افتَحوا كِتابَكُم المُقدَّس على رسالة أفسُس والأصحاح السَّادس...رسالة أفسُس والأصحاح السَّادس. والآيةُ الرئيسيَّةُ المُقَدَّمة لنا حقًّا هُنا، في العهدِ الجديد، عن خُطَّةِ اللهِ للأبوَيْن، هي الآية الرَّابعة. وهي تَقولُ ببساطة: "وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ، بَلْ رَبُّوهُمْ بِتَأدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ". وهي جُملة رائعة في تلكَ الآية. وأقولُ، مَرَّةً أخرى، إنَّها تُغَطِّي بكلماتٍ قليلةٍ جدًّا نِطاقًا هائلاً. فهناكَ كُتُبٌ، وأُطروحاتٌ، ومُجَلَّداتٌ كُتِبَت عنِ الأُبوَّة والأمومَة. ولكِنَّ اللهَ لَخَّصَ ذلكَ كُلَّهُ في جُملة واحدة: "لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ، بَلْ رَبُّوهُمْ بِتَأدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ".
وهذا هو نَموذَجُ اللهِ للأُبوَّة والأُمومَة. وفي البِداية، أوَدُّ أن نَتذكَّرَ شيئًا، وَهُوَ شيءٌ مُهمٌّ جدًّا في مُسْتَهَلِّ حديثِنا. فبصِفَتِنا شعبَ اللهِ المَفديّ، فإنَّهُ دَعانا إلى أن نكونَ فَريدين. وقد دَعانا إلى أن نكونَ مُختلِفين. وقد دَعانا إلى أن نَكونَ مُمَيَّزين. وقد دَعانا إلى أن نَنفصِلَ عنِ العالَم. والحقيقةُ هي أنَّ الرِّسالة إلى أهلِ أفسُس بِمُجملِها تُشيرُ إلى حقيقةِ أنَّهُ لا يَجوزُ لَنا أن نَعيشَ كَما يَعيشُ بَقيَّة العَالَم. فينبغي أن نَعيشَ في النُّورِ لا في الظُّلمة. وينبغي أن نَعيشَ بالحِكمةِ لا بالجَهالة. وينبغي أن نَسلُكَ في الرُّوحِ لا في الجسد. ونحنُ مُمَيَّزونَ إذًا لأنَّنا نَعرِفُ اللهَ، ولأنَّ لدينا كَلمة الله، ولدينا رُوح الله، ولأنَّ اللهَ دَعانا إلى أن نَعيشَ بطريقةٍ فريدةٍ ومُميَّزة.
والحقيقةُ هي أنَّ ذلكَ يَشمَلُ أيضًا علاقاتِنا في العائلة. فنحنُ لا نَرتبطِ بعلاقاتٍ في العائلة بذاتِ الطَّريقةِ الَّتي يَلتجِئُ إليها الأشخاصُ غير المُؤمِنين؛ أي بطريقةِ أهلِ العالَم، بل إنَّ لدينا خُطَّةً مُختلفةً تمامًا ونَمَطًا مُختلِفًا تمامًا. وفي سِفْر اللَّاويِّين والأصحاح 18، عندما وَضَعَ اللهُ مِعيارَ السُّلوكِ لِبَني إسرائيل، أشارَ إلى هذه الحقيقة المُختصَّة بالتَّفَرُّد. وإليكُم ما قالَهُ: "مِثْلَ عَمَلِ أَرْضِ مِصْرَ الَّتِي سَكَنْتُمْ فِيهَا لاَ تَعْمَلُوا، وَمِثْلَ عَمَلِ أَرْضِ كَنْعَانَ الَّتِي أَنَا آتٍ بِكُمْ إِلَيْهَا لاَ تَعْمَلُوا، وَحَسَبَ فَرَائِضِهِمْ لاَ تَسْلُكُوا. أَحْكَامِي تَعْمَلُونَ، وَفَرَائِضِي تَحْفَظُونَ لِتَسْلُكُوا فِيهَا".
بعبارة أخرى، أنتُم مُختلِفون. لا تَفعلوا ما يَفعلُهُ العالَم. ولا تَسلُكوا في حياتِكُم أو علاقاتِكُم بذاتِ الطَّريقةِ الَّتي يَسلُكُ فيها العالَم. وفي مَقطَعٍ لاحِقٍ مِن نَفسِ الأصحاحِ الثَّامِن عشر مِن سِفْر اللَّاويِّين، يَقولُ اللهُ أيضًا: "بِكُلِّ هذِهِ لاَ تَتَنَجَّسُوا، لأَنَّهُ بِكُلِّ هذِهِ قَدْ تَنَجَّسَ الشُّعُوبُ الَّذِينَ أَنَا طَارِدُهُمْ مِنْ أَمَامِكُمْ. ... فَتَحْفَظُونَ شَعَائِرِي [أو أَحْكامي] لِكَيْ لاَ تَعْمَلُوا شَيْئًا مِنَ الرُّسُومِ الرَّجِسَةِ الَّتِي عُمِلَتْ قَبْلَكُمْ وَلاَ تَتَنَجَّسُوا بِهَا. أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ". إنَّها دَعوة لكي يكونوا مُختلِفين. وهي دَعوة لكي يَكونوا مَمَيَّزين.
وقد احتفظَ اللهُ بهذه الرَّغبة لشعبِهِ طَوالَ الوقت. فنحنُ مُنفصِلون. فالمعاييرُ والمبادئُ والأحكامُ والوصايا الَّتي ينبغي أن نَسلُكَ فيها في حياتِنا أمامَ اللهِ في العائلةِ وأمامَ العالمِ فَريدة. فيجب علينا أن نَكونَ مُنفَصِلين. ويجب علينا أن نُحافِظَ على تَفَرُّدٍ لا نَجاسَةَ فيه. ويجب علينا أن نَتْبَعَ مَبادئَ لا صِلَةَ لها بالحِكمةِ البشريَّة، ولا تَحْتَكِم أو تَرتبِط بالحِكمة البشريَّة. ولا يَجوزُ لنا أن نَخضَعَ إلى ضَغْطِ العالَم. ولا يَجوزُ لنا أن نُصغي إلى تَشخيصِ العالَمِ لمشاكِلِ النَّاسِ أوِ الزِّيجاتِ أوِ العائلات. بل يجب علينا أنْ نَرْجِعَ إلى كلمةِ الله. ويجب علينا أن نَعيشَ حياةً مُتَفَرِّدَة. واللهُ لا يَقولُ أيَّ شيءٍ بطريقة مُختلفة اليوم. فهو ما يَزالُ يَقولُ: "افعَلوا ذلكَ بطريقَتي".
وفيما يَختصُّ بدورِ الأبِ والأُمِّ، فإنَّهُ مَلَخَّص أيضًا تَلخيصًا رائعًا في تلكَ الآية الَّتي قرأتُها للتَّوّ. وهُنا نَجِدُ نَموذَجَ اللهِ. وَهُوَ لا يُشْبِهُ في شَيءٍ عِلْمَ النَّفسِ الحَديث. وَهُوَ لا يُشبِهُ الأشياءَ الَّتي تُقالُ لنا عنِ التَّربيةِ في فترةِ الطُّفولة، ولا عن كيفيَّةِ تَنشئةِ الأبناء. وَهُوَ لا يُشبِهُ أيَّ شَيءٍ يَقولُهُ العالَمُ الآن. وليسَ هُناكَ ما يُحَتِّمُ عليهِ أن يكونَ كذلكَ لأنَّهُ إلَهِيّ.
وقد رأينا أنَّ نَموذَجَ اللهِ للأزواجِ مُختلِفٌ تمامًا عن نَموذَجِ العالَم، وأنَّ نَموذجَ اللهِ للزَّوجاتِ مُختلِفٌ عن نَموذجِ العالَم، وأنَّ نَموذَجَ اللهِ للأولادِ وكيفيَّةِ تجاوُبِهم معَ آبائِهم وأُمَّهاتِهم مُختلِفٌ. وكذلكَ هي أيضًا حَالُ نَموذَجِ اللهِ للآباءِ والأُمَّهاتِ فيما يَختصُّ بكيفيَّةِ تَربيتِهم لأولادِهم. فهذه ليست الرِّسالة الَّتي يُقَدِّمُها عِلْمُ النَّفسِ العِلمانيّ. وهي ليست الرِّسالةُ الَّتي تُنادي بها الحِكمة التَّقليديَّة. وهي ليست الرِّسالة الَّتي يُنادي بها الإصلاحُ السِّياسيّ. بل إنَّها كلمةُ الله. والموضِعُ الَّذي يَنبغي أن نَبتدئَ مِنهُ هو أن نُقِرَّ بأنَّ جميعَ الأولادِ يأتونَ مِنَ الله. فاللهُ يَهَبُنا إيَّاهُم ثُمَّ يُعطينا الدَّليلَ الإرشاديَّ لكيفيَّةِ تَنشئَتِهِم.
فنحنُ نَقرأُ في سِفْر التَّكوين 4: 1: "فَحَبِلَتْ [أيْ: حَوَّاء] وَوَلَدَتْ قَايِينَ. وَقَالَتِ: اقْتَنَيْتُ رَجُلاً مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ". فمُنذُ البداية، عَرَفَت حَوَّاءُ مَنْ هُوَ مَصْدَرُ أولادِها. فهي لم تَذكُر آدَمَ، بلِ الله. ونَقرأُ في سِفْر التَّكوين 4: 25 (أيْ في جُزءٍ آخَر مِنَ الأصحاحِ نَفسِه): "فَوَلَدَتِ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ شِيثًا قَائِلَةً: لأَنَّ اللهَ قَدْ وَضَعَ لِي نَسْلاً آخَرَ". والأولادُ (كما يَقولُ العهدُ القديمُ) مِيراثٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ. فَهُمْ عَطِيَّة مِنَ الله. وَهُوَ يُعطينا إيَّاهُم لِيَكونوا لِمَدْحِ مَجْدِهِ، وليكونوا بَرَكَةً لَنا.
ولكِنْ ما أكثرَ ما يَصيرُ الأولادُ مَصْدَرَ ألَمٍ وَحَسْرَةٍ لأنَّ نَموذجَ اللهِ للآباءِ والأُمَّهاتِ لم يُنَفَّذ كما يَجِب. لِذا، عندما نَنظُرُ إلى النَّموذَجِ الإلهيِّ فإنَّنا نَنظُرُ إلى مَسؤوليَّتِنا، ونَنظُرُ إلى الطَّريقِ المُؤدِّي إلى الفَرَحِ والبَرَكةِ في حياةِ أولادِنا وفي حياتِنا الشخصيَّةِ نحنُ أيضًا. ومِنَ الواضحِ أنَّ الوصيَّة المُقدَّمة هُنا في العددِ الرَّابعِ مُوَجَّهة إلى الآباءِ والأُمَّهات. والحقيقةُ هي أنَّ الكلمة "آباء" تُتَرْجَمُ أحيانًا في العهدِ الجديد بالكلمة "وَالِدَيْن". فلا يُمكِنُنا أنْ نَستَثني الأُمَّ مِن هذه النُّقطةِ تَحديدًا، بل يجب علينا أن نَشْمَلَها لأنَّها تَحتَ قيادَةِ زوجِها. وهذه الوصيَّة مُقَدَّمة للآباءِ والأُمَّهاتِ لأنَّهُم يَضطَلِعونَ بالمسؤوليَّةِ والإدارةِ والقيادةِ والإشرافِ فيما يَختصُّ بتربيةِ أولادِهم بطريقةٍ تُمَجِّدُ اللهَ.
والمِعيارُ المَذكورُ هُنا ليسَ فَريدًا في مُجتمعِنا فقط، بل إنَّهُ كانَ فَريدًا في المُجتمعِ الَّذي كانَ يَعيشُ فيهِ بولُس أيضًا. فمثلاً، لتوضيحِ ما كانَ يَجري في العالمِ الَّذي كَتَبَ فيهِ بولسُ هذهِ الكلماتِ، كانَ هُناكَ قانونٌ رُومانِيٌّ يُسَمَّى "باتريا بوتيستاس" (patria potestas)، وَهُوَ يَعني حَرفيًّا: "سُلطَةُ الأبِ". ووَفْقًا لهذا القانونِ، كانَ الأبُ الرُّومانيُّ يَملِكُ سُلطةً مُطلَقةً على عائلتِه. وكما أَشرتُ في هذا الصَّباح، كانتِ النَّظرةُ إلى القيادةِ في العالَمِ الأُمَمِيِّ هي نَظرة دِكتاتوريَّة مُتَسَلِّطَة. وكانَ الأمرُ كذلكَ في العائلة أيضًا.
فمثلاً، كانَ بمقدورِ الأبِ أن يَبيعَ أولادَهُ عَبيدًا. وكانَ بمقدورِ الأبِ أن يُرغِمَهُم على العَملِ في الحُقولِ وَهُمْ مُكَبَّلونَ بالسَّلاسِل إنْ أرادَ ذلك. وهُناكَ أمثلة على ذلك في الأدبِ القَديم. وكانَ بمقدورِهِ أن يُطَبِّقَ القانونَ بيَدِهِ لمُعاقبةِ أولادِه. وحَتَّى إنَّهُ كانَ بمقدورهِ بموجبِ القانونِ الرُّومانيِّ أنْ يُعْدِمَ أولادَهُ. وما دامَ الأبُ على قيدِ الحَياة، لم تَكُن هُناكَ حُدودٌ للسِنّ، ولم تَكُن هُناكَ حُدودٌ لسيطَرَتِه. والحقيقةُ هي أنَّهُ عندما كانَ الطِّفلُ يُولَدُ، لم يَكُن أمرًا مُسْتَهْجَنًا أنْ يُوضَعَ الطِّفلُ عندَ قَدَمَيِّ أبيهِ. فإنِ انْحَنى الأبُ والتَقَطَ ابْنَهُ، كانَ ذلكَ يَعني أنَّهُ أَقَرَّ بالطِّفلِ وأنَّهُ يُمكِنُ أن يَعيش. أمَّا إنِ استَدارَ الأبُ وابتَعَدَ عنِ الطِّفل، كانَ ذلكَ الطِّفلُ يُطْرَحُ في الشَّارعِ ليموتَ أو ليُلْتَقَطَ ويُرَبَّى كَعاهِرَة أو عَبْد.
وهُناكَ رسالة كَتَبَها "هيلاريون" (Hilarion) إلى زَوجَتِهِ "أليس" (Alis) يَعودُ تاريخُها إلى السَّنةِ الأولى قبلَ الميلاد. وقد تَمَّ العُثورُ عليها في مَصادرَ قديمة. وهي تَقولُ ما يَلي: "مِن هيلاريون إلى زَوجَتِهِ أليس. تَحَيَّاتُ قَلبيَّة". ولا أَنْصَحُكُم أيُّها الرِّجالُ بأنْ تَفْتَتِحوا رسالةً إلى زوجاتِكُم بهذه الطَّريقة. ولكِنَّهُ فَعَلَ ذلك. "أوَدُّ أنْ أُعْلِمَكِ أنَّنا ما زِلْنا حَتَّى الآن في الإسكندريَّة". فهو يَكْتُبُ رِسالةَ إليها لأنَّهُ كانَ بَعيدًا عنها. "لا تَقلقي إنْ عادَ الجَميعُ وبقيتُ أنا في الإسكندريَّة. أطلبُ مِنكَ وأرجو مِنكِ أن تَعتني بالطِّفلِ الصَّغير. وحالَما نَتَسَلَّمُ أُجورَنا..." ويبدو أنَّهُ كانَ جُنديًّا "...سأُرسِلُ المالَ إلَيكِ. فإنْ حَالَفَكِ الحَظُّ وأنْجَبْتِ طِفلاً وكانَ صَبِيًّا، دَعيهِ يَعيش. وإنْ كانَ فَتاةً، تَخَلَّيْ عنها".
وهذه رسالة تَمَّ العُثورُ عليها مِنَ الأزمنة القديمة. فقد كانَ الأطفالُ غيرُ المُرغوبُ بهم يُتركونَ عادةً في السَّاحةِ العامَّةِ في رُوما. وكانوا يُجْمَعونَ في اللَّيلِ مِنْ قِبَلِ أشخاصٍ يَعتنونَ بهم كي يَجعلوا مِنهُم عبيدًا أو كي يُرسِلوهُنَّ إلى دُوْرِ المُومِساتِ في رُوما. وقد قالَ "سينيكا" (Seneca)، الخَطيبُ الرُّومانيُّ الشَّهير: "نحنُ نَذْبَحُ ثَورًا هائجًا، ونَخنُقُ كَلبًا مَسعورًا، ونَذبَحُ الماشيةَ المريضة. أمَّا الأطفالُ الَّذينَ يُولدونَ ضُعفاءَ أو مُشَوَّهينَ فإنَّنا نُغْرِقُهم".
لِذا فقد كانَ بولسُ يَكتُبُ إلى عالَمٍ كانَ الأطفالُ فيهِ يتعرَّضونَ لسوءِ المُعاملةِ والقَتْلِ كما يَحْدُثُ في عالَمِنا إذْ إنَّهُمْ يُقتَلونَ قبلَ حَتَّى أنْ يَخْرُجوا مِنَ الرَّحِمِ بأعدادِ تَصِلُ إلى المَلايينِ مِن خلالِ الإجهاض. ولكِنَّ هُناكَ مَليونًا ونِصفَ مَليونِ طِفلٍ على الأقل، أو رُبَّما أكثر بكثير مِن ذلك، يُسْمَحُ لهم أنْ يُولَدوا سَنويًّا، ولكنَّهُم يُضْرَبونَ بقسوة، ويُحْرَقونَ، وتُساءُ مُعامَلَتُهم مِنْ قِبَلِ آبائِهم وأُمَّهاتِهم إلى دَرجةٍ يَتَحَتَّمُ فيها أنْ يُنْزَعوا مِن عائلاتِهم. فهناكَ أكثر مِن مَليون ونِصفِ طِفل سنويًّا. وهناكَ نَحْو مِئَتَي طِفْل...عَفوًا...هُناكَ نَحو أَلْفَيْ طِفلٍ يَموتونَ قَتلاً على أيدي آبائِهم وأُمَّهاتهم مِن خلالِ إحراقِهم، أو إغراقِهم، أو إلقائِهم مِنَ النَّوافذِ، أو طَرْحِهِم مِن فوقِ الجُسورِ، أو قَتلِهم بالسَّكاكين أوِ المَطارِقِ أوِ الشَّفراتِ أو ما إلى ذلك.
فعالَمُنا اليومُ لا يَختلِف كثيرًا عنِ العالَمِ القديم. وقد ذَكَرَتْ مَجلَّةُ التَّايم (Time Magazine) في دراسةٍ أَجْرَتْها أنَّ سَبعينَ بالمِئة مِنَ الآباءِ والأُمَّهات (إنْ مُنِحُوا فُرصةً أخرى) لن يُنْجِبوا أطفالاً. فَهُمْ مَصْدَرُ إزعاجٍ لَهُم. وهناكَ ما بين ثلاثينَ ألفِ طِفل وخمسينَ ألفِ طِفل في السَّنة يُستَغَلُّونَ لإنتاجِ صُوَرٍ إباحيَّة. وثُلُثُ الأطفالِ الَّذينَ يُولَدونَ يَنْتَهي بهمِ المَطافُ في دُورِ الرِّعايةِ لأنَّهُم أطفالٌ غيرُ مَرغوبٍ فيهم. وهُناكَ ملايينُ الأطفالِ الَّذينَ يُترَكونَ في البيتِ بمُفردِهم لِيَتَربُّوا مِنْ قِبَلِ التِّلفزيونِ في حينِ أنَّ أُمَّهاتِهم تَذْهَبْنَ إلى العَمل. وقد قالَ الرَّئيسُ المَسؤولُ عن مَجموعةٍ مِنَ المدارسِ تَضُمُّ مَليونَ طِفلٍ في إحدى مُديريَّاتِ مدينةِ نيويورك: "لقد انقَلَبَ المُجتمعُ على الأطفال". فقد كانت هُناكَ عَداوة تُجاهَ الأطفالِ في الأزمنةِ القديمة، وَهي ما تَزالُ قائمةً حَتَّى في الأزمنة الحديثة.
في ضَوْءِ تلكَ الخلفيَّة مِنَ المُجتمعِ الرُّومانيِّ القديم، وهذه الخَلفيَّة مِنَ المُجتمعِ الَّذي نَعيشُ فيهِ اليوم، نَسمَعُ كلماتِ بولُس: "وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ، بَلْ رَبُّوهُمْ بِتَأْدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ". ومَرَّةً أخرى، فإنَّ الكلمة "باتيرا" (patera) المُترجَمة هُنا "أيُّها الآباءُ" تُستخدَمُ عادةً للإشارة إلى رَبِّ الأُسرةِ الذَّكَر، ولكنَّها تُستخدَمُ أحيانًا للإشارة إلى الأبِ والأُمّ. وهي تُتَرجَمُ، مَثَلاً، بهذه الطَّريقة في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 11: 23 إذْ نَقرأُ: "بِالإِيمَانِ مُوسَى، بَعْدَمَا وُلِدَ، أَخْفَاهُ أَبَوَاهُ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ". وَمِنَ المؤكَّدِ أنَّ الأُمَّ مَشمولة معَ الأبِ. ويُمكِنُنا أنْ نَقولَ إنَّها مَشمولة هُنا. والآية أمثال 4: 3 تُبَيِّنُ هذا الدَّوْرَ الثُّنائيَّ إذْ نَقرأُ: "فَإِنِّي كُنْتُ ابْنًا لأَبِي، غَضًّا وَوَحِيدًا عِنْدَ أُمِّي". ونَقرأُ في سِفْر الأمثال 1: 8: "اِسْمَعْ يَا ابْنِي تَأدِيبَ أَبِيكَ، وَلاَ تَرْفُضْ شَرِيعَةَ أُمِّكَ". فَكِلا الأبَوَيْنِ يَضْطَلِعُ [تحتَ قيادةِ الزَّوجِ] بمسؤوليَّةِ تَربيةِ الأولاد.
وهُناكَ دراسة أُجريت قبلَ سنواتٍ عديدة تُغَطِّي سنواتٍ عديدة مِنْ قِبَلِ عالِمَيِّ الاجتماع "شيلدون" (Sheldon) وَ "إليانور غليك" (Eleanor Glueck) مِن جامعة هارفرد (Harvard). وقد تَوَصَّلا بعدَ كُلِّ هذه الدِّراسةِ إلى مَعرفةِ أربعةِ عناصِرَ مُهمَّة تُساعِدُ في تَحديدِ هُويَّةِ الأطفالِ الَّذينَ لن تكونَ لديهم مُيولٌ إجراميَّة. وهذه دراسة أُجْرِيَتْ على مَدى سَنوات. وقد تَبَيَّنَ أنَّها صحيحة بنسبة تِسعينَ بالمِئة. وقد قالا إنَّ هذه هي العوامِل الأربعة الَّتي تَمنَعُ جُنوحَ الأحداث...وقدِ استَخلصوها وَحَسْب مِنْ خِلالِ مُراقَبَتِهم لهؤلاءِ الأطفالِ الَّذينَ يَعيشونَ في العالَم: أوَّلاً، تأديبُ الآباءِ: أن يكونَ عادِلاً، وحازِمًا، ومُستمرًّا. ثانيًا، إشرافُ الأُمِّ في البيت: أنْ تَعلمَ أينَ الأبناءُ طَوالَ الوقتِ، وأن تَعلمَ ماذا يَفعلونَ، وأن تكونَ مُتاحة لَهُم. ثالثًا، أن يُظهِرَ الأبوان عاطفةً دائمةً أحَدُهُما تُجاهَ الآخر وتُجاهَ أبنائِهما. رابعًا: تَرابُط العائلةِ معًا وأن يَصرفوا وقتًا معًا.
فيجب على كِلا الأبَوَيْنِ أن يَشتركا في هذا الامتيازِ الرَّائعِ وهذه الفُرصة الرَّائعة. وعندما نَنظُرُ إلى الشَّيءِ نَفسِهِ المُشار إليهِ في هذه الآية، ستُلاحظونَ أنَّ هُناكَ نَهْيًا وأَمْرًا في هذا التَّعليم. ويجب علينا أنْ نَفهَمَ الجانِبَيْن. فالنَّهْيُ هُوَ الآتي: "لا تُغيظوا أولادَكُم". فهكذا تلَخِّصُ كلمةُ اللهِ ما لا يَجوزُ أن تَفعلوه. فلا يَجوزُ أن تُغيظوا أولادَكُم، ولا يَجوزُ أن تُغضِبوهُم، ولا يَجوزُ أن تَجعلوهُم عِدائيِّينَ أو مُرِّي النَّفْس، ولا يَجوزُ أن تَجعلوهُم يَنقَلبونَ عليكم وعلى كُلِّ ما هُوَ عَزيز على قَلبِكُم. وتُضيفُ رسالة كولوسي: "لِئَلاَّ يَفْشَلُوا". فلا يَجوزُ أن تُدَمِّروهُم.
والكلمة "تُغيظوا"، كما ستُلاحِظونَ، تُستخدَمُ فقط هُنا وفي رُومية 10: 19. فهي نَفسُ الكلمة. وهي تَعني: "يُثير السُّخْطَ". وهي صيغة مُشَدَّدة لإثارةِ الغَضَب. لا تَفعلوا شيئًا يُغْضِب أولادَكُم. ولا تَفعلوا شيئًا يُثيرُ سُخْطَهُم، أو يُثيرُ حَنَقَهُم، أو يُحبِطهُم، أو يُغيظهُم، أو يَجعَلهُم مُرِّي النَّفس. والحقيقةُ هي أنَّ الكثيرَ مِن هذهِ الأمورُ تَحدُثُ اليومَ حَتَّى إنَّنا نَجِدُ أطفالاً غاضِبينَ، وحانِقينَ، ومُرِّي النَّفس. ففي الأيَّامِ القليلة الماضية، حاوَلَ ثلاثةُ أطفالٍ صِغار يَبلُغُ عُمْرُ أحدِهم سِتُّ سنوات، حاولوا أن يَقتُلوا طِفلاً رضيعًا عُمرُهُ شَهْر. إنَّهُ عِداءٌ وغَضَبٌ يَصعُبُ تَخَيُّلُه. و 10 إلى 15 بالمِئة مِنَ الأطفالِ يُفَكِّرونَ في الانتحارِ أو يُقْدِمونَ عليه.
وَرُبْعُ الأشخاصِ الَّذينَ يَتِمُّ استقبالُهُم في وَحْدَةِ العِلاجِ النَّفسيِّ في مُستشفياتِ الأطفالِ يُعالَجونَ بسببِ مُحاولاتِ الانتحار. وحتَّى إنَّ أطفالًا تَبلُغُ أعمارُهُم سِتّ أو سَبْع سنوات يحاولونَ الانتحار. وقد قالت مَقالة نُشِرَتْ في صحيفة "لوس إنجليس تايمز" (Los Angeles Times): "لقد قَطَعَ وَلَدٌ في الحادية عَشْرَة مِن عُمره مِعْصَمَهُ. وقد كانَ يَبكي قائلاً: ’أريدُ أن أذهبَ إلى السَّماء. لا يُمكنُني أن أحتملَ آلامَ مَعِدَتي هذه وتَعاسَتي. لو أمكَنَني فقط أن أموت. فالحياةُ صَعبة، بل إنَّها مُقَزِّزة. أريدُ فقط أن أموتَ لأنَّهُ لا يوجد مَن يُبالي إنْ مُتُّ. لِذا، أريدُ فقط أن أموت‘".
وطَوالَ سنوات، يتساءَلُ عُلماءُ النَّفسِ والخُبراءُ عَمَّا إذا كان الأطفالُ الصِّغارُ يَشعرونَ حَقًّا بالكآبةِ الشَّديدة ويُحاولونَ عن قَصْد أن يَموتوا. والآن، يَعلَمُ هؤلاء الخُبراء أنَّ الأطفالَ يَشعرونَ بذلك، وأنَّهُم يَتَجَرَّعونُ السُّمَّ أحيانًا، وأنَّهُم يَطرحونَ أنفسَهُم أحيانًا أمامَ سَيَّاراتٍ مُندفعة بسرعة. وقد عَلَّقَتْ طِفلة في الثَّانية عَشْرَة مِن عُمرها دُمية مِن رَقْبَتِها، وخَدَّرَتْ أُختَها الصَّغيرة، وقَطَعَتْ ساقَيْها بمِقَصٍّ، وجَرَحَتْ مِعْصَمَيْها، وتَناوَلَتْ عَقاقيرَ مُنَوِّمَة. وقد قالت: "أُفَضِّلُ أن أموت. فحينئذٍ لن يُضْطَرَّ أحدٌ إلى النَّظرِ إلى وَجهي القَبيحِ مَرَّةً أخرى".
وقد حاولَ صَبِيٌّ في الحادية عَشْرَة أن يَقتُلَ كَلبَهُ، وحاولَ أن يَخنُقَ أخاهُ الرَّضيع بوسادة، وغَرَزَ إِبَرًا ودَبابيسَ في مَعِدَتِه. وعندما سُئِلَ لماذا فَعلَ ذلك، أجاب: "لأنَّ أُمِّي لا تُكِنُّ لي أيَّ مَحَبَّةٍ في قَلبِها". وقد قالَ طِفلٌ في السَّادسة بسببِ شُعورِهِ بالرَّفضِ العاطفيِّ مِن أُمِّه: "أريدُ أن أموتَ لأنَّهُ لا يوجد أحد يُحِبُّني". وقد قالَ طِفلٌ آخر: "أُفَضِّلُ الموتَ على الضَّرب. فَهُمْ يُريدونَ أن يُميتوني". وقد قالَ طِفلٌ مُحَطَّمٌ نَفسيًّا لأنَّ أخاهُ البالِغ مِنَ العُمر ثلاثَ عَشْرَةَ سنة انتَحَرَ في وقتٍ سابقٍ: "الكُلُّ يَقتُل، والكُلُّ يَموت. لا يوجد مَخْرَج مِن هذا المَأزِق".
وهُناكَ طِفلٌ في الحادية عَشْرَة مِن عُمرِه مُنهَمِك في التَّفكيرِ في الموتِ وفي اللَّحاقِ بِجَدَّتِه المُتَوَفَّاة. وقد هَدَّدَ بأن يَطرَحَ نَفسَهُ أمامَ سَيَّارة، وفَعَلَ ذلك، وَحَطَّمَ وَجْهَهُ وَشَوَّهَهُ. فهو لم يَمُت. وأخيرًا، قَفَزَ مِن نافذةِ بناية مِنْ طَبَقَتَيْن. فقد أرادَ أن يَذهبَ ليكونَ معَ شخصٍ يَعتَقِدُ أنَّهُ يُحِبُّه. وهناكَ طِفلة في الخامسة مَهووسة بالسَّكاكين أَقْدَمَتْ على حَرْقِ أُختها البالغة مِنَ العُمر ثلاثَ سِنين، وحاولت أن تَخنُقَها برِباطِ حِذاء، وهَدَّدَتْ أُمَّها بِسِكِّين، وهَربت مِنَ المنزلِ واندَفَعَتْ إلى شارِعٍ مُزدَحِم. وقد عَبَّرَ طِفلٌ في السَّادسة عن رَغبتِهِ في الموت لأنَّهُ "لا أحدَ يُحِبُّني". وقد جَرَحَ نَفسَهُ بشَفرةِ حِلاقةِ أبيه. وقد وَجدوهُ لاحقًا مُعَلَّقًا مِن نافذةِ الطَّابِقِ الثَّاني. ولا حاجةَ بكم إلى مَزيدٍ مِنَ الإيضاحات. فهي أكثرُ مِن أنْ تُحْصَى.
وقد قالَ القاضي "بورتون كاتز" (Burton Katz) مِن مَحكمة لوس أنجليس: "لقد صارَ مِنَ المُقلِق جدًّا أنْ نَرى العُيونَ والتَّعابيرَ الجَوفاءَ للأحداثِ عندما يُحرمونَ تمامًا مِن حُقوقهم، وعندما يَكونونَ ساخِطينَ تمامًا، وعندما تَتِمُّ إزالَتُهم تمامًا مِنَ النِّظامِ ولا يَبقى لَهُم أيُّ رجاءٍ على الإطلاق". فقد تَجعلَ طِفلَكَ وَلدًا مأساويًّا. وقد تَجعلُ أولادَكَ قِصَّةً كهذه. وقد لا يَرجِعُ السَّببُ في ذلكَ إلى ما تَفعلُهُ بهم، بل على الأرجَح إلى ما لا تَفعَلُهُ بهم ولأجلهم. وكيفَ يُمكِنُ أن تُغيظَ ابنَكَ وتَجعَل حياتَهُ بائسةً؟ وكيفَ تُغيظُ ابنَكَ وتَجعلهُ غاضبًا؟ وكيفَ تَحصُلُ على طِفلٍ مُرِّ النَّفسِ، ومُكتَئِبًا، وجَانِحًا مُعاديًا للمُجتمَع؟
إليكُم هذه الخُطُواتِ السَّهلة: دَلِّلْهُ. أعطِهِ كُلَّ ما يُريد، وَحَتَّى أكثرَ مِمَّا يُمكِنُكَ أن تُوَفِّرَهُ لَهُ. أعْطِهِ وَحَسْب ما يُريد كي يَكُفَّ عن مُضايَقَتِك. وعندما يَفعلُ شيئًا خاطئًا، وَبِّخْهُ قليلاً مِن دونِ أن تُؤدِّبَهُ جَسديًّا. شَجِّعْهُ على الاتِّكالِ عليكَ. لا تُعَلِّمُه أن يكونَ شخصًا مُستقلًّا مَسؤولاً. شَجِّعْهُ على الاتِّكالِ عليكَ حَتَّى يَتَّكِلَ لاحقًا على المُخَدِّراتِ والكُحولِ عِوَضًا عنكَ حينَ يَصيرُ راشِدًا. احْمِهِ مِنْ كُلِّ هؤلاءِ المُعَلِّمينَ الوَضيعينَ الَّذينَ يُريدونَ أن يُؤدِّبوهُ بينَ الحينِ والآخر، وهَدِّدْ بمُقاضاتِهم إنْ لم يَترُكوهُ وشأنَهُ. اتَّخِذ كُلَّ القَراراتِ عِوَضًا عنهُ لأنَّهُ قد يُخطئ ويَتعلَّم مِنها إن لم تَفعل ذلك. انتَقِدي أباهُ أمامَهُ (أوِ انتَقِد أُمَّهُ أمامَهُ) إلى أنْ يَفقِدَ ابنُكَ أوِ ابنَتُكَ احترامَهُما لأبويهما.
وعندما يَقَعُ في مُشكلة، أَخْرِجْهُ مِنها. كذلك، إنْ واجَهَ أيَّ عواقِبَ حقيقيَّة، قد يَضُرُّ ذلكَ بِسُمْعَتِك. لِذا، لا تَسمَح لَهُ أن يُواجِهَ عواقِبَ سُلوكِهِ. تَدَخَّل دائمًا وحُلَّ مَشاكِلَهُ نيابَةً عنهُ لكي يَبقى مُعتَمِدًا عليكَ ويأتي إليكَ عندما تَسوءُ الأمورُ، ولكيلا يَتعلَّم يومًا كيفَ يَحُلُّ مَشاكِلَهُ بنفسه. وإنْ أردتَ أن تَقودَ ابنَكَ إلى الجُنوح، اسمَح لهُ أن يُعَبِّرَ عن نَفسِهِ بأيِّ طَريقَةٍ يَشاء. لا تَقُمْ بإدارةِ حياتِهِ، بل دَعْهُ هُوَ يُديرُ حَياتَك. لا تُضايِقْهُ بالواجباتِ المنزليَّة، بل افعَل كُلَّ شيءٍ لَهُ حَتَّى يَبقى عَديمَ المسؤوليَّة طَوالَ حياتِهِ. وَأَلْقِ اللَّومَ على الآخرينَ عندما لا تَسيرُ الأمورُ كما يَنبغي. واحرِص على الاستسلامِ حينَ يَفقِدُ أعصابَهُ. صَدِّق كُلَّ أكاذيبِهِ لأنَّهُ مِنَ الصَّعبِ جدًّا أن تُحاولَ مَعرفةَ الكَذِبِ مِنَ الحقيقة.
انتَقِدِ الآخرينَ عَلَنًا، وانتقدِ الآخرينَ دائمًا إلى أنْ يُدركَ أنَّهُ أفضلَ مِنَ الجميع. أعْطِهِ مَصروفًا كبيرًا، ولا تَجْعَلْهُ يَفعل أيَّ شيءٍ مُقابِلَ الحُصولِ عليه. امْتَدِحْهُ على شَكلِهِ الجَميل، ولا تَمْتَدِحْهُ على شخصيَّتِه. وَهَلُمَّ جَرَّا. وهل تُريدُ ابْنًا مَهووسًا؟ كُن ناقِدًا، ومَغرورًا، ومُسيطِرًا، وناموسيًّا. وهل تُريدُ طِفلاً مُعَرَّضًا للحوادِث؟ تَشاجَرا مَعًا، وتَجاهَل ابنَكَ إلى أنْ يُؤذي ابنُكَ نَفسَهُ كي يَجذِبَ انتباهَك. وَهَلُمَّ جَرَّا.
والنُّقطة الجوهريَّة هي: أنتَ تَملِكُ هذا الكَنْز. فقد وَهَبَكَ اللهُ هذا الولد. ويُمكِنُكَ أن تُغيظَ هذا الولد. وكيفَ يَفعلُ الآباءُ والأُمَّهاتُ ذلك؟ لقد ذَكرتُ لكم بِضعةَ أمورٍ صغيرة يُمكنكم أن تَقرأوا عنها في أيِّ كِتابٍ عاديٍّ عن تَربيةِ الأبناءِ، وعن كيفيَّةِ تَربيةِ ابْنِ جَانِح. ولكِنِ اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم لائحتي عن كيفَ تُغيظونَ أولادَكُم. وسوفَ أذكُرُ لكم هذه اللَّائحة بسُرعة. لِذا، رَكِّزوا مَعي:
سأذكُرُ عَشْرَ طُرُق: أوَّلاً، مِن خلالِ الحِماية المُفْرِطَة. مِن خلالِ الحِماية المُفْرِطَة. حَوِّطوهُم. ولا تَثِقوا بِهِم البَتَّة. ولا تَمنحوهُم فُرصةً لتنميةِ استقلاليَّتِهم. فالحِرمانُ سيَجعَلُهُم غاضِبين. لِذا، يجب على الأبَوَيْنِ أن يُعطيا أولادَهُم المَجالَ للتَّعبيرِ عن أنفسهم، وأن يَكتشفوا العالَم، وأن يُجَرِّبوا مُغامراتٍ جديدة، وأن يُطلُقوهُم تدريجيًّا كي يَعيشوا باستقلاليَّة. أَرْخُوا الحَبْلَ تدريجيًّا. فالحماية المُفرِطَة تُحبِطُ الطِّفلَ وتُغضِبُه. فنحنُ نَعيشُ في عالمٍ يَميلُ فيهِ المؤمنونَ إلى القيامِ بذلك؛ أيْ أنْ تُبْقوهُم تحتَ سَيطرتِكُم طَوالَ الوقت. ولكِن يجب عليكم أن تَحذروا كثيرًا مِن ذلكَ وإلَّا فإنَّكُم ستُغيظونَهُم.
ثانيًا، قد تَفعلونَ ذلكَ مِن خلالِ المُحاباة. فقد فَضَّلَ إسحاقُ عيسو على يَعقوب. وقد فَضَّلَتْ رِفْقَة يَعقوبَ على عيسو. والنَّتائجُ المُحزِنَةُ مَعروفة تمامًا. لا تُقارنوهُم بعضُهم ببعض. فكُلُّ واحدٍ منهُم فَريد. أحِبُّوهم بالمحبَّة ذاتِها مِن دونِ أن تُفَضِّلوا واحدًا على الآخر، ومِن دونِ مُعاملةٍ خاصَّةٍ لأحدِهم، ومِن دونِ مُحاباة. فإنْ شَعَرَ الطِّفلُ أنَّكَ تُحِبُّ شخصًا آخرَ في العائلة أكثرَ مِنه فإنَّ ذلكَ سيكونُ مُحبِطًا جدًّا جدًّا لَهُ.
ثالثًا، قد تَجعلُ ابنَكَ غاضبًا إنْ وَضَعْتَ لَهُ أهدافًا غير واقعيَّة. فهناكَ آباءٌ وأُمَّهاتٌ يَسحَقونَ أبناءَهُم حَرفيًّا بسببِ الضَّغط...الضَّغط في أن يَتفوَّقوا في المدرسة، والضَّغط في أن يتفوَّقوا في الألعابِ الرياضيَّة، وفي المُوسيقا، وفي أيِّ نَشاطٍ يُمارِسونَه. والحقيقةُ هي أنَّ هذا الأمرَ لا يُمارَسُ لأجلِ الطِّفلِ نَفسِه، بل لأجلِ السُّمعةِ الَّتي يُريدُها الأبوان. وهذا يَصيرُ مُحْبِطًا جدًّا عندما لا يَشعُرُ الطِّفلُ أنَّهُ حَقَّقَ هَدَفًا، وعندما لا يَشعُرُ أنَّهُ حَقَّقَ تَوقُّعاتِ الأبوَيْن. وهذا يُؤدِّي إلى الغَضَبِ والمَرارة.
وقد تَعامَلْتُ معَ أطفالٍ كهؤلاء. وقد تَعامَلتُ معَ أطفالٍ حاولوا أن يَنتَحِروا. وأنا أتذكَّرُ فتاةً مُعيَّنَةً انْتَحَرَتْ في النِّهاية لكي تَتَخَلَّصَ مِنْ ضَغْطِ أبَوَيْها عليها. فهي لم تتمكَّن يومًا مِن فِعْلِ ما يُرضيهِم. وقد كانت غاضبةً جدًّا حَتَّى إنَّها أرادت أن تُعاقِبَهُم بأقسَى طريقة مُمكِنة. لِذا فقد أَقْدَمَتْ على الانتحارِ لكي يَعيشوا مُتَحَسِّرينَ لأنَّهُم فَعلوا ذلك. فهذا مُدَمِّر.
وقد تُغيظونَ أولادَكُم وتُغْضِبوهُم مِن خلالِ الدَّلال؛ أيْ مِن خلالِ إعطائِهم كُلَّ ما يُريدون، ومِن خلالِ حَلِّ مَشاكِلِهم بنفسِك دائمًا، ومِن خلالِ السَّماحِ لهم بإلقاءِ كُلِّ المسؤوليَّةِ والمُساءلةِ على الآخرين. وقد تُغيظوهُم مِن خلالِ السَّماحِ لهم بأن يُخطئوا بدونِ عِقاب إلى أنْ يَفعلوا ذلكَ الشَّيء بالطَّريقة الصَّحيحة. ولكِنْ في النِّهاية، عندما يُواجهونَ العالَمَ ويَجدونَ أنَّ العالَمَ لا يَخْدِمُهم، ولا يَقومُ بكُلِّ المسؤوليَّاتِ عنهُم، ولا يَتحمَّلَ المسؤوليَّةَ عن أخطائهم فإنَّهُم سيغضبونَ ويصيرونَ مُرِّي النَّفسِ وعَنيفين. وهذا هو تمامًا الجيلُ الَّذي نَراهُ اليوم.
خامسًا، قد تُغيظونَ أولادَكُم مِن خلالِ إحباطِهم. وأعتقدُ أنَّ هذا يَحْدُثُ بطريقتين: عَدَمُ الفَهْمِ وعدمُ مُكافأتهم لأنَّ كِلا هذينِ الأمرَيْنِ يُدَمِّرُانِ الحافِزَ ويُدَمِّرانِ الدَّافِع. فيجب عليكَ أن تَفهمَ أولادَكَ. افهَم ما يُفَكِّرونَ فيه. وافهَم ما يُحاولونَ أن يُنجزوه. وافهَم لماذا تَحدُثُ أمورٌ مُعَيَّنة، ولماذا تَحدُثُ سُلوكيَّاتٌ مُعيَّنة، ولماذا حَدَثَتْ بعضُ الأحداثِ بطريقة مُعيَّنة. أَصْغِ إليهم وقَلبًا مُتفهِّمًا، وكافِئهُم بكَرَمٍ وسَخاءٍ ومَحبَّة. أَظْهِر لَهُم استحسانَكَ وكَرِّمْهُم، وكُنْ صَبورًا معهُم؛ وإلَّا فإنَّهم سيشعرونَ بالهزيمةِ والإحباطِ الشَّديدَيْن. وهذا يتحوَّلُ إلى غَضَب.
وقد تُثيرونَ غَضَبَ أولادَكُم [وهذه هي النُّقطةُ السَّادسة] مِن خلالِ عدمِ التَّضحيةِ لأجلهم. بعبارة أخرى، مِن خلالِ جَعْلِ الأولادِ يَشعرونَ أنَّهُم مُتَطَفِّلونَ على حَياتِكُم دائمًا، وأنَّهُم يُقاطِعونَ حياتَكُم دائمًا، وأنَّهُم يُضايِقونَكُم دائمًا. فأنتِ تُريدينَ أن تَفعلي ما يَحلو لَكِ. فأنتِ وَزوجُكِ تُريدانِ أنْ تَخْرُجا خارجًا. لِذا فإنَّكُما تَضَعانِ الأولادَ في مكانٍ ما، وتَترُكوهُم هناك، وتَدعوا شخصًا ما يَعتني بهم. فأنتُم لستُم مُستعدّينَ لتغييرِ نَمَطِ حَياتِكُم، بل تُريدونَ أن تَفعلوا ما يَحلو لَكُم. وأنتُم تريدونَ أن تَمرَحوا وأن تَستمتعوا. أمَّا الأطفالُ فينبغي أن يَهتمُّوا بأنفُسِهم. اترُكوهُم وقولوا لهم أن يُعِدُّوا طَعامَهُم بأنفسِهم. ولا تأخذوهم إلى أماكِنَ مُعيَّنة لأنَّكم لا تستطيعونَ أن تَحتملوا إزعاجَهُم. وحينئذٍ سيَستاؤونَ مِن عدمِ اهتمامِكُم بِهم، ومِن عَدَمِ مُتاحيَّتِكُم، ومِن أنانيَّتِكُم. وهذا واحدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي أنا مُمْتَنٌّ جدًّا لوجودِها في عائلتي وهو تَكريسُ زوجتي باتريشا لأولادِنا طَوالَ السِّنينِ الَّتي نَمَوْا فيها في البيتِ، وطَوالِ السِّنينَ الَّتي كانَ يَنبغي لي فيها أن أعملَ وأُسافِرَ. فقد كانت تأبى أن تَفعلَ ذلكَ لأنَّها أرادت أن تكونَ معَ أولادِنا طَوالَ الوقت.
سابعًا، قد تُغيظونَ أولادَكُم وتُغضبوهم مِنْ خِلالِ عدمِ السَّماحِ لهم بأنْ يَنْموا. وما مَعنى ذلك؟ اسمَحوا لهم أن يَقترِفوا بعضَ الهَفوات. اسمَحوا لهم أن يُخطئوا. فإنْ أَسْقَطوا شيئًا عنِ الطَّاولة، اضْحَكوا على ذلك. فَهُمْ لا يَملكونَ بعد المهارةَ أوِ التَّنسيقَ الحَركيَّ المَطلوب. أَوْكِلوا إليهم عَملاً صغيرًا. وإنْ قاموا بهِ بطريقة مَقبولة وأظهَروا تَحَسُّنًا، أَثْنوا عليهم. اسمَحوا لهم أن يُشاركوا بعضًا مِن أفكارِهم السَّخيفة. اسمَحوا لهم أن يُخَطِّطوا بعضَ الأمورِ السَّخيفة وقوموا بها معًا. ولا تُوَبِّخوهُم على ذلك، بل تَوَقَّعوا تَقَدُّمًا وليسَ كَمالاً.
فأفضلُ الأشخاصِ ليسوا كامِلين...ليسوا كامِلين. قبلَ سَنواتٍ خَلَتْ، تَغَلَّبَ فريق "نيويورك تيك" (The New York Tech) على فَريق "رينسيلير بولي" (Rensselaer Poly) بواحدٍ وعشرينَ نُقطة مُقابِل ثماني نِقاط. ففي تلكَ المُباراة، كانتِ الضَّربةُ الوحيدةُ المُوَفَّقة لفريق رينسيلر هي تَمريرة مِن مسافة 63 ياردة (كما تَقولُ الصَّحيفة). وفي أثناءِ اللُّعبة، كانَ يبدو أنَّهُ يوجد ضُعْفٌ في دِفاعِ فَريق "نيويورك تيك". وفي الأسبوعِ التَّالي، عندَ مُراجعة الأفلام، لاحَظَ مُدَرِّب فريق "نيويورك تيك"، وهو "مارتي سينول" (Marty Senall) أنَّ لاعِبَ الدِّفاع "جون سميث" (John Smith) بَقِيَ واقفًا في مكانِهِ في المكانٍ نفسِه في الوقتِ الَّذي تَخَطَّاهُ لاعِبُ الفريقِ الآخرِ المُتَلِّقي للكُرة وحَقَّقَ تلكَ الضَّربة. صَرَخَ المُدرِّب: "لماذا لم تتحرَّك يا سميث؟" قال سميث: "لم أتمكَّن مِن ذلك. فقد سَقَطَتْ عَدساتي اللَّاصقة وكُنتُ أُغَطِّيها بقدمي إلى أن تَحينَ اللَّحظةُ المُناسبةُ لالتقاطِها ثانيةً. فلو تَحَرَّكْتُ مِنْ مَكاني لما عَثَرْتُ عليها في ذلكَ العُشب. ولكانَ أبي وأُمِّي قد قَتلاني بسببِ فُقدانِهما".
والآن، أريدُ أن أقولَ لكم إنَّهُ عندما تَكونُ في مُباراةٍ حاسِمَة، وتَعيشُ في كُلِّ ذلكَ الخوفِ مِن أبَوَيْك، فإنَّ لديكَ مُشكلةً. اسْمَحْ لأولادِكَ أن يُخفِقوا. فسوفَ يُضَيِّعونَ أشياءً. فأنا أتذكَّرُ عندما وَضَعَ ابنُنا "مات" (Matt) ساعَتي في دَورةِ المياهِ وَفَتَحَ الماءَ عليها. وقد سألتُهُ: "لماذا فَعلتَ ذلك؟" فقال: "لقد أردُت فقط أن أرى كيفَ ستَنزِلُ إلى أسفَل". فهل ضَربتُهُ؟ لا. الحقيقةُ هي أنِّي تَمَنَّيْتُ لو كُنتُ هُناك. فقد كنتُ أتمنَّى أن أرى ما سيحدُث عندما تَنزِلُ السَّاعةُ إلى أسفل. لِذا، أعطوهُم فُرصة كي يَنْموا، واسمَحوا بحدوثٍ أمورٍ في حياتِهم.
ثامنًا، قد تُغيظون أولادَكُم وتُغضِبوهُم مِن خلالِ الإهمال. وإنْ كانَ هُناكَ مَثَلٌ توضيحيٌّ كِتابيٌّ على ذلك، سيكونُ على الأرجَح داوُد وأبشالوم. فداود لم يَصرِف معَهُ أيَّ وقت، ولم يَصرِف وقتًا في تَهذيبِه. وقد شعَرَ أبشالوم في النِّهاية بِحِقْدٍ على أبيه، وحاولَ أن يُحْدِثَ انقِلابًا على أبيهِ وأن يَحِلَّ مَحَلَّهُ. الإهمال. وما أسوأُ أنواعِ الإهمال؟ عَدَمُ التَّأديبِ المُنتَظم. فهذا هو أسوأُ أنواعِ الإهمال. وأنا لا أتحدَّثُ عن إهمالِ الوقتِ والأشياءِ، بل أتحدَّثُ عن إهمالِ التَّأديب. عَلِّموهُم، وأدِّبوهُم باستمرار باستخدامِ العَصا، ولكِنْ بمحبَّة.
تاسعًا، قد تُغيظونَ أولادَكُم وتُغضِبوهُم مِن خلالِ الكلماتِ المُسيئة. فيجب أن تُدركوا أنَّ ذلكَ الطِّفلَ الصَّغيرَ يَمْلِكُ مُفرداتٍ مَحدودة جدًّا، وأنَّكُم تَملِكونَ مُفرداتٍ شامِلة جدًّا. فالإساءةُ اللَّفظيَّة شيءٌ مُريع. وإنِ انتقيتَ كلماتٍ مُعَيَّنة مِن كلماتِ الكِبار، قد تُقَطِّعُ ذلكَ القلبَ الصَّغيرَ إرْبًا إرْبًا. فالشَّيءُ المُدَمِّرُ أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخر هو الكلماتُ النَّابعة مِنَ الغَضب، أو كلماتُ السُّخرية، أو كلماتُ الاستهزاء. وبصراحة، نحنُ نَقولُ كلماتٍ لأبنائنا لا نَقولُها لأيِّ شخصٍ آخر.
ثُمَّ عاشرًا، مِن خلالِ الإساءة البَدنيَّة. فالابنُ الغاضِبُ هُوَ ابْنٌ تَعَرَّضَ غالبًا إلى الضَّربِ، والإساءةِ، والعِقابِ الشَّديد مِنْ أَبَوَيْنِ نَاقِمَيْنِ لا يُبالِيانِ سِوى بأنَّهُما انْزَعَجا أو تَضايَقا، ولكِنْ ليسَ لأنَّ ابنَهُما بحاجة إلى التَّقويمِ لِمَصلَحَتِه.
حسنًا، هذه هي بعضُ الأمورِ العمليَّة البسيطة جدًّا. فإن أردتُم أن تُغيظوا أولادَكُم وتُغضِبوهُم، يُمكِنُكم أن تَفعلوا ذلكَ مِن خلالِ الحِماية المُفرِطَة، والمُحاباة، ووضعِ أهدافٍ غير واقعيَّة لَهُم، ومِن خلالِ تَدليلِهم، وعدمِ التَّضحيةِ لأجلِهم بطريقةٍ يَرَوْنَ مِن خلالِها مَحَبَّتَكُم، ومِن خلالِ عدمِ السَّماحِ لَهُم بالنُّمُوِّ، ومِن خلالِ إهمالِ التَّأديبِ الحازِمِ والمُستمرِّ والمُحِبِّ، ومِن خلالِ الكلماتِ المُسيئةِ والإساءةِ البَدنيَّةِ أيضًا. لا تَفعلوا ذلك.
تابِعوا الجانبَ الإيجابيَّ مَعي: "بَلْ رَبُّوهُمْ بِتَأدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ" أو "بتأديبِ الرَّبِّ وتَحريضِه" كما تَقولُ التَّرجمةُ المُعتَمَدة. رَبُّوهُم. فَهُم لن يَتَرَبَّوْا مِنْ تِلقاءِ أنفُسِهم. وأنا أقولُ ذلكَ في عُجالَة. فيجب أنْ تُرَبُّوهُم. فَهُم لن يَتَرَبَّوْا مِنْ تِلقاءِ أنفُسِهم، بل يجب عليكُم أنْ تُرَبُّوهُم. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال 29: 15: "الصَّبِيُّ الْمُطْلَقُ إِلَى هَوَاهُ يُخْجِلُ أُمَّهُ". وهذا هو ما قُلتُهُ لكُم سابقًا. ففسادُ الأولادِ لا يتوقَّف على ما يَفعلُهُ الآباءُ بأولادِهم بالدَّرجةِ الأولى، معَ أنَّهُ مِنَ الواضحِ أنَّهُم إن فَعلوا أُمورًا مُسيئةً ومؤلمةً فإنَّها ستؤثِّر. ولكِنَّ ما لا يَفعلُهُ الآباءُ والأُمَّهاتُ هو الَّذي يُغيظُ الأولادَ (مِثْلَ عَدَمِ التَّأديب، وقِلَّة المحبَّة، ونقص الرِّعاية). فيجب عليكم أن تُرَبُّوهُم. فهذه دَعوة إلى تَربيةِ أولادِكُم، والتَّركيزِ على ذلك.
والآن، اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم تَعليمًا عَمليًّا في هذه النُّقطة. فكيفَ تَفعلونَ هذا؟ كيفَ تُرَبُّونَ أولادَكُم؟ وما هو المِفتاحُ الرئيسيُّ للقيامِ بهذا العَملِ الصَّعب؟ سوفَ أُقَدِّمُ إليكُم المِفتاحَ. افتَحوا كُتُبَكُم المُقدَّسة على سِفْرِ الأمثال 4: 23...أمثال 4: 23. وسوفَ نَرى هُنا المِفتاحَ الرَّئيسيّ. فالفِكرةُ هُنا تُطلِعُنا على العِلَّةِ في جميعِ أولادِكُم وجميعِ أولادي. فهي نفسُ المُشكلة. فنحنُ نَقرأُ في أمثال 4: 23: "فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ". وما لَديكُم هُنا هو جُملة واضحة مُوحَى بها مِنَ اللهِ تقولُ إنَّ مَخارِجَ الحياةِ تأتي مِنَ القَلب. فكُلُّ أمورِ الحَياةِ تَنبُعُ مِنَ القلب.
وفي إنجيل مَرقُس 7: 21، قالَ يَسوع: "لأَنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ: زِنىً، فِسْقٌ، قَتْلٌ، سِرْقَةٌ، طَمَعٌ، خُبْثٌ، مَكْرٌ، عَهَارَةٌ، عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ، تَجْدِيفٌ، كِبْرِيَاءُ، جَهْلٌ". فكُلُّ هذه الشُّرور تَنبُعُ مِنَ الدَّاخِل. والشَّيءُ نَفسُهُ مُدَوَّن لنا في إنجيل لوقا 6: 45: "اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ، وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشَّرَّ. فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ فَمُهُ".
والآن، ما يَجِبُ عليكُم أن تُدركوهُ بخصوصِ أولادِكُم هو الآتي: أنَّكُم أمامَ مُشكلة تَختصُّ بالقلب. فأنتُم لا تَتعامَلونَ معَ مَشاكِل سُلوكيَّة، بل تَتعاملونَ معَ مُشكلة قَلبيَّة. والحقيقةُ هي: اسمَحوا لي أن أتَخَطَّى ذلكَ وأن أقول: السُّلوكُ هو ليسَ المُشكلة الرَّئيسيَّة. فتَغييرُ سُلوكِ أولادِكُم هو ليسَ المُشكلة الرئيسيَّة. بلِ الحقيقةُ هي أنَّ تَغييرَ السُّلوكِ بِدونِ تَغييرِ القَلبِ هو مُجَرَّد رِياء. فهو شيءٌ زائفٌ لأنَّ الخطيَّة والتمرُّد ما زالا موجودَيْنِ هُناكَ، ولكِنَّكُم تُؤخِّرونَ الإفصاحَ عنهُما وحَسْب. فكُلُّ السُّلوكيَّاتِ وكُلُّ الأفعالِ مُرتبطة بحالِ القلبِ، وبموقفِ القلبِ. وأيُّها الآباءُ والأُمَّهاتُ، اسمعوني: إنَّ مَهَمَّتَكُم بِصِفَتِكُم آباءَ وأُمَّهات هي أن تَهتمُّوا بقلوبِ أولادِكُم. فأوَّلاً، يجب عليكم أن تُساعِدوهم على أن يَفهموا أنَّ قَلبَهُم خاطِئٌ جدًّا. وهذا الفَسادُ الداخليُّ هو الَّذي يُؤدِّي إلى كُلِّ كلماتٍ شِرِّيرة، وأفكارٍ وأفعالٍ شِرِّيرة. لِذا، يجب على الآباءِ والأُمَّهاتِ أن يَستهِدفوا القَلبَ. فلا يُمكِنُهم أن يَستهدِفوا السُّلوكَ وإلَّا فإنَّ ذلكَ سيكونُ ضَحْلاً وسَطحيًّا.
وكما قُلتُ لكم في المَرَّة السَّابقة في دراسَتِنا، فإنَّ الأُبوَّة والأُمومة تَختصُّ، في المَقامِ الأوَّل، بالفِداء. فهي تَستهدِفُ القَلبَ. وأوَّلُ شيءٍ يحتاجُ أولادُكم إلى مَعرفته هو أنَّهُم يَملِكونَ قلبًا شِرِّيرًا وخاطئًا مُنفصِلاً عنِ اللهِ، وأنَّ هذا هو المَصدر الرَّئيسيّ لكُلِّ إثْمٍ يَتَخَيَّلُهُ عَقْل، وأنَّهُ لا بُدَّ مِن حُدوثِ شيءٍ ما لتغييرِ ذلكَ القلب. وهذا يَقودُ الأولادَ إلى الخلاصِ والتَّقديس. ويقولُ واحِدٌ مِنَ الكُتَّابِ ذلكَ كما يَلي: "إنَّ أصغَرَ أرضِ مَعركةٍ في العالَم هي قلبُ الطِّفل. وغَزْوُ هذه الأرض يتطلَّبُ عِراكًا شَديدًا لِدَحْرِ العَدُوِّ". فقلبُ أبنائِكُم هو أرضُ المعركةِ الَّتي تَجري فيها المعركةُ بينَ الخطيَّة والبِرّ. فالمُشكلةُ لدى أولادِكُم لا تَكمُنُ في نُقصِ النُّضج. والمُشكلةُ لدى أولادِكُم لا تَكمُنُ في نَقصِ الخِبرة أو نَقصِ الفَهم. فهذه أمورٌ تَزيدُ مِن حِدَّةِ المُشكلة فقط. ولكِنَّ المشكلة لدى أولادِكُم هي القلبُ الشرِّير. واستَمِعوا إلى ما سأقول: لا أحدَ يُولدُ فاسِدًا أكثرَ مِنَ الآخر. لا أحد.
لِذا فإنَّ هَدفَ الآباءِ والأُمَّهاتِ هو تَربيةُ الأولادِ بتأديبِ الرَّبِّ وإنذارِه. فهدفُ التَّربيةِ هو ليسَ السَّيطرة. فليسَ الهَدَفُ هو إخضاعُهم للسَّيطرة. والهَدفُ ليسَ أن تُنَمُّوا فيهم سُلوكًا اجتماعيًّا جَديرًا بالثَّناء. والهدفُ هو ليسَ أن تَجعلوهُم مُؤدَّبينَ وخَلوقين. وَهُوَ ليسَ حَتَّى أن تَجعلوهُم يتصرَّفونَ بطريقة مُهَذَّبة أخلاقيًّا. وَهُوَ ليسَ أن تَجعلوهُم مُطيعين. وَهُوَ ليسَ أن تَحصُلوا بِصِفَتِكُم آباءَ وأُمَّهات على شيءٍ تَفخَرونَ بِهِ. فالهَدفُ مِنَ الأُبوَّةِ والأمومة هو ليسَ أن تَجعلوهُم يتصرَّفونَ بالطريقةِ الَّتي تُرضيكُم. بل إنَّ هَدَفَ التَّربية هو الخلاصُ والتَّقديس. فهدفُ التَّربيةِ هو أن تَرَوْا أولادَكُم يَخلُصونَ مِنَ الخطيَّة وأُجرَتِها الأبديَّة، ثُمَّ أنْ يَتبَعوا طَريقَ القَداسَة.
اسمَعوني: إنَّ أيَّ هَدَفٍ أقَلُّ مِن ذلك هو فقط تَعديلٌ سُلوكيّ. ولكنَّ المُشكلةَ تَكمُنُ في القلب. ويجب عليكم أن تَفهموا أنَّكُم قد أنجبتُم إنسانًا خاطئًا فاسِدًا في الصَّميم، ويَحتاجُ إلى الخلاصِ والغُفرانِ والتَّقديس. ويجب أن تَبتدئوا بِجَعلِ ذلكَ الولد يُدرك حالَتَهُ الخاطئة ودَينونةَ الله. وكما أخبرتُكم سابقًا، يجب عليكم أن تَجعلوا أولادَكُم يُدركونَ جَهَنَّمَ الأبديَّة.
لا تُرَبُّوا أولادَكُم فقط على ضبطِ النَّفسِ وعلى قولِ "لا" عندما يُريدونَ شيئًا ما، بل عَلِّموا أولادَكُم أن يَفهموا التَّجربةَ وأن يُقاوموها لأنَّ خطايا الجَشعِ والشَّهوة والأنانيَّة والاشتهاءِ والاستسلامِ للشَّهَواتِ تُهينُ اللهَ وتَرعى قَلبًا شِرِّيرًا. عاقِبوهُم على الخطيَّة، ولكِن عَلِّموهُم أنَّ القلبَ هو المشكلة. فالأولادُ الخُطاةُ، وغيرُ المُخَلَّصينَ، وغيرُ المُقَدَّسينَ يَتبَعونَ نَفسَ الرَّغْباتِ الَّتي يَتْبَعُها نُظراؤهم الأكبر سِنًّا. فأولادُكم يَتبعونَ شَهوةَ الجسد، وشَهوةَ العَيْن، وتَعَظُّمَ المعيشة. فَهُم أنانيُّونَ، ويَتمركزونَ حولَ أنفُسِهم، ويُريدونَ كُلَّ شيءٍ يُمكِنُهم أن يَرَوْهُ...حَالاً.
قَوِّموهُم، لا بهدفِ إرضاءِ أنفسِكُم بسببِ ما تَشعرونَ بهِ مِن إساءة أو غضب أو إحباط. فهذا غَضَب. وهذه نَقمة. بل يجب عليكم أن تَفعلوا ذلكَ لإرضاءِ اللهِ الَّذي تَمَّتِ الإساءةُ إليهِ. فاللهُ لم يَنزَعِج فقط. وذَكِّروهُم أنَّ اللهَ الَّذي أساؤوا إليهِ يَسعى إلى المُصالحةِ معهُم مِن خلالِ الثِّقةِ بيسوعَ المسيح. فهذا هو...هذا هو هَدَفُ التَّربية بأسرِها. فالأمرُ يَختصُّ بالقلبِ وبالخلاص. وهذا يَعني التَّوبيخَ، والتَّقريعَ، والتَّقويمَ، واستخدامَ العَصا بمحبَّة، ولكِنْ باضْطِراد. وقد تَحَدَّثنا عن ذلك. فلا يجوزُ البَتَّة أن تَستخِدموا العَصا...اسمعوني الآن: لا يجوزُ البَتَّة أن تَستخِدموا العَصا كعِقابٍ على الخطيَّة. فهذهِ ليسَت مَسؤوليَّتُكم. فلا يجوزُ البَتَّة أن تَستخِدموا العَصا عِقابًا على خطيَّة، بل إنَّكُم تَستخدِمونَ العَصا لتأديبِهم مِنْ أجلِ تَجنيبِهم العِقابَ الإلهيَّ.
وللعَصا مَكانة مُهمَّة جدًّا. في هذا الأسبوع، تَسَلَّمْتُ رسالة صغيرة جميلة مِن صَبِيّ في رَعِيَّتِنا عُمرُهُ ثماني أو تِسْعُ سِنين واسْمُهُ "ستيفن" (Stephen). وإليكُم ما كَتَبَهُ لي. وقد سَلَّمَني هذه الرِّسالة يومَ الأحدِ الماضي. "شُكرًا لكَ على بطاقةِ عيدِ الميلاد". وكُنتُ قد أرسلتُ إليهِ بطاقةَ عيدِ ميلادٍ كما أَفعلُ معَ العديدِ مِنَ الأولاد. "لقد كانَ لُطْفٌ مِنكَ أن تُرسِلَ إليَّ بطاقةً تَحمِلُ صُورَتَكَ. وقد أَحببتُ حَقًّا رسالَتَكَ عن تأديبِ الأولاد. ذاتَ يومٍ، عندما أَدَّبني أبي بالعَصا، انْكَسَرت. وبعدَ بِضعةِ أيَّام، قَرَّرتُ أن أَصنَعَ لَهُ عَصا جديدة. ولكنِّي صَنَعْتُ في نهايةِ المَطافِ عَصا أكبرَ مِمَّا أَردتُ". وقد أَحببتُ حَقًّا ما قالَهُ. "كَمْ أتَمَنَّى أنْ يَعِظَ كُلُّ راعي كنيسة كلمةَ اللهِ كما تَفعلُ أنت. ستيفن". وأعتقد أنَّ ستيفن يَفهمُ ما يَحدُث. أليسَ كذلك؟ فيا لَهُ مِن صَبِيٍّ صَغيرٍ رائعٍ إذْ إنَّهُ صَنَعَ لأبيهِ عَصا.
"رَبُّوهُم". والكلمة "رَبُّوهُم" تَعني أنْ تَستهدِفوا القَلبَ. واسمَحوا لي أن أصْحَبَكُم إلى مَقطعٍ في العهدِ القديم يُوَضِّحُ أكثر هذا التَّعليم عنِ استهدافِ القَلب. ففي سِفْرِ التَّثنية والأصحاحِ السَّادس، تَجِدونَ صِيغةً مُهِمَّةً جدًّا مُقَدَّمة هُنا فيما يَختصُّ بتربيةِ الأولاد. وتَثنية 6 هو بِحَقّ أصحاحٌ مُوَجِّهٌ إلى الآباءِ والأُمَّهات. والعددُ السَّابعُ يَتحدَّثُ عن تَعليمِ كلمةِ الرَّبِّ لأولادِك. فهي وصايا تَختصُّ بالعائلة. وهو أصحاحٌ مُهمٌّ جدًّا جدًّا. وهو يُشيرُ إلى تَعليمِ الأبناءِ مَرَّاتٍ عديدة في أجزاءٍ لاحِقَةٍ مِن هذا الأصحاح.
والآن، عندما تُرَبِّيهِم وتُعَلِّمُهم وتُوصيهُم، ماذا ينبغي أن تُعَلِّمَهُم؟ لنبتدئ مِنَ البِداية، أيْ مِنَ العددِ الرَّابع. فأوَّلُ شيءٍ ينبغي أن تُعَلِّمَهُم إيَّاه في هذا الجُزء: "اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ". فأوَّلُ شيءٍ ينبغي أن تُعَلِّمَهُم إيَّاه هو أن يُدركوا اللهَ الحقيقيَّ وأنَّهُ صَاحِبُ السِّيادَة. أنْ يُدرِكوا اللهَ، اللهَ الواحِدَ، والرَّبَّ الواحِد. فهذا هو أوَّلُ شيء. عَلِّموهُم عنِ الله. ثانيًا، في العددِ الخامِس: عَلِّموهم أن يُحِبُّوا اللهَ: "فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ". فهذا هو الشَّيءُ الرَّئيسيُّ الثَّاني في تَربيَتِهم.
ثالثًا، في العددِ السَّادِس: عَلِّموهُم أن يُطيعوا اللهَ: "وَلْتَكُنْ هذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ عَلَى قَلْبِكَ، وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ". عَلِّموهُم عنِ اللهِ. وعَلِّموهُم أن يُحِبُّوا اللهَ مِن كُلِّ قُلوبِهم ونُفوسِهم وقُوَّتِهم. وعَلِّموهُم أن يُطيعوا اللهَ وكُلَّ وَصاياه. ثُمَّ رابعًا، عَلِّموهُم أن يَقْتَدوا بِكُم إذْ نَقرأُ في العددِ السَّابع: "وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ، وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ، وَحِينَ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُ وَحِينَ تَقُومُ". بعبارة أخرى، بَيِّنوا لأولادِكُم ذلكَ طَوالَ الوقتِ مِن خِلالِ حياتِكُم، ومِن خلالِ كُلِّ تَجارِبِكُم الحَياتيَّة. فينبغي أن تَتَكَلَّمَ دائمًا عن كلمةِ اللهِ الحَيِّ. دَعُوهُم يَرَوْنَ أنَّ حياتَكُم خاضِعَة تمامًا للحَقِّ الإلهيِّ. دَعوهُم يَرَوْنَ حَياتَكُم كما لو كانَتْ صَفًّا دِراسيًّا. فكُلُّ مُناسبة في الحياةِ هي فُرصة للتَّعليم. وكُلُّ خِبرة في الحياةِ هي فُرصة لتوجيهِ أنظارِهم إلى السَّماءِ. وكُلُّ شَيءٍ يَحدُثُ لَهُم هو طَريقٌ يَقودُ إلى الكتابِ المقدَّس.
وقد كانَ يَسوعُ أقدَرَ مُعَلِّمٍ على الإطلاق في استخلاصِ الحقائقِ الرُّوحيَّةِ مِنَ العالَمِ المُحيطِ بِهِ: مِنَ الماءِ، وأشجارِ التِّيْنِ، ومِن بُذورِ الخَرْدَل، ومِنَ الطُّيورِ، والخُبْزِ، والعِنَبِ، والَّلآلِئِ، والقَمْحِ، والزَّوانِ، والكؤوسِ، والصُّحونِ، والشِّباكِ، والعَشاءِ، والكُرومِ، والثَّعالِبِ، والرِّجالِ، والنِّساءِ، والنُّورِ، والظُّلمة. فكُلُّ ما كانَ يَحدُثُ في الحياةِ كانَ نافذةً تُطِلُّ على الحَقِّ الإلهيِّ.
ويجب عليَّ أن أجعلَ أولادي يَرَوْنَ يَدَ اللهِ، وأن يَسمعوا صَوتَ اللهِ، وأنْ يُدركوا وُجودَ اللهِ في كُلِّ زَهرة، وكُلِّ صَخرة، وكُلِّ جَبَل، وفي البَحرِ والسَّماءِ والجَداوِلِ الهادِرَة، وفي حَفيفِ الأشجارِ، وفي زَقْزَقَةِ العَصافير، وفي هَديرِ شَلَّالاتِ المِياهِ، وفي تَلاطُمِ الأمواجِ الهادئة، وفي رَحيقِ زَهْرَة، وفي الهَواءِ المُحَمَّلِ بِذَرَّاتِ المَلْح، وفي الأطفالِ الصِّغار، وفي فَطيرةِ تُوتٍ طَازَجَةٍ وساخِنَة، وفي الخُبْزِ السَّاخِنِ المَخبوزِ بالزُّبْدَة، وفي جَرْوٍ، وفي سِنْجابٍ، وفي الجَدَّة، وَهَلُمَّ جَرَّا. فكُلُّ شيءٍ في الحياة هو دَرْسٌ يَجتَذِبُهُم إلى الله.
كذلكَ، مِنَ المُهِمِّ أن تُرَبُّوهُم (بحسبِ العَدَدَيْنِ الثَّامِنِ والتَّاسِع) مِنْ خِلالِ تَذكيرهم مِرارًا وتَكرارًا بهذه الحقائقِ، ومِن خلالِ تَذكيرِهم باللهِ الحقيقيِّ، وباللهِ المُحِبِّ، وبإطاعةِ اللهِ، وبالاقتِداءِ بِكُم. وكيفَ تَفعلونَ ذلك؟ بأن تَجعَلوا تلكَ الكلماتِ عَلاَمَةً عَلَى أيديكُم وَعَصَائِبَ بَيْنَ أعْيُنِكُم، وبأن تَكتُبوها على قَوَائِمِ أبوابِ بُيوتِكُم وعلى أبوابِكُم. وكُلُّ هذا يَعني، ببساطة، أن تُذَكِّروهُم بذلكَ طَوالَ الوقتِ، وبصورة دائمة. بصورة دائمة في كُلِّ الأوقات. ضَعوها بينَ أعيُنِكُم. ضَعوها على أيديكُم. ضَعوها على قوائِمِ بُيوتِكُم وعلى أبوابِكُم لكي تُعيدوهُم دائمًا إلى الحَقِّ الإلهيِّ.
ثُمَّ إنَّنا نَجِدُ دَرسًا آخرَ: عَلِّموهُم أن يَحترِسوا مِنَ العالَمِ مِن حَوْلِهم. فنحنُ نَقرأُ في العددِ العاشِر: "وَمَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي حَلَفَ لآبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أَنْ يُعْطِيَكَ، إِلَى مُدُنٍ عَظِيمَةٍ جَيِّدَةٍ لَمْ تَبْنِهَا، وَبُيُوتٍ مَمْلُوءَةٍ كُلَّ خَيْرٍ لَمْ تَمْلأْهَا، وَأَبَآرٍ مَحْفُورَةٍ لَمْ تَحْفِرْهَا...". بعبارةٍ أخرى، سوفَ تَستولونَ على حَضارةٍ مُتقدِّمَةٍ موجودةٍ أصلاً. "...وَكُرُومٍ وَزَيْتُونٍ لَمْ تَغْرِسْهَا، وَأَكَلْتَ وَشَبِعْتَ، فَاحْتَرِزْ لِئَلاَّ تَنْسَى الرَّبَّ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّة".
حَذِّروا أولادَكُم مِن أنَّهُم عندما يَخرُجونَ إلى العالَمِ ويَبتدئونَ في رؤيةِ كُلِّ ما فيه، ويَبتدئونَ في المُلامَسَةِ والتَّذَوُّقِ والاستكشافِ والشُّعورِ والاختبارِ، أَلَّا يَنْسَوا اللهَ. عَلِّموهُم عنِ اللهِ الحقيقيِّ. عَلِّموهُم أن يُحِبُّوهُ بِكُلِّ قُلوبِهم، وبِكُلِّ نُفوسِهم، وبكُلِّ قُدرَتِهم. عَلِّموهُم أن يُطيعوه. عَلِّموهُم أن يَقْتَدوا بِكُم. أَروهُمْ أنَّ الحياةَ هي مَدرسة...أيًّا كانَ المَشهَد. ذَكِّروهُم دائمًا بهذه الأشياءِ العَزيزة على قُلوبِهم وقُلوبِكُم. وعَلِّموهُم أنْ يَحترِسوا مِنَ العالَم.
في ضَوْءِ ذلك، لِنَرجِع إلى أفسُس 6. وسوفَ نَخْتِمُ حَديثَنا بهذا. ففي أفسُس 6، نَجِدُ كَلِمَتَيْنِ رَئيسيَّتَيْن: "رَبُّوهُمْ بِتَأدِيبِ". والفِعْلُ اليونانيُّ هو "بايديا" (paideia). وهو يَعني: "يُرَبِّي وَلَدًا". وهو يُشيرُ إلى التَّربيةِ والتَّهذيبِ والتَّعليم. وهو يُستخدَمُ أيضًا في عِبرانيِّين 12: 5-11 بِمَعنى التَّوبيخ أوِ التَّأديب. وهو يَعني بصورة رئيسيَّة: "تَربية". وهذا يَضُمُّ التَّأديب. وإليكُم خُلاصَةُ ما تَعنيه: الانْصياعُ الإلزامِيُّ...الانصياعُ الإلزامِيُّ القَلبيُّ والحَياتِيُّ للهِ وحَقِّهِ. الانصياعُ الإلزامِيُّ القَلبيُّ والحَياتِيُّ للهِ وحَقِّهِ. وكيفَ تُلزِموهُم بذلك؟ بالعُقوباتِ والمُكافآت. قوموا بتربيَتِهم، وتَدريبِهم، وتَنشِئَتِهِم مِن خلالِ التَّوبيخِ، والتَّأديبِ، والتَّدريبِ، والتَّهذيبِ، والتَّعليمِ، والانْصياعِ الإلزاميِّ القَلبيِّ والحَياتيِّ للهِ ومبادئِ كَلِمَتِه.
لقد أَنْجَبَتْ "سوزانَّا ويسلي" (Susannah Wesley) سَبعَةَ عَشَرَ طِفلاً بِمَنْ فيهم "جون" و "تشارلز". وقد كَتَبَتْ ذاتَ يَومٍ ما يَلي: "الأبُ الَّذي يَجْتَهِدُ مِنْ أجلِ إخضاعِ الإرادَةَ الذَّاتيَّة في طِفلِهِ يَعمَلُ معَ اللهِ في تَخليصِ نَفسِه. والأبُ الَّذي يُعَزِّزُ الإرادَةَ الذَّاتيَّةَ في ابْنِهِ يَعمَلُ مَشيئةَ إبليس، ويَجعلُ الدِّينَ غيرَ عَمليٍّ، والخلاصَ غيرَ مُتاحٍ، ويَفعلُ كُلَّ ما يَقدِر عليه لإغراقِ ابنِهِ، نَفسًا وجَسَدًا، إلى الأبد". لا تُعَزِّزوا الإرادة الذَّاتيَّة في أولادِكُم، بل أَخْضِعوها. فَكَسْرُ الإرادة الذاتيَّة هو المِفتاح.
عَلِّموهُم أنَّهُم خُطاة، وأنَّ تلكَ الإرادة الذاتيَّة هي تَعبيرٌ خاطئٌ وتَعَدٍّ على اللهِ، وأنَّ اللهَ سيُعاقِبُهُم على ذلكَ عِقابًا أبديًّا. عَلِّموهُم أنَّهُم مَدعُوُّونَ إلى إطاعةِ شريعةِ اللهِ الَّتي ينبغي أن يُطَبِّقوها ولكنَّهُم لا يستطيعونَ تَطبيقَها بِدونِ نِعمةِ اللهِ العامِلة في قُلوبِهم. بَيِّنوا لَهُم خطاياهُم، وبَيِّنوا لَهُم أنَّهم لا يستطيعونَ أن يَفعلوا أيَّ شيءٍ بخصوصِها، بل إنَّ اللهَ هوَ الوحيدُ الَّذي يَستطيعُ أن يُغَيِّرَ قُلوبَهُم مِن خلالِ إيمانِهم بالمسيح. وعندما يَختَبِرونَ الإيمانَ البسيطَ بالمسيح، في طُفولَتِهم، اقبَلوا كُلَّ خُطوةٍ يقومونَ بها. فاللهُ وَحْدُهُ الَّذي يَعلَمُ مَتى يَحْدُثُ الاهتداءُ الحقيقيُّ. شَجِّعوا كُلَّ خُطوةٍ نَحْوَهُ.
والكلمة "تأديب"... "رَبُّوهُم في تأديبِ الرَّبِّ وإنذارِه". والكلمة "إنذارِه" هي تَرجمة للكلمة "نوثيزيا" (nouthesia). وهي تَنْطَوي على مَعنى التَّحذير. وهي تُعيدُنا إلى ما قُلناهُ سابقًا. فيجب علينا أن نُحَذِّرَ أولادَنا مِنْ وُجودِ لا فقط عواقِب جَسديَّة في العائلةِ لتصرُّفاتِهم، بل أيضًا مِنْ وُجودِ عواقب أخطر بكثير مِنَ الله. وهذا مُهِمٌّ جدًّا. فهناكَ التَّأديب. والكلمة "تَأديب" أو "تَهذيب" قد تُشيرُ إلى ما يَفعَلُهُ الأبوانِ بالطِّفْلِ مِن جِهَةِ تَربيتِه، ولكنَّ الكلمة "إنذار" تُشيرُ إلى ما يُقالُ للطِّفل. فهي تَعليمٌ لَفْظِيٌّ يَحوي تَحذيرًا مِنَ الدَّينونة.
بعبارة أخرى فإنَّكُم تقولونَ لَهُم: "يجب عليكم أن تَفعلوا كَذا لأنَّكُم إن فَعَلتُم كَذا فإنَّ العَواقِبَ ستكونُ كَذا وكَذا". وقد قِيلَتْ عن أولادِ عَالي في سِفْرِ صَموئيل الأوَّل...لقد قيلَتْ عن أولادِ عَالي هذه الجُملة المُحزِنَة: أنَّ أولادَهُ جَلَبوا لَعنةً على أنفُسِهم وعَالي لم يُوَبِّخْهُم. فإنْ قرأتُم هذه القصَّة المُحزِنَة جدًّا عن عائلةِ عَالي ستَجدونَ المِفتاحَ هُناك. فالسَّببُ في ذلكَ لا يَرجِعُ إلى شَيءٍ فَعَلَهُ لهم، بل إلى ما لم يَفْعَلْهُ. فهو لم يُحَذِّرهُم.
تقولُ هيئة مُراجعة قوانين مُكافحة الجريمة بولاية مينيسوتا (Minnesota Crime Commission) ما يَلي: "كُلُّ طِفلٍ يَبتدئُ حياتَهُ كَهَمَجِيٍّ صغير. فهو أنانيٌّ تمامًا ولا يُفَكِّرُ سِوى في نَفسِه. وهو يُريدُ ما يُريدُ في الوقتِ الَّذي يُريد: زُجاجَةَ الحَليبِ، واهتمامَ أُمِّهِ، ورِفاقَهُ في اللَّعِب، وألعابَهُ، وساعَةَ عَمِّهِ. احرِموهُ مِن هذهِ مَرَّةً فيَصرُخُ بغضبٍ وعُدوانيَّةٍ قد يَجعلانه قاتِلاً لو لم يَكُن طِفلاً لا حَوْلَ لَهُ ولا قُوَّة. فهو قَذِرٌ، وبلا أيِّ أخلاق، وبلا أيِّ مَعرفة، وبلا أيِّ مهاراتٍ فِعليَّة. وهذا يعني أنَّ كُلَّ الأطفالِ يُولَدونَ جَانِحين إنْ تُرِكوا لمُواصَلَةِ حياتِهِم في عالَمِهم الأنانيِّ الطُّفوليّ. وإنْ تُرِكَ العَنانُ لتصرُّفاتِهم الطَّائشة وإشباعِ كُلِّ رَغبة فإنَّ كُلَّ طِفلٍ سينمو ويكونُ مُجرِمًا، ولِصًّا، وقاتِلاً، ومُغتَصِبًا" [نهايةُ الاقتباس].
إنَّهُ تَقييمٌ ليسَ سَيِّئًا مِن هيئةِ مُراجعةِ قوانينِ الجريمة بولاية مينيسوتا. وما يَصِفونَهُ هُو ماذا؟ الفَساد. والمَهمَّة جَسيمة يا أحبَّائي. والحقيقةُ هي أنَّ اللهَ هو الوحيدُ الَّذي يَستطيعُ أن يُغَيِّرَ القلب. فالهَدَفُ هو ليسَ أن تُعَدِّلوا سُلوكيَّاتِ أولادِكُم، بل إنَّ الهَدَفَ هو أن يُغَيِّرَ اللهُ القلبَ. إذًا، يجب عليكم أنْ تَقودوا أولادَكُم إلى المسيح. وعندما يَقبلُ أولادُكم المسيحَ، أن تَقودوهُم إلى القداسةِ مِن خلالِ التَّأديبِ والإنذار. اصرِف وقتًا في مُساعدةِ ابْنِكَ على فَهْمِ كم هو خاطِئ. اصرِف وقتًا في مُساعَدَتِه (أو مُساعَدَتِها) على فَهمِ أنَّ اللهَ هو الوحيدُ الَّذي يَستطيعُ أن يُغَيِّرَ القَلب. اصرِف وقتًا في تَربيةِ أولادِكَ على الانصياعِ لشريعةِ اللهِ. ولكِنَّ الأهمَّ مِن ذلكَ هو أن يُحِبُّوا اللهَ بِكُلِّ قُلوبِهم ونُفوسِهم وقُوَّتِهم.
وقد نَظَرَ أحدُ الآباءِ إلى الأُبوَّة نَظرةً إلى الوراءِ وأرادَ أن يُضيفَ عِدَّةَ نِقاطٍ عَمليَّة إلى ذلك فقال: "لو أردتُ أن أُؤسِّسَ عائلتي مِن جديد... [بِحَسَبِ قَولِهِ] "...سأُحِبُّ زوجتي أكثر أمامَ أولادي. وسأضحكُ معَ أولادي أكثر على أخطائِنا وأفراحِنا. وسأستمعُ إلى أولادي أكثر، حَتَّى الصِّغارَ مِنهُم. وسأكونُ صَريحًا أكثر بشأنِ ضَعَفاتي ولن أتظاهَرُ بالكَمال. وسأُصَلِّي بطريقة مُختلفة لأجلِ عائلتي، وعِوَضًا عنْ تَركيزِ صَلواتي عليهم، سأُرَكِّزُها علَيَّ. وسأفعلُ أمورًا أكثرَ معَ أولادي. وسأُشَجِّعُهم أكثر. وسأمتَدِحُهم أكثر. وسأنتَبِه أكثر إلى التَّفاصيلِ الصَّغيرة. وسأتحدَّث عنِ اللهِ بصورة أكثر حَميميَّة. وإنْ حَصَلَ أيُّ شيءٍ عاديٍّ في أيِّ يومٍ عاديٍّ، سأستغلُّ الفُرصةَ لتوجيهِ أنظارِهم إلى الله".
وهذه هي الخُلاصة. فلا أعتقدُ أنَّ كُلَّ...أنَّ كُلَّ السُّلوكيَّاتِ الصَّغيرة هي القضيَّة الرئيسيَّة. ولا أعتقد أنَّ وُقوفَ ابنِكَ في مكانِه أو كَثْرَةَ حَرَكَتِه هي القضيَّة الرئيسيَّة. ولا أعتقدُ أنَّ جُلوسَ ابنِكَ على المِقعَدِ مِثلَ "اللُّوردِ الصَّغيرِ فونتلروي" (Little Lord Fauntleroy) مِن دونِ أنْ يُجَعِّدَ مَلابِسَهُ أوْ جُلوسَهُ على ظَهْرِ الكَنَبَة هو بالضَّرورةِ القضيَّةَ الرئيسيَّة. بل إنَّ القضيَّةَ الرئيسيَّةَ هي القلبُ وما إذا كانَ باستطاعَتِكَ أن تُعَلِّمَ ذلكَ الطِّفلَ الصَّغيرَ أن يُحِبَّ اللهَ، وأن يَفهمَ أنَّ اللهَ هو الوحيدُ الَّذي يَستطيعُ أن يُغَيِّرَ قَلبَهُ أو قَلبَها. فهذا هو طَريقُ الأُبوَّة والأُمومة. وهذا هو الطَّريقُ الَّذي يَنبغي انْتِهاجُه. فَهُوَ عَمَلٌ يَختصُّ بالقلبِ، وهو أرضُ مَعركة. وهو يَتطلَّبُ لا فقط تَأديبًا وإنذارًا عظيمَيْنِ، بل قُدوةً مُستمرَّةً بِحَقّ.
واسمَحوا لي أن أُخبرَكُم عن طِفلٍ صغيرٍ سَقيمٍ في الخِتام. فقد كانَ مَريضًا بالحُمَّى الرُّوماتيزميَّة وبأمراضٍ أخرى حَتَّى إنَّهُ رَقَدَ في الفِراشِ سنواتٍ طويلة مِن طُفولَتِهِ الباكِرَة. وبسببِ عِلَّةٍ في قَلبِه، كانَ مَحدودًا في قُدراتِهِ وأنشِطَتِه. وقد تَعَرَّضَ هذا الطِّفلُ إلى الحوادِثِ والمَصائِبِ، وأُجرِيَتْ لَهُ عمليَّات مُختلفَة، وتَعَرَّضَ لحوادث عديدة بسببِ تَصَرُّفاتِهِ الطَّائشة. وقد كانَ هذا الطِّفلُ عابِثًا حَتَّى إنَّهُ فَعَلَ أمورًا مُريعةً مِثلَ أنَّهُ فَتَحَ أقفاصَ جَميعِ الطُّيورِ الأليفةِ لدى الجيرانِ وَتَرَكَها تَطير.
وفي صَباحِ أحدِ الأيَّام، أخرَجَ دَزِّينةً مِنَ البيضِ مَنَ البَرَّاد، ووَضَعَها في غُرفةِ الجُلوس، وأحضَرَ مِطرقةً وَحَطَّمَها لكي يَرى ما يُمكِنُ أن تَفعلَهُ المِطرقةُ بالبيضة. وقد هَرَبَ مَرَّاتٍ عديدة مَسافةً كافيةً عادةً للابتعادِ عن بيتِ السيِّدةِ الَّتي كانت تُعِدُّ تلكَ الفَطائِرِ الشَّهيَّة. وقد قامَ مَرَّةً بتوجيهِ حَرَكَةِ مُرورِ السيَّاراتِ في مُنتصفِ الشَّارِع، وأشعَلَ النَّارَ في المَطبَخ، وقالَ لمُعَلِّمَتِه أن تُصَلِّي لأجلِ أبيهِ لأنَّ أباهُ قَطَعَ قَدَمَهُ لِمُجَرَّدِ أنَّهُ أرادَ أنْ يَفوزَ بجائزةِ أفضل قِصَّة تَتِمُّ مُشارَكَتُها بينَ الطَّلبة. وكانَ مَشهورًا بِعَضِّ الأولادِ حَتَّى إنَّ أباهُ وَضَعَ بِطاقةً على عُنُقِهِ تَقول: "لا تَلعبوا معي لأنِّي أَعُضُّ".
وأنا أعرِفُ هذا الطِّفلَ الصَّغيرَ مَعرفةً حَميمة. فهو أنا. وقد استمرَّيْتُ في القيامِ بذلك إلى أنْ جاءَ أبي ذاتَ يومٍ وأخرَجَني مِنَ السِّجْن. ولماذا كُنتُ كذلك؟ هل لأنَّ والِدَيَّ لم يُحِبَّاني؟ لا. وهل لأنَّهُما أَدَّباني يومًا فَجُرِحَتْ كِبريائي؟ لا. بل لأنِّي كُنتُ مِثلَ البَقيَّة: فاسِدًا في الصَّميم. ولو تُرِكْتُ لذاتي، مَنْ يَدري ما الأنشطة الإجراميَّة الَّتي كنتُ سأقومُ بها. ولكِنَّ الصَّلواتِ المستمرَّة، والإنذارَ المُستمرَّ مِن والِدَيَّ المُحِبَّيْن قاداني إلى يسوعَ المسيحِ، وإلى الخلاصِ، وإلى طريقِ القَداسةِ، وإلى الوقوفِ أمامَكُم هُنا بِصِفَتي واعِظًا.
فقد تَنظُرُ إلى طِفلِكَ الصَّغير وتقول: "هذا فَسادٌ مُزدَوَج. لا أدري إن كانَ بمقدوري أن أتعامَلَ معَ هذه الحالة". أنتَ لا تَقدِر، ولكِنَّ اللهَ يَقدِر. استمرَّ في السُّجودِ، وافهَمِ العَمَلَ الَّذي تَقومُ بِهِ. فهو عَمَلٌ يَختصُّ بالقلبِ لأجلِ الخلاصِ والتَّقديس. والبقيَّة تَنبُعُ مِن ذلك.
يا أبانا، نَشكُرُكَ على الوقتِ الرَّائعِ الَّذي صَرَفناهُ في هذا المساء في التَّفكيرِ في هذه الأمورِ الَّتي نَعرِفُها جَيِّدًا ولكِنَّنا بحاجة إلى إعادَتِها المَرَّة تِلوَ المَرَّة في أثناءِ قيامِنا بمسؤوليَّتِنا اليوميَّة التي تَتلخَّصُ في قيادةِ أولادِنا الصِّغار إلى مَعرفةِ يسوعَ المسيحِ، وإلى مَعرِفَتِك. ساعِدنا في أن نَكونَ أُمناءَ لأجلِ مَجْدِهِ. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
