّ التَّعريفَ الرَّئيسيَّ لِغيرِ المُؤمِنِ، أو للشَّخصِ الوَثنيِّ، أو للشَّخصِ الَّذي لم يُولَد ثَانيةً، أو للشَّخصِ الخَاطِئِ هُوَ أنَّهُ شَخصٌ يَرفُضُ أن يَعبُدَ اللهَ. وَقد رأينا أيضًا في رِسالةِ فيلبِّي 3: 3 أنَّ التَّعريفَ الرَّئيسِيَّ للمُؤمِنِ هُوَ أنَّهُ شَخصٌ يَعبُدُ الله. لِذا فإنَّ العِبادَةَ هِيَ النُّقطةُ الجَوهريَّة.

فَنحنُ نَعيشُ في عَالَمٍ لا يَعبُدُ فيهِ النَّاسُ اللهَ. ونَحنُ الَّذينَ نَعرِفُ يَسوعَ المَسيحَ هُمُ العَابِدونَ الحَقيقيُّون. وَنَقرأُ في العَدد 23 أنَّ: "الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ". لِذا فإنَّ العِبادَةَ، في الحَقيقةِ، هِيَ الغايَةُ مِنَ الفِداء. فالعِبادَةُ لَيست شَيئًا ثَانَوِيًّا، بَل هِيَ القَصدُ الرَّئيسيُّ مِنْ عَمَلِ الفِداءِ في المَسيح. فاللهُ عَاكِفٌ على تَحويلِ النَّاسِ مِن أشخاصٍ غَيرِ عَابِدينَ إلى عَابِدينَ حَقيقيِّين. وَإنْ كُنَّا، نَحْنُ المَفديِّينَ، العَابِدينَ الحَقيقيِّينَ، أَلاَ يَجْدُرُ بِعبادَتِنا أنْ تَكونَ حَقيقيَّة؟ وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّنا فَقَدْنا الكَثيرَ مِن مَعنى العِبادةِ الحَقيقيَّة. وَهَذا هُوَ مَا دَفَعَنا إلى مُشارَكَتِكُم في هَذهِ الأيَّامِ عن هَذا المَوضوع.

والنُّقطةُ الأولى الَّتي نَظَرْنا إليها في النَّصِّ هِيَ أهميَّةُ العِبادَة... أهميَّةُ العِبادَة. وَقد رأينا ذلكَ في العَدد 23: "لأنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ". وَهَذا هُوَ مَا يَجعلُها مُهِمَّة. بَلْ هَذا هُوَ مَا يَجعلُها أَهَمَّ شَيءٍ في الوُجودِ البَشريِّ: أنْ نَعبُدَ اللهَ. وَقد تَحَدَّثنا عَن كُلِّ أنواعِ المَعلوماتِ الكِتابِيَّةِ لِكَي نَفهَمَ بِوضوحٍ أهميَّةَ العِبادَة. فَالكِتابُ المُقَدَّسُ يُوصينا بِها. وَقد رأينا ذلك. وَهِيَ فِكرةُ تَاريخِ الفِداءِ مِنَ الأزلِ إلى الأبد. وَمَصيرُ كُلِّ إنسانٍ يَتوقَّفُ على العِبادَة. والكِتابُ المُقَدَّسُ يَزْخُرُ بالآياتِ عَنِ العِبادَة. وَنَحْنُ مُقتَنِعونَ بأهميَّتِها المُطلَقَة.

والحَقيقَةُ هِيَ أنَّكُم إذا قَرأتُم مَا جاءَ في سِفْرِ إشَعْياء 66: 23؛ أيْ في نِهايةِ تِلكَ النُّبوَّةِ الرَّائعةِ، ستَجِدونَ أنَّ كُلَّ شَيءٍ يَدورُ حَولَ المُجْتَمَعِ العَابِد. فَنحنُ نَقرأُ في تلكَ الآيةِ أنَّهُ في السَّماءِ الجَديدةِ والأرضِ الجَديدةِ، سَوفَ يَعبُدُ الجَميعُ اللهَ. وَهَذهِ هِيَ وُجْهَةُ التَّاريخ. فَقدِ ابتدأَ الأمرُ هَكذا عندما خَلَقَ اللهُ الإنسانَ لِيَعْبُدَهُ. وَقد سَقَطَ الإنسانُ. وهُناكَ عَمليَّةٌ جَارِيَةٌ لِرَدِّ البَشريَّةِ وجَذْبِ بَقِيَّةٍ مِنَ المُجتمعِ البَشريِّ تَعْكِفُ طَوالَ الأبديَّةِ [مَعَ المَلائكةِ القِدِّيسينَ] على عِبادَةِ الله.

وَقد قَرأنا في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ العاشِرِ، بِكُلِّ تَأكيدٍ، أنَّ الرَّبَّ يَسوعَ المَسيحَ افتَدانا، وَأنَّهُ مِن خِلالِ فِدائِهِ لَنا فَتَحَ طَريقًا يُمكِنُنا مِن خِلالِهِ أنْ نَدخُلَ إلى حَضرةِ اللهِ كَي نَعبُدَهُ. فَيَنبَغي لَنا أنْ نَقتَرِبَ مِنْهُ بِثِقَةٍ وأنْ نَعبُدَهُ.

وَمَنْ هُوَ ذاكَ الَّذي نَعبُدُهُ؟ فالعِبادَةُ في ذَاتِها، كَما تَرَوْنَ، لا تَكفي. فَعلى الرَّغمِ مِن أهميَّتِها، لا يَكفي فَقط أنْ نَعبُد. فَالإلَهُ الَّذي يُعْبَدُ يَنبغي أنْ يُفْهَمَ بِوضُوحٍ شَديد. فَهُناكَ أُناسٌ في جَميعِ أنحاءِ العَالَمِ، وَفي كُلِّ التَّاريخِ البَشريِّ، يَعبُدون؛ ولكِنَّهُم لا يَعبُدونَ الإلَهَ الحَقيقيَّ. وعندما نَظَرنا إلى هَذهِ الآياتِ، سَمِعنا وَصَايا وَاضِحَةً جدًّا بأنَّ هُناكَ إلَهًا وَاحِدًا فقط يَنبغي أن يُعبَد. فَنحنُ نَقرأُ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّة: "اعبُدوا الآبَ... اعبُدوا الآبَ... اعبُدوا الآبَ... اعبُدوه". ثُمَّ إنَّنا نَقرأُ في العَدد 24 أنَّ "اللهَ رُوحٌ".

لِذا فإنَّ الإلَهَ الَّذي يَنبغي أنْ نَعبُدَهُ مَوصوفٌ بِكَلِمَتَيْن: أنَّهُ رُوْحٌ، وَأنَّهُ الآب. والكلمةُ "رُوْح" تَصِفُ طَبيعَتَهُ الجَوهريَّة. فَهُوَ رُوحٌ مِن جِهَةِ طَبيعَتِهِ الجَوهريَّة. والكلمةُ "آبٌ" تَصِفُ عَلاقَتَهُ الجَوهريَّة بِنا. وَسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلكَ في وَقتٍ لاحِق. أمَّا في هَذا الصَّباحِ فَأَوَدُّ أن أتكلَّمَ أكثرَ قَليلاً عَن عِبادَةِ اللهِ بِوَصْفِهِ رُوْحًا.

يَقولُ كِتابُ التَّعليمِ المَسيحيِّ المُختَصَر... وَهُناكَ أشخاصٌ مِنكُم يَذكُرونَ ذلكَ إنْ كُنْتُم قَد تَعَلَّمتُم ذلكَ في حَداثَتِكُم: "اللهُ رُوحٌ مُطْلَقٌ وَأبديٌّ لا يَتغيَّرُ في كِيانِه". والكِتابُ المُقَدَّسُ يُعَلِّمُنا أنَّ "اللهَ رُوْحٌ". فاللهُ لَيسَ شَخصًا بِمَعنى أنَّهُ إنسانٌ مِثلُنا مَحصورٌ في مَكانٍ مُحَدَّدٍ أو شَكلٍ مُحَدَّد. فاللهُ لا شَكْلَ لَهُ بِمَفهومِنا نَحنُ؛ أيْ أنَّهُ لَيسَ لَهُ جَسَدٌ حَقيقيٌّ، أو بَشَرِيٌّ، أو مَادِّيٌّ، أو مَحدودٌ، بَلْ إنَّ اللهَ رُوْحٌ سَرْمَدِيٌّ حَاضِرٌ في كُلِّ مَكان. فَهُوَ لَيسَ مَحصورًا في أيِّ مَكانٍ أو زَمان.

لِذا فإنَّ جَميعَ آلِهَةِ الأُمَمِ [الَّتي يُصَوِّرُ النَّاسُ فيها الآلِهَةَ على هَيئةِ حَجَرٍ، أو صَنَمٍ مَنحوتٍ، أو صَنَمًا مِن فِضَّةٍ أو ذَهَبٍ، أو على هَيئةِ شَجرةٍ، أو نَهرٍ أو جَبَلٍ أو نَجْمٍ، أو قَمَرٍ، أو شَمسٍ] هِيَ ليسَت آلِهَةً لأنَّ اللهَ ليسَ مُقَيَّدًا أو مَحصورًا في أيٍّ مِن العَناصِرِ الَّتي خَلَقَها. فاللهُ رُوحٌ. ويا أحبَّائي، هَذا هُوَ أساسُ كُلِّ فَهْمٍ للعِبادَة.

وما نَفهَمُهُ مِن ذلكَ هُوَ أنَّهُ حيثُ إنَّ اللهَ رُوحٌ وَمَوجودٌ في كُلِّ مَكانٍ في كُلِّ الأوقاتِ، يَنبغي لَنا أن نَعبُدَهُ في كُلِّ مَكانٍ وكُلِّ زَمان. هَل تَفهَمونَ ذلك؟ فَلا يُمكِنُنا أن نَسمَحَ لأنفُسِنا أنْ نَنظُرَ إلى اللهِ كَما لو أنَّهُ يَسكُنُ في بِنايَةٍ نَجتَمِعُ فيها حَتَّى نَعبُدَهُ يَومَ الأحدِ... يَومَ الأحدِ فقط. فاللهُ كَائِنٌ رُوحِيٌّ. لِذا، لا يَجوزُ لَنا أنْ نُقَيِّدَهُ أوْ نَحصُرَهُ في أيَّةِ صُورة.

والحَقيقةُ هِيَ أنَّ هَذهِ هِيَ أوَّلُ وَصِيَّةٍ رَأيناها. أليسَ كذلك؟ فَلا يَجوزُ أنْ نَنْحَتَ لَهُ صَنَمًا. وَلا يَجوزُ لَنا أنْ نُشَبِّهَهُ بأيِّ شَكلٍ. فَينبغي أنْ نَنظُرَ إليهِ بِوَصْفِهِ رُوْحًا. والآن، قَد تَقول: "حسنًا يا جون! وَماذا عَنِ الهَيكَل؟ وَماذا عَن قُدْسِ الأقداسِ حيثُ كَانَ مَجْدُ اللهِ يَسْكُنُ بينَ أجنحةِ الكَروبيم؟ أَلاَ يَعني ذلكَ أنَّ اللهَ يَسكُنُ في الهَيكلِ، وَأنَّ اللهَ يَسكُنُ في خَيمةِ الاجتماع؟ ألَم يَكُن ذلكَ يُسَمَّى: ’بَيت الرَّبّ‘؟" هَذا صَحيحٌ بطريقةٍ فَريدةٍ جدًّا. فقد كَانَ اللهُ حَاضِرًا هُناكَ. هَذا صَحيح؛ ولكِن ليسَ بالمَعنَى الحَصرِيِّ.

فَقد كانَ مَوجودًا في كُلِّ مَكانٍ عَدا عَن كَونِهِ مَوجودًا هُناك؛ ولكِنَّهُ كَانَ حَاضِرًا هُناكَ بطريقةٍ فَريدة. وسوفَ أُبَيِّنُ لَكُم السَّبب. فالهَيكلُ، وَخَيمةُ الاجتماعِ، والقُدْسُ، وَقُدْسُ الأقداسِ، وَكُلُّ هَذهِ الأشياءِ هِيَ رُموز. والنِّظامُ الطَّقسِيُّ بِمُجمَلِهِ رَمْزِيٌّ. فَقد كَانَ رَمْزًا يُشيرُ إلى حَقيقةٍ أعظَم. وَقد كانَ ذلكَ النِّظامُ مَوجودًا لكي يَفهمَ النَّاسُ اللهَ مِن خِلالِ الرَّمْز. فَهُوَ لم يَكُن غَايَةً في ذاتِهِ، بَل كانَ بِدايَةَ ذلكَ الفَهم.

فَمَثلاً، نَحنُ نَتقدَّمُ إلى مَائدةِ الرَّبِّ ونَقولُ إنَّ الرَّبَّ حَاضِرٌ مَعَ شَعبِهِ على مَائِدَتِه. وَنحنُ نَقولُ إنَّهُ عِندما نَتناوَلُ الكَأسَ فإنَّهُ دَمُ المَسيحِ الَّذي نَشتَرِكُ فيه. وعِندما نَتناولُ الخُبزَ فإنَّهُ جَسَدُ المَسيحِ الَّذي نَشتَرِكُ فيه. وَلا نُجانِبُ الصَّوابَ إنْ قُلنا إنَّ تِلكَ الرُّموزَ هِيَ عَناصِرُ تَجذِبُنا إلى العِبادَة. ولكِنَّ الغايَةَ مِنها هِيَ ليسَت أن تَكونَ هَدَفَ العِبادَةِ وَغايَتَها، بَلْ أنْ تَكونَ حَافِزًا على حَياةِ العِبادَة. لِذا، يَجِبُ عَلينا أن نَنظُرَ إلى مَا وَراءِ الرَّمْزِ وَنَرى حَقيقةَ اللهِ الحَيِّ.

ورُبَّما نَستطيعُ أن نُوَضِّحَ ذلكَ جَيِّدًا مِن خِلالِ مَا جاءَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ السَّابع. فَقد كانَ استفانُوس يَعِظُ عِظَةً رائعةً هُنا استَعرَضَ فيها جُزءًا كَبيرًا مِن تَاريخِ شَعبِ الله. وَهُوَ يَتحدَّثُ في العَدد 46 عَنِ البَيتِ الَّذي بُنِيَ للرَّبِّ فيَقولُ في العَدد 47: "وَلكِنَّ سُلَيْمَانَ بَنَى لَهُ بَيْتًا". وَحَقيقةُ أنَّ سُليمانَ بَنَى للرَّبِّ هَيكلاً عَظيمًا لا تَعني أنَّ اللهَ كَانَ مَحصورًا في ذلكَ الهَيكلِ كَما نَكونُ نَحنُ مَحصورينَ في بَيت.

فَالعَدد 48 يَقولُ إنَّهُ على الرَّغمِ مِن وُجودِ هَيكلٍ، وَعلى الرَّغمِ مِن أنَّهُ كَانَ رَائِعًا وجَميلاً، فإنَّ "الْعَلِيَّ لاَ يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَاتِ الأَيَادِي". والحَقيقةُ هِيَ أنَّ النَّبِيَّ قَالَ في العَدد 49: "السَّمَاءُ كُرْسِيٌّ لِي، وَالأَرْضُ مَوْطِئٌ لِقَدَمَيَّ. أَيَّ بَيْتٍ تَبْنُونَ لِي؟" أينَ يُمكِنُكم أن تَبْنُوا مَكانًا لِمِثلِ هَذا الإلَهِ كَي يَجلِسَ فيهِ ويَستريح؟ فَهُوَ كَبيرٌ جدًّا وَعَظيمٌ جدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُحْصَرَ في أيِّ بَيت. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ صَنَعَ كُلَّ شَيءٍ وَأنَّهُ يَملأُ كُلَّ شَيء.

واليَهوديُّ الجَاهِلُ هُوَ الشَّخصُ الوَحيدُ الَّذي كَانَ يَرى أنَّ اللهَ مَحصورٌ في الهَيكل. أمَّا اليَهوديُّ العَاقِلُ فَكانَ يَعرِفُ أنَّ الهَيكلَ كَانَ مُجَرَّدَ رَمْزٍ في وَسْطِ الشَّعبِ لِتَذكيرِهم بالحُضورِ الأبديِّ للهِ السَّرمَدِيِّ المَوجودِ في كُلِّ مَكان. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُم كانُوا يَعرِفونَ ذلكَ مُنذُ البِدايَة. أليسَ كذلك؟ فَنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ التَّثنيةِ والأصحاحِ السَّادِسِ أنَّهُ تَمَّ إطلاعُهُم على ذلكَ الحَقِّ الجَوهريِّ في كُلِّ دِيانَتِهم: "الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ". ثُمَّ إنَّ اللهَ قَالَ لَهُم: "تَكَلَّمُوا بِهذا الحَقِّ حِينَ تَجلِسونَ، وتَقومونَ، وتَنامُونَ، وتَمشُونَ في الطَّريق". بِعبارةٍ أخرى، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ المَكانِ الَّذي تُوجَدونَ فيهِ، وَبِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا تَفعلونَهُ، يَنبغي أن تَكونوا وَاعِينَ وَمُدركينَ لِحُضورِ اللهِ السَّرمديِّ الحَيِّ الوَاحِدِ القُدُّوس.

وَقد كانَ الهَيكَلُ وَسيلةَ تَذكير. وَكانَ نِظامُ الذَّبائِحِ أوِ النِّظامُ الطَّقسيُّ مُجَرَّدَ وَاخِزٍ للضَّميرِ لكي يَحْفِزَهُم على تَوجيهِ قُلوبِهم إلى اللهِ الحَيِّ الحَقيقيِّ، وَحَتَّى يُساعِدُهم ذلكَ الرَّمزُ على إدراكِ حَقيقةِ تَكريسِ حَياتِهِم لِعِبادَةِ الله. ولكِنَّ ذلكَ النِّظامَ لم يكُن يَومًا غَايَةً في ذاتِهِ، بَل كَانَ وَسيلةً وَحَسْب.

وَفي الأصحاحِ السَّابِع عَشَر مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، عِندَما كانَ بُولُسُ يَتحدَّثُ إلى الفَلاسِفَةِ في أثينا، قَالَ في العَدد 24: "الإِلهُ الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، هذَا، إِذْ هُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لاَ يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأَيَادِي، وَلاَ يُخْدَمُ بِأَيَادِي النَّاس". بِعبارةٍ أخرى، لا يُمكِنُكم أن تَحصُروه، ولا يُمكِنُكم أن تُقَيِّدوه. فَهُوَ اللهُ الرُّوح. وَهُوَ اللهُ المَوجودٌ طَوالَ الدَّهرِ، وفي كُلِّ مَكانٍ، ومِنَ الأزلِ إلى الأبَد. لِذا، يَنبغي أن يُعبَدَ في كُلِّ الأزمِنَةِ وكُلِّ الأمكِنَةِ مِن قِبَلِ كُلِّ النَّاس.

وَكانَ الأشورِيُّونَ يَدْعُونَ إلَهَ بَني إسرائيلَ: "إلَهَ الجِبال". وَهَذا يَعكِسُ نَظرَتَهُم الوَثنيَّة لأنَّ آلِهَتَهُم كَانَت آلِهَةَ الأودِيَة. فَقد كانُوا يَبْنُونَ أماكِنَ خَاصَّةً لآلِهَتِهم في الأودِيَةِ ويَشعُرونَ بأنَّ آلِهَتَهُم مَحصورةٌ في تلكَ الأماكِن. لِذا فقد كانَت آلِهَتُهُم هِيَ آلِهَة الأودِيَة، وكانَ إلَهُ بَني إسرائيلَ [في نَظَرِهم] هُوَ إلَه الجِبال. ولكِنَّ ذلكَ يَعكِسُ نَظرةً وَثنيَّة. ورُبَّما كَانَ السَّامِرِيُّونَ مُشَوَّشينَ قَليلاً بِخُصوصِ ذلك لأنَّهُم حَصَرُوا عِبادَتَهُم في جَبَلِ جِرِزِّيم ظَنًّا مِنهُم أنَّ اللهَ مَوجودٌ هُناك. ولكِنَّ اللهَ رُوحٌ، وَهُوَ يُريدُ مِنَّا دَائِمًا أن نَعبُدَهُ بِمِلْءِ حُضورِهِ الرُّوحيّ.

وَفي سِفْرِ إرْميا والأصحاحِ السَّابعِ، عِندَما يَتحدَّثُ إرْميا عَن ذلكَ الشَّعبِ الخَاطِئِ، فإنَّ اللهَ يُعطيهِ رِسالةً إذْ نَقرأُ في العَدد 7: 21: "هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: ضُمُّوا مُحْرَقَاتِكُمْ إِلَى ذَبَائِحِكُمْ وَكُلُوا لَحْمًا. لأَنِّي لَمْ أُكَلِّمْ آبَاءَكُمْ وَلاَ أَوْصَيْتُهُمْ يَوْمَ أَخْرَجْتُهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ جِهَةِ مُحْرَقَةٍ وَذَبِيحَةٍ". بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يَقولُ: "لا تَفعَلُوا ذلك. فَأنا لم أطلُب ذلك، بَلْ إنَّ ذلكَ كَانَ مُجَرَّدَ رَمْزٍ للحَقيقة". "بَلْ إِنَّمَا أَوْصَيْتُهُمْ بِهذَا الأَمْرِ قَائِلاً: اسْمَعُوا صَوْتِي فَأَكُونَ لَكُمْ إِلهًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي شَعْبًا، وَسِيرُوا فِي كُلِّ الطَّرِيقِ الَّذِي أُوصِيكُمْ بِهِ لِيُحْسَنَ إِلَيْكُمْ". فاللهُ يَقولُ: "أنا لم أطلُب تِلكَ الذَّبائِح لِشَيءٍ فيها، بَل إنَّها كَانَتْ رَمْزًا وَحَسْب لكي تَتَذَكَّرُوا حُضوري. فَقد كانَت تَذْكارًا مَنظُورًا".

ولكِن في العَهدِ الجَديدِ، في المَرحلةِ النَّاضجةِ للعَهدِ الجَديدِ، تَمَّ التَّخلِّي حَتَّى عن تلكَ الرُّموز. وَنَجِدُ في إنجيل يُوحَنَّا 4: 21 أنَّ الرَّبَّ يَسوعَ المَسيحَ يَقولُ شَيئًا مُهِمًّا جدًّا. فَهُوَ يَقول: "يَا امْرَأَةُ، صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ". فَفي العهدِ الجديدِ انْتَهَتِ الرُّموزُ الطَّقسيَّة، وانْتَهى رَمْزُ الهَيكَل، وانتَهى ذلكَ الاقترانُ المَادِّيُّ. وَقد صَارَ الهَيكَلُ الجَديدُ هُوَ المُؤمِنُ الَّذي يَسكُنُ رُوحُ اللهِ الحَيِّ فيه. وَصارَ رُوحُ اللهِ هُوَ المُحَرِّضُ على العِبادَةِ الحَقيقيَّة. فَلَم يَعُد هُناكَ رَمْزٌ خَارِجِيٌّ، بَلْ وَاقِعٌ دَاخِلِيٌّ.

ونَحنُ في العهدِ الجديدِ يَسْكُنُ فينا رُوحُ الله. ولأنَّنا نُشَكِّلُ مَعًا الهَيكلَ الحَيَّ الَّذي يَسكُنُ فيهِ رُوحُ اللهِ، فإنَّنا نَجِدُ دَاخِليًّا الحَافِزَ على العِبادَةِ الحَقيقيَّةِ الَّتي كَانُوا يَجِدونَها خَارِجِيًّا عندما كانُوا يَجْتَمِعونَ حَولَ خَيمةِ الاجتماع. لِذا، يَنبغي أن يُعبَدَ اللهُ بِصِفَتِهِ رُوحًا حَيًّا: في أيِّ مَكانٍ، وكُلِّ مَكانٍ، وَفي كُلِّ الأزمِنَةِ وكُلِّ الأوقاتِ مِن قِبَلِ كُلِّ النَّاس.

لِذا، عندما نَقولُ إنَّ السِّمَةَ الرَّئيسيَّةَ للحَياةِ المَسيحيَّةِ هِيَ حَياةُ العِبادَةِ فإنَّ هَذا هُوَ تَحديدًا مَا نَعنيه. فالعِبادَةُ هِيَ الشَّيءُ الرَّئيسيُّ. "نَحنُ الَّذينَ نَعبُدُ اللهَ... [كَما يَقولُ بُولُس]... " وَنَفْتَخِرُ فِي الْمَسِيحِ...، وَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى الْجَسَد". فَنحنُ العَابِدونَ الحَقيقيُّون.

والآن، إنْ أرَدنا أنْ نَعبُدَ اللهَ بِصِفَتِهِ رُوْحًا... وَأنا أُريدُ أن أُرَكِّزَ على هَذهِ النُّقطةِ مِن جَانِبٍ آخر... إنْ أردنا أن نَعبُد اللهَ بِصِفَتِهِ رُوْحًا، يَنبغي لَنا أن نُعَرِّفَ طَبيعَتَهُ في البِداية. فيُمكِنُنا أن نَقولَ: "أنا أعبدُ اللهَ، وَأعتقدُ أنَّ اللهَ... أعتقدُ أنَّ اللهَ كَائِنٌ لَطيفٌ يَسكُنُ في الأعالي، وَأنَّهُ يُشبِهُ كَذا أو كَذا". وَقد يَقولُ شَخصٌ آخر: "لا، بَلْ أعتقدُ أنَّهُ يُشبِهُ فَيلسوفًا حَكيمًا". وَقد يَقولُ شَخصٌ آخر: "لا، بَل أعتقدُ أنَّهُ إلَهٌ كَذا وَكَذا". ويُمكِنُكُم جَميعًا أن تَرْسُموهُ بأيِّ شَكلٍ تَرغَبونَ بِه.

لِذا، مِنَ المُهِمِّ أن نَعبُدَ اللهَ الَّذي هُوَ رُوْحٌ كَما هُوَ مُعْلَنٌ في الكتابِ المقدَّس. وأعتقدُ أنَّهُ يُمكِنُنا أن نُلَخِّصَ ذلكَ في كلمةٍ واحِدَة... في كلمةٍ واحِدَة. وأعتقدُ أنَّ الكلمةَ الَّتي تُلَخِّصُ طَبيعةَ اللهِ هِيَ أنَّهُ "قُدُّوس". فَهُوَ قُدُّوس. ويَنبغي أن يُعْبَدَ اللهُ بِوَصْفِهِ قُدُّوسًا. فهذهِ هِيَ طَبيعَتُهُ الفَريدَة. وَهَذا هُوَ مَا يَجعلُهُ مُختلِفًا عَنِ البَشَر. فَهُوَ قُدُّوسٌ، وَبلا عُيوبٍ، وبِلا أخطاء، وبِلا خَطِيَّة، وبِلا أغلاطٍ. وَهُوَ بَارٌّ تَمامًا وقُدُّوسٌ تَمامًا.

ويا أحبَّائي، اسمَحُوا لي أن أقولَ لَكُم وَحَسْب إنَّ هَذا هُوَ المَفهوم الرَّئيسيّ للعِبادَةِ الحَقيقيَّة: أنَّ اللهَ قُدُّوس. وَهُناكَ، في اعتقادي، الكَثيرُ مِنَ الجُهدِ النَّابِعِ مِن نَوايا حَسَنة، والكَثيرُ مِنَ العِبادَةِ الَّتي تَجري دُونَ أن تَنظُرَ إلى اللهِ بأنَّهُ قُدُّوس. لِذا فإنَّها غَيرُ صَحيحَة. وَهُناكَ الكَثيرُ مِنَ التَّرانيمِ الَّتي تُرَنَّم، والكَثيرُ مِنَ المَشاعِرِ الطَّيِّبَةِ الَّتي يَشعُرُ بها النَّاسُ، والكَثيرُ مِنَ الأفكارِ الطَّيِّبةِ الَّتي يَفْتَكِرونَ بها، والكَثيرُ مِنَ العُواطِفِ الجَميلةِ الَّتي يُعَبِّرونَ عَنها؛ ولكِنَّها لا تَنظُرُ إلى اللهِ بِصِفَتِهِ إلَهًا قُدُّوسًا. لِذا فإنَّها مُجَرَّدُ عَواطِف تَجعَلُكُم تَشعُرونَ بأنَّكُم على مَا يُرام. ولكِن يَنبغي لَنا أن نَنظُرَ إلى اللهِ بِصِفَتِهِ إلَهًا قُدُّوسًا.

وَقَد يَكونُ أفضلُ تَلخيصٍ لذلكَ مِن وُجهَةِ نَظري هُوَ مَا جَاءَ في المَزمور 96. فَهُوَ وَاحِدٌ مِن أعظمِ المَزاميرِ الَّتي تَدعونا إلى العِبادَة. وَهُوَ، مِنْ أوجُهٍ عَديدة، مُشابِهٌ جدًّا لِما جَاءَ في سِفْرِ أخبارِ الأيَّامِ الأوَّل والأصحاح 16. ولكِنَّهُ يَقولُ إنَّهُ يَنبغي لَنا أن "نُرَنِّمَ للرَّبِّ"، وَإنَّهُ يَنبغي لَنا أن "نُبارِكَ اسْمَهُ"، وَإنَّهُ يَنبغي لَنا أن "نُبَشِّرَ مِنْ يَوْمٍ إلى يوم بِخَلاَصِهِ"، وَإنَّهُ يَنبغي لَنا أن "نُحَدِّثَ بَيْنَ الأُمَمِ بِمَجْدِهِ، بَيْنَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ بِعَجَائِبِهِ. لأَنَّ الرَّبَّ عَظِيمٌ وَحَمِيدٌ جِدًّا، مَهُوبٌ هُوَ عَلَى كُلِّ الآلِهَةِ... مَجْدٌ وَجَلاَلٌ قُدَّامَهُ. الْعِزُّ وَالْجَمَالُ فِي مَقْدِسِهِ." ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ السَّابع: "قَدِّمُوا لِلرَّبِّ مَجْدًا وَقُوَّةً. قَدِّمُوا لِلرَّبِّ مَجْدَ اسْمِهِ. هَاتُوا تَقْدِمَةً وَادْخُلُوا دِيَارَهُ". فَهُوَ كُلُّهُ عِبادَة.

ثُمَّ إنَّنا نَقرأُ الجُملةَ التَّاليةَ المُهِمَّةَ جدًّا في العَددِ التَّاسِع. وَهُوَ الآنَ يَصِفُ مَوقِفَنا أو نَظرَتَنا إلى العِبادَة: "اسْجُدُوا لِلرَّبِّ فِي زِينَةٍ [مَاذا؟] مُقَدَّسَة". ثُمَّ إنَّهُ يُتابِعُ قَائِلاً: "ارْتَعِدِي قُدَّامَهُ يَا كُلَّ الأَرْض". فَلا يُمكِنُكَ يَومًا أن تَفهَمَ القَداسَةَ بِمَعزِلٍ عَنِ الخَوفِ لأنَّكَ إذا نَظرتَ إلى اللهِ بأنَّهُ إلَهٌ قُدُّوسٌ تَمامًا، فإنَّ النَّتيجةَ سَتَكونُ أنَّكَ سَتَرى نَفسَكَ خَالِيًا تَمامًا مِنَ القَداسَة؛ وحينئذٍ سَتَشعُرُ بالخَوفِ لأنَّ اللهَ القُدُّوسَ يَسْتَحِقُّ رَدَّةَ فِعْلٍ مُقَدَّسَةٍ على الخَليقةِ غَيرِ المُقَدَّسَة. لِذا فإنَّ رُوحَ العِبادَةِ الحَقيقيَّةِ هُوَ شُعورٌ غَامِرٌ بِعَدمِ القَداسَةِ في حَضْرَةِ اللهِ القُدُّوس.

والآن، أريدُ أن أَرَسِّخَ هذا الأمرَ في أذهانِكُم مِن خِلالِ إرجاعِكُم إلى نَصٍّ تَعرِفونَهُ؛ ولكنِّي لا أستطيعُ أن أُعَلِّمَ هَذِهِ السِّلسِلَةَ دُونَ أن أتحدَّثَ عَن هذهِ النُّقطة. لِذا، انظُروا إلى سِفْرِ إشَعْياء والأصحاحِ السَّادِس. فَفكرةُ عِبادَةِ اللهِ بِقَداسَةٍ وَخَوفٍ هِيَ الشَّيءُ الَّذي نَسعَى إليه. فَهذا ليسَ شَيئًا يَخْتَصُّ فقط بالعَهدِ القَديم، بَل إنَّنا نَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 12: 28: اعبُدُوا اللهَ عِبادَةً مَرْضِيَّةً "بِخُشُوعٍ وَتَقْوَى لأَنَّ إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ". لِذا فإنَّ هذهِ الفِكرةَ مَوجودةٌ في العهدِ الجديدِ أيضًا.

ولكِن في سِفْرِ إشَعْياء والأصحاحِ السَّادِس، يَذهبُ إشَعْياءُ لِعبادةِ الرَّبِّ ويَدخُلُ إلى الهَيكَل. وَكانَ المَلِكُ "عُزِّيَّا" قَد مَاتَ بَعدَ أنْ مَلَكَ اثنتينِ وخَمسينَ سَنة. وَكانتِ السَّنةُ آنذاكَ هِيَ 740 قَبلَ الميلاد؛ أيْ قَبْلَ سَنواتٍ قَليلةٍ مِنْ سَبْيِ المَملكةِ الشَّماليَّةِ إدانَةً لَها على خَطيَّتِها. وَهُوَ يَرى هَلاكَ شَعبِهِ، ويَشعُرُ بالمُشكلةِ المَوجودةِ في أُمَّتِه، ويُسرِعُ إلى الدُّخولِ إلى حَضرةِ اللهِ للعِبادَة.

وَهُوَ يَرى اللهَ في رُؤيا في العَددِ الأوَّلِ حيثُ إنَّهُ يَرى اللهَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَال وَمُرْتَفِعٍ، وَمُحاطًا بالسَّرافيم؛ وَهُمْ مَلائِكَةٌ يَحْرُسونَ قَداسَةَ الله. وَكانتِ السَّرافيمُ تَستخدِمُ جَناحَيْنِ للخِدمَة، وأربعةَ أجنِحَةٍ للعِبادَة. وَهَذا يُرينا أولويَّةَ العِبادَة. فَحَتَّى إنَّ السَّرافيمَ تَعبُدُ اللهَ. وَهُمْ يَصْرُخونَ ويَقولونَ: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْض".

وَنَجِدُ هُنا، مَرَّةً أخرى، أَهَمَّ تَعريفٍ لاختلافِ اللهِ وَتَفَرُّدِ اللهِ. فَهُوَ قُدُّوسٌ. إنَّهُ قُدُّوسٌ. وعندما ابتدأَ إشَعْياءُ يَعبُدُ اللهَ، رَأى قَداسَتَهُ. وَهَذِهِ هِيَ النَّظرةُ الصَّحيحةُ: أنَّ قَداسَةَ اللهِ تَجعَلُهُ يَنظُرُ نَظرةً مُعَيَّنَةً إلى الخطيَّة.

وَماذا كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِ إشَعْياء؟ نَقرأُ في العَددِ الخَامِس: "فَقُلْتُ: وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ". لَقَدْ هَلَكْتُ وفَنَيْتُ. والكَلمةُ "وَيْلٌ" تَعني: "اللَّعنَة"... "اللَّعنَةُ عَلَيَّ". فَقَد صُدِمَ مِن خَطيئَتِه. وَهُوَ يَقولُ: "لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ، وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْنِ". فَكُلُّ مَا يَراهُ هُوَ خَطيَّتُه. وَهُوَ أفضَلُ مِنهُم جَميعًا، ولكِنَّهُ لا يَستطيعُ أن يَرى أيَّ صَلاحٍ في نَفسِهِ قُدَّامَ الله. والسَّببُ في تلكَ الصَّدمَةِ القَويَّةِ مَذكورٌ في نِهايةِ العَددِ الخَامِس: "لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا الْمَلِكَ رَبَّ الْجُنُود".

والآن، قَد لا تَرَوْنَ رُؤيا كَهذه، وَقد لا أَرَى أنا رُؤيا كَهذهِ أيضًا؛ ولكِن على الرَّغِمِ مِن ذلكَ فإنَّ الدَّرسَ حَقيقيٌّ حَتَّى إنَّهُ عندما نَدخُلُ إلى حَضرةِ اللهِ، إنْ كُنَّا نَرى اللهَ حَقًّا، فإنَّنا سَنراهُ بِصِفَتِهِ "قُدُّوسًا، قُدُّوسًا، قُدُّوسًا". لِذا، لا بُدَّ أنْ نَشعُرَ بِعَدَمِ قَداسَتِنا المُريعَة.

إنْ لم تَكُنْ تَعْبُدُ اللهَ بِروحٍ مَكسورٍ وَمُنْسَحِقٍ فإنَّكَ لم تَعْبُدِ اللهَ يَومًا لأنَّ هَذا هُوَ المَوقِفُ الصَّحيحُ للدُّخولِ إلى حَضرةِ اللهِ القُدُّوس. فَالقَداسَةُ تُنشِئُ خَوفًا. فَقد خَافَ إشَعْياء. لِماذا خَافَ؟ لأنَّهُ عَلِمَ أنَّ اللهَ القُدُّوسَ يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في إدانَةِ خَاطِئٍ غَيرِ قِدِّيس. ولأنَّهُ عَلِمَ أنَّ اللهَ يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في الحُكْمِ عَليه، وَأنَّ اللهَ يَملِكُ كُلَّ الحَقِّ في سَلْبِهِ حَياتَهُ حَالاً.

وَأخشى أنَّني أشعُرُ بالقَلقِ في قَلبي لأنَّ هُناكَ الكَثيرَ مِنَ الوَقاحَةِ في الدُّخولِ إلى حَضرةِ اللهِ في مُجتمعِنا اليوم حَتَّى إنَّ اللهَ صَارَ عَاديًّا جدًّا في أذهانِنا. فَقد صَارَ اللهُ بَشريًّا جدًّا، وَصَديقًا لَنا حَتَّى إنَّنا لم نَعُد نَفْهَمُ الفِكرةَ الكَامِلَةَ مِن قَداسَةِ اللهِ الفَائِقَةِ؛ أيْ أنَّهُ نَارٌ آكِلَةٌ، وَأنَّهُ يَسْخَطُ سُخْطًا مُقَدَّسًا على الخَطِيَّة. وَإنْ كُنَّا نَدخُلُ بِوقاحَةٍ إلى حَضرَتِهِ بِحياةٍ لا تَنوي التَّوبةَ، ولا الاعترافَ، ولا التَّطهيرَ بِرُوحِهِ، فإنَّنا مُعَرَّضونَ لذلكَ السُّخْطِ المُقَدَّس. ولكِنَّ نِعْمَتَهُ هِيَ الَّتي تَسْمَحُ لَنا بأنْ نَأخُذَ نَفَسًا آخرَ. أليسَ كذلك؟ لأنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في أنْ يَأخُذَ حَياتَنا مِنَّا لأنَّ أُجرةَ الخَطِيَّةِ هِيَ مَوت.

لِذا فَقد كانَتْ رَدَّةُ فِعْلِ إشَعْياءَ هِيَ رَدَّةُ الفِعلِ الوَحيدةِ الَّتي يُمْكِنُ أن تَصدُرَ عَن عَابِدٍ حَقيقيٍّ يَعبُدُ اللهَ عِبادَةً حَقيقيَّةً وَهِيَ: الاتِّضاعُ، والانكسارُ، والنَّدَم. فَهُوَ يَرى نَفسَهُ خَاطِئًا. وَفي وَسَطِ تَوبَتِهِ، وَفي وَسَطِ اعتِرافِهِ، جَاءَ المَلاكُ بِجَمرةٍ وَطَهَّرَهُ. ثُمَّ إنَّ اللهَ قَالَ لَهُ: "أنتَ الشَّخصُ الَّذي سَأُرسِلُهُ نِيابَةً عَنِّي". وَهُناكَ شَرِكَةٌ رَائِعَةٌ، وَهُناكَ رِفْقَةٌ رَائِعَةٌ. فَهُناكَ اتِّحادٌ رَائِعٌ بينَ اللهِ والعَابِدِ الحَقيقيِّ مِن خِلالِ الاعترافِ بالخطيَّةِ وتَطهيرِ شَفَتَيْه. لِذا، هَذا هُوَ حَقًّا رُوحُ العِبادَةِ الحَقيقيَّة. فَأنتَ تَرى قَداسَةَ اللهِ فَتُدركُ فَظاعَةَ عَدَمِ قَداسَتِك.

والآن، انظُروا مَعي قليلاً إلى نَصٍّ كِتابِيٍّ أعتقدُ أنَّهُ ضَاعَ في خِضَمِّ الزِّحَامِ وَهُوَ: الرِّسالةُ الثَّانيةُ إلى تِيموثاوس 2: 22. فَبولسُ يَكتُبُ إلى تِيموثاوُس ويُوصيهِ بِلا أَدنى شَكٍّ بأن يَكونَ رَجُلاً تَقِيًّا، وَخَادِمًا أمينًا للرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. وَهُوَ يُخبِرُهُ بِكُلِّ الأشياءِ الضَّروريَّةِ الَّتي تَجعَلُ حَياتَهُ نَافِعَةً، ويَقولُ لَهُ أن يَكونَ "إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ، مُقَدَّسًا، نَافِعًا لِلسَّيِّدِ، مُسْتَعَدًّا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ" (في رِسالَتِهِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوس 2: 21).

ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ لَهُ في رِسالَتِهِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوس 2: 22: "أَمَّا الشَّهَوَاتُ الشَّبَابِيَّةُ فَاهْرُبْ مِنْهَا، وَاتْبَعِ الْبِرَّ وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالسَّلاَمَ..." ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ العِبارَةَ التَّالية: "...مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الرَّبَّ مِنْ قَلْبٍ نَقِيٍّ". وَهذهِ نَظرةٌ مُدهشةٌ إلى العِبادةِ الحَقيقيَّة. فالعِبادَةُ هِيَ دَعْوَةٌ مُوَجَّهَةٌ إلى الرَّبِّ مِن قَلبٍ نَقِيٍّ. وَهَذا لا يَعني أنَّ قُلوبنَا نَقِيَّةً مِن تِلقاءِ نَفسِها، أو بِسَبَبِنا نَحنُ، بَل إنَّ قُلوبَنا تَصيرُ طَاهِرَةً مِن خِلالِ الاعترافِ والتَّوبةِ الَّتي اختَبَرَها إشَعْياءُ عِندَما وَقَفَ أمامَ اللهِ القُدُّوس.

لِذا فإنَّ العَابِدَ الحَقيقيَّ يُدرِكُ بِصُورةٍ رَئيسيَّةٍ عَدَمَ قَداسَتِه. وَيُمكِنُكم أن تَتَصَفَّحُوا العهدَ القديمَ كَما فَعلنا سَابِقًا عندما دَرَسْنا إنجيلَ مَتَّى. وسَوفَ أُنعِشُ ذَاكِرَتَكُم قَليلاً. فعندما كانَ شَعبُ اللهِ يَقِفُ أمامَ اللهِ، كانَتْ هُناكَ رَدَّةُ فِعْلٍ تَتَمَثَّلُ في الخَوف. فَقد كَانُوا يَشعُرونَ بالخَوف، وَكانُوا يَرتَعِبون، وَكانُوا يَشعُرونَ أنَّ حَياتَهُم في خَطَرٍ لأنَّهُم كانُوا يَعلمونَ أنَّهُم خُطاةٌ في حَضرةِ اللهِ القُدُّوس.

وأيُّوبُ الَّذي ظَنَّ أنَّهُ يَعرِفُ اللهَ، والَّذي رُبَّما ظَنَّ أنَّهُ كَانَ يَعبُدُ الله بالطَّريقةِ الَّتي يُريدُ اللهُ أنْ يَعبُدَهُ فيها، عندما اختَبَرَ تلكَ المِحَنِ الرَّهيبةِ وَوَصَلَ إلى نِهايَتِها وَرأى اللهَ حَقًّا بِوصفِهِ اللهَ القُدُّوسَ صَاحِبَ السِّيادَةِ على الكَونِ، قَال: "وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي. لِذلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَاد". وَهُوَ أيضًا صُدِمَ مِن خَطيئَتِه. وَقَدْ قَالَ مَنُوحُ وَالِدُ شَمشون في سِفْرِ القُضاةِ 13: 22: "نَمُوتُ مَوْتًا" لأنَّهُ رَأى قَداسَةَ الله.

وَهُناكَ حَبَقُّوقُ الَّذي عندما أدركَ حقًّا أنَّهُ مَاثِلٌ في حَضْرَةِ اللهِ ابتدأَ في الارتعاشِ حَتَّى إنَّ رُكْبَتَيْهِ رَاحَتَا تَصْطَكَّانِ الواحِدَة بالأخرى. وَهُناكَ البَقِيَّةُ الَّتي عَادَتْ إلى الأرضِ بعدَ السَّبيِ حيثُ إنَّهُ عندما سَمِعُوا كَلامَ اللهِ القُدُّوسِ عَلى لِسانِ النَّبيِّ حَجَّي، شَعَروا بالرَّهبةِ في قُلوبِهم.

انظُروا مَعي إلى مَثَلٍ إيضاحِيٍّ آخر في الأصحاحِ التَّاسِعِ مَع سِفْر عَزْرا. فَقد وَقَفَ عَزْرا قُدَّامَ الرَّبِّ. ويُمكِنُكم أن تَرَوْا رُوْحَ قَلبِهِ المَكسورِ والمُنسَحِقِ الَّذي هُوَ رُوحُ العَابِدِ الحَقيقيِّ. ونَقرأُ في العَددِ الخَامِس: "وَعِنْدَ تَقْدِمَةِ الْمَسَاءِ..."؛ أيْ أنَّهُ كَانَ وَقتَ عِبادَة. فَهُوَ وَقتٌ رَسْمِيٌّ للعِبادَة. وَعِنْدَ تَقْدِمَةِ الْمَسَاءِ، قَامَ [كَما يَقولُ] مِنْ تَذَلُّلِهِ، وَمَزَّقَ ثِيَابَهُ، وَمَزَّقَ رِدَاءَهُ، وَجَثَا على رُكْبَتَيْهِ، وَبَسَطَ يَدَيْهِ إِلَى الرَّبِّ.

إذًا، نَرى هُنا رَجُلاً مِن رِجالِ اللهِ يَعْبُدُ اللهَ. فَهُوَ يَجثو، ويُمَزِّقُ ثِيابَهُ، ويَشْعُرُ بالثِّقْل. وَهَذا هُوَ مَوقِفُهُ في عِبادَتِه: "وَقُلْتُ: «اللّهُمَّ، إِنِّي أَخْجَلُ وَأَخْزَى مِنْ أَنْ أَرْفَعَ يَا إِلهِي وَجْهِي نَحْوَكَ". أَلاَ يُذَكِّرُنا ذلكَ بالعَشَّارِ الَّذي قَرَعَ عَلى صَدرِهِ وَلم يَشَأ أنْ يَرفَعَ عَينيهِ إلى السَّماء؟ "لأَنَّ ذُنُوبَنَا قَدْ كَثُرَتْ فَوْقَ رُؤُوسِنَا، وَآثَامَنَا تَعَاظَمَتْ إِلَى السَّمَاء". نَحنُ نَعلَمُ أنَّ ذُنوبَنا تَصِلُ إليكَ. ونَحنُ نَعلمُ أنَّكَ تَعلَمُ أنَّنا خُطاة.

ثُمَّ إنَّهُ يَمْضي في وَصْفِ الخَطيَّة. ثُمَّ إنَّهُ يَتحدَّثُ عَن نِعمةِ الله. وَهُوَ يَقولُ في العَددِ الثَّامن: "وَالآنَ كَلُحَيْظَةٍ كَانَتْ رَأْفَةٌ مِنْ لَدُنِ الرَّبِّ إِلهِنَا لِيُبْقِيَ لَنَا نَجَاةً وَيُعْطِيَنَا وَتَدًا". فَقد وَهَبْتَنا حَياةً. وَقَد وَهَبْتَنا مَكانًا نَنْصِبُ فيهِ خَيمةً. وَقد سَمَحْتَ لَنا بالنَّجاةِ على الرَّغمِ مِن كُلِّ مَا فَعَلناه.

وَهُوَ يَقولُ في النِّهاية، في العَدد 15: "أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهَ إِسْرَائِيلَ، أَنْتَ بَارٌّ لأَنَّنَا بَقِينَا نَاجِينَ كَهذَا الْيَوْمِ. هَا نَحْنُ أَمَامَكَ فِي آثَامِنَا، لأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَقِفَ أَمَامَكَ مِنْ أَجْلِ هذَا". فَهُوَ يَشعُرُ بالانكسارِ بِسَببِ الخطيَّة. وَهُوَ يُصَلِّي في العَددِ الأوَّلِ مِنَ الأصحاحِ العَاشِرِ، ويَعتَرِفُ، ويَبكي، ويَسقُطُ أمامَ بَيتِ الله. وَقدِ اجتَمَعَ الشَّعبُ مِن حَولِهِ وَسَكَبُوا دُموعَ التَّوبة.

والآن، هَذا هُوَ قَلبُ العَابِدِ الحَقيقيِّ. فَهُوَ يَأتي إلى حَضرةِ اللهِ خَائِفًا. وَهُوَ يأتي إلى حَضرةِ اللهِ وَهُوَ يَعلَمُ أنَّ اللهَ يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في أَخْذِ حَياتِهِ. فَحَتَّى إنْ كُنتَ وَاحِدًا مِن أولادِهِ، وَحَتَّى إنْ كُنْتَ مَفديًّا بِدَمِ يَسوعَ المَسيح، هُناكَ شُعورٌ لَديكَ بأنَّ اللهَ يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في أن يُعاقِبَكَ على خَطاياك. وَهُوَ يَقولُ في العهدِ الجديدِ لِخَاصَّتِهِ إنَّهُ يُؤدِّبُ كُلَّ ابْنٍ وَيَجلِدُهُ.

عِندَما مَشَى رَبُّنا على الأرضِ كانَ النَّاسُ يَخافونَ مِنه. وَأنا أُفَكِّرُ دائِمًا في التَّلاميذِ الَّذينَ ارتَعَبُوا عندما عَلِمُوا أنَّهُ اللهُ في سَفينَتِهم. فَكما تَعلَمونَ، فإنَّهُ هَدَّأَ العَاصِفَةَ في إنجيل مَرقُس والأصحاحِ الرَّابعِ، ثُمَّ نَقرأُ: "فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا". فَوُجودُ اللهِ دَاخِل قَارِبِكَ أسوأُ بِكَثير مِن وُجودِ عَاصِفَةٍ خَارِج قَارِبِكَ لأنَّكَ سَتُضطَرُّ إلى مُواجَهَةِ قَداسَةِ اللهِ الظَّاهِرَةِ مِن خِلالِ القُوَّةِ الَّتي يُظهِرُها. وَقد قَالوا: "مَنْ هُوَ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضًا وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!"

وعندما أرسَلَ يَسوعُ الشَّياطينَ إلى قَطيعِ الخَنازيرِ، اندَفَعَتِ الخَنازيرُ إلى البَحرِ وَغَرِقَت. فَابْتَدَأ النَّاسُ يَطْلُبُونَ إِلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ تُخُومِهِم. فَقد أَرعَبَهُم. وَقَد أَفْزَعَهُم. فَقد خَافُوا.

وعندما كَانَ بُطرُسُ [في إنجيل لُوقا والأصحاحِ الخامِسِ] يَصيدُ السَّمَكَ ولم يَتَمَكَّن مِن صَيْدِ أيِّ شَيءٍ قَالَ لَهُ الرَّبُّ: "ابْعُدْ إِلَى الْعُمْقِ وَأَلْقُوا شِبَاكَكُمْ لِلصَّيْدِ". وَقَدْ فَعَلَ بُطرسُ ذلكَ فَوَجَدَ أنَّ الأسماكَ مَوجودةٌ هُناك. حِينئذٍ، نَظرَ بُطرسُ إلى الرَّبِّ وَقال: اخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي [اخْرُجْ وَحَسْب] لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ!" فَكُلُّ مَا استَطاعَ أن يَراهُ هُوَ خَطيئَتَهُ الشَّخصيَّة عندما أدركَ حَقيقةَ اللهِ القُدُّوس.

فَقد كانَ يَسوعُ يَترُكُ ذلكَ التَّأثيرَ في النَّاس. فَقد كانَ يُرعِبُ النَّاسَ، وكانَ يُخيفُ النَّاس. وأعتقدُ أنَّ الفَرِّيسيِّينَ كانُوا خَائِفينَ جدًّا مِنهُ حَتَّى إنَّهُم قَتَلُوه. فَقد كَانُوا يَتَعَجَّبونَ [كَما يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ] مِن تَعليمِه. وَقد كانُوا يَتَعَجَّبونَ مِمَّا يَفْعَلُه. وَقدِ ارتَعَبُوا عندما رَأَوْا قُدرَتَهُ وَسَمِعُوا حِكمَتَهُ. فقد كانَ يَسوعُ يَصدِمُ النَّاسَ. وَكانَ يَجعلُهُم يُدركونَ أنَّ اللهَ في وَسْطِهم. وَقد كانُوا يَتواجَهونَ حَالاً بالشَّرِّ المَوجودِ في قُلوبِهم.

لِذا فإنَّ العِابِدَ الحَقيقيَّ يَأتي بهذا الفِكرِ، وبِهذا الرُّوح. فَسوفَ يَكونُ مُنكَسِرًا بسببِ خَطيئَتِه. وَهَذا هُوَ المَوقِفُ القَلبِيُّ الَّذي يَنبغي أن تَأتُوا بِهِ إلى اللهِ الَّذي هُوَ رُوْحُ أزَلِيٌّ، والَّذي هُوَ رُوحٌ حَاضِرٌ في كُلِّ مَكان. فَإنْ كُنتُ أريدُ أن أعيشَ حَياةَ عِبادَةٍ حَقيقيَّةٍ، يَنبغي أن تَكونَ حَياةَ انكِسار، وَأن تَكونَ حَياةَ نَدَم، وَأن تَكونَ حَياةً تَرى الخَطيَّةَ وتَعتَرِفُ بِها باستمرار. هذهِ هِيَ حَياةُ العِبادَة. فَلا يُمكِنُكَ أن تُخطِئَ وَتُخطِئَ وَتُخطِئَ ثُمَّ تَأتي إلى الكَنيسةِ يَومَ الأحدِ ظَنَّا مِنْكَ أنَّكَ تَستطيعُ أن تَعبُدَ الرَّبَّ.

لَقد تَحَدَّثتُ إلى رَجُلٍ في هذهِ الرِّحلةِ جَاءَ لِرؤيتي. وَقد قال: "أنا أستَمِعُ إلى عِظاتِكَ المُسَجَّلَة. فَقد جَمَعْتُها كُلُّها. أنا أدرُسُ مَعَكَ وأُحِبُّ ذلك. أنتَ مُعَلِّمي المُفَضَّل وَأودُّ أن تَكونَ صَديقي"، وَهَلُمَّ جَرَّا. وَقد تَحَدَّثنا مَعًا وَصَرَفْنا سَاعَتَيْنِ مَعَهُ – زَوجَتي "باتريشا" (Patricia) وَأنا.

وَقد قَال: "أتَعلَمُ شَيئًا؟ هُناكَ شَيءٌ في حَياتي خَاطِئٌ جدًّا". وَقد رَاحَ يَصِفُ شَيئًا رَهيبًا. وَقد قَال: "أنا أعيشُ في تِلكَ الخَطِيَّةِ طَوالَ الوقت". قُلتُ: "أَلاَ يُضايِقُكَ ذلك؟" قال: "بَلى، إنَّهُ يُضايِقُني؛ ولكِنْ ليسَ بالقَدرِ الكَافي الَّذي يَجعَلُني أترُك تلكَ الخطيَّة". ثُمَّ إنَّكَ تَدرُسُ كلمةَ اللهِ إلى جانِبِ مُمارَسَتِكَ للخطيَّةِ في الوقتِ نَفسِهِ، ورُبَّما تَظُنُّ أنَّكَ تَعبُدُ اللهَ. ولكِنَّكَ لا تَعبُدُهُ! قُلتُ: "لا يُمكِنُني أن أكونَ في شَرِكَةٍ مَعَكَ، ولا يُمكِنُني أن أكونَ صَديقَكَ. يَنبغي أن أفْرِزَ نَفسي". قال: "سَوفَ أَموتُ إنْ فَكَّرْتُ في أنَّكَ لَستَ صَديقي". قُلتُ: "لا يُمكنُني ذلك لأنَّ تلكَ الحَياةَ لا تُمَجِّدُ اللهَ".

فَلا يُمكِنُكَ أن تَفعلَ ذلك. فإن كانَ اللهُ رُوْحٌ وَمَوجودٌ في كُلِّ مَكانٍ في جَميعِ الأوقاتِ، يَنبغي أن يُعبَدَ بتلكَ الطَّريقة. وَإنْ كَانَ اللهُ قُدُّوسا بِصِفَتِهِ رُوْحًا، يَنبغي أن يُعبَدَ فِي زِينَةٍ مُقَدَّسَة. وَهَذا يَعني أنْ تَعيشَ حَياتَكَ وَأنْتَ تَشعُرُ بالخَوفِ لأنَّكَ تَعلمُ أنَّ اللهَ يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في تَأديبِكَ على عَدَمِ قَداسَتِكَ.

في الوَقتِ نَفسِه، لكي تُحافِظَ على التَّوازُن، يَنبغي لكَ أن تَعيشَ حَياةَ الشُّكر. أليسَ كذلك؟ لأنَّهُ لا يُعْطيكَ مَا تَسْتَحِقُّهُ. فَهُوَ لا يُعامِلْنا حَسَبَ خَطايانا. ولكِنْ حَتَّى هَذا الأمرَ قَد يُؤدِّي إلى مُشكلة. فكما رأينا في رِسالةِ رُومية، أَتَذكُرونَ عندما دَرَسْنا الأصحاحَ الثَّاني مِن رِسالةِ رُومية؟ حيثُ تَقول: "غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَة؟" ولكِنَّ مَا يَحدُثُ هُوَ أنَّنا اعتَدْنا على أن نُخطِئَ دُونَ أن نُعاقَب، وَأن نُخطِئَ وَنَنالَ الغُفرانَ؛ حَتَّى إنَّنا نَستَمِرُّ وَحَسْب في اقتِرافِ الخطيَّة. وكما تَرَوْنَ فإنَّ هَذا الشَّخصَ كَانَ مُعتادًا جدًّا على اقتِرافِ الخطيَّةِ دُونَ أن يَفعلَ اللهُ أيَّ شَيءٍ حَتَّى الآن. لِذا فقدِ استَمَرَّ في اقتِرافِها.

وَنَحنُ جَميعًا كَذلك. فَكما تَعلَمونَ، نَحنُ مُعتادونَ جدًّا على الرَّحمَة، ومُعتادونَ جدًّا على النِّعمَة، ومُعتادونَ جدًّا على أنْ يَغفِرَ اللهُ لَنا حَتَّى إنَّنا نَستَغِلُّ ذلكَ، ونُسيءُ استِخدامَ ذلك. واللهُ مُنْعِمٌ. فَكما تَعلَمونَ، إنْ أرادَ اللهُ القُدُّوسُ أن يُطَبِّقَ قَداسَتَهُ حقًّا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّ "أُجْرَةَ الخَطِيَّةِ هِيَ مَوْت". وَقد قَالَ لآدَم: "يَومَ تُخطِئُ تَموت". فَعندما نُخطِئُ في أيِّ وَقتٍ فإنَّنا نَسْتَحِقُّ المَوتَ. وَهَذا يَنْسَجِمُ مَعَ طَبيعَتِهِ المُقَدَّسَة. ولكِنَّ اللهَ رَحيمٌ جدًّا. فَكُلُّ خَطِيَّةٍ هِيَ جَريمَةٌ مِنَ الدَّرَجَةِ الأولى في الأصل. وَيَومَ تُخطِئُ فإنَّكَ تَموت. فَهُوَ لم يُحَدِّد تلكَ الخَطيَّة. فَأيَّةُ خَطِيَّةٍ تَسْتَوْجِبُ المَوتَ. وَهُوَ يَقولُ: "لَقد أعطيتُكَ تَحذيرًا واحِدًا: إنْ أخطأتَ فإنَّكَ تَموت. ولكِنَّنا نَعْلَمُ أنَّ اللهَ لم يُعاقِبْ بالمَوتِ آدَمَ وَحَوَّاء، بَلْ نَجَّاهُما بِالنِّعمَة.

وعندما تَأتونَ إلى العَهدِ المُوسَوِيِّ، كانت هُناكَ نَحوُ خَمسةٍ وثَلاثينَ خَطِيَّةٍ تَسْتَوْجِبُ المَوتَ؛ وَقَدْ تَمَّ تَوضيحُها لَهُم. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّ اللهَ أَظْهَرَ لَهُمْ كُلَّ نِعمَة. وَهُناكَ أوقاتٌ كَثيرةٌ كتلك. فَعلى سَبيلِ المِثالِ، انظُروا فقط إلى دَاوُد. فَقدِ اقتَرَفَ خَطايا تَسْتَوْجِبُ عُقوبةَ المَوتِ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّةِ تِلوَ المَرَّةِ تِلوَ المَرَّة؛ ولكِنَّ اللهَ كَانَ مُنْعِمًا جدًّا ورَحيمًا جدًّا حَتَّى إنَّهُ غَفَرَ لَهُ. صَحيحٌ أنَّهُ كَانَتْ هُناكَ عَواقِب؛ ولكِنَّهُ لم يَحْكُمْ عليهِ بالمَوت. فَقد كانَ اللهُ مُنْعِمًا.

لِذا فقد أَظْهَرَ اللهُ أنَّهُ مُنْعِمٌ. ولكِنَّ هَذا لا يَعني أنَّ اللهَ لا يُبالي بَخطيَّتِك. وَهَذا لا يَعني أنَّكَ تَستطيعُ أن تَقِفَ في حَضرةِ اللهِ إنْ كَانَت هُناكَ خَطِيَّة في حَياتِك. وَهَذا لا يَعني أنَّكَ تَستطيعُ أن تُسيءَ استِخدامَ تلكَ الرَّحمةِ لأنَّهُ قَدْ يَقومُ في يَومٍ مَا بِجَلْبِ الدَّينونَةِ عَليكَ. وَهُوَ مُحِقٌّ كُلَّ الحَقِّ في القِيامِ بذلك. وَهَذا يَصِحُّ عَلَيَّ أنا أيضًا. وكما تَرَوْنَ، فإنَّنا مُعْتادونَ جدًّا على الرَّحمةِ [كَما أَشَرْنا في دِراسَتِنا لرسالةِ رُومية]. فَنَحنُ مُعتادونَ جدًّا على الرَّحمةِ حَتَّى إنَّهُ عندما يُطبِّقُ اللهُ العَدالَةَ فإنَّنا نَظُنُّ أنَّهُ لَيسَ عَادِلاً.

فَقد يَموتُ شَخصٌ فنقول: "كَيفَ يَسمَحُ اللهُ بِحُدوثِ أمرٍ كَهذا؟" أو: "كَيفَ يَسمَحُ اللهُ بِحُدوثِ كُلِّ هذهِ المَشاكِل؟" اسمَعوني: كَيفَ لا يَسْمَحُ بِحُدوثِ هذهِ الأشياءِ مَعَ أنَّنا خُطاة؟ فَكما تَرَوْنَ، نَحنُ نَنظُرُ إلى الأمرِ نَظرةً عَكسيَّة. فالنَّاسُ يَنظرونَ إلى العهدِ القديمِ ويَقولون: "مَا هَذا الإلَهُ الَّذي يَتصرَّفُ هَكذا عندما قَالَ أربَعونَ وَلَدًا: "يَا أَقْرَعُ... يَا أَقْرَعُ" لأحدِ الأنبياءِ، فَلَعَنَهُمْ، فَخرجتْ دُبَّتانِ وَمَزَّقَتْهُمْ أَشْلاءً؟ مَا هَذا الإلَهُ الَّذي يَسْمَحُ بحدوثِ أمرٍ كهذا؟ وَما هَذا الإلَهُ الَّذي يَقتُلُ شَابَّانِ [أيْ: نَاداب وَأبيهو] في يَومِ رِسامَتِهِما للخِدمةِ لأنَّهُما شَرِبا كَميَّةً قَليلةً مِنَ الخَمْرِ وَقَرَّبَا أَمَامَ الرَّبِّ نَارًا غَرِيبَةً لَمْ يَأمُرْهُمَا بِهَا فَقَتَلَهُما؟"

"وَمَا هَذا الإلَهُ الَّذي يَقتُلُ رَجُلاً لأنَّهُ لَمَسَ تَابوتَ العَهدِ مَعَ أنَّهُ أرادَ أنْ يَحمي التَّابوتَ مِنَ السُّقوطِ عَنِ العَرَبة؟ وَمَا هَذا الإلَهُ الَّذي يَضْرِبُ رَجُلاً بالبَرَصِ ويَجعلُهُ ضَحِيَّةَ البَرَصِ مَعَ أنَّهُ كَانَ مَلِكًا أَمينًا طَوالَ اثنتينِ وخَمسينَ سَنة لِمُجَرَّدِ أنَّهُ شَعَرَ بالكِبرياءِ قَليلاً؟ لِماذا يَفعلُ اللهُ شَيئًا كَهذا؟ ولماذا يَفعلُ هَذا بِهذا الشَّخصُ وَليسَ بِذلكَ الشَّخص؟ ولماذا يُظْهِرُ اللهُ رَحْمَةً كَبيرةً جدًّا ثُمَّ يُؤدِّب؟ ولماذا مَاتَ حَنانِيَّا وسَفِّيرة؟ فَقد قَدَّما تَقْدِمَةً للرَّبِّ، ولكِنَّها لم تَكُن التَّقْدِمَةَ الَّتي قَالاَ إنَّهُما سَيُقَدِّمانِها. لماذا مَاتَا بسببِ ذلك؟"

إنَّهُ ليسَ السُّؤالُ الصَّحيح. فالسُّؤالُ الصَّحيحُ هُوَ: لماذا عندما فَعلتَ ذلك، وعِندَما وَعَدْتَ الرَّبَّ بِشَيءٍ ولم تَفِي بِوعدِكَ، لِماذا تَرَكَكَ تَعيش؟ هذا هُوَ السُّؤال. أَتَرَوْن؟ فالسُّؤالُ هُوَ ليسَ: لماذا أَماتَ شَخصًا زَنَى؟ بَلْ إنَّ السُّؤالَ هُوَ: عندما زَنَيْتَ أنتَ، لِماذا لم يَقْتُلُكَ اللهُ؟ فالمَسألةُ لا تَخْتَصُّ بِعَدَمِ عَدالَةِ اللهِ، بَلْ تَخْتَصُّ بِرَحْمَةِ الله. وأحيانًا، عندما يَفعلُ اللهُ شَيئًا عَادِلاً فإنَّهُ يَفعلُ ذلكَ لِيَكونَ ذلكَ الشَّيءُ عِبْرَةً لآخرين.

وكَما تَرَوْنَ، يَجِبُ عليكُم أن تَجِدُوا أمثلةً تَعليميَّةً في الطَّريق. وَهَذا هُوَ مَا تَقولُهُ الرِّسالةُ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاحِ العاشِر: "وَهذِهِ الأُمُورُ حَدَثَتْ مِثَالاً لَنَا". فعندما تَنظرونَ إلى الكتابِ المقدَّسِ وَتَرَوْنَ المَرَّاتِ الَّتي تَصَرَّفَ بِها اللهُ بطريقةٍ مُقَدَّسَةٍ تُجاهَ عَدمِ القَداسَة، فإنَّ السَّببَ في قِيامَهِ بذلكَ هُوَ أنَّهُ يُريدُ أن يُريكُم أنَّهُ سَيفعلُ ذلك. والسُّؤالُ هُوَ ليسَ: لماذا اللهُ ليسَ عَادِلاً؟ بَل إنَّ السُّؤالَ هُوَ: كَيفَ يُمْكِنُ للهِ أن يَكونَ رَحيمًا عِندَما نَتَعَدَّى عَلى قَداسَتِه؟ هَذهِ هِيَ المَسألةُ الجَوهريَّة.

فالنَّاسُ يَقولون: "ألَمْ يَكُن مَا حَدَثَ في كُورِنثوس مُريعًا؟ فَقد مَاتَ أُناسٌ لأنَّهُم تَقَدَّمُوا للاشتراكِ في مَائدةِ الرَّبِّ وَهُمْ خُطاة؟" هذهِ ليستِ النُّقطة الجَوهريَّة، بل إنَّ النُّقطةَ الجَوهريَّةَ هِيَ: كَيفَ يُعقَلُ أنَّنا مَا زِلنا أحياء مَعَ أنَّنا اشتَرَكْنا في مَائِدَتِهِ بتلكَ الطَّريقةِ مَرَّاتٍ كَثيرة جدًّا؟ إنَّها نِعْمَةُ اللهِ وَحَسْب. إنَّها نِعمَتُه. والنَّاسُ يَقولون: "كَيفَ حَوَّلَ امرأةَ لُوط إلى عَمودِ مِلْح؟" ولكِنَّ هذا ليسَ السُّؤالَ الصَّحيح، بَل إنَّ السُّؤالَ الصَّحيحَ هُوَ: لِماذا لا يُحَوِّلْنا إلى أعْمِدَةِ مِلْحٍ عندما نَتَصَرَّفُ بِطريقةٍ دُنْيَوِيَّةٍ كَما فَعَلَتْ هِيَ، وعندما نَشْتَهي الأشياءَ الجَسَدِيَّة؟ وَهُم يَقولونَ: "كَيفَ يُعقَلُ أنْ يَجْعَلَ اللهُ الأرضَ تَبْتَلِع قُوْرَح وَدَاثان وَأبيرام بِسَببِ عِصيانِهِم؟" لا، إنَّهُ ليسَ السُّؤالُ الصَّحيح، بَلْ: كَيفَ لا يَجعَلُ الأرضَ تَبْتَلِعَنا عِندَما نَعْصيه؟

وَكَما تَرَوْنَ، يَجِب عليكُم أن تَرَوْا الأشياءَ مِن زَاوِيَةِ قَداسَةِ الله. وَهذا أمرٌ مُهِمٌّ جدًّا. فاللهُ مُنْعِمٌ؛ ولكِنَّهُ قُدُّوسٌ. لِذا، لا تَنظُروا إلى نِعْمَتِهِ على أنَّها أَقَلُّ مِن قَداسَتِه.

وَكما تَرَوْنَ، فإنَّ مَا أُحاوِلُ أن أقولَهُ هُوَ أنَّهُ يَنبغي لَنا أن نَعبُدَ اللهَ عِبادَةً مَرْضِيَّةً "بِخُشُوعٍ وَتَقْوَى لأَنَّ إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ". ويَجِبُ عليكم أن تَعبُدوا اللهَ فِي زِينَةٍ مُقَدَّسَة. ويجبُ عليكم أن تَفهَموا أنَّهُ رُوْح. فَهُوَ مَوجودٌ في كُلِّ الأمكِنَةِ في كُلِّ الأزمِنةِ ويَنبغي أن يُعبَدَ في كُلِّ الأمكِنَةِ وكُلِّ الأزمِنَةِ فِي زِينَةٍ مُقَدَّسَة.

وَما يَعنيهِ ذلك، يا أحبَّائي، مُهِمٌّ جدًّا. فَهذا يَعني أنَّهُ عندما أعيشُ حَياتي، يَنبغي أن أعيشَ حَياةً مُقَدَّسةً قُدَّامَ الله. فيَنبغي لي أن أعيشَ حَياتي بطريقةٍ أعتَرِفُ فيها، وأتوبُ فيها، وأرجِعُ فيها عَن خَطيَّتي لكي تَكونَ عِبادَتي للهِ مَرْضِيَّةً أمامَهُ. فَلا يَجوزُ أن أدخُلَ إلى حَضرَتِهِ وَأنْ أعبُدَهُ مِن دُونِ قَداسَةٍ لِئَلاَّ أتَلَقَّى التَّأديبَ العَادِلَ على يَديه.

لِذا، مَعَ أنَّنا نَشكُرُهُ على نِعمَتِهِ، وَنَفْهَمُ مَحَبَّتَهُ، فإنَّنا في مَسيحيَّةِ القَرنِ العِشرين قَد أَسَأنا فَهْمَ قَداسَتِهِ. وَهَذا هُوَ جَوهَرُ عِبادَتِنا. فاللهُ رُوْحٌ حَيٌّ، وأزَلِيٌّ، ومَجيدٌ، ومُقَدَّسٌ، ورَحيمٌ يَسْتَحِقُّ عِبادَتَنا. ويجبُ علينا أن نَأتي بانسِحاقٍ، واتِّضاعٍ، وانكِسارٍ لأنَّنا خُطاةٌ نَرى أنفُسَنا في ضَوْءِ قَداسَتِهِ المُطلَقَة.

وَقد كَتَبَ "فريدريك ويليام فيبر" (F.W. Faber) تَرانيمَ جَميلة جدًّا جدًّا ورائعة مِنْ بَيْنِها مَا يَلي. استَمِعُوا جَيِّدًا. فَهِيَ تَرنيمةُ تَسبيح:

مَا أَبْهاكَ يا إلَهِي، وَما أَمْجَدَ جَلالَك!

مَا أجملَ كُرْسِيَّ رَحْمَتِكَ في أعماقِ النُّورِ السَّاطِع!

مَا أَهْيَبَ سَنواتِكَ السَّرمديَّة، أيُّها الرَّبُّ السَّرمديُّ!

حَتَّى إنَّ الأرواحَ السَّاجِدَةَ نَهارًا وَليلاً تَعبُدُكَ دُونَ تَوقُّف!

مَا أروَعَ وَأجملَ النَّظَرَ إليكَ بِحِكمَتِكَ الأبديَّةِ،

وقُوَّتِكَ الَّتي لا حُدودَ لَها، وَطَهارَتِكَ الرَّهيبة!

ثُمَّ استَمِعُوا إلى مَا يَقول:

كَمْ أَخْشاكَ أيُّها اللهُ الحَيُّ، بأعمقِ وَأَرَقِّ خَوْفٍ؛

وَأعبُدُكَ بِقَلبٍ مُرْتَعِدٍ، وبِدُموعِ التَّوبة.

وَمَع ذلكَ فإنِّي أُحِبُّكَ أيضًا أيُّها الرَّبُّ العَظيمُ كَما أنْتَ

لأنَّكَ تَنازَلْتَ لِتَطلُبَ مِنَّي حُبَّ قَلبي المِسكين!

لا يُوجَدُ أبٌ أرضِيٌّ يُحِبُّ مِثلَكَ، ولا تُوجَد أُمٌّ رَقيقةٌ مِثلَك،

يَحْتَملانِ ويَصْفَحانِ كَما تَفعلُ أنتَ مَعي أنا: ابنَكَ الخَاطِئ.

دَعونا نَحني رُؤوسَنا حتَّى نُصَلِّي: يا رَبّ، نَأتي في هذا الصَّباحِ كَيْ نَعبُدَ اللهَ الَّذي هُوَ رُوحٌ، والَّذي لا يُمْكِنُ حَصْرُهُ في هَيْكَلٍ مَصْنوعٍ بأيدٍ، ولا يُمْكِنُ حَصْرُهُ في تَخَيُّلاتِ البَشَرِ لأنَّكَ إلَهٌ أزَلِيٌّ وَأبديٌّ مَوجودٌ في كُلِّ مَكانٍ وَأيِّ مَكانٍ في كُلِّ الأوقات. وَقد أتينا لِنَعبُدَ اللهَ القُدُّوسَ الَّذي لا يُمْكِنُ أن يُعبَدَ إلاَّ فِي زِينَةٍ مُقَدَّسَةٍ، وَفي حَالَةِ الخُشوعِ والتَّقوى الَّتي يَنبغي أن يَشْعُرَ بها الخَاطِئُ الَّذي يَدخُلُ إلى حَضْرَتِكَ المُقَدَّسة.

لِذا، أيُّها الرَّبُّ الإلَهُ، لَيتَنا نَرى [على غِرارِ هَؤلاءِ في القَديمِ] قَداسَتَكَ، وَلَيْتَنا نَصْرُخُ كَما فَعَلَ إشَعْياءُ ونَقول: "وَيْلٌ لي! إنِّي هَلَكْت". وبعدَ ذلكَ الاعترافِ، لَيتَنا نُلْمَسُ بِجَمْرَةٍ مِنْ عَلى المَذبَحِ فَتَتَطَّهرُ شِفاهُنا ونَصيرُ مَقبولين.

نَشكُرُكَ لأنَّ يَسوعَ المَسيحَ جَعَلَ ذلكَ مُتاحًا، وَلأنَّهُ فَتَحَ الطَّريقَ أمامَنا، وَلأنَّهُ أتاحَ لَنا أنْ نَأتي إلى حَضرَتِكَ، وأنْ نَأتي بِثِقَةٍ، دُونَ خَوفٍ، عَالِمينَ أنَّنا نِقِفُ في مَكانِ المَسيحِ؛ مَكانِ الشَّرَفِ والقَبول.

ولكِن يا رَبّ، لَيتَنا أيضًا نُدرِكُ أنَّهُ مَعَ أنَّنا نَأتي إلى حَضرَتِكَ بِدَمِ المَسيحِ، ومَعَ أنَّنا نَأتي مَغسُولينَ مِن قِمَّةِ رُؤوسِنا إلى أَخْمَصِ قَدَمَيْنا، فَإنَّ أَقْدامَنا تَتَّسِخُ بِتُرابِ الأرضِ فنَصيرُ بِحاجَةٍ إلى ذلكَ الاستِعدادِ اليَومِيِّ القَلبيِّ، وإلى ذلكَ الاعترافِ والتَّطهيرِ اليَومِيِّ الضَّروريِّ جدًّا في حَياةِ العِبادَة.

ونُصَلِّي أيضًا، يا رَبُّ، لأجلِ الأشخاصِ الَّذينَ رُبَّما جَاءوا إلى هُنا دُونَ أن يَعرِفُوا يَسوعَ المَسيحَ مُخَلِّصًا، وَلَيْسَ خَوْفُ اللهِ قُدَّامَ عُيُونِهِمْ، والَّذينَ يَنْتَمونَ إلى عَالَمٍ أثيمٍ وَلا يَعبُدونَك. نُصَلِّي أن يَكْسِرَ رُوحُكَ اليومَ جِدارَ المُقاومةِ، وأنْ يَفتَحَ قُلوبَهُم كَما تَفْتَحُ الزَّهرةُ أوراقَها أمامَ أشِعَّةِ الشَّمس. وَلَيْتَ يَسوعَ المَسيحَ يَأتي ويُحَوِّل ذلكَ الشَّخصَ إلى عَابِدٍ حَقيقيٍّ.

وَمِنْ جِهَةِ الأشخاصِ الَّذينَ يُحِبُّونَكَ يا رَبّ، أيِ الأشخاصِ الَّذينَ هُمْ أولادُكَ، لَيْتَ عِبادَتَنا تَكونُ مَقبولةً وَنابعةً مِن قُلوبٍ مُنْكَسِرَةٍ ومُنْسَحِقَةٍ تُدْرِكُ الزِّينَةَ المُقَدَّسَةَ الحَقيقيَّةَ؛ لا لأنَّنا نَستطيعُ أن نَكونَ قِدِّيسينَ في ذَواتِنا، بَلْ لأنَّنا صِرْنا كذلكَ مِنْ خِلالِ التَّوبةِ بِواسِطَةِ تَطهيرِ المَسيح.

نَشكُرُكَ لأنَّكَ وَهَبْتَنا قَداسَةً بِحُكْمٍ مَقامِنا. فَقد أعطيتَنا قَداسَةً أبديَّةً حَقيقيَّةً في المَسيح. والآن، سَاعِدنا في مُمارَسَتِنا، وفي سُلوكِنا اليَومِيِّ على أنْ نَسلُكَ سُلوكًا يَليقُ بالدَّعوةِ الَّتي دُعينا إليها. لَيْتَنا نَعبُدُكَ عِبادَةً حَقيقيَّةً يا رَبُّ، ولَيتَنا نَخْتَبِرُ مِن خِلالِ حَياةِ العِبادَةِ المُتَدَفِّقَةِ واللهِ المُتَجاوِبِ البَرَكَةَ العَظيمةَ والنَّفْعَ اللَّذَيْنِ اختَبَرَهُما إشَعْياءُ لِكَي يَمْتَدَّ مَلكوتُكَ في هذا اليوم. نَشكُرُكَ جَميعًا في اسْمِ المَسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize