Grace to You Resources
Grace to You - Resource

إذْ نُتابِعُ في هذا المَساءِ دِراستَنا لِما تقولُهُ كلمةُ اللهِ عنِ العائلة، نأتي إلى مسؤوليَّةِ الأبَوَيْن. افتَحوا كتابكم المقدَّسَ على رسالة أفسُس 6: 4. والأمرُ المُدهشُ هو أنَّهُ عندما أَعطى الرَّسولُ بولسُ، بوحيٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس، هذه الوصيَّة المُختصَّة بالأُبوَّة والأمومة، فإنَّها جُملة واحدة فقط... آية قَصيرة واحدة. أفسُس 6: 4: "وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ، بَلْ رَبُّوهُمْ بِتَأدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ".

نَرى هُنا نَهْيًا وأمرًا. والنَّهيُ هو: "لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ". ومِنَ الواضحِ أنَّ هذا يعني: عامِلوهُم بمحبَّة. وعامِلوهم بطريقة تُؤكِّدُ عاطفتَكُم مِن نحوهِم كيلا يَصيروا عِدائِيِّين. أمَّا الأمرُ فهو: "رَبُّوهُمْ بِتَأدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ".

ما هي الأُبوَّة والأمومة؟ الجوابُ بسيطٌ جدًّا في الحقيقة: أحِبُّوا أولادَكُم كيلا يَغتاظوا مِنكم، ورَبُّوهم على مَعرفةِ اللهِ. وقد تَظُنُّونَ أنَّ هناكَ سِفْرًا كاملاً عنِ الأبوَّة والأمومة، أو أنَّ هناكَ أصحاحًا كامِلاً عن ذلك، ولكِنَّنا لا نَجِدُ سوى آية واحدة فقط لأنَّ المَهمَّة مُحدَّدة بدقَّة شديدة.

والنَّهي "لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ" ينبغي أن يُفهم. وسوفَ نُحاولُ أن نَفعلَ ذلكَ في الأسابيع القادمة. والأمر "رَبُّوهُمْ بِتَأدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ" ينبغي أن يُفهمَ أيضًا. وهناكَ جوانب مُختصَّة بذلك سنحاولُ أن نَفهمها أيضًا. ولكِن ما أروعَ أن تكونَ هذه المسؤوليَّة بِمُجملِها مُلَخَّصَةً في جُملة واحدة.

وبالرَّغمِ مِن بَساطةِ هذه الوصيَّة، يبدو أنَّ الآباءَ والأُمَّهاتِ في وقتِنا الحاضِر يَخافونَ مِن هذا الموضوعِ بمُجملِه. فَهُم يُواجهونَ تَحَدِّيات في الأزمنةِ الَّتي نَعيشُ فيها بسببِ القضايا السَّائدة. وهناكَ أشخاصٌ مِنهُم ينظرونَ إلى الأبوَّة والأمومة كمسؤوليَّة مُخيفَة. وهي كذلكَ إلى حَدٍّ ما. فهي مَهمَّة خطيرة وصعبة، ولكِن ليسَ للأسبابِ الَّتي قد يُفَكِّرُ فيها أغلبيَّةُ النَّاس.

فإنْ سألتُم النَّاسَ عنِ الإنجاب، قد يُخبروكم أنَّهم مُتردِّدونَ بشأنِ الإنْجابِ لأنَّ ذلكَ مُكْلِف. فأنتَ بحاجة إلى منزلٍ أكبر، ويجب عليكَ أن تَشتري سيَّارة أكبر أو أكثرَ مِن سَيَّارة. ويجب عليكَ أن تشتري الكثيرَ مِنَ الملابسِ والطَّعام. ويجب عليكَ أن تَدفعَ كُلَّ مصاريفِهم الصِّحيَّة والتَّعليميَّة.

وقد يقولونَ إنَّ ذلكَ يَستغرِقُ أيضًا وقتًا طويلاً جدًّا. فإن كانت لديكَ أهداف شخصيَّة أو رغبات شخصيَّة أو خُطَط شخصيَّة، أو اهتمامات شخصيَّة، يجب عليكَ أن تتخلَّى عنها بسببِ مُتطلَّباتِ الأبناء. فَهُمْ مُتَطَلِّبونَ جدًّا. ومعَ أنَّنا قد نَظُنُّ أنَّ هذه المُتطلَّبات تكونُ كثيرة في فترةِ الطُّفولة فقط، فإنَّنا نكتشِف أنَّهُ كُلَّما زادُوا نُمُوًّا فإنَّ مُتطلَّباتهم لا تَتراجَع، بل تَزيدُ وتصيرُ أكثر تَعقيدًا.

وهناكَ مَن يقولُ إنَّ الأُبوَّة والأُمومة صَعبة لأنَّها تتطلَّبُ تركيزً كبيرًا على أنشطةِ الأبناء. بعبارة أخرى، هناكَ أشياء كثيرة جدًّا ينبغي أن يشتركوا فيها حَتَّى إنَّكَ تَصرِفُ وقتًا طويلاً وطاقةً كبيرةً في تَوصيلِهم (كما لو كُنتَ سائقَ سيَّارة أُجرة) لتلبيةِ كُلِّ حاجاتِهم. وكُلَّما زادَ عددُ الأبناء، زادَ تَعقيدُ الأمر.

وأعتقد أنَّ هناكَ أمورا سَطحيَّة كهذه تَجعلُ الأُبوَّة والأمومة، إلى حَدٍّ ما، صَعبة. ولكِنَّ السَّببَ الحقيقيَّ في أنَّ تَربيةَ الأبناءٍ صَعبة جدًّا...إنَّ السَّببَ الحقيقيَّ بالنِّسبةِ إلينا، ونحنُ نَعلمُ ذلكَ بِصِفَتِنا مُؤمِنين، قد يَتَلَخَّص في عُنصُرَيْن. وأعتقد أنَّهُ يجب علينا أن نَفهمَ هَذينِ العُنصُرين إن أردنا أن نُحِبَّ أولادَنا لا بطريقةٍ تُغيظُهم، بل بطريقةٍ تَجعَلُهم يُبادِلونا تلكَ المحبَّة، وإن أردنا أن نُرَبِّيهم بتأديبِ الرَّبِّ وإنذارِه.

فإن أردنا أن نَفعلَ ذلك، يجب علينا أن نَفهمَ أنَّ الصُّعوبة تَتأتَّى حَقًّا على صَعيدَيْنِ اثنين أو في جَانِبَيْنِ اثنين. ويُمكنُنا أن نُسَمِّيهما: العُنصُر الخارجيّ والعُنصُر الدَّاخليّ. والعُنصرُ الخارجيُّ يَعني ضَغْط المُجتمع والثَّقافة المُحيطَيْن بِنا. والعُنصرُ الداخليُّ يعني الضَّغط النَّاجِم عن طبيعةِ الطِّفل الَّتي يُولَد بها.

فالأُبوَّة والأمومة ليست صعبة لأنَّها مُكلِفَة. وهي ليست صعبة لأنَّها تستغرِقُ وقتًا طويلاً. وهي ليست صعبة لأنَّها تَمنَعُنا مِن تَحقيقِ أهدافِنا الشخصيَّة. وهي ليست صعبة لأنَّها تزدادُ تعقيدًا مِن جِهَةِ سَدِّ كُلِّ المُتطلَّبات. بل إنَّها صعبة حقًّا لأنَّ هناكَ ضُغوطًا هائلةً مِنَ المُجتمعِ المُحيطِ بنا، وضُغوطًا أكبر نابعة مِن طبيعة الأطفالِ الَّتي وُلِدوا بها. وما لم نَفهم ذلك، لن نَفهمَ المعنى الحقيقيَّ للأُبوَّة والأمومة.

وهناكَ أمورٌ لا يتحدَّثُ عنها الكتابُ المقدَّس. فهو لا يتحدَّثُ عنِ الأمورِ البَديهيَّة، والأمورِ العَمليَّة، والأمورِ المُفَضَّلة شخصيًّا في تنشئةِ أولادِكَ، وطُرُقِ الحَمْلِ والتَّربيةِ وَما إلى ذلك. فالكتابُ المُقدَّسُ لا يتحدَّثُ حقًّا عن ذلك باستثناء أنَّهُ (كما أَشَرْتُ في عِظَة سابقة) يجب عليكَ أن تؤدِّب ابنَكَ جَسديًّا عندما لا يُطيع كلمةَ الله. لِذا، فقد أخبرناكُم سابقًا أنَّ مسؤوليَّتَكُم هي أن تُعَلِّموهم كلمةَ اللهِ، وأن تَحرِصُوا على التزامِهم بذلكَ المِعيار. وإن لم يُطيعوا كلمةَ اللهِ وسُلطتَكُم في تَطبيقِها في حياتِهم، يجب عليكم أن تُؤدِّبوهم بَدنيًّا.

ولكِن يجب عليكم أن تَفهموا التَّحَدِّيَيْن الكبيرَيْن. وأودُّ أن أُساعِدَكُم على فَهْمهما في هذا المساء إنِ استَطعت. أوَّلاً، لنتحدَّث عن الضُّغوط الخارجيَّة. وأنا أَعني بذلك الثَّقافة المُحيطة بنا. فالحياةُ، بصراحة، لم تَعُد بسيطة. وهي لم تَعُد تَتركَّزُ في البيت. وهي لم تَعُد تَتركَّزُ في العائلةِ كوَحدَة مُتراصَّة لا تتأثَّر سوى قليلاً بالعالَمِ الخارجيّ. فهذا لم يَعُد صحيحًا الآن.

فقد جاءَ وقتٌ كانَتِ الحالُ فيهِ هكذا. فقد جاءَ وقتٌ كُنتَ تَنشأُ فيهِ في مَزرعة، وتَعيشُ حياتَكُ كُلَّها هناكَ بصورة رئيسيَّة. وكنتَ تتناولُ الإفطارَ معَ العائلة. ورُبَّما كُنتَ تذهبُ إلى مدرسة صغيرة قريبة مِنَ البيت، وتذهبُ إلى المدرسة معَ جميعِ جيرانِك، وتتعلَّمُ على يَدِ مُعَلِّمٍ أو اثنين مِن قريتك. وقد كُنتَ تعودُ إلى البيت وتعمل في المزرعة، وتجلسُ في البيتِ في المساء، وتتعلَّمُ عنِ الحياةِ مِن خلالِ تلكَ العَلاقة العائليَّة. وقد كانَ ذلكَ البيت يتأثَّرُ هَامشيًّا فقط بما يَحدُثُ في العالَمِ الخارجيّ. وقد بَقيتِ الحالُ هكذا وقتًا طويلاً جدًّا.

وحتَّى إنَّ العائلاتِ الَّتي تَعيشُ في مناطقِ ريفيَّة ما تزالُ تَختبِرُ أكبرَ تأثيرٍ في نِطاقِ البيتِ والعائلة. فالآباءُ والأُمَّهاتُ والكنائسُ والمدارسُ لديهم مَعايير مُجتمعيَّة خاصَّة بتربيةِ الأطفالِ وتعليمهم. وهي تَتْبَعُ بصورة رئيسيَّة نَمَطًا مُتدرِّجًا مَحسوبًا في التَّعليمِ، ونَمَطًا مُتدرِّجًا مَحسوبًا في تَعريضِ الأبناءِ لتحدِّياتِ الحياةِ بطريقة تُوافِق أعمارَهُم وقُدرتَهُم على التَّعامُلِ معَ تلكَ التحدِّيات.

بعبارة أخرى، كانت هناكَ أسرار لا يَعرِفُها الأولاد. وكانَ مِنَ المُهمِّ جدًّا في تربيةِ الأولاد أن تُكشَفَ تلكَ الأسرار في أوقاتٍ مُلائمة كيلا يُصْدَموا بأشياءٍ ليسوا مُستعدِّينَ لا ذهنيًّا ولا عاطفيًّا للتَّعامُلِ معها. وما أعنيه هو أنَّ الأبناءَ كانوا يَتعرَّضونَ للأشياءِ بطريقة مُنضَبِطَة. وقد كانتِ العائلةِ والكنيسةُ والمدرسةُ والمُجتمعُ المحليُّ مَسؤولينَ عن ذلك.

ولكِنَّ هذا كُلَّهُ اختَفى الآنَ في ما أَسْماهُ "نيل بوستمان" (Neil Postman)، وهو كاتبٌ وبروفيسور في جامعة نيويورك في مجالِ التَّواصُل: "اختفاءُ الطُّفولة" (The Disappearance of Childhood)، وهو كِتابٌ أُعيدَ نَشرُه بعدَ إصدارِهِ في العَقْدِ السَّابعِ مِنَ القَرنِ العِشرين إذْ إنَّهُ نُشِرَ مَرَّةً أخرى في سنة 1994. وهذا الكِتابُ "اختفاءُ الطُّفولة" يُساعِدُنا في فَهْمِ ما يَجري مِن حَولِنا.

فالطُّفولةُ الَّتي نَعرِفُها آخِذَه في الاختفاء، أوِ اخْتَفَت تقريبًا. والفِكرةُ الَّتي يَطرحُها "بوستمان"، وأنا أعتقد أنَّهُ يَطرحُها باقتدار، تَتَلَخَّصُ في فِكرةِ أنَّ الطُّفولةَ (كمرحلة فريدة في نُموِّ الإنسان) آخِذَة في الاختفاء. وهو، بالمُناسَبة، يَبني كَلامَهُ على أساسِ نَظريَّة تُدْرَسُ مُنذُ سنواتٍ عديدة وأُلِّفَتْ كُتُب عديدة عن تلك النَّظريَّة تحديدًا. فهي موضوعٌ يَلقى اهتمامًا ونقاشًا كبيرينِ في الأوساطِ الأكاديميَّة.

واسمَحوا لي أن أقولَ لكم لماذا يُؤمِنُ هو وآخرونَ أنَّ الطُّفولة آخِذَة في الاختفاءِ، وما هي مَظاهِرُ ذلك. أوَّلاً، لقد كانتِ الملابسُ الَّتي يَرتديها الأطفالُ مُختلفة. فهي الآن تُحاكي مَلابسَ الكِبارِ قدرَ الإمكان. ومعَ أنَّ هذه ليست المشكلة، فإنَّها تَعكِسُ المُشكلة. فالأطفالُ الآنَ يُطالبونَ أن يَرتدوا مَلابسَ شبيهة بالملابسِ الَّتي يَرتديها آباؤهم وأُمَّهاتهم قدرَ المُستطاع.

وهناكَ ألعابُ الأطفال. فأنا أذكُرُ أنِّي حينَ نَشأتُ كانت هناكَ ألعاب...ألعابٌ اخترعناها. فأحيانًا كُنَّا نَلعبُ ألعابًا لم يَسمع بها أحد. ولكنِّي أتذكَّرُ ألعابًا مِثل لُعبة الغُمَّيْضَة، ولُعبة رَكْل العُلبَة، ولُعبة الكُرة والعَصا. وأنا أذكُرُ لُعبةَ كُرة القاعدة على الرَّمل حيثُ كُنَّا نَضعُ قوانينَ اللُّعبة بأنفسِنا. وكُنَّا نَلعبُ بأيِّ شيءٍ وكُلّ شيءٍ يمكننا العُثورُ عليه. فأحيانًا كُنَّا نُحْضِرُ حَجرًا ونَلُفُّهُ بالجَوارِبِ القديمة الَّتي نُثَبِّتُها بلاصِقٍ أسودٍ قويٍّ. وكُنَّا نَضرُبُ الحَجَرَ بعصا ونُسَمِّي اللُّعبة كُرةَ القاعدة. فهي ألعابٌ طُفوليَّة.

وإنْ نَشأتَ في فيلادلفيا أو بالتيمور أو في مدينةٍ في الجُزءِ الشَّرقيِّ مِن أمريكا، رُبَّما كُنتَ تَلعبُ لُعبةَ القفز مِن فوقِ الكُرة. وهي لُعبة طُفوليَّة اخترعناها. والشَّيءُ الرَّائعُ في ذلك هو أنَّنا كُنَّا نَلعبُها بِدونِ إشرافٍ مِنَ الكِبار. والحقيقة هي أنَّهُ لم يكن يوجد كِبارٌ حولَنا. وكانَ لا بأسَ في ذلك. ولم يَكُن هناكَ زِيٌّ رِياضِيٌّ مُوحَّد، ولم يَكُن هناكَ حُكَّامٌ على جوانبِ الملعب، ولا حُكَّامٌ رئيسيُّون. ولم تكن هناكَ مَعَدَّات. ولم يَكُن هناكَ مُتفرِّجون. وهل تَعلمونَ ماذا أيضًا؟ لم تَكُن هناكَ توقُّعات غير واقعيَّة. فقد كُنَّا نَلعبُ تلكَ الألعابِ لمُجَرَّدِ المُتعة. وقد كُنَّا نَلعبُ سَاعاتٍ عديدة.

ولكِنْ أينَ هي ألعابُ الطُّفولةِ اليوم؟ فأطفالُ اليوم يَلعبونَ ألعابًا تُحاكي ألعابَ الكِبار مِثلَ الدَّورِيّ المُصَغَّر لكُرة القاعدة إذْ إنَّ أطفالاً في السَّادسة مِنَ العُمرِ يَقِفُونَ في المَلعبِ، ويَتَّخِذُونَ كُلَّ الوضعيَّاتِ المُناسبة، ويحاولونَ أن يَلعبوا لُعبةٍ مِنَ المُستحيلِ أن يَلعبوها...مِن رابعِ المُستحيلات. فهناكَ مُنْتَخَبُ أطفالِ كُرَةِ القَدَمِ الأمريكيَّة، ومُنتَخَبُ أطفالِ كُرةِ السَّلَّة، ومُنتَخَبُ أطفالِ كُرةِ القَدَم، ومُنتَخَبُ أطفالِ كُلِّ لُعبةٍ أخرى. وهي ألعابٌ يَلعبوها تحتَ إشرافٍ كاملٍ مِنَ الكِبار. والحقيقةُ هي أنَّ هناكَ أشخاصًا راشِدينَ في كُلِّ مكانٍ إذْ إنَّهُم يَحتشِدونَ في الملاعبِ، وبالقُربِ مِنَ المناطقِ الرئيسيَّة في الملعَب، وفي كُلِّ مكانٍ آخر. وهناكَ الكثيرُ مِنَ المَعَدَّاتِ المُعقَّدة، والملاعبِ المُتخصِّصة، وحُكَّام الخُطوطِ، وحُكَّام المَلعَبِ، وعدد هائل مِنَ المُشاهِدين. والأطفالُ لا يَهتمُّونَ كثيرًا باللُّعبةِ نفسِها.

فبصورة رئيسيَّة، نَجِدُ أنَّ اللُّعبة في ذاتِها لا تُلعَبُ كي يَصرِفَ الأطفالُ وقتًا مُمتعًا ويُعَبِّرونَ عن مُخَيِّلَة الطُّفولة. استمعوا إلى ما سأقول: إنَّهُم يَلعبونَ كي يُشبِعوا غُرورَ آبائهم وأُمَّهاتِهم. فَهُمْ لا يَلعبونَ كي يَمرحوا، بل كي يُشْبِعُوا غُرورَ الآباءِ والأُمَّهاتِ الَّذينَ قَضَوْا تدريجيًّا على مُخَيِّلَةِ الطِّفلِ وأغلبيَّةِ المَرَح.

ثُمَّ هُناكَ السُّلوكُ، واللُّغةُ، والمواقفُ والرَّغْبات. ومِنَ الصَّعبِ الآن أن نُمَيِّزَ بينَ جميعِ هذه الأشياءِ وتلكَ الَّتي يَقومُ بها الرَّاشِدون. فالأطفالُ لم يعودوا يتحدَّثونَ كالأطفال، بل يَتحدَّثونَ كالكِبار. ومواقِفُهم شَبيهة بمواقفِ الكِبار. ومُفرداتُهم تُشبِهُ مُفرداتِ الكِبار. وهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ الآن يَصرخونَ مُطالِبينَ بحقوقٍ مُساويةٍ للأطفالِ لأنَّهم لا يَختلفونَ عنِ الكِبارِ في شيءٍ سِوى أنَّهُم أقصَرُ وأخَفُّ وَزنًا مِنهُم.

في الماضي، كُنَّا مُتيقِّنينَ مِن أنَّ الأطفالَ بحاجة إلى الحِماية. فَهُمْ بحاجة إلى أن يَمُرُّوا بسلسلةٍ مِنَ الفُرَصِ النَّمائيَّة المُتدرِّجة. وقد كُنَّا نُسَمِّي هذه "صُفوفًا" في المدرسة. أتَذكرونَها؟ وقد كُنتُم تَتعلَّمونَ في تلكَ الصُّفوف كُلَّ شيءٍ بطريقة مُبَسَّطة تُلائمُ قُدراتِكَ ومَرحلةَ النُّموِّ الَّتي أنتَ فيها. وكانَ يَتِمُّ توصيلُ المعلوماتِ بعناية وجُرعات مَدروسة، وبكميَّات ومقادير مَحسوبة فيما كانَ الطِّفلُ يَنمو تَدريجيًّا إلى أن يَصيرَ مُستقلًّا في تَفكيرِه.

وبصراحة، فإنَّ "الحِفاظَ على الطُّفولة..." [كما يَقولُ نيل بوستمان] "...كانَ يتوقَّف على مَبادئِ المعلوماتِ المدروسة والتَّعليمِ المُتدرِّج" [نِهايةُ الاقتباس]. فهكذا كانَ الطِّفلُ طِفلاً حقًّا لأنَّ الطِّفلَ يَعرفُ أمورًا مُعيَّنة فقط. وكانت هناكَ أسرارٌ عنِ الحياةِ لا يَعرفُها الطِّفلُ بَعْد – إلى أنْ جاءَ الاختراعُ العَظيمُ وهو: الأجهزةُ الإلكترونيَّة.

فقبلَ ذلك، كانَ الآباءُ والأُمَّهاتُ والمُعَلِّمونَ يَختارونَ الأشياءَ الَّتي سيسمعُها الأطفالُ، والأشياءَ الَّتي سيَراها الأطفالُ، والوقتَ المُناسبَ [بحسبِ بيئتهم] لسماعِ ذلكَ ورؤيتِه. ثُمَّ جاءتِ الأجهزةُ الإلكترونيَّة. وبظهورِ الأجهزةِ الإلكترونيَّة ظَهَرَت وسائلُ الإعلامِ أوَّلَ مَرَّة في التَّاريخِ البشريِّ. وبسببِ الأجهزةِ الإلكترونيَّة، تَمَّ إنشاءُ المَطابِع، وصارت هُناكَ كُتُبٌ ومَجلَّاتٌ. ثُمَّ ظَهَرَ المِذياعُ، ثُمَّ الأسطواناتُ، ثُمَّ الأشرطةُ، ثُمَّ الأقراصُ المُدْمَجَةُ، ثُمَّ أشرطةُ الفيديو، والكاميراتُ، ولوحاتُ الإعلاناتِ، والأفلامُ، وتَحديدًا: التِّلفزيون. فجميعُ أشكالِ وسائلِ الإعلامِ مُنتَجَة بصورة مباشرة بواسطةِ الأجهزة الإلكترونيَّة. والآن، لم يَعُد باستطاعتنِا أن نَتخيَّلَ الحياةِ بدونِ أجهزة إلكترونيَّة.

وما الَّذي يَقودُ إليهِ هذا التَّغيير؟ إنَّهُ يَقودُ إلى تَعَرُّضِ الأطفالِ إلى أُمورٍ كثيرة جدًّا تَصعُبُ مُراقَبَتُها. فَهُمْ يَتعرَّضونَ بإفراطٍ لكُلِّ شيءٍ مِن دونِ اعتبارٍ لأيِّ خُطَّة أو أيِّ تَعاقُب. ففجأةً، في بيتِك، لم يَعُد أطفالُكَ يَعرفونَ فقط ما تقولُهُ لهم وما يَقولُه لَهُم مُعَلِّمُهم، بل يُمكنهم أن يَفتحوا التِّلفزيون وأن يَتعرَّضوا لِكَمٍّ هائلٍ مِنَ المعلوماتِ عن أيِّ شيءٍ في أيِّ وقتٍ وبأيِّ مُستوى. وقد صارت أجهزةُ الحاسوبِ والإنترنت في وقتنا الحاضرِ تُشَخِّصُ أفضلَ ما في العالم وأسوأَ ما في العالم لأيِّ شخصٍ يَستطيعُ الوُلوجَ إلى تلكَ المعلومات. وقد انهارَ التَّسلسُلُ التَّعليميُّ بأسرِه، والنِّظامُ التَّعليميُّ بِمُجملِه تحتَ وَطأةِ الفيديو.

فالتِّلفزيون لا يُستخدَم بطريقة تُفَرِّق في عُمْرِ مَن يُشاهِدُه. بعبارة أخرى: التِّلفزيون لا يُفَرِّقُ بينَ راشِدٍ وطِفل. البَتَّة. والتِّلفزيونُ يَترُكُ تأثيرًا هائلاً في الأطفال. وقد تُفاجَؤونَ لمعرفةِ ما يَلي: هُناكَ ثلاثةُ مَلايين طِفل يُشاهدونَ التِّلفزيون كُلَّ ليلة مِن ليالي السَّنة ما بينَ السَّاعة الحادية عشرة والسَّاعة الحادية عشرة والنِّصف مساءً. وهُناكَ مَليونان ومئة ألف طفل يُشاهدونَهُ ما بينَ السَّاعة الحادية عشرة والنِّصف مساءً ومُنتصف اللَّيل. وهُناكَ مَليون ومئة ألف طفل يُشاهدونهُ ما بين مُنتصف اللَّيل والسَّاعة الواحدة صباحًا. وهناكَ نحو 750 ألف طفل يُشاهدون التِّلفزيون ما بين السَّاعة الواحدة والواحدة والنِّصف صباحًا؛ وهو على الأرجَح الوقت الَّذي تُقَدَّمُ فيه أغلبيَّةُ برامجِ الكِبار.

ويقولُ "نيل بوستمان" ما يَلي: "يُمكِنُنا أن نَستنتِج أنَّ التِّلفزيونَ يَمحو الخَطَّ الفاصِلَ بينَ سِنِّ الطُّفولةِ وسِنِّ الرُّشْدِ بثلاثِ طُرُق تَرتبطُ جميعُها بمُتاحيَّتِهِ للكِبارِ والصِّغارِ دونَ تَفرِقَة. أوَّلاً: لأنَّهُ لا يتطلَّب تعليمًا لفهمِ صيغَتِه". فهو سَهل. اضغَط الزِّرَّ وانظُر إليه. "ثانيًا: لأنَّهُ لا يَفرِضُ مَطالِبُ مُعَقَّدة على العقل أو السُّلوك. ثالثًا: لأنَّهُ لا يَعزِلُ مُشاهِديه".

"فالتِّلفزيون..." [كما يَقول بوستمان] "...يَخلو مِنْ أيِّ أسرار. لِذا، لا وُجودَ لشيءٍ اسمُهُ طُفولة". فالطُّفولة تَعني وُجودَ أسرار. فهي تَتميَّزُ بعدمِ المعرفة. فالبَراءةُ مُرتبطة بمستوى البَراءة الَّتي يُمكِنُنا أن نَنسِبَها إلى الطِّفل. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّنا لا نتحدَّثُ هُنا عنِ البراءة الأدبيَّة. ولكِنَّ البراءةَ المُرتبطة بالأمورِ الحَياتيَّة مَفقودة تمامًا في هذه البيئة.

فالمجموعة...وأعتقد أنَّكُم ستُدركونَ ما أقول...المجموعة، أيُّ مجموعة، أيُّ مجموعة وَحَسْب تَختلِف عن غيرها بحسب المعلوماتِ الحَصريَّة الَّتي يُشارِكُها الأعضاءُ فيما بينهم. وما الَّذي أعنيهِ بذلك؟ لو كانَ الجميعُ يَعرفونَ ما يَعرِفُهُ المُحامون، لن يكونَ هناكَ أيُّ مُحامين. ولو كانَ الجميعُ يَعرفونَ ما يَعرِفُهُ الأطبَّاءُ، لن يعودَ هناكَ أيُّ أطبَّاء. ولو كانَ الجميعُ يَعرفونَ ما يَعرِفُهُ الوُعَّاظُ، لن يَعودَ هناكَ أيُّ وُعَّاظ. ولو كانَ الأطفالُ يَعرفونَ ما يَعرِفُهُ الكِبارُ، لن يَعودَ هُناكَ أيُّ أطفال.

لِذا، فإنَّ الأطفالَ يَتعرَّضونَ لأشياء لا يُمكِنُ لعقولِهم وعواطِفِهم أن تَتعامَل مَعَهُ. لِذا فإنَّهم يَقعونَ سَريعًا في تجارِب قويَّة لا يستطيعونَ التَّعامُل معها. وتحتَ هَجَماتِ هذا العالمِ الفاسِد بِكُلِّ أفكارِهِ الخاطئة، ورغباتِه الخاطئة، وكلماتِهِ الخاطئة، وأعمالِهِ الخاطئة، ومواقِفِهِ الخاطئة، قد يَصيرُ الأطفالُ مَشاكلَ كبيرة لأبَوَيْهِم ومُجتمعِهم. فَهُم يَتعرَّضونَ باستمرار لأمورٍ لا يستطيعونَ أن يَتعاملوا معها عاطفيًّا، ولا يستطيعونَ أن يَتعاملوا معها أخلاقيًّا، ولا يستطيعونَ أن يَتعاملوا معها اجتماعيًّا أو رُوحيًّا. وما يَحدُثُ هو أنَّهم لا يَملِكونَ ضَبْطَ نَفْسٍ وكَبْحَ نَفْسٍ للتَّعامُلِ معَ القضايا الَّتي تَنشأُ بسببِ تَعَرُّضِهم لهذهِ المعلومات.

وهناكَ تَراجُعٌ تدريجيٌّ في مَفهومِ العَيب، وتَراجُعٌ تَدريجيٌّ في كُلِّ ما يَختصُّ بكبحِ الذَّات. ومَرَّةً أخرى، يَقولُ نيل بوستمان: "مِن خلالِ حُصولِهم على الفاكِهَةِ الخَفيَّةِ الَّتي كانت تَقتَصِرُ في السَّابقِ على الرَّاشِدين، طُرِدوا مِنْ جَنَّةِ الطُّفولة" [نِهايةُ الاقتباس].

وإذا نَظرتُم إلى المُجتمَع، ستَرونَ أنَّ المجتمعَ كُلَّهُ يتحرَّكُ نحوَ تَوحيدِ النَّمَطِ، والملابسِ، واللُّغةِ، والطَّعام. فأنا أذكُرُ عندما كانت دَعاياتُ مكدونالد مَوَجَّهة إلى الأطفال. ولكِنَّ هذا اختفى الآن. فهناكَ مُحاولاتٌ لِجَعْلِ الملابسِ والطَّعامِ واللُّغةِ والنَّمطِ والألعابِ مُوَحَّدَةً.

والآن، مِنَ المُحزِنِ أنَّ النَّتيجة مأساويَّة. فأنتَ لديكَ أبناء لا يَملكونَ القُدرة على مُعالجةِ المعلوماتِ الَّتي يَطَّلِعونَ عليها. وَهُم يَتعرَّضونَ لأفكارٍ ومواقِف ورغبات وسُلوكيَّات لا يُمكنهم وَحَسْب أن يَتعاملوا معها. وَهُم قد يصيرونَ مَشاكِلَ اجتماعيَّة عويصة في البيت، وفي المدرسة، وفي المُجتمع. وسوفَ أُبَيِّنُ لكم ذلك مِن خلالِ إحصائيَّاتٍ بسيطة. ففي سنة 1950...في سنة 1950، كانَ الرَّاشِدونَ يَرتكبونَ جرائمَ خطيرة بمُعدَّلِ 215 مَرَّة أكثر مِنَ الجرائمِ الخطيرةِ الَّتي يَرتكبها الأطفال. وعندما أتحدَّثُ عنِ الأطفال فإنِّي أتحدثُ عنِ الأطفالِ مِن عُمر 14 سنة أو أقل بحسبِ هذه الدراسة. وأنا أتحدثُ عن الجرائم الخطيرة الَّتي يمكن تصنيفها بأنَّها قَتل، أو اغتصاب، أو اعتداء شديد، أو سَطْو مُسَلَّح.

حسنًا! في سنة 1950، كانَ الرَّاشدونَ يَرتكبونَ هذا النَّوع مِنَ الجرائمِ الخطيرة بمُعدَّل 215 مَرَّة أكثرَ مِن جرائمِ الأطفال. وبالمناسبة، قد يَهُمُّكم أن تَعلموا أنَّهُ في سنة 1950، في الولاياتِ المتحدة الأمريكيَّة، تَمَّ اعتقالُ مِئة وسبعينَ طفلاً لارتكابهم جرائمَ خطيرة في السَّنة كُلِّها...مِئَة وسبعين. وهذا يعني أنَّ نِسبةَ الجرائمِ الَّتي اقترفوها هي أربعة جرائم مِن أصل كُلِّ عشرة آلاف جريمة. فالأطفالُ لم يكونوا يَقترفونَ جرائم. ولكِنَّ الحالَ تَغيَّرت.

وكيفَ سنَضَعُ قُيودًا على أطفالٍ يعيشونَ في عالمٍ يَعيشُ فيهِ الرَّاشِدونَ بلا قيودٍ في حين أنَّ الأطفالَ يَعرفونَ كُلَّ شيءٍ يَعرفُهُ الكِبار؟ وبحلولِ سنة 1960، ما بين سنة 1950 و 1960، تَمَّ اختراعُ التِّلفزيون، وابتدأت وسائلُ الإعلامِ الإلكترونيَّة تَترُكُ تأثيرًا. وابتدأتِ الأمورُ تتوسَّع. وابتدأَ العالَمُ يَصيرُ مُتاحًا. وقد بَدا أنَّهُ وقتٌ بَريءٌ، ولكِن إليكُم هذه الإحصائيَّة المُدهشة: بحُلول سنة 1960، صارتِ الجرائمُ الخطيرةُ الَّتي يَقترفُها الكِبارُ هي فقط بنسبة 8 إلى 1 مُقابلَ الجرائمِ الَّتي يَقترفُها الأطفال. فقد تَغَيَّرتْ مِن (215 إلى 1) إلى (8 إلى 1) في غُضونِ عَشْرِ سنين. وفي سنة 1980، صارتِ النِّسبةُ هي (5 إلى 1).

إذًا، ما بين سنة 1950 وسنة 1980، حَدَثَتْ زيادة بنسبة 11000 بالمئة في الجرائمِ الَّتي يَقترفُها الأطفالُ الَّذينَ تَبلُغ أعمارهم 14 سنة فما دُون. وعندما أتحدَّثُ عنِ الجرائمِ الخطيرة، فإنَّ هناكَ زيادة بنسبة 8300 بالمئة في الجرائمِ الأقلّ خطرًا. فالجريمة لم تَعُد شيئًا يَقترفُهُ الكِبارُ فقط. ولكِنَّ هذه الحالَ تَسري على كُلِّ شيءٍ آخر.

وإن أمكنَ القولُ إنَّ أمريكا تَغرَقُ في مَوجةٍ مِنَ الجريمة، فإنَّ ما يُسَبِّبُ حُدوثَ الموجةِ بصورة رئيسيَّة هُم أطفالُنا. فالجريمةُ، حالُها في ذلكَ حالُ أيِّ شيءٍ آخر، لم تَعُد شَيئًا يَفعلُهُ الرَّاشدونَ فقط، بل إنَّها صارَت شَيئًا يَفعلُهُ الأطفال. فالصُّحُفُ تُخبرُنا يوميًّا عن اعتقالِ أطفالٍ صَاروا يُشبهونَ لاعبي كُرةِ المَضرِب في بُطولةِ ومبلدون (Wimbledon) إذْ إنَّ أعمارَهُم تَزدادُ صِغرًا أكثر فأكثر.

ففي مدينةِ نيويورك، حاولَ طِفلٌ في التَّاسعة مِنَ العُمر أن يَسرِقَ مَصرِفًا. وفي مُقاطعة ويستشستر (Westchester)، في شهر تَمُّوز/يوليو سنة 1981، بمُقاطعة ويستشستر في نيويورك، اتَّهَمَتِ الشُّرطةُ أربعةَ أطفالٍ بالاعتداءِ الجنسيِّ على فتاةٍ عُمرُها سبع سنوات. وكانَت أعمارُ المُغتصبينَ: صَبِيّ في الثَّالثة عشرة، وصَبيَّان في الحادية عشرة، وصبيّ في التَّاسعة. وقد كانَ الصَّبيُّ الأخيرُ أصغرَ شخصٍ تُوَجَّهُ إليهِ يومًا تُهمةُ الاغتصابِ بالدَّرجة الأولى في مُقاطعة ويستشستر. فالأطفالُ الَّذينَ تَتراوح أعمارُهم بين 10-13 سنة يَشتركونَ في اقتراف الجرائم الَّتي يَقترفُها الكِبار بمُعَدَّل لم يَسبِق لَهُ مَثيل.

والحقيقةُ هي أنَّ كَثْرَةَ الجرائمِ الخطيرة الَّتي يَقترفُها الأطفال قد جَعَلتِ القوانين المُختصَّة بجرائم الشَّباب تُطَبَّقُ بأقصى عُقوباتٍ فيها. وقد تأسَّست أوَّلُ محكمة أمريكيَّة للأحداث في سنة 1899 في ولاية إيلينوي (Illinois). والفكرة هي...فقد تأسَّست في سنة 1899 كمحكمة أحداث. ولكِنَّ فِكرةَ إقفالِها قبلَ نِهايةِ هذا العَقْد قد أُلغيت لأنَّ المُشَرِّعينَ في كُلِّ الولاياتِ المُتَّحدة الأمريكيَّة يُسارعونَ إلى تَعديلِ قوانينِ الجرائمِ كي تَتِمَّ مُعاقبةُ الأطفالِ الَّذينَ يقترفونَ الجرائمَ بذاتِ العُقوباتِ الَّتي يُعاقَبُ بها الرَّاشِدون.

وفي كاليفورنيا، أَوْصَتْ مجموعة دراسيَّة شَكَّلها المُدَّعي العامّ بإرسالِ الأحداثِ المُدانينَ بجرائم مِنَ الدَّرجة الأولى إلى السِّجن عِوَضًا عن إرسالهم إلى إصلاحيَّة الشَّباب في كاليفورنيا حيثُ كانوا يُرسَلونَ دائمًا في الماضي. وقد أَوْصَتْ أيضًا بأنْ يُحاكَمَ المُجرمونَ العنيفونَ كما لو كانوا راشِدين.

وفي "فيرمونت" (Vermont)، أدَّى اعتقالُ مُراهِقَيْن اقترفا جريمةَ اغتصابٍ وتعذيبٍ وقَتلٍ بِحَقِّ فتاةٍ في الثَّانية عشرة مِن عُمرها إلى دَفْعِ السُّلطة التَّشريعيَّة في الولاية إلى اقتراحِ زيادةِ صَرامةِ جميعِ القوانينِ المُختصَّة بالأحداث. ومَرَّة أخرى، في نيويورك، إذا تَمَّ اعتقالُ أطفالٍ تتراوح أعمارهم بين 13 و 15 سنة بسببِ اقترافهم جرائمَ خطيرة، صاروا يُعاقبونَ الآن في مَحاكِم الرَّاشِدين. وإنْ تَمَّتْ إدانَتُهم، قد يُحكَمُ عليهم بالسِّجن فترةً طويلة كالرَّاشدين. وسوفَ تَزدَحِمُ السُّجونُ بهؤلاءِ الأطفال.

وفي فلوريدا، ولويزيانا، ونيوجيرزي، وكارولاينا الجنوبيَّة، وتينيسي، تَمَّ تَعديلُ القوانينِ كي يَصيرَ مِنَ السَّهلِ نَقْلُ الأطفالِ الَّذينَ تتراوح أعمارهم بين 13 و 15 سنة إلى المحاكِمِ الجنائيَّة الَّتي يُحاكَم فيها الرَّاشدون إنْ كانتِ الجريمة خطيرة إلى حَدٍّ مُعَيَّن. وفي إيلينوي، ونيومكسيكو، وأوريغون، ويوتا، تَمَّ إلغاءُ الخُصوصيَّة الَّتي كانت تُغَلِّفُ عادةً مُحاكماتِ الأحداثِ، وصارَ بمقدورِ الصّحافيِّينَ الآنَ أن يَحضُروا جميعَ الجَلَسات. فقد صارَ هؤلاءِ الأطفالُ يُعاملونَ كالرَّاشدينَ لأنَّهم يتصرَّفونَ كالرَّاشدين.

وهذا التَّغييرُ غيرُ المَسبوق في وَتيرةِ جرائمِ الأطفال وَوحشيَّتِها يُشيرُ إلى أنَّ مَفهومَ الطُّفولة يتغيَّر بسُرعة عَمَّا كُنَّا نُفَكِّرُ فيه. وأطفالُنا يعيشونَ في مُجتمعٍ لا يُمَيِّزُ نَفسيًّا ولا اجتماعيًّا بينَ الرَّاشدينَ والأطفال. وعندما يُفْتَحُ عالمُ الرَّاشدينَ بكُلِّ الطُّرقِ المُمكِنَة أمامَ الأطفال، فإنَّهُم سيُقَلِّدونَ في النِّهاية النَّشاطَ الإجرامِيَّ للرَّاشدين. وليسَ فقط النَّشاطَ الإجرامِيَّ للرَّاشدينَ، بل أيضًا الانحطاطَ الأخلاقيَّ للرَّاشدين.

وواحدةٌ مِن عَواقبِ ذلك هي ظُهورُ المُراهقاتِ الحَوامِل. ونحنُ جميعًا نَعلَمُ عن ذلك. فولادةُ أطفالٍ لفتياتٍ مُراهقاتٍ في تَزايُدٍ مُستمرّ، ولا سِيَّما في الفئة العُمريَّة مِن 13-17 سنة. فهناكَ ملايينُ الأطفالِ الَّذينَ يُولَدونَ كُلَّ سنة وِلادة غير شرعيَّة لفتياتِ مُراهقات. فهناكَ أطفالٌ يُولَدون... ونحنُ نقرأُ عنهم دائمًا...يُولَدونَ لفتياتٍ تتراوحُ أعمارُهُنَّ بين 12 و 13 سنة.

كذلكَ، مِنَ الواضحِ أنَّ كميَّةً كبيرةً مِنَ الكحولِ والمُخَدِّراتِ تُستهلَكُ مِن قِبَلِ الأطفال. فالإحصائيَّاتُ صَاعِقَة. ولن أتوسَّعَ في الحديثِ عنها كُلِّها. فأنتُم تَعلمونَ ذلك.

لِذا، نحنُ أمامَ مُشكلة كبيرة هُنا. فنحنُ لدينا جيلٌ مِنَ الأطفالِ الَّذينَ يَتعرَّضونَ لأمورٍ تَفوقُ قُدرتَهُم، ويُعامَلونَ كأشخاصٍ راشِدينَ لأنَّهم يَملكونَ كُلَّ المعلوماتِ الَّتي يَملِكُها الرَّاشِدون. وعِوَضًا عن أن يَقومُ الآباءُ والأُمَّهاتُ بإخضاعِ أولادِهم لسُلطَتِهم فإنَّ ما يُقالَ للآباءِ والأُمَّهاتِ هو: "لا تَضرِبوا أولادَكُم البَتَّة. لا تُؤدِّبوا أولادَكُم البَتَّة. وإنْ كانَ ابنُكَ يُعاني خَطْبًا ما، يجب عليكَ أن تَفهمَ ما المُشكلة. فالمُشكلة هي ليست الخطيَّة، بل إنَّ المشكلة هي نَقْصُ تَقديرِهِ لنفسِه. لِذا، ما يجبُ عليكَ أن تَفعلَهُ هو أن تُساعِدَهُ في بِناءِ ثِقَتِهِ بنفسِه".

وهذا الضَّغطُ الكبيرُ الَّذي يُمارَسُ على الأبوَّة والأمومة مِنَ الخارج يَتفاقَمُ بسببِ الضَّغطِ الأكبر الَّذي يُمارَسُ على الأبوَّة والأمومة مِنَ الدَّاخلِ؛ أيْ: داخليًّا. ولنتحدَّث عن ذلك. فما الَّذي أعنيه بذلك؟ قد يكونُ الأطفالُ جُهَّالاً حينَ يأتونَ إلى العالَم. وقد يكونونَ سُذَّجًا. ورُبَّما يَفتقرونَ إلى الخِبرة. وقد يكونونَ لُطفاء. ولكنَّهم ليسوا بَريئينَ فيما يَختصُّ بالشَّرِّ.

وأعتقد أنَّ أبسطَ طريقة لقولِ ذلك هي إنَّ بِذرةَ كُلِّ خطيَّة نعرِفُها مَزروعة عميقًا في قلبِ كُلِّ طفل. فبِذرةُ كُلِّ خطيَّة نعرِفُها مَزروعة عميقًا في قلبِ كُلِّ طفل. والحقيقة هي...اسمَعوا هذا لأنَّهُ مُهمٌّ جدًّا...الحقيقة هي أنَّهُ لا صِحَّةَ لما يُقالُ بأنَّه إنْ سَاءَتِ الأحوالُ قد يَصيرُ أطفالُنا خُطاةً. بل إنَّ أطفالنا خُطاة جدًّا مُنذُ ولادتِهم. ولا صِحَّةَ لما يُقالُ بأنَّهُ إن لم تَنجحِ الأمورُ كما نَتَمَنَّى، قد يَضيعُ أطفالُنا رُوحيًّا وقد يَتوهونَ أخلاقيًّا، بل إنَّ الحقيقة هي...اسمعوني: إنَّ الدَّافعَ إلى الضَّياعِ رُوحيًّا وأخلاقيًّا، والدَّافعُ إلى اقترافِ الخطيَّة مَحفورٌ في طبيعَتِهم. وهو المُحَرِّكُ الأقوى.

فَهُمْ لا يأتونَ إلى العالمِ باحثينَ عنِ اللهِ والبِرّ، بل يأتونَ إلى العالمِ باحثينَ عن إشباعِ رغباتهم الخاطئة. اسمَعوني: إنَّ كُلَّ ما هو مَطلوب للحُصولِ على النَّتيجةِ المأساويَّة هو السَّماحُ للأبناءِ بالتَّعبيرِ عن أكثرِ رَغْباتِهم استفحالاً في الشَّرّ.

فنحنُ نتحدَّثُ عنِ القتلِ الجماعيِّ طَوالَ الوقتِ. وَهُمْ يَبُثُّونَ دائمًا شيئًا عنها على التِّلفزيون. ونحنُ نتحدَّثُ عنِ المُعتدينَ على الأطفال، أي عن الجريمةِ البَشِعَةِ المُتَمَثِّلَةِ في الاعتداءِ على الأطفالِ جنسيًّا، والمُغتصبينَ، والانحرافاتِ الجنسيَّة المِثليَّة، والسُّلوكِ الإجراميِّ المُزمِنِ الَّذي يَدومُ مَدى الحياة. والنَّاسُ يَطرحونَ دائمًا السُّؤالَ التَّالي: "ماذا حَدَثَ لهم عندما كانوا صِغارًا؟ ماذا فَعَلَ آباؤهم وأُمَّهاتُهم بهم؟ لا بُدَّ أنَّهُم عاشوا في بيئة أساءَتْ إليهم. ولا بُدَّ أنَّهم عُومِلُوا مُعاملةً سَيِّئة ومُعامَلةً قاسِيَة". فالسُّؤالُ الَّذي يُطرَحُ دائمًا هو: "ماذا فَعَلَ آباؤهم وأُمَّهاتُهم بهم؟"

واسمَحوا لي أن أقولَ لكم شيئًا. إنَّ السَّفَّاحينَ، والمُعتدينَ جنسيًّا على الأطفال، والمُغتصبين، والمُنحرفين، والمُجرمينَ الَّذي صَرَفوا حياتَهُم في اقترافِ الجرائم هُم ليسوا نِتاجَ ما فَعَلَهُ آباؤهم وأُمَّهاتُهم بهم، بل هُم نِتاجُ ما لم يَفعلهُ آباؤهم وأُمَّهاتُهم بهم. فإن بَحَثْتُم عن حَدَثٍ مأساويٍّ في حياة "جيفري دامر" (Jeffrey Dahmer) عندما كانَ طِفلاً، قد لا تَجِدونَ حَدَثًا واحدًا. فكيفَ نُفَسِّرُ قِيامَ شخصٍ بالاعتداءِ على الآخرينَ جنسيًّا وقَتْلِهِم بوحشيَّة؟ "ما الَّذي فَعَلَهُ أبوهُ وأُمُّهُ بِهِ؟" إنَّ هذا ليسَ السُّؤالَ الصَّحيح. فالسُّؤالُ هو: "ما الَّذي لم يَفعلوهُ به؟" لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقول: "اَلْجَهَالَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِقَلْبِ الْوَلَدِ. عَصَا التَّأدِيبِ تُبْعِدُهَا عَنْهُ".

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ ما حَدثَ هو أنَّ هؤلاءِ الأولادَ فَعلوا ما تُمليهِ عليهم طَبيعَتُهم الخاطئة. وهذا مُخيفٌ يا أحبَّائي لأنَّهُ عندما يُنْجِبُ النَّاسُ هؤلاءِ الأطفالَ الصِّغارَ الجَميلينَ ذوي الطَّبيعة الفاسدة ويأتونَ بهم إلى العالَم، ولا يَتَعَهَّدونَ بتربيتهم في تأديبِ الرَّبِّ وإنذاره، ولا يَتعهَّدونَ باستخدامِ العَصا، فإنَّهم [ببساطة] يَسمحونَ لأولادِهم أن يُعَبِّروا بحُريَّة تامَّة عن فَسادِهم. وما سنحصُلُ عليهِ حينئذٍ هو كوارِث راشِدَة، إنْ لم يَكُن كوارِث طُفوليَّة.

فلا صِحَّةَ لِما يُقالُ بأنَّ السَفَّاحينَ، والمُعتدينَ على الأطفالِ جنسيَّا، والقَتَلة صاروا كذلكَ بسببِ آبائهم وأُمَّهاتهم. فهل تَعلمونَ أنَّ كثيرينَ منهم لم يتأثَّروا بآبائهم وأُمَّهاتهم لأنَّهُم لم يكونوا موجودين، بل إنَّ كثيرينَ منهم كانوا أطفالاً بالتَّبَنِّي؟ وكما تَرَوْنَ، فإنَّ المشكلةَ تَكْمُنُ في أنَّهم فَعَلوا على الأرجح ما أَمْلَتْهُ عليهم طبيعَتُهم الخاطئة الَّتي وُلِدوا بها لأنَّهم لم يَجدوا مَنْ يؤدِّبُهم ويُنذِرُهم. والأهمُّ مِن ذلكَ هو أنَّهم لم يَهتدوا يومًا ليسوعَ المسيح.

في المزمور 58، وسوفَ أكتفي بالقراءةِ مِن مَزمورَيْنِ فقط لأنِّي أعتقدُ أنَّهما مُهِمَّيْنِ جدًّا كَحَجَرِ أساسٍ لنا في فَهْمِ هذهِ المسألة. فالمزمور 58: 3 يَقولُ ما يَلي: "زَاغَ الأَشْرَارُ مِنَ الرَّحِمِ. ضَلُّوا مِنَ الْبَطْنِ، مُتَكَلِّمِينَ كَذِبًا. لَهُمْ حُمَةٌ مِثْلُ حُمَةِ الْحَيَّةِ". يا للهَوْل! إنَّهُم حَيَّات صَغيرة! "سِمُّ الأَصْلاَلِ تَحْتَ شِفَاهِهِمْ". فَهُم أشرارٌ مُنذُ خُروجِهم مِنَ الرَّحِم. وَهُم كاذِبونَ مُنذُ وِلادَتِهم". وهذا يُسَمَّى "الفَسادُ التَّامُّ" إنْ كُنتُم تبحثونَ عن تَسمية لاهوتيَّة لذلك.

وفي المزمور 51: 5، يَقولُ داود: "هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي". وَهُوَ لا يَعني بذلكَ أنَّهُ كانَ ابنًا غيرَ شَرعيٍّ. فهو لم يَكُن كذلك. بل إنَّ ما قَصَدَهُ هو أنَّهُ كانَ مُنذُ الحَبَلِ بِهِ شخصًا آثِمًا.

واسمَحوا لي أن أقولَ لكم شيئًا: إنَّ فَهْمَ الفَسادِ التَّامِّ لأبنائكم هو أهَمُّ أساسٍ عَمليٍّ في كُلِّ الأبوَّة والأُمومة. وقد تكونونَ أشخاصًا فاسِدينَ تُمارسونَ بعضَ الضَّبْطِ عليهم مِن خلالِ تَعليمهم بعضَ المبادئِ الأخلاقيَّة ومُعاقبتهم بطريقة صحيحة وبمحبَّة، ولكِنْ عِقابًا حَازِمًا. فيمكنكم أن تَجعلوا أبناءكم تحتَ السَّيطرة. ولكِن في النِّهاية، ما ينبغي لكم أن تَفعلوه هو أن تُساعِدوهم على الانتقالِ مِنَ الظُّلمةِ إلى النُّور. أليسَ كذلك؟ فأنتُم تريدونَ أن تَرَوْا قَلبَهُم يتغيَّر حَتَّى إنَّهم عِوَضًا عن أن يُحِبُّوا الخطيَّة فإنَّهم سيُحبُّونَ البِرَّ. وعِوَضًا عن أن يَرغبوا في التَّعبيرِ الكاملِ عن رَغْباتِهم الشرِّيرة فإنَّهم سيرغبونَ في التَّعبيرِ الكاملِ عن كُلِّ ما يُمَجِّد الله.

فكُلُّ هذا التَّحليلِ النَّفسيِّ لكُلِّ هؤلاءِ المُجرمينَ في مُحاولةٍ لفهمِ ما فَعَلَهُ أحدُ الأشخاصِ بهم هو تَحليلٌ خاطئ. فهذا لم يَنْجُم عن شيءٍ فَعَلَهُ بِهم شخصٌ مَا، بل نَجَمَ عن شيءٍ لم يَفعلهُ بهم شخصٌ ما. فلم يَكُن هناكَ شخصٌ يَهتمُّ بتربيتهم. ولم يكن هناكَ شخصٌ يَتَصَدَّى للشَّرِّ الموجودِ فيهم. ولم يكن هناكَ شخصٌ يُريهم المِعيارَ الإلهيَّ. ولم يكن هناكَ شخصٌ يُساعِدُهم على التَّشَكُّلِ بحسبِ المِعيارِ الإلهيِّ مِن خلالِ إنذارِهم بالعقابِ البدنيِّ (بطريقة مُحِبَّة ومُعَزِّزة بِكُلِّ تأكيد). والأهمُّ مِن ذلك، لم يكُن هناكَ شخصٌ يَقودُهم إلى مَعرفةِ اللهِ بيسوعَ المسيح لكي يَمتلكوا كَابِحًا خَارِقًا للطَّبيعة.

فلا توجد قيمة كبيرة حقًّا لما تَفعلُهُ معَ أبنائكَ مِن جهةِ الأمورِ العمليَّة. فَسواءٌ أَكُنْتَ تَضَعُ لهم جَدولاً صغيرًا يَسيرونَ عليهِ أَمْ لا تَضَعُ لهم جَدولاً فإنَّ هذا ليسَ مُهِمًّا كثيرًا. ولكِنَّ المُهِمَّ حَقًّا هو أن تَقودَ طِفلكَ الفاسِدَ والخاطئَ إلى النِّعمة المُغَيِّرَة ليسوعَ المسيح. فهذه هي النُّقطة الجوهريَّة. فاللهُ...وأنا أَعلمُ أنَّكُم تَكرهونَ التَّفكيرَ في هذا، وَحَتَّى إنِّي أَكرهُ التَّفكيرَ في هذا الأمر عندما أنظرُ إلى أبنائي وأحفادي الأحبَّاء، ولكنَّ اللهَ لم يُعطِنا ملائكةً صِغارًا قِدِّيسينَ نَتعامَلُ مَعَهُم بكُلِّ رِفْقٍ كي لا يَضِلُّوا.

فَهُم ليسوا ملائكةً صغارًا قِدِّيسينَ ينبغي أن نُعامِلَهُم برفقٍ كي لا يَفسدوا، بل إنَّهُم خُطاةً صِغارًا فاسِدينَ ينبغي أن نَقودَهُم لِيَصيروا قِدِّيسين. وإنْ كُنتَ لا تُريدُ أن تُصَدِّقَ ذلك، اعلَم وَحَسْب أنَّ أولادَكَ هُم نُسخة مُصَغَّرة عنك.

والعالَمُ يُدركُ هذه الكارثة. والعالَمُ يَقول: "ماذا سنفعلُ؟ فنحنُ لدينا هذه المشكلة العُويصة المُختصَّة بهؤلاءِ الأطفال. فَهُم خارجونَ عنِ السَّيطرة. وَهُم غاضِبون. أليسوا كذلك؟ فنحنُ لدينا جيلٌ غاضِبٌ. استمعوا إلى أغانيهم. وانظروا إلى أفلامهم: نَقْمَة، غَضَب، وَحشيَّة، عُدوانيَّة. ومِمَّنْ هُم غاضِبونَ أكثرَ شيء؟ مِن آبائهم وأُمَّهاتِهم الَّذينَ أَحبطوهُم. وهو الشَّيءُ الوحيدُ الَّذي تُوصي الآيةُ أفسُس 6: 4 الآباءَ والأُمَّهاتَ بألَّا يَفعلوه لِئلَّا يَصيرَ أبناؤهم مُرِّي النَّفسِ وغاضِبين.

لِذا، ماذا سيَفعلُ العالَم؟ لقدِ اجتمعَ جميعُ عُلماءِ النَّفسِ معًا، وخَرَجُوا بِحَلٍّ...حَلٍّ مَصْدَرُهُ جَهَنَّم. فالحَلُّ هو أنَّهم يَفتقرونَ إلى تَقديرِ الذَّات. وَهُوَ شَيءٌ قد يَنْجَح بالمِعيارِ الاقتصاديّ. فالنَّاسُ مُستعدُّونَ لدفعِ المالِ كي يأتوا إليكَ لتقولَ لهم كم هُم رائعون. وسوفَ تَجني مالاً كثيرًا مِنَ القيامِ بذلك.

فَهُم يقولونَ إنَّ المشكلةَ تَكْمُنُ في أنَّ الأطفالَ يَفتقرونَ إلى احترامِ الذَّات. وَهُمْ لا يَنظرونَ نَظرةَ اعتزازٍ إلى أنفسهم. وَهُم بحاجة إلى أن يَرَوْا أنفسَهُم كأشخاصٍ صَالِحينَ ونُبلاءَ ورائعين. والحقيقةُ هي أنَّهم بحاجة إلى أن يُحِبُّوا أنفسَهُم. لِذا، يجب عليكَ أن تأخُذَ جميعَ هؤلاءِ الشَّباب وأن تقولَ لهم: "أنتُم بحاجة فقط إلى أن تُحِبُّوا أنفسكم كما أنتُم. ويجب أن تَقبلوا أنفسَكُم كما أنتُم. ويجب أن تَشعروا بأنَّكم صالِحونَ كما أنتُم". وهكذا فإنَّكَ تَسكُبُ الوَقودَ على النَّارِ لأنَّ كُلَّ ما يُريدونَهُ هو أن يَصنَعوا مَشيئَتَهُم بالطَّريقةِ الَّتي تَحلو لَهُم. أليسَ كذلك؟ وها أنتَ تَقولُ لهم أنَّهُم يَملِكونَ كُلَّ الحَقِّ في ذلك.

لقد أرسَلَت وكالة نيوهاوس للخدمات الإخباريَّة (Newhouse News Service) مؤخَّرًا مقالةً للصُّحُفِ المُشتركة معها. وكانَ عُنوانُ المقالة هو: "مُلاحظة إلى كاليفورنيا: تَخَلَّوْا عن تَقديرِ الذَّات" (Note to California: Drop Self-Esteem). وهي مقالة مُمتعة. وإليكُم ما تقول: "لقد اعتَدنا على إلقاءِ اللَّومِ في هذه المشاكل على قِلَّةِ تَقديرِ الذَّات ظَنًّا مِنَّا بأنَّ الأشخاصَ الَّذينَ لا يُحِبُّونَ أنفسَهُم لا يَملكونَ الدَّافعَ الكافي للابتعادِ عن المشاكِل، ولكِنَّ هذا خطأ كما يقولُ عالِمٌ نَفسيٌّ وأستاذٌ في عِلْمِ نَفسٍ وكاتبٌ مُختصٌّ في عِلْمِ النَّفسِ بعدَ أن صَرفَ سنواتٍ في دراسةِ الخِياراتِ الَّتي يَقومُ بها النَّاسُ. فهو يقولُ إنَّ المشكلةَ أبسط مِن ذلكَ بكثير. فهي مَسألةُ ضَبْطِ نَفْس".

فهو يقولُ إنَّ المشكلةَ تَكمُنُ في أنَّهم لا يَعرفونَ كيفَ يَضبُطونَ أنفسَهُم. وهو يَقترب مِنَ الحقيقة. أليسَ كذلك؟ فالمشكلةُ لا تَكمُن في أنَّهم بحاجة إلى المزيدِ مِن تقديرِ الذَّات، بل إنَّ المشكلةَ تَكمُن في أنَّهم بحاجة إلى مزيدٍ مِن ضَبْطِ النَّفس. وقد استنتجَ هذا المؤلِّفُ (والعديدُ مِنَ المُختصِّينَ الآخرينَ الَّذينَ يَضغطونَ على ولاية كاليفورنيا) أنَّ تَنميةَ ضَبْطِ النَّفسِ لديهم سَتُجدي نَفعًا أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخر، وستُساعدُكَ في تَجَنُّبِ المَتاعب". وما أوضحَ ذلك!

فإن كُنتَ تَتحَلَّى بضبطِ النَّفسِ، ستَضبُطُ نَفسك، ولن تَخرُجَ عنِ السَّيطرة. لِذا فإنَّ هذا العالِمَ والأُستاذَ المُختصَّ يَقول (وأنا أقتبسُ كَلامَهُ): "إذا ألغينا تَقديرَ الذَّاتِ واستَعَضْنا عنهُ بضَبْطِ النَّفس، سيكونُ الأطفالُ بحالٍ أفضل. والمُجتمعُ بأسرِه سيكونُ بحالٍ أفضل".

وأنا أُوافِقُهُ الرَّأيَ. أنا أُوافِقُهُ الرَّأيَ. ولكنَّهم يَستنكرونَ حقيقةَ أنَّهُ قيلَ لنا إنَّهُ يجب علينا أن نُعَزِّزَ تقديرَهُم لذاتِهم وأن نَجعلَهُم يَشعرونَ بمشاعر طَيِّبة تُجاهَ كُلِّ شيء. وتقولُ المقالةُ ما يَلي. وأنا أعتقدُ أنَّ هذا مُدهشٌ جدًّا: "إذا تَصَفَّحْتَ مَجَلَّةً مُتخصِّصَةً في شؤونِ الأُبوَّة والأمومةِ مَثلاً، ستقرأُ شيئًا كهذا: ’يجب علينا أن نَكونَ راضينَ عن أنفسِنا قبلَ أن نَتمكَّنَ حقًّا مِن تَعليمِ ذلكَ لأولادِنا‘". إذًا، يجب أن يَعملَ الآباءُ والأُمَّهاتُ حَقًّا على تَعزيزِ عِزَّتِهم بنفسهم هُمْ أيضًا. ثُمَّ إنَّهُ يقول: "وهذه واحدة مِن أهَمِّ التوجُّهاتِ الفلسفيَّة لحركةِ تقديرِ الذَّات أو الانغماسِ في الذَّاتِ بوصفِهِ إيثارًا".

وقد بَلَغَتْ هذه الفلسفةُ أقصى مَدىً لها في التَّعبيرِ عن نفسِها مِن خلالِ نَشيد "ويتني هيوستن" (Whitney Houston). ورُبَّما لم تَكونوا تَعلمونَ أنَّ ويتني هيوستن لديها نَشيد. بَلى. وهو بعُنوان: "أعظمُ حُبٍّ في الوُجود" (The Greatest Love Of All). ورُبَّما سمعتموهُ كأغنية. هل تَعرفونَ الكلمات؟ "كُلُّ شخصٍ يَبحثُ عن بَطل. فالنَّاسُ بحاجة إلى شَخصٍ يَقْتَدونَ بِهِ. وأنا لم أجِد يومًا شخصًا يُشبِعُ حاجاتي. لذا فقد تَعَلَّمتُ أن أتَّكِلَ على ذاتي. فأعظمُ حُبٍّ في الوجودِ سَهل التَّحقيق. تَعَلَّم أن تُحِبَّ نفسَك. فهو أعظمُ حُبٍّ في الوُجود". فهذا هو النَّشيدُ القوميُّ لتقديرِ الذَّات.

وقد حازتْ هذه الأغنيةُ على شَهادة الأسطوانة البلاتينيَّة المُزدوجة إنْ كانَ الأمرُ يَهُمُّكُم. وقد صارت أغنية تُرَدَّد دائمًا في البرامجِ الاستعراضيَّة الَّتي تُقَدَّمُ في الاستراحةِ الفاصِلَةِ بينَ الشَّوطينِ في كُرةِ القدم، وفي مَهرجانات "إوليمبيك إكسترافاجانزا" (Olympic Extravaganza). وهي الأُغنية الَّتي تُرَدَّد في اللِّقاءاتِ المدرسيَّة. أمَّا النَّتيجةُ المُترتِّبَة على التَّركيزِ على تقديرِ الذَّاتِ فهي أنَّهُ يجب عليكَ أن تُذْعِنَ لِكُلِّ طِفلٍ لأنَّ كُلَّ طِفلٍ يَنبغي أن يَملِكَ الحَقَّ في التَّعبيرِ عن نفسِه لكي يَشعُرَ بالرِّضا عن نفسِه. وهذا يَزيدُ مِن تَفاقُمِ مُشكلةِ السُّلوكيَّاتِ الخارجةِ عنِ السَّيطرة.

وهل تَعلمونَ كيفَ تَتأقلَمُ المدارسُ مع ذلك؟ هذا مُذهِل. إنَّهُم يَتَخَلَّوْنَ عنِ المَعايير...استمعوا إلى هذا: إنَّهم يُلغونَ أسلوبَ تَقييم الطَّلبة (مِثل: مُمتاز، جَيِّد جدًّا، جَيِّد، مَقبول، راسِب)، ويَستخدمونَ المشاعِرَ الشخصيَّة عِوَضًا عنِ الحقائق والتَّقييماتِ الموضوعيَّة. وسوفَ أُقَدِّمُ لكم مَثلاً توضيحيًّا:

هناكَ طريقة جديدة تُستخدَمُ في التَّعليمِ الحُكوميِّ تُسَمَّى "التَّهجِئَة المُبتَكَرة" (Inventive Spelling). وقد مَارَسْتُ ذلكَ لسنوات، ولكِنَّ النَّاسَ لم يكونوا يَرَوْنَ الإبداعَ والابتكارَ فيها. فهي تُسَمَّى "التَّهجئة المُبتكَرة". وقد صارت واسعةَ الانتشار. وقد صارت شائعةً جدًّا. وهي تَسمَحُ للطَّلبة بتهجئةِ الكلماتِ بأيِّ طريقة يَشعرونَ أنَّها صحيحة في نَظرِهم لأنَّ الشَّيءَ الأكثرَ أهميَّة هو أن يَشعروا بمشاعر طَيِّبة. لِذا فإنَّكَ تُنشئُ جيلاً مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ يَسْعَوْنَ إلى التَّحقيقِ الشَّخصيِّ لتقديرهم الذَّاتيِّ والشُّعورِ بمشاعر طَيِّبة. وهل تَظُنُّ حَقًّا أنَّكَ تَحُلُّ بهذهِ الطَّريقة مُشكلةَ السُّلوكِ الإجرامِيّ؟

تَخَيَّلوا مَشهدًا في قاعةِ مَحكمة: فالمُتَّهَم يقول: "المَعذرة سِيادةَ القاضي. لقد كُنتُ أعيشُ بعقلانيَّة أكثر مِنَ اللَّازِم. فكأنَّ المَنطِقَ كانَ يَتَحَكَّمُ بي. لِذا، لم تَكُن مَشاعري على ما يُرام". اسمَحوا لي أن أقولَ لكم إنَّ تَقديرَ الذَّاتِ لا يَستطيعُ أن يُرَوِّضً وَحْشًا صغيرًا، بل إنَّهُ يَسْكُبُ وَحَسْب الوَقودَ على النَّارِ لأنَّهُ يُغَذِّي خَطيَّةَ الكِبرياء.

إذًا، ما الحَلّ؟ لِنَرجِع إلى أفسُس 6. فالجوابُ هو: "وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ [والحَديثُ هُنا مُوَجَّهٌ في الحقيقة إلى الآباءِ والأُمَّهات]، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ..." وَهُوَ أمرٌ يَحْدُثُ في تلكَ الحالات. "...بَلْ رَبُّوهُمْ بِتَأدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ".

والآن، لنبدأ مِنَ البداية. ما الَّذي ينبغي أن تَفعلوهُ لتَغييرِ هذا الواقِع؟ فهناكَ هذا العالمُ الخارجيُّ الَّذي يُهاجِمُهم. وهناكَ ذلكَ الفَسادُ الداخليُّ الَّذي سُمِحَ لَهُ أن يَفعلَ ما يَشاء. وكِلا الأمرَيْنِ يُؤدِّي إلى عَواقِبَ وَخيمة. وما هو دَورُك؟ إنَّ دورَكَ هو أن تُعَلِّمَ أولادَكَ الصِّغار شَريعةَ اللهِ وأن تَقودَهُم إلى مَعرفةِ يسوعَ المسيح. أليسَ كذلك؟ فأنتَ مُبَشِّرٌ في بَيتِك. فأوَّلاً وأخيرًا، أنتَ مُبَشِّر.

فما تَفعلُهُ معَ أولادِكَ لا يَجعلُهُم يَضِلُّون، بل إنَّ ما لا تَفعَلهُ مَعَهُم هو ما يؤدِّي إلى ذلكَ بصورة أكبر. لِذا، ماذا ينبغي لكَ أن تَفعل؟ أوَّلاً، يجب على الأولادِ أن يَعلموا أنَّهم خُطاة. فيجب عليهم أن يَعلموا بكلماتٍ واضحة تمامًا عُمْقَ الخطيَّةِ في طبيعتهم. ويجب أن يَتعلَّموا أنَّهم سيشعرونَ برغباتٍ خاطئة وغير مَشروعة ومُسيئة إلى اللهِ، وأنَّ هذه الرَّغْباتِ تُشيرُ إلى حقيقةِ أنَّهُم مُنفصِلونَ عنِ الله. ويجب عليهم أن يَفهموا عَواقبَ تلكَ الخطيَّة. وعندما أتحدَّثُ عن ذلك فإنِّي أتحدَّثُ عنِ التَّخلِّي عنِ البَرَكة، وعن صُعوبةِ الحياةِ، وعنِ الموتِ، وعنِ العذابِ الأبديّ. فيجب أن يَعرِفَ الأولادُ ذلك.

فيجب أنْ تُخبِروا أولادَكُم عن حقيقةِ الخطيَّة، وحقيقةِ الموت، وحقيقةِ جَهنَّم. فعندما تَكرزونَ بالإنجيلِ، في أيِّ وقتٍ تَكرِزونَ بهِ بالإنجيلِ لأيِّ شخصٍ، يجب أن تتحدَّثوا بنسبة 75 بالمِئة على الأقلّ عنِ الشَّريعةِ والدَّينونةِ، و 25 بالمِئة عنِ النِّعمةِ والغُفران. أليسَ كذلك؟ لأنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَكرِزَ عنِ النِّعمةِ والغُفران ما لم يَفهمِ النَّاسُ الشَّريعةَ والدَّينونة.

ويجب على أولادِكَ أن يَفهموا أنَّهم بحاجة إلى ما هو أكثر مِن مَعرفةِ أنَّ يَسوعَ يُريدُ أن يكونَ صَديقًا لهم. فيجب أن يَعرفوا عن شَريعةِ اللهِ. ويجب أن يَعرفوا أنَّهم كَسَروها، وأنَّهم لا يَقدرونَ في ذواتِهم أن يَحفظوها بطريقةٍ يُرضونَ بها الله. فيمكنهم أن يَحفظوها خارجيًّا لأنَّكَ تَفرِضُها عليهم، ولكنَّ قلوبَهُم ينبغي أن تتغيَّر؛ وإلَّا فإنَّهم سيموتونَ ويَهلَكونَ في النَّارِ الأبديَّة. فلا توجد طريقة لتبشيرِ الأولادِ مُختلفة عن تبشيرِ أيِّ شخصٍ آخر.

وواحدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي أشكُرُ اللهَ عليها في حياتي هي أنِّي حَظَيْتُ بامتيازِ أن أَجعلَ أبنائي يَجلسونَ عندَ قَدَمَيَّ ويَستمعونَ إليَّ حينَ كُنتُ أَعِظُ الرَّاشِدين. فقد كانوا يَعلمونَ أنَّ الإنجيلَ الَّذي أكرِزُ بهِ للجميع هو الإنجيلُ الَّذي يَسري عليهم. وإن كُنتُ أعِظُ عنِ النَّاموسِ والدَّينونة، كانوا يَسمعونَ ذلك. وإن كنتُ أعِظُ عن جَهَنَّم، كانوا يَسمعونَ ذلك. وعندما كنتُ أعِظُ عنِ النِّعمة، كانوا يَسمعونَ ذلك. فلم تَكُن هناكَ عِظات مُختلفة إليهم. ولم تَكُن هُناكَ عِظات مُخَفَّفة أُقَدِّمُها لهم.

وقد قالَ "جوناثان إدواردز" (Jonathan Edwards) إنَّهُ عندما كانَ يَكرِزُ للأولاد، كانَ يُحِبُّ أن يَعِظَ عن جَهنَّم لأنَّهُ قال: "أنْ تُرعِبَ طِفلاً هو أسهَل مِن أنْ تُرعِبَ شخصًا راشِدًا مِن خلالِ ذِكْرِ أمورٍ مُرعبةٍ لَهُ". فيجب أن يَخافَ الأطفالُ مِنَ العَذابِ الأبديِّ. أليسَ كذلك؟ فهو واقِعٌ مُخيف. والأطفالُ أكثر حَساسِيَةً لهذه الأمور المُرعبة، وَهُم أكثر حساسِيَةً أيضًا لأمجادِ السَّماءِ الرَّائعة. لِذا، لا تُهمِل هذا الجانِب.

وَهُم أكثر حَساسِيَةً للحَقِّ، وأكثر حَساسِيَةً أيضًا للخطأ. أليسَ كذلك؟ فأطفالُكُم الصَّغارُ يَذهبونَ إلى المدرسةِ ويُصَدِّقونَ على الأرجَح كُلَّ ما يَقولُهُ لهم المُعَلِّمون. فَمِنَ الأسهل في طُفولتهم أن تَقودَهُم إلى الحَقِّ كما هو مِنَ الأسهَل أن تَقودَهُم إلى الخطأ.

ويجب أن يَعلمَ أولادُكُم أنَّ اللهَ يَغضَبُ مِنَ الأشرارِ كُلَّ يوم، وأنَّ هذا يَشمَلُهم. فهو يَغضبُ منهم. وهو يَغضبُ مِن خطاياهُم. وهو يَغضبُ جدًّا مِن خطاياهم. وهو سيُعاقبهم في جَهنَّم إن لم يَغفِر لَهُم مِن خلالِ إيمانِهم بيسوعَ المسيح. فيجب أن يَفهموا ذلك.

كذلك، يجب أن يَفهموا أنَّهم إن آمَنوا بيسوعَ المسيح فإنَّ خطاياهُم ستُغفَر ولا مُبَرِّرَ لخوفهم، بل يُمكنهم أن يعيشوا على رجاءِ وفَرَحِ السَّماء. لِذا فإنَّ مَهمَّة الأبَوَيْن الأولى هي أن يَسْعَوْا جاهِدينَ إلى حُصولِ أبنائهم على الخَلاصِ الأبديِّ.

والآن، اسمَحوا لي أن أُلَخِّصَ بِضعَ نِقاط. تَذَكَّروا أنَّ أبناءَكُم يَجهلونَ الإنجيلَ الَّذي يُخَلِّص. فيجب أن تَكرِزوا بِهِ لَهُم. فَهُم خُطاة، ولا يَخافونَ كما يَنبغي مِن عواقبِ خطاياهُم. فَهُم لا يَخافونَ كما ينبغي. ولكِن يُمكِنُكم أن تُعَزِّزوا ذلكَ مِن خلالِ العواقبِ الَّتي تُطَبِّقوها عليهم حينَ يَكسرونَ شريعةَ اللهِ الَّتي تُطَبِّقها عليهم في عائلتك.

فأطفالُكم أنانيُّونَ، ومُتَمركِزونَ حولَ أنفسهم، ومَغرورون. وَهُم يَسْعَوْنَ إلى المُتَعِ العالميَّة. وَهُم طائِشونَ ولا يُفَكِّرونَ في الأمورِ الخطيرة. وَهُم يتأثَّرونَ بالعالَمِ المُحيطِ بهم، ويتأثَّرونَ كثيرًا برِفاقِ السُّوء. وَهُم لا يَفهمونَ بَركاتِ الخَلاص. وَهُم لا يَفهمونَ أفراحَ الاهتداءِ إلى المسيح ما لم يَرَوْنَ ذلكَ في حياتِكم.

لِذا فإنَّ اقتيادَ أطفالِكُم الصِّغار إلى الله هي مَهمَّة جَسيمة، ولكنَّها مَهمَّة رائعة. وهل ينبغي لنا أن نُسَهِّلَ الرِّسالة؟ وهل ينبغي لنا أن نَختصِرَ الرِّسالة عندما نُعَلِّمُ الأطفالَ الإنجيل؟ لا يوجد سَبَبٌ كِتابيٌّ لذلك. ولكِن يجب عليكَ أن تَستخدِمَ مُفرداتٍ يُمكنهم أن يَفهموها. ويجب أن تكونَ واضحًا تمامًا وأن تكونَ صَبورًا جدًّا في توصيلِ الرِّسالة. ولا يَجوزُ أنْ تُغْرِقَهُم في بَحْرِ المُفرداتِ الصَّعبة. ولا يَجوزُ أن تَسحَقَهُم تحتَ وَطأةِ بعضِ المُجادلاتِ المُرهِقَة والمُعَقَّدة.

ولكِن عندما يَتحدَّثُ الكتابُ المقدَّسُ عن كيفيَّةِ الكِرازةِ لأطفالِك، وكيفيَّةِ تَعليمِ أطفالِك، فإنَّ التَّركيزَ يَنْصَبُّ على الشُّموليَّة. وأينَ نَقرأُ عن ذلك؟ استمعوا إلى سِفْرِ التَّثنية 6: 6 و 7: "وَلْتَكُنْ هذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ عَلَى قَلْبِكَ، وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ، وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ، وَحِينَ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُ وَحِينَ تَقُومُ".

بعبارة أخرى، يجب عليكَ أن تستمرَّ في تعليمهم الحَقَّ عنِ اللهِ، وعنِ الدَّينونة، وعنِ النِّعمة والغُفران والخلاصِ حينَ تَقومُ، وحينَ تَجلِسُ، وحينَ تَضْطَجِعُ، وحينَ تَمشي في الطَّريق. الشُّموليَّة. فلا يجوزُ لَكَ أن تَفعلَ ذلكَ بطريقة مُربِكَة ومُعَقَّدة، ولكِن لا يجوزُ لكَ أيضًا أن تُبالِغَ في تَبسيطِ الأمرِ أيضًا.

ولا يُمكن للأولادِ أن يَخلُصوا ما لم يَبلُغوا سِنًّا مُناسبة لفهمِ الإنجيلِ بوضوح وقَبولِهِ بإيمانٍ حقيقيّ. ولكِن يجب عليكَ أن تَبدأَ في أسرعِ وقتٍ مُمكن في تَعليمهم. واللهُ يَعلمُ متى يَصيرُ ذلكَ القلبُ مُستعدًّا. فالنَّاسُ يَسألوني دائمًا عن تلكَ السِّنّ. وهي سِنٌّ مُختلفة بينَ طِفلٍ وآخر، وبين حالةٍ وأخرى. ولكِن ينبغي أن يكونوا ناضِجينَ بالقدرِ الكافي لِفَهْمِ الخطيَّة والبِرّ، ولِفَهْمِ التَّوبةِ والإيمان، ولفهمِ العِقاب. ويجب أن يكونوا ناضِجينَ بالقدرِ الكافي لفهمِ خُطورةِ خطاياهُم، وطبيعةِ مِعيارِ اللهِ المُقدَّس.

في أيِّ عُمر؟ إنَّ هذا يَتفاوَتُ بينَ طفلٍ وطِفل. ولكن يجب عليكَ في البداية أن تَبتدئَ في تَعليمهم وتَعليمهم وتَعليمهم. وحينَ يَحصُلونَ على ذلكَ الفَهْم فإنَّ اللهَ سيَعمَل عَمَلَهُ حينَ يَبلغونَ نُقطةَ الاستيعاب. وأودُّ أن أُسَمِّي تلكَ: "خُطواتُ الاقترابِ إلى الله". وفي كُلِّ مَرَّة يَأخُذُ فيها أولادُكم خُطوةً تُجاهَ اللهِ ويقولون: "أُمِّي [أو: "أبي"]، أريدُ أن أقبَلَ يسوعَ في قَلبي"، يجب عليكُم أن تُعَزِّزوا ذلك. يجب عليكم أن تُعَزِّزوا ذلك. فاللهُ وَحدُهُ يَعلم مَتى سَتُزْهِرُ تلكَ الزَّهرة وَتصيرُ حَقيقة. فيجب عليكم أن تُعَزِّزوا تلكَ الخُطُوات.

لا تُخَفِّفوا وَطْأةَ أجزاءِ الرِّسالةِ الَّتي تَبدو غير سَارَّة. تَحَدَّثوا عن جَهَنَّم والدَّينونة. تَحَدَّثوا عن دَمِ يَسوع. تَحَدَّثوا عنِ الصَّليبِ والتَّكفيرِ عنِ الخطايا. لا تُخَفِّفوا مَطالِبَ التَّكريسِ للمسيح، أوِ التَّسليمِ لرُبوبيَّتِه. فيجب أن يَعلموا كُلَّ هذه الأمور.

والآن، وبصورة مُحَدَّدة، وسوفَ أَختِمُ كَلامي بهذه النُّقطة: ما الَّذي ينبغي أن أقولَهُ لهم؟ وما هي الخُطُواتُ المُتسلسلة الَّتي ينبغي أن أُقَدِّمَ مِن خلالها المعلوماتُ لهم؟ اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم نَموذَجًا بسيطًا يُمكِنُكم أن تَستخدموه. ويُمكنكم أن تَجدوا هذا المُخَطَّطَ في كِتابٍ لي بعُنوان: "الإيمانُ يَعمَل" (Faith Works) إن أردتُم نُسخةً مِنه.

أوَّلاً، عَلِّموهم عن قَداسةِ الله. عَلِّموهُم عن قَداسةِ الله. عَلِّموهُم أنْ يَخْشَوا اللهَ، وأنَّ اللهَ إلَهٌ قُدُّوسٌ لا يَنظُرُ إلى الإثم، وأنَّ اللهَ بِلا خَطيَّة، وبلا عَيْب، وأنَّ اللهَ لا يَفعلُ شيئًا خاطئًا البَتَّة، ولا يَقولُ شيئًا خاطئًا البَتَّة، ولا يُفَكِّرُ بشيءٍ خاطئٍ البَتَّة. فاللهُ قُدُّوسٌ تمامًا. ابتدئوا بذلك.

لا تَبتدئوا بالقول: "اللهُ يُحِبُّك ويُريدُ أن يكونَ صَديقًا لك"، بل ابتدئوا بالتحدُّثِ عن مِعيارِ اللهِ المُقدَّس: "إِنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ فَتَتَقَدَّسُونَ وَتَكُونُونَ قِدِّيسِينَ، لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ...فَتَكُونُونَ قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ". لاوِيِّين 11: 44 و 45. ابتدئوا بهذا.

ابتدئوا بيشوع 24: 19: "لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَعْبُدُوا الرَّبَّ لأَنَّهُ إِلهٌ قُدُّوسٌ وَإِلهٌ غَيُورٌ هُوَ. لاَ يَغْفِرُ ذُنُوبَكُمْ وَخَطَايَاكُمْ". أو بِسِفْر صموئيل الأوَّل 2: 2: "لَيْسَ قُدُّوسٌ مِثْلَ الرَّبِّ". أو بِسِفْرِ صموئيل الأوَّل 6: 20: "مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَقِفَ أَمَامَ الرَّبِّ الإِلهِ الْقُدُّوسِ هذَا؟" أو برسالة بُطرس الأولى 1: 16: "كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ". ابتدئوا بالتحدُّثِ عن قَداسةِ الله، وبَيِّنوا لهم أنَّ اللهَ قُدُّوسٌ تمامًا، وأنَّهُ وَضَعَ مِعيارًا مُقَدَّسًا تمامًا.

إنجيل مَتَّى 5: 48: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ". ثُمَّ اسألوهم إن كانوا كامِلينَ مِثلَ الله. فَهُم يَعلمونَ أنَّهُم ليسوا كامِلين.

ولأنَّ اللهَ قُدُّوسٌ، أخبروهُم أنَّ اللهَ يُبغِضُ الخطيَّة. فاللهُ يُبغِضُ الخطيَّة. خُروج 20: 5: "لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ، أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ". أخبروهُم أنَّ اللهَ يَغضَبُ مِنَ الخُطاة، وَأنَّهُ يُبغِضُ الخطيَّة. وأخبروهُم أنَّ الخُطاةَ لن يتمَّكنوا يَومًا مِنَ الوقوفِ في حَضرَتِه. المَزمور 1: 5: "لِذلِكَ لا تَقُومُ الأَشْرَارُ فِي الدِّينِ". إذًا، اللهُ لَديهِ مِعيارٌ مُقَدَّسٌ. فيجب أن تَبتدئوا بهذه النُّقطة.

ثانيًا، بَيِّنوا لَهُم خطيَّتَهُم. بَيِّنوا لهم خطيَّتهم لكي يَفهموا أنَّهم أخفَقوا في بُلوغِ ذلكَ المِعيارِ الإلهيّ. أخبروهم أنَّ الإنجيلَ هو عِلاجُ الخطيَّة، وأنَّ كُلَّ التَّركيزِ في الخَبَرِ السَّارِّ يَنْصَبُّ على أنَّهُ رِسالةُ غُفرانٍ لشخصٍ كانَ سيُلاقي الدَّينونة لولا ذلك ويَهلِك إلى الأبد في جَهَنَّم. أخبروهُم أنَّ اللهَ سيُقدِّمُ لهمُ الغُفران. بَيِّنوا لَهُم ذلكَ مِن خلالِ تَعامُلِكُم مَعَهُم بأنْ تَضَعوا مَعاييرَ، وبأنْ تُلزِموهُم بتلكَ المَعايير. ولكِن عندما يُظهرونَ نَدَمًا وتوبةً، تَصَرَّفوا مَعَهُم بغُفران.

وهناكَ نتائج ثانويَّة كثيرة للفِداء، ولكنَّ النُّقطة الجوهريَّة هي غُفرانُ الخطيَّة. لِذا، يجب عليكم أن تُبيِّنوا لهم خطيَّتَهُم. وقد تَسألون: "كيفَ نَفعلُ ذلك؟" يُمكنكم أن تُحَدِّثوهُم عن خطايا مُعيَّنة اقترفوها، ومواقف سَيِّئة، وكلماتٍ بَذيئة، وأكاذيب، وعن إخفاقِهم في القيامِ بمَهمَّة طُلِب منهم أن يَقوموا بها، أو عن قِلَّةِ احترامٍ، أو عن عدمِ إكرامِهم لآبائهم وأُمَّهاتهم. وفَضْلاً عن ذلك، كَلِّموهم عن حقيقةِ أنَّ أيَّ شيءٍ وكُلَّ شيءٍ في حياتِهم [بِصَرْفِ النَّظرِ عن مُحاولاتهم للظُّهورِ بمظهرِ الأشخاصِ الطَّيِّبين] سيبقى بَعيدًا عنِ المعيارِ الكامِل. لِذا فإنَّهُم خُطاة في الصَّميم ومُعَرَّضونَ لخطرِ الهَلاكِ في جَهَنَّم.

أخبروهُم أنَّهُم ليسوا وحيدينَ. فالجَميعُ هُمْ في نفسِ الموقِف. لِذا، لا حاجةَ إلى الظَنِّ بأنَّكُم تُعامِلوهُم مُعاملةً سَيِّئة تَفصِلُهُم عن بقيَّةِ الأشخاصِ الطَيِّبينَ في العالم كما لو كانوا غير طَيِّبين. أخبروهم أنَّ جميعَ النَّاسِ هُم في الموقفِ نفسِه. أخبروهُم أنَّهُ جاءَ وقتٌ كُنتَ فيهِ في نفسِ الموقف أيضًا، وأنَّكَ قبلَ أن تأتي إلى يسوعَ المسيحِ وتَنالَ الغُفرانَ على خطاياكَ كُنتَ في نفسِ الموقفِ تمامًا الَّذي هُم فيهِ الآن.

وكما تَعلمون، لقد قالَ يسوع في إنجيل مَرقُس 2: 17: "لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَة". فيجب أن يَعلموا أنَّهُم خُطاة. ولكِن يجب أن يَعلموا أيضًا أنَّ يسوعَ جاءَ كي يَدعوهُم. وذَكِّروهُم بأنَّ كُلَّ شخصٍ هو في الوَرطَةِ نَفسِها. اشرَحوا لهم رُومية 3: 10-18: "أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ".

والآن، بعدَ أن بَيَّنتُم لهُم خطيَّتَهُم، وبعدَ أن أخبرتُموهُم أنَّ اللهَ يُبغِضُ تلكَ الخطيَّة، وبعدَ أن قُلتُم لهم إنَّ كُلَّ شخصٍ آخر هُوَ في الموقفِ نفسِه، أخبروهم الآنَ أنَّهم لا يَستطيعونَ أن يَفعلوا أيَّ شيءٍ مِن ذَواتِهم لاستحقاقِ خَلاصِهم. وهذهِ نُقطة مُهِمَّة. فلا يُمكنُهم أن يَفعلوا أيَّ شيء مِن ذواتِهم لاستحقاقِ خَلاصِهم. قولوا لَهُم: أنتُم في موقفٍ خَطيرٍ لا يُمكِنُكم فيهِ أن تُخَلِّصوا أنفسَكُم. فخطاياكُم أساءَتْ إلى اللهِ. ولا يُمكِنُكم أن تَغفروا لأنفسِكُم. لِذا، لا بُدَّ أنْ يَغفِرَ هُوَ لَكُم".

والآية إشعياء 64: 6 هي آية جَيِّدة: "وَقَدْ صِرْنَا كُلُّنَا كَنَجِسٍ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا". بعبارة أخرى، فإنَّ أفضلَ شيءٍ يُمكنُنا أن نقومَ بهِ هو قَذارة. أخبروهُم ما جاءَ في رسالة رُومية 3: 20: "لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ". والآية غَلاطِيَّة 2: 16 تَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ.

بعبارة أخرى، أخبروهم أنَّهُم خُطاة كأيِّ شخصٍ آخر، وأنَّهُم لا يستطيعونَ أن يَفعلوا أيَّ شيءٍ لاستحقاقِ الخلاص لأنَّهم سيقولونَ على الأرجح: "سوفَ أحاولُ أن أكونَ أفضل". ولكِنَّ هذا لا يَكفي. ذَكِّروهُم أنَّهُم في حالة يائِسَة...يائسة...يائسة. فَهُم لا يَستطيعونَ أن يُساعدوا أنفسَهُم. فهذا هو الموضِعُ الَّذي تُريدونَ أن يكونوا فيه: أيْ أن يَدركوا مِعيارَ اللهِ المُقدَّس، وأن يُدركوا خطيَّتَهُم وأنَّهُم خُطاة بائِسونَ أمامَ اللهِ القُدُّوس.

ثُمَّ نأتي إلى النُّقطة الرئيسيَّة الثَّالثة وهي: بعدَ أن أخبرتُموهُم عن قَداسةِ اللهِ، وبعدَ أن بَيَّنتُم لهم أنَّهُم خُطاة، ثالثًا: عَلِّموهُم عنِ المسيحِ وما فَعَلَهُ. عَلِّموهُم عنِ المسيحِ وما فَعَلَهُ. وهذا أمرٌ بَديهيٌّ وَحَسْب. أخبروهُم الخَبَرَ السَّارَّ. قُصُّوا عليهم قِصَّةَ يسوع. أخبروهم أنَّهُ اللهُ مُنذُ الأزل. أخبروهم أنَّ الكلمة صارَ جسدًا وحَلَّ بينَنا، وأنَّ اللهَ أخذَ هَيئةً بَشريَّةً وجاءَ إلى العالَم، وأنَّ اللهَ هُوَ إلَهٌ مُحِبٌّ جدًّا، وأنَّهُ يُريدُ أن يُخَلِّصَ الخُطاةَ المُنفصِلينَ عنه.

أجَل، أخبروهُم أنَّ يَسوعَ هوَ اللهُ الأبديّ. وأخبروهم أنَّ يسوعَ هو رَبُّ الكُلِّ. وأخبروهُم عَمَّا جاءَ في سِفْرِ الرُّؤيا 17: 14؛ أي أنَّهُ رَبُّ الأربابِ ومَلِكُ والمُلوكِ. أخبروهُم عَمَّا جاءَ في رسالة فيلبِّي 2: 9-11: "لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ [وَهُوَ أنَّهُ أَسْماهُ "رَبًّا"] لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ".

أخبروهُم عَمَّا جاءَ في سِفْر أعمالِ الرُّسُل 10: 36 بأنَّهُ رَبُّ الكُلِّ. أخبروهُم أنَّ هذا اللهَ الأبديَّ الَّذي هُوَ رَبُّ الكُلِّ قد صارَ بَشَرًا (كما جاءَ في رسالة فيلبِّي 2: 6 و 7). أخبروهُم أنَّهُ جاءَ إلى العالَمِ وأخذَ هَيئةً بَشريَّة. أخبروهُم أنَّهُ عاشَ حَياةً طَاهرةً وخاليةً مِنَ الخطيَّة. فنحنُ نَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 4: 15: "مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ"، وأنَّهُ "لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً" [رسالة بُطرس الأولى 2: 22]، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ". وفي رسالة يوحنَّا الأولى 3: 5: "وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ". أخبروهُم أنَّ اللهَ الأبديَّ الَّذي هُوَ رَبُّ الكُلِّ صارَ إنسانًا، وأنَّهُ كانَ بِلا خطيَّة. ثُمَّ أخبروهُم أنَّهُ صارَ ذَبيحةً عن خطايانا.

وأنا أُحِبُّ ما جاءَ في رسالة كورِنثوس الثَّانية 5: 21: "لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيه". أخبروهم أنَّ يسوعَ صارَ ذَبيحةً لأجلِنا، وأنَّهُ احْتَمَلَ غَضَبَ اللهِ. أخبروهُم أنَّهُ سَفَكَ دَمَهُ وماتَ كَفَّارةً عن خطايانا. وفي موتِهِ على الصَّليب، أو بِموتِهِ على الصَّليب، تَمَّ تَدبيرُ الخَلاصِ للخُطاة. اشرَحوا لهم أنَّهُ ماتَ حَامِلاً خَطايانا.

ثُمَّ أخبروهُم عنِ القيامة. أخبروهُم أنَّهُ "أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا" (رُومية 4: 25). أخبروهُم أنَّهُ قامَ مِنَ الأمواتِ لكي يُبَرهِنَ على أنَّهُ دَفَعَ حَقًّا أُجرةَ خطايانا واستوفَى مَطالِبَ العَدالةِ الإلهيَّةِ، وأنَّهُ غَلَبَ الخطيَّة، وغَلَبَ الموتَ، وانتَصَرَ على الشَّيطان. أخبروهُم قِصَّةَ يَسوع؛ لا فقط القصصَ الصَّغيرةَ عن أمثالِهِ أو مُواجَهاتِهِ معَ النَّاسِ، بل أخبروهُم القصَّةَ الرئيسيَّة.

ثُمَّ نأتي إلى النُّقطةِ الرَّئيسيَّة الرَّابعة وهي: أخبروُهم عَمَّا يَطلُبُ اللهُ مِنهُم أن يَفعلوهُ تَجاوُبًا معَ ما فَعَلَهُ لأجلهم. وما هو هذا الشَّيء؟ الإيمانُ التَّائب في صِيغةِ جُملة: "أن تَتوبوا وتَقبلوا يسوعَ رَبًّا ومُخَلِّصًا". أخبروهُم بما جاءَ في سِفْر أعمالِ الرُّسُل 17: 30: "فَاللهُ الآنَ يَأمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا". "أنْ يَتُوبوا ويَرجِعوا إلى اللهِ" (كما جاءَ في سِفْر أعمالِ الرُّسُل 26: 20). أخبروهُم أن يَرجِعُوا عن خطاياهُم وأن يَطلُبوا مِنَ اللهِ أن يَغفِرَ لَهُم مِن خلالِ المسيح. أخبروهُم أنْ يَتَّكِلوا على المسيحِ، وأن يُؤمِنوا بأنَّهُ ماتَ عنهم، وبأنَّهُ سيُخَلِّصُهم. أعمالِ الرُّسُل 16: 31: "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ". شَجِّعوهُم على أن يَتَّكِلوا على المَسيح. أخبروهُم أن يَطلُبوا الرَّبَّ ما دَامَ يُوْجَد، مِن دونِ تأجيل. اطلُبوا منهم أن يَتصالَحوا معَ اللهِ بهذه الطَّريقة.

وقد تَقول: "في أيِّ سِنٍّ نَفعلُ ذلك؟" في سِنٍّ مُبَكِّرَة. فَهُم سيتجاوبونَ تَجاوُبًا إيجابيًّا إنْ فَعلتُم هذا في بيئة مُفعَمة بالمحبَّة. استمرُّوا وَحَسْب في القيامِ بذلك، والقيامِ بذلك. واللهُ وَحدُهُ يَعلم متى سيؤمنونَ بذلكَ شخصيًّا، لا فقط أن يَقبلوا ما تَقولُهُ لهم. فقيادةُ أبنائكُم إلى المسيح لا تَختلِف عن قيادةِ الرَّاشِدينَ إليه. فلا يوجد فَرق. فهو نفسُ الإنجيل. ولكِنَّ قُلوبَ الأطفالِ أكثر رِقَّةً، وأكثر شَوْقًا، وأكثر تَجاوُبًا لأنَّها ليست مُمتلئة ومَحشُوَّة بتَراكُماتِ سَنواتٍ مِنَ الأنانيَّة، والدُّنيويَّة، والشَّهَواتِ. ويا لَهُ مِنَ امتيازٍ رائعٍ أن تَقودوا أطفالَكُم الأحبَّاء إلى المسيح.

وهُناكَ رِسالة كَتَبَها أبٌ في القرنِ التَّاسِع عَشَر إلى أولادِهِ. وإليكُم ما جاءَ فيها: "أولادي الأعزَّاء، لم أَشهَد يومًا لَحظةً أكثر وقارًا أو رَوعةً مِن تلك اللَّحظةِ الَّتي حَمَلْتُ فيها طِفلي الأوَّل بينَ ذِراعيَّ وشَعرتُ أنِّي أب. وقد شَعرتُ براحة جديدة في قلبي، وهي راحة كانت تَتَعَزَّز في كُلِّ يومٍ بعدَ ذلكَ وتتقوَّى. نَظرتُ إلى السَّماءِ وَصَلَّيْتُ لأجلِ طِفلي تلكَ الصَّلاةَ الَّتي صَلَّاها إبراهيمُ لأجلِ طِفلِه: ’لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ‘ عَالِمًا أنَّهُ بولادةِ هذا الطِّفلِ الصَّغيرِ الضَّعيفِ الَّذي جاءَ مؤخَّرًا إلى عالَمِنا، هُناكَ إنسانٌ وُلِدَ ليعيشَ إلى الأبد. فَحَتَّى عندما تَزولُ الشَّمسُ سيكونُ يَعيشُ إمَّا في نَعيمِ السَّماءِ أو في لَهيبِ جَهَنَّم. عُدْتُ إلى مِخْدَعي كي أُصَلِّي بهدوءٍ وأُكَرِّسَ طِفلي للهِ الَّذي أعطاني هذه الحياة الثَّمينة. وقد صَلَّيْتُ بحرارة أنَّهُ أيًّا كانَتْ قُرْعَتُهُ في هذا العالَم، لَيتَهُ يَشترِك في القداسةِ الحقيقيَّة ويُحْسَبُ معَ القِدِّيسينَ في المجدِ الأبديّ".

ويُتابِعُ الأبُ قائِلاً: "في أيَّامِ طُفولتِكُم، راقبتُكُم أنا وأُمُّكُم بكُلِّ مَحبَّة قَلبيَّة أبويَّة. وقد كُنَّا نَبتسِم عندما كُنتُم تَنامون. وكُنَّا نَبكي عليكم عندما تُصابونَ بالحُمَّى أو تَمرضونَ وتَتألَّمون. وقد كُنَّا المُشاهِدينَ المُبتهِجينَ عندما تَلعبونَ الرِّياضة في طُفولَتِكُم. وقد راقبنا بمُتعةٍ نُمُوَّ قُدراتِكُم الذِّهنيَّة واستَمَعنا غالبًا ببعضِ الفَخْرِ إلى مَدْحِ الآخرينَ لَكُم.

ولكِنْ في وَسْطِ هذا كُلِّه، كانَ هناكَ شيءٌ واحِدٌ يُقلِقُنا كثيرًا ويَشغَلُ أذهانَنا مِن دونِ أن يَهْمَدَ أو يَستكين لأيِّ سَبَبٍ وهو أنَّنا كُنَّا قَلِقينَ جدًّا على صِحَّتِكُم الرُّوحيَّة؛ أجل، على خَلاصِكُم. فلا يُمكنُكم أن تَشُكُّوا، يا أولادي، في محبَّةِ أبوَيْكُم لَكُم. ففي كُلِّ هَداياكُم لَدينا شَاهِدٌ على ذلك. فقد عَمِلْنا، كما تَعلمونَ، كُلَّ شيءٍ لتَعزيزِ صِحَّتِكُم الروحيَّة. وقد حَرِصْنا في الوقتِ نفسِه على الاهتمامِ بِمُتعَتِكُم. ونحنُ لم نَحْرِمكُم يومًا مِن أيِّ مُتعة سَمَحَ لنا واجِبُنا أو سَمَحَتْ لنا قُدرَتُنا أنْ نُوَفِّرَها لكم. وإنْ كُنَّا في أيِّ وقتٍ مِنَ الأوقاتِ قَاسينَ في تأديبِكُم، كانَ ذلكَ نابعًا مِن محبَّتِنا الشَّديدة لكم. ونحنُ لم نُقَصِّر يومًا في تَربيَتِكُم.

وباختصار، فإنَّ المحبَّة والمحبَّة الشَّديدة الَّتي لا يُمكِنُكم في الوقتِ الحاضِرِ أنْ تَستوعبوها تمامًا كانت هي اليُنبوع السِّرِّيُّ لكُلِّ سُلوكِنا تُجاهَكُم. وكأقوى دَليلٍ وأنقَى جُهْدٍ على عاطِفَتِنا، فإنَّنا نَتَمَنَّى لكُم أن تَشتركوا في القداسةِ الحقيقيَّة. ألم نَكُن نُحِبُّ هذا القلق؟ لقد كُنَّا نَشُعرَ أنَّنا إذا تَصَرَّفنا بطريقةٍ أخرى فإنَّنا قد تَصَرَّفنا مِنْ نَحوِكُم بطريقة قاسية وغير طبيعيَّة". بمعنى آخر، فإنَّ ما قَصَدَهُ هو أنَّنا لو لم نَشعُر هكذا فإنَّنا سنَشعُرُ أنَّنا قُساة.

"فالمحبَّة الحقيقيَّة تَسعى وتَطلُب لأجلِ المَحبوبِ أعظمَ المَنافعِ المُتاحة. فإنْ كُنتُم تَملِكُونَ القُدرة على الخِدمةِ والتَّمَتُّعِ وتَمجيدِ اللهِ، كيفَ سَنُحِبَّكُم مَحبَّة حقيقيَّة إن لم نَتَمَنَّى لكُم هذا الامتيازَ الأسمَى والأكثر قَداسَةً؟ فقد كُنَّا سنَشعُرُ أنَّ مَحَبَّتَنا تُرَكِّزُ على التَّفاهاتِ وأنَّها لا تُبالي بالأمورِ الَّتي لها عواقِب أبديَّة وَخيمة لو أنَّها لم تُرَكِّز كُلَّ صَلواتِها ورَغْباتِها وجُهودِها على خَلاصِكُم الشَّخصيّ".

وهو يَكتُبُ قائلاً: "إنَّ كُلَّ أبٍ [أو أُمٍّ] تقريبًا لديهِ شيءٌ يَرغبُ فيهِ أكثرِ مِن أيِّ شيءٍ آخر لأولادِه. وأَسمَى ما نَطْمَحُ بِهِ لَكُم هو ما يَلي: أنَّهُ أيًّا كانَ الموقفُ الَّذي تُواجِهونَهُ، فإنَّكُم سَتُزَيِّنونَهُ بجَمالِ القداسةِ وتَتصرَّفونَ فيهِ وَفقًا للمبادئِ المسيحيَّة. فبقدرِ ما نَتَمَنَّى أن تحْظَوْا بمكانةٍ مَرموقةٍ في الحياة، فإنَّنا نَتَمَنَّى أكثر أن تَكونوا غيرَ مَعروفين، وَحَتَّى أن تكونوا في مواقِفَ وَضيعة شَريطَةَ أن تَكونوا شُركاءَ في القداسة الحقيقيَّة عِوَضًا عن أن نَراكُم في أعلى المَناصِبِ والمَراكِزِ، وعِوَضًا عن أن تَنالوا إعجابَ العالَمِ كُلِّه إنْ كانَ ذلكَ يَعني في الوقتِ نفسِهِ أن تكونَ قُلوبُكُم خَالِيَة مِن خَشْيَةِ اللهِ".

وهو يُتابِعُ قائلاً: "لقد صَلَّينا بِدونِ تُوَقُّف إلى الله لأجلِ خَلاصِكُم. وحالَما أدركنا أنَّكُم بدأتُم تَستوعبون، سَكَبنا نُورَ التَّعليمِ الدِّينيِّ في أذهانِكُم. ولا يُمكِنُكم أن تَتذكَّروا متى ابتدأتْ هذه الجُهود. أَلَمْ نُعَلِّمكُم ونُحَذِّركُم ونُوبِّخكُم ونُشَجِّعكُم حينَ عَرَّفناكُم إلى الطَّريقِ الضَّيِّقِ الَّذي يُؤدِّي إلى الحياةِ الأبديَّة؟ فكيفَ كُنَّا سنَحتَمِلُ أن نَرى أولادَنا يَختارونَ طُرُقًا أخرى غيرَ طُرُقِ الحِكمة، وأيَّ طَريقٍ آخرَ غيرَ طَريقِ الحَياة؟ وكيفَ كُنَّا سنَحتمِلُ أن نَراكُم تَسيرونَ على الطَّريقِ الرَّحْبِ الَّذي يُؤدِّي إلى الهلاكِ وأنْ تُرافقوا الأكثريَّةَ لِفِعْلِ الشَّرّ؟

يا رَبُّ، نَجِّنا مِنْ هذا المَشهَدِ المُحْزِنِ في القَبر. وقبلَ أن يَحدُثَ ذلك، خُذنا إلى راحَتِنا. أخرِجْنا قبلَ أن نَرى ذلك. فكم سَيُنَغِّصُ ذلكَ لَحظاتِنا الأخيرة ويَغرِزُ في وسادَةِ مَوْتِنا شَوكًا إنْ تَرَكْناكُم على الأرضِ في حالةِ عَدَمِ اهْتِداء عَالِمينَ أنَّكُم ستَتبعونَنا إلى القَبْرِ ولكِنْ ليسَ إلى السَّماء! وإن كُنتُم ستموتونَ قَبلَنا، كيفَ سنَقِفُ مَوقِفَ المُتفرِّجينَ المُرعِب مِن دونِ بَصيصِ أَمَلٍ واحدٍ يُفَرِّحُ نُفوسَنا البائِسَة؟ وكيفَ سَنَحْتَمِلُ الفِكرةَ المُريعةَ في أنَّكُم في اللَّحظةِ الَّتي ستَغيبونَ فيها عن أعيُنِنا فإنَّكُم ستختبرونَ العَذابَ الَّذي لن يَنتهي ولن يَهدأ.

وهو يُنهي رِسالَتَهُ بتلكَ الكلمات. لِذا فإنَّ مَهَمَّتَكُم العظيمةَ هي أن تَكونوا وُكلاءَ صالِحينَ على أولادِكُم، وأن تَبذلوا جُهدًا، وأن تُصَلُّوا، وأن تَقودوهُم إلى مَعرفةِ المسيح. فالفِكرةُ مِنَ الأُبوَّةِ والأمومة هي ليست أن تُسيطروا على أولادِكُم كَما لو كانت غايَةً في ذاتِها، بل أن تَقودوهُم إلى المسيح. ثُمَّ إنَّ الرُّوحَ القُدُسَ سيُغَيِّرُهم مِنَ الدَّاخِل. وهذا سيَعمَلُ على إبْطالِ تأثيرِ العالَمِ وَتأثيرِ الفَساد. فَهُمْ سيَخضعونَ مِن خلالِ عملِ الرُّوحِ المُتَمَثِّل في الخَلاص.

يا أبانا، نَشكُرُكَ في هذا المساء على مَسؤوليَّتِنا، وعلى الرَّجاءِ الَّذي هُوَ لَنا في أثناءِ قيامِنا بتلكَ المسؤوليَّة. فقد قُلتَ لنا: "رَبِّ الْوَلَدَ فِي طَرِيقِهِ، فَمَتَى شَاخَ أَيْضًا لاَ يَحِيدُ عَنْهُ". ونحنُ نَشكُرُكَ على إعطائِنا هؤلاءِ الأطفالِ الصِّغارِ الأحبَّاء. ونَشكُرُكَ لأنَّكَ جَعلتَنا أولادًا لكَ لكي نَعلَمَ ما ينبغي أن نَقولَهُ لهم. فعندما نُفَكِّرُ في الآباءِ والأُمَّهات، هُناكَ الملايينُ منهم في العالَم مِمَّنْ لا يَستطيعونَ أن يَقودوا أولادَهُم إليكَ لأنَّهم لا يَعرفوكَ.

ويا رَبّ، يا لَيتَنا نَعلَمُ أنَّ الأمرَ لا يتوقَّف فقط على ما نَقولُه، بل على هُوِيَّتِنا. ويا لَيتَ شخصيَّاتِنا، ونَزاهَتَنا في حَياتِنا، وتَقوانا، وفَضيلَتَنا الَّتي نُظهِرُها لأولادِنا تُعَزِّز أو تَحِلُّ مَحَلَّ الإنجيلِ الَّذي نَكرِزُ بِهِ إليهم. ويا ليتَنا نَقودَ أولادَنا بكُلِّ محبَّةٍ ولُطفٍ، ورِفْقٍ، وصَبْرٍ، وغُفرانٍ عَظيم، وتَفَهُّمٍ إلى المَسيح. ويا لَيتَنا نُنشِئُ جِيلاً آخرَ لِمَجْدِكَ وَمَجْدِ ابْنِكَ الَّذي نُصَلِّي باسْمِهِ. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize