Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا المساء، نُتابِعُ مَرَّةً أخرى سِلسلَتَنا عن نَموذَجِ اللهِ للعائلةِ، وتحديدًا للأبناء. افتحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ مِن فَضلِكُم على رسالة أفسُس والأصحاح السَّادس. رسالة أفسُس والأصحاح السَّادس. فالعائلةُ، كما قُلنا طَوالَ هذه السِّلسِلَة، هي النُّقطةُ المركزيَّة للمُجتمَع. والعائلةُ هي التُّربةُ الخِصبَةُ للمهاراتِ الاقتصاديَّة، والمهاراتِ الاجتماعيَّة، والأخلاق، والقِيَم، والمواقف المُختصَّة بالعمل، والإيمانِ باللهِ، وكُلِّ شيءٍ آخر. فعندما تَسيرُ الأمورُ حَسنًا في العائلة، تَستحِقُّ الحياةُ أن تُعاشَ. وعندما لا تَسيرُ حسنًا في العائلة، فإنَّ الحياةَ تَنهار.

ومِنَ الواضحِ في زَمانِنا ومُجتمعِنا أنَّ الحياةَ آخِذة في الانهيار. والأطفالُ هُمُ الأكثر تَضَرُّرًا في هذا التَّفَكُّك. وَمِن دونِ مَحبَّة سليمة وتَربية سليمة، فإنَّنا نُرَبِّي (أوْ بالحَرِيِّ: لا نُرَبِّي) جيلاً مِنَ الأبناءِ المُضطرِبينَ والغاضِبينَ ومُرِّي النَّفس. فقد تُرِكوا مِن آبائِهم الَّذينَ يَسْعَوْنَ إلى النَّجاحِ في أعمالِهم، وتُرِكوا مِن أُمَّهاتِهم العامِلات. فقد صارَ الآباءُ والأُمَّهاتُ مُتمركزينَ حولَ أنفسهم، ومشغولينَ بأمورِهِمِ الشخصيَّة. وكُلُّ ما يَتَمَنَّونَهُ هو أَلَّا يكونَ أبناؤهم عَثْرة في طريقهم. والأبناءُ يُترَكونَ وَحدَهُم في أغلبِ الأحيان، ويُهْجَرونَ غالبًا في خِضَمِّ فَوضَى الطَّلاق، وأحيانًا يُحْبَلُ بهم حَبَلاً غيرَ شَرعيٍّ. وكُلُّ هذه الأشياءِ تؤثِّرُ فيهم تأثيرًا مأساويًّا.

ومُعَدَّلاتُ الإجرامِ تَزدادُ بسببِ هذا الجيلِ الَّذي يَفتقِرُ إلى المحبَّة، ويَشعُرُ بالغضب، ولم يَتعلَّم الانضباط. فالشَّبابُ المُتمركزونَ حولَ أنفسهم، والأنانيُّونَ، والعِدائيُّونَ يَنقادونَ وراءَ شَهواتٍ غير مُنْضَبِطَة تَتَصاعَدُ مَعَ نُمُوِّ هذا الجيلِ مِنَ الأبناءِ المُتمرِّدين. وفي مُواجهةِ هذا التَّوَجُّهِ، هناكَ كلمةُ اللهِ الواضحة جدًّا بخصوصِ كيفيَّة تَربية أبناء مسؤولينَ وأُمناء. والأمرُ ليسَ صَعبًا جدًّا. والحقيقة هي أنَّهُ باستطاعتنا أن نَفهمَ بوضوح الخُطَّة. فالأمرُ يتوقَّفُ وَحَسْب على أمانَتِنا في تَطبيقِها.

ويُمكنني أن أُلَخِّصَ كُلَّ ما تحتاجونَ إلى مَعرفته لتنشئةِ أبنائكم، وكُلَّ ما تحتاجونَ إلى مَعرفته عنِ الأُبوَّة والأمومة في جُملتين: الأولى هي: عَلِّموهم الحَقَّ المُختصَّ باللهِ وشريعَتِهِ طَوالَ الوقتِ. هذه هي الجُملةُ الأولى. عَلِّموهم الحَقَّ المُختصَّ باللهِ وشريعَتِهِ طَوالَ الوقتِ. فهذه الجُملة المُنفرِدَة تَضُمُّ أُمورًا كثيرةً يَقولُها الكتابُ المقدَّس، ولكِنَّ هذه الجُملة تُلَخِّصُ ذلك. عَلِّموهم الحَقَّ عنِ اللهِ وشريعَتِهِ طَوالَ الوقتِ. الجُملة الثَّانية: أَلزِموهُم بإطاعةِ تلكَ الشَّريعة، وعاقبوهم بَدَنِيًّا حينَ لا يَفعلونَ ذلك. أَلزِموهُم بإطاعةِ تلكَ الشَّريعة، وعاقبوهم بَدَنِيًّا حينَ لا يَفعلونَ ذلك.

فهاتانِ الجُملتانِ تُلَخِّصان ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّسُ عن تربيةِ الأبناء: عَلِّموهم الحَقَّ المُختصَّ باللهِ وشريعَتِهِ طَوالَ الوقتِ. وأَلزِموهُم بإطاعةِ تلكَ الشَّريعة، وعاقبوهم بَدَنِيًّا حينَ لا يَفعلونَ ذلك. فنحنُ نَتذكَّرُ ما جاءَ في سِفْرِ الأمثال: "اَلْجَهَالَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِقَلْبِ الْوَلَدِ. عَصَا التَّأدِيبِ تُبْعِدُهَا عَنْهُ". ولكِنَّ عَصا التَّأديبِ لن تُبعِدَها عنهُ إن لم يَفهمُ سببَ تأديبِه. وَهُوَ سيَفهمُ ذلكَ إنْ فَهِمَ الشَّريعةَ الَّتي كَسَرَها.

وكما رأينا في المَرَّة السَّابقة، فإنَّ الأبناءَ يُصارعونَ اللَّعنةَ الموجودة في داخِلهم، ويُصارعونَ النِّظامَ العالميَّ الخارجيَّ. وفي هذه الأيَّام، مِنَ المؤكَّدِ أنَّهم يُصارعونَ الأزمنة الصَّعبة الَّتي تأتي عليهم. لِذا، لا يَجوزُ أن يُتركوا وَحدَهُم، بل ينبغي لنا أن نُساعِدَهُم على أن يَتَشَكَّلوا ويصيروا أشخاصًا يَتَّقونَ اللهَ. والأصحاحُ السَّادسُ مِن رسالة أفسُس يُقَدِّمُ لنا هذا النَّموذجَ البَسيطَ. والحقيقة هي أنَّهُ يُخاطِبُ في المقامِ الأوَّلِ الأبناءَ فيقولُ لهم: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هذَا حَقٌّ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَارِ عَلَى الأَرْضِ". ثُمَّ إنَّهُ يُخاطِبُ الآباءَ قائلاً: "وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ..." وهذا يُشيرُ بِكُلِّ تأكيدٍ إلى مَسؤوليَّةِ كُلٍّ مِنَ الأبِ والأُمِّ. "...لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ، بَلْ رَبُّوهُمْ بِتَأدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ".

بعبارة أخرى، عَلِّموهُم عنِ الرَّبِّ، وأدِّبوهم كي يُطيعوا ذلكَ التَّعليم. فالأمرُ واضحٌ تمامًا. فهذا هو النَّموذج. فهدفُكَ هو أن تُرَبِّي أبناءً مُطيعينَ يُكْرِمونَ أُمَّهُم وأباهُم. وهُناكَ وَعْدٌ بالبركةِ لهم. ونحنُ ما زِلنا نتحدَّثُ عن مسؤوليَّةِ الأبناء وهي كالتَّالي: أن تُطيعوا آباءَكُم وأُمَّهاتِكُم وتُكرِموهم. والحقيقةُ هي أنَّ هذا هو نِطاقُ مَسؤوليَّتِهم بأسرِه. فَهُم تَحْتَ سُلطةِ آبائهم وأُمَّهاتِهم. وَهُم مَدعُوُّونَ إلى الخُضوعِ والاحترام. ولكِن يجب تَعليمُ الأبناءِ أن يَفعلوا هذا. ويجب تَربيتُهم على ذلك. ويجب أن يُدَرَّبوا على الطَّاعة وأن يُدَرَّبوا على الاحترام.

والآن، عندما يُعانونَ ضُعفًا أو نَقصًا في حياتِهم بسببِ عَدَمِ تَعليمِهم ذلك، أيْ عندما يكونُ هناكَ عُنصرٌ كبيرٌ مَفقودٌ في حياتِهم وَهُوَ هذا...فيمكنكَ أن تُعطيهم أمورًا كثيرة، ويمكنك أن تُعطيهم ألعابًا، ويمكنك أن توفِّرَ لهم بيئة سعيدة، وبيتًا مُريحًا؛ ولكِن إنْ كان هذا الجانبُ مِن حياتِهم مَفقودًا، لن يتعلَّموا ضَبْطَ النَّفس. وإن لم يتعلَّموا ضَبْطَ النَّفسِ، سيصيرونَ بسُرعة أشخاصًا فاسِدينَ يَسيرونَ نحوَ الدَّينونة.

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الأبناءَ ضُعفاءُ في أربعة جوانب. ويمكنكم أن تَجدوا هذه الجوانب ببساطة مِن خلالِ تذكيرِ أنفسِكُم بما جاءَ في إنجيل لوقا 2: 52 حيثُ نَقرأُ عن رَبِّنا يسوعَ: "وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ". فقد كانَ يسوعُ الصَّغيرُ يَنمو. وقد كانَ يَنمو في أربعةِ جوانب: في الحِكمةِ والقامَة. وهذا يعني أنَّهُ كانَ يَنمو عَقليًّا وجسديًّا. وكانَ يَنمو في النِّعمةِ عندَ اللهِ والنَّاس. وهذا يعني أنَّهُ كانَ يَنمو رُوحيًّا واجتماعيًّا. وهذه هي الجوانبُ الأربعةُ التي يُعاني الأبناءُ ضُعْفًا فيها.

فَهُمْ عَاجِزونَ ذهنيًّا. والمقصودُ بذلكَ هو أنَّهم يَملِكونَ مَعرفة مَحدودة وحِكمة مَحدودة. وَهُم عاجِزونَ جسديًّا إذْ إنَّهم يَمْلِكونَ قُوَّةً محدودة. وَهُم عاجِزونَ اجتماعيًّا. وَهُم أنانيُّونَ ومُتكَبِّرون. فَهُمْ يُريدونَ ما يُريدونَهُ عندما يُريدونَهُ. وَهُمْ يَتظاهَرونَ كثيرًا. وَهُمْ عاجِزونَ روحيًّا لأنَّهم خُطاة ولا يَعرفونَ اللهَ شخصيًّا. لِذا، يجب على الآباءِ والأُمَّهاتِ أن يُوْجِدوا بيئةٍ وسِياقًا يُساعِدُهم على النُّموِّ في هذهِ الجوانِب.

فمِنَ النَّاحية الفِكريَّة، يجب علينا أنْ نَحْفِزَهُم على مَعرفةِ الحَقِّ الإلهيِّ. ومِنَ النَّاحية الجسديَّة، يجب علينا أنْ نُغَذِّيهم لكي يَتَمَكَّنوا مِنَ النُّمُوِّ. ومِنَ النَّاحيةِ الاجتماعيَّةِ، يجب علينا أن نُعَلِّمَهُم التَّواضُعَ، وحُبَّ الآخرينَ، وأن يكونوا خُدَّامًا. ومِنَ النَّاحيةِ الروحيَّة، يجب علينا أن نَتَصَدَّى لخطاياهم وأن نَأتي بهم إلى التَّوبةِ والإيمانِ بيسوعَ المسيح. فهذه هي الأُبوَّة والأُمومة. فهي تعني أن نُعَلِّمَهُم عنِ اللهِ وشريعَتِهِ طَوالَ الوقتِ، وأن نُعَزِّزَ طاعَتَهُم لتلكَ الشَّريعةِ مِن خلالِ مُعاقبتهم حينَ يَعْصُون. وبصراحة، هذا الأسلوبُ يأتي بنتائج مُدهشة، ونتائج رائعة. ولا ينبغي لكَ أن تكونَ مِنْ حَمَلَةِ شَهاداتِ الدُّكتوراه لمعرفةِ ذلك.

فأنتَ تحتاجُ إلى شَهادةِ دُكتوراه كي تَعرفَ كيفَ تُسيطر على الأبناءِ الَّذينَ لم يَتَرَبَّوْا بهذه الطَّريقة. وهذه هي الحالُ الَّتي نَراها اليوم. فنحنُ نَرى عالَمًا بأسرِهِ مِنْ عُلماءِ النَّفسِ وعُلماءِ الاجتماعِ وعُلماءِ السُّلوكِ النَّفسيِّ يُحاولونَ أن يَجدوا طريقةً للسَّيطرةِ على جيلٍ مِنَ الأولادِ الخارجينَ عنِ السَّيطرةِ لأنَّهم لم يَنشأوا بحسبِ مبادئِ الكتابِ المقدَّس. ونحنُ لدينا جيلٌ كاملٌ مِنَ الأبناءِ العُصاةِ في أُمَّتِنا مِمَّنْ يَتَّصِفونَ بالكِبرياءِ، والتَّمركُزِ حول الذَّاتِ، والانغماسِ في رغباتِهم وشَهواتِهم.

ونحنُ نَرى آباءً وأُمَّهاتٍ مُبَرْمَجينَ على عَدَمِ تأديبِ أبنائهم لأنَّهُ تَمَّتْ إعادةُ تَعريفِ ذلكَ بأنَّهُ إساءة للطُّفولة. ونحنُ نَرى آباءً وأُمَّهاتٍ لا يَعرفونَ حَقًّا النِّظامَ الأخلاقيَّ الَّذي يَنبغي أن يُعَلِّموهُ لأبنائهم. ونَرى آباءً وأُمَّهاتٍ مُنهمكونَ جدًّا ولا يُكَلِّفونَ أنفُسَهُم عَناءَ تَربيةِ أبنائِهم، ولكنَّهُم يحاولونَ الآنَ أن يَتعاملوا معَ هؤلاءِ الأبناءِ الغاضِبينَ لأنَّهم لم يَحصُلوا على المحبَّة والعاطفة والاهتمام الَّذي يَحتاجونَ إليه، والَّذين يَفتقرونَ إلى الانضباطِ لأنَّهم لم يَتعلَّموا ضَبْطَ النَّفس. فالآباءُ والأُمَّهاتُ يُحاولونَ الآنَ أن يتعاملوا معَ هؤلاءِ الأبناءِ بطُرُقٍ مُرعبة جدًّا.

في الأسبوعِ الماضي، تَصَفَّحْتُ مَجَلَّةَ "نيوزويك" (Newsweek Magazine). وكانتِ المقالة الرئيسيَّة تتحدَّثُ عن دواءٍ اسمُهُ "ريتالين" (Ritalin)، وهو دَواءٌ يُعطى للأطفالِ اليوم. وأريدُ أن أقرأَ لكم أجزاءً مِمَّا جاءَ في هذه المقالة لأنِّي أريدُ أن أُبَيِّنَ لكم الأشواطَ الَّتي يَقطَعُها الآباءُ والأُمَّهاتُ في مُحاولةٍ للسَّيطرةِ على أبنائهم عندما لا يَفعلونَ ذلكَ بالطَّريقةِ الَّتي وَضَعَها اللهُ.

فالمقالةُ تَبتدئُ كالتَّالي: "إنَّهُ صَباحٌ آخر يَتِمُّ فيهِ إعطاءُ الدَّواءِ في مدرسة وينيباغو الابتدائيَّة (Winnebago Elementary School) في ضَاحيةِ بلومينغديل (Bloomingdale) الَّتي تعيشُ فيها الطَّبقة المُتوسِّطة في شيكاغو. تَصْدُرُ ثلاثُ رَنَّاتٍ تحديدًا مِنْ جهازِ النِّداءِ الدَّاخليِّ في السَّاعةِ 11:45 صباحًا. يَفتَحُ مُديرُ المدرسة مارك واغينر (Mark Waggener) خِزانةَ مَلَّفاتٍ مُغلفة بإحكام ويُخرِجُ منها عُلبةً ضَخمةً مُمتلئة بقواريرِ دَواءٍ بلاستيكيَّة. ويَأتي نَحْوُ اثْني عَشَرَ طالبًا إلى المكتب لأخذِ دواء ريتالين؛ وهو دواءٌ يُهَدِّئ الأطفالَ الثَّائرينَ عن طريقِ حَفْزِ الدِّماغ. فهؤلاءِ الأطفالُ مِن جميعِ الأعمارِ، وأغلبُهم مِنَ الأولادِ، شُخِّصُوا بأنَّهم يُعانونَ مِن اضطرابٍ يُرْمَزُ إليهِ بـ (ADHD) ومَعناهُ: "اضطرابُ نَقصِ الانتباهِ وفَرْطِ الحَرَكة". وهو خَلَلٌ عَصبيٌّ يُزيلُ الكَوابِحَ عنِ الدِّماغِ ويُعَطِّلُ التَّركيز.

قبلَ عَشْرِ سَنوات، بحسبِ ذاكرةِ مُديرِ المدرسة واغينر، كانَ هناكَ طالبانِ فقط في مدرسة وينيباغو يأتونَ لأخذِ دواء ريتالين. وهو لا يَدري كم عدد الطَّلبة الَّذينَ يَأخذونَ الدَّواءَ في البيت أو بأنفسهم. "لا توجد صُوَرُ أشِعَّة، ولا فُحوصُ دَمٍ، ولا صُوَر مَقطعيَّة تُساعِدُ في تحديدِ الأشخاصِ الَّذينَ يحتاجون إلى هذا الدَّواء. وتَشخيصُ هذا الاضطرابِ يَبقى فَنًّا وَعِلْمًا. ولا توجد دراسات مُحَدَّدة طويلة الأجل تُؤكِّد للآباءِ والأُمَّهاتِ أنَّ هذا المُحَفِّزَ لا يَترُكُ أضرارًا سلبيَّةً خَفيَّةً على أبنائهم.

"فالأمرُ يَستغرِقُ وقتًا طويلًا إن أرادَ الآباءُ والأُمَّهاتُ والمُعَلِّمونَ أن يَجلسوا معَ الأطفالِ بحسبِ قَوْلِ الدُّكتورة شارون كولينز (Sahron Collins)، وهي طبيبة أطفال في مدينةِ سيدار رابيدز (Cedar Rapids) بولاية آيوا (Iowa) حيثُ تَقولُ التَّقاريرُ إنَّ ثمانية بالمئة مِنَ الأطفالِ يَتعاطَوْنَ دواءَ ريتالين. في حينِ أنَّ إعطاءَ الدَّواءِ للطِّفلِ يَستغرِقُ وقتًا أقصر‘. وأعتقدُ أنَّها تَرى الأمرَ على حَقيقَتِه. فالأمرُ يَستغرقُ وقتًا طويلاً لتدريبِ الطِّفل؛ وهو وقتٌ أطول بكثير مِنَ الوقتِ اللَّازمِ لإعطائِهِ حَبَّةَ دَواء. ولكِنْ أنْ تَجعَلَ طِفلَكَ العَاصِي، أوِ ابنَكَ الَّذي يَفتَقِرُ إلى ضَبْطِ النَّفسِ، أو رُبَّما طِفلَكَ الغاضِبَ بسببِ عدمِ حُصولِهِ على العِنايةِ اللَّازمة، أنْ تَجْعَلَ ذلكَ الطِّفلَ شخصًا مُدْمِنًا على الأدوية، هل هذا هو الحَلّ؟

"هُناكَ طَلَبة يأخذونَ دَواءَهُم الَّذي يَعمَلُ على مَدى ساعاتٍ طويلة قبلَ المدرسة. وهناكَ طَلبة يأخذونَ دواءَهُم في ساعاتِ الاستراحات. وهناكَ طِفلٌ يَرتدي ساعةً فيها جَرَسٌ يَرِنُّ لتذكيرِهِ بتناوُلِ دواءِ ريتالين في السَّاعة العاشرة صباحًا والسَّاعة الثَّانية بعدَ الظُّهر. وكما هي حالُ العديدِ مِن مُدراءِ المدارس فإنَّ المُدير واغينر ليسَ واثقًا مِن صِحَّةِ تَناوُلِ هذا الدَّواء. فَهلِ الأطبَّاءُ يُصادفونَ هذا الاضطرابَ أكثرَ مِنَ السَّابق؟" بعبارة أخرى، لماذا الآنَ وليسَ قبلَ سَنواتٍ مَضَتْ؟ "أَم هل صارت ثقافَتُنا مُنهارة ومَخبولة إلى حَدٍّ فَقدنا فيهِ صَبْرَنا على تَربيةِ أبنائِنا؟ فقد صارَ اضطرابُ نَقْصِ الانتباهِ وفَرْطِ الحركة [وهذا مُدهشٌ] لقد صارَ الاضطرابَ النَّفسيَّ الأكثرَ انتشارًا بينَ الأطفالِ في أمريكا. ويَعتقدُ الخُبراءُ أنَّ أكثرَ مِن مَليونيّ طِفلٍ مُصابونَ بهذا الاضطراب.

ووَفقًا لإحصائيَّاتٍ تقريبيَّة أجراها المعهدُ الوطنيُّ للصحَّة العقليَّة، هناكَ طِفلٌ واحدٌ في كُلِّ صَفٍّ مُصابٌ بهذا الاضطراب. ومُنذُ سنة 1990، يَرى الدُّكتور دانيال سيفر (Dr. Daniel Safer) مِن كُليَّةِ الطِّبِّ في جامعة جون هوبكنز (John Hopkins) أنَّ عددَ الأطفالِ الَّذينَ يَأخذونَ دواءَ ريتالين قد زادَ ضِعْفَيْن ونِصف. فَمِنْ أصْلِ مَجموعِ الأطفالِ الَّذي يَبلُغ تَعدادُهم 38 مَليون تَتراوحُ أعمارُهم بينَ الخامسة والرَّابعة عشرة، هناكَ مَليون وثلاثمئة ألف طِفل يأخذونَ هذا الدَّواءَ بانتظام. وقد تَجاوزت مبيعاتُ الأدويةِ في السَّنةِ الماضية 350 مليون دولار.

"إنَّ هذه، بدونِ شَكٍّ، ظاهِرة أمريكيَّة. فمُعَدَّلُ استخدام ريتالين في الولاياتِ المُتَّحِدة هو أعلى بخمسة أضعاف على الأقلّ مِن بقيَّة العالَم. ومِنَ الشَّائع جدًّا في بعضِ الأحياءِ الرَّاقية أنْ تَظهرَ سُوقٌ سوداء صغيرة في عَدَدٍ مِنَ الملاعبِ والأماكِنِ يُباع فيها فيتامين آر (vitamin R)، كما يُسَمُّونَهُ، بسعر يتراوح بين ثلاثةِ دولاراتٍ وخمسة عَشَرَ دولارًا للحبَّة. وهناكَ أطفالٌ يَستخدمونَهُ الآنَ إذْ يَطحَنونَهُ ويَستنشقونَهُ كَمُخَدِّرٍ رَخيصٍ نِسبيًّا ومُتوسِّطِ المفعول".

وبالمُناسبة، إنَّ الرِّيتالين هو الاسمُ التِّجاريُّ للدَّواءِ المَعروفِ باسم "ميثيل-فينيديت" (methylphenidate). وعِلميًّا، إنَّهُ مُحَفِّزٌ يَبدو أنَّهُ يَزيدُ مُعَدَّلَ الدُّوبامين (dopamine) في الفَصِّ الأمامِيِّ مِنَ الدِّماغ حيثُ إنَّهُ يُنَظِّمُ الانتباهَ والدَّافعيَّة. "فهو دواءٌ قويٌّ. وهو دواءٌ مُصَنَّفٌ مِنْ قِبَلِ إدارةِ مُكافحةِ المُخَدِّراتِ الأمريكيَّة وَمُدْرَجٌ في اللائحةِ الثَّانيةِ مِنَ الموادِّ الَّتي تُصْرَفُ بوصفةٍ طِبيَّة فقط؛ أيْ في نفسِ فئةِ الكوكايين. وتُمارِسُ مجموعاتٌ مِنَ الآباءِ والأُمَّهاتِ الضَّغطَ الآنَ مِن أجلِ تَخفيفِ القيودِ على صَرْفِ الرِّيتالين مِنْ أجلِ تَجَنُّبِ زياراتِ الطَّبيبِ الشَّهريَّة للحُصولِ على وَصفة طبيَّة جديدة. ولكِنَّ إدارةَ مُكافحةِ المُخَدِّراتِ تُعارِضُهُم. وقد تَفاقَمَ الأمرُ في الشَّهرِ الماضي حَتَّى إنَّهُ اقتَضى طَلَبَ المُساعدة مِن المَجلسِ الدَّوليِّ للحَدِّ مِنَ المُخَدِّرات". فما نَتحدَّثُ عنهُ هنا هو جَعْلُ الأطفالِ مُدمِني مُخَدِّرات كي يَتمكَّنَ الآباءُ والأُمَّهاتُ مِن مُتابعةِ حَياتِهم.

"وإنْ كانَ الأطِبَّاءُ يُصَدِّقونَ أنَّهم وَجَدوا عِلاجًا، فإنَّهُ لا يبدو عليهم أنَّهم فَهِموا الاضطرابَ تمامًا. ففي الوقتِ الحاضِر، يَعلمُ العُلماءُ أنَّ اضطرابَ نَقْصِ الانتباهِ وفَرْطِ الحَركة ليسَ ناجمًا عن ضَررٍ في الدِّماغ، وليسَ ناجمًا عن حِمية غِذائيَّة خاطئة" استمعوا إلى ما يَلي: "وَهُمْ يَعلمونَ يَقينًا أنَّهُ ليسَ ناجمًا عن أُبوَّةٍ أو أُمومةٍ سَيِّئَة". فهل تَعلمونَ ما هي الأُبوَّة والأمومة السيِّئة في نَظرهم؟ أنْ تُؤدِّبَ ابنَك. "ويَرى الدُّكتور جيمس سوانسون (James Swanson)، وَهُوَ عالِمُ نَفسٍ في جامعةِ كاليفورنيا بمدينةِ إرفين (Irvine) يَرى أنَّهُ رُبَّما يَنجُمُ عن شيءٍ انحَرَفَ عن مَسارِهِ الصَّحيح". وهذا تَشخيصٌ عِلميٌّ حقًّا! "فهو رُبَّما يَنجُمُ عن شيءٍ انحرفَ عن مَسارِهِ الصَّحيح في فَترةِ الحَمْلِ. وقد يَكونُ هذا الشَّيءُ ناجمًا عن ضَغْطِ المَشيمة على الجَنين، أو إدمان الحامِلِ على الكُحول، أو تَعَرُّض الرَّحِم للتسمُّم بمَعْدِنِ الرَّصاص". وبالمُناسبة، كُلُّ هذه الأشياءِ قابلة للقياس.

"ويُقَدِّرُ الدُّكتور لورنس غرينبيرغ (Lawrence Greenberg)، وهو اختصاصيُّ في اضطرابِ نقصِ الانتباهِ وفَرطِ الحركة في مينيسوتا (Minnesota) أنَّ رُبْعَ الأطفالِ الَّذينَ يُولَدونَ قَبلَ أوانِهم رُبَّما يكونونَ مُصابينَ بهذا الاضطراب". ومَرَّةً أخرى، إنَّهُ تَعميمٌ غامِض. "وهُناكَ باحثونَ آخرونَ يُلقونَ اللَّوْمَ على العَوامِلِ الوراثيَّة. فَهُمْ يقولونَ إنَّكَ تَلْتَقِطُ هذا الاضطرابَ مِنْ والِدَيْك". وَهُمْ يَقتربونَ مِنَ الجَوابِ السَّليم. "وهُناكَ باحثونَ آخرونَ يُلقونَ اللَّوْمَ على العَوامِلِ الوراثيَّة. فالباحثُ المُتخصِّصُ في اضطرابِ نقصِ الانتباهِ وفَرطِ الحركة الدُّكتور رَسِل باركلي (Russell Barkley) مِن جامعة ماساشوسيتس (Massachusetts) يَقولُ إنَّ نَحْوَ نِصْفِ الأطفالِ المُصابين باضطرابِ نقصِ الانتباهِ وفَرطِ الحركة وُلِدوا مِنْ أبٍ مُصابٍ بِهِ أو أُمٍّ مُصابةٍ بِهِ، وأنَّ أكثرَ مِنْ ثُلُثِهم لديهم أُختٌ أو أخٌ مُصابٌ بهذا الاضطراب". وهل تَعلمونَ ما الَّذي يَعنيهِ ذلك؟ إنْ نَشأتَ في عائلةٍ خارجةٍ عنِ السَّيطرة، مِنَ المُرجَّحِ أنْ تَكونَ خارجًا عنِ السَّيطرة. فإنْ لم يَكُن والِداكَ مُنْضَبِطانِ، مِنَ المُرجَّحِ أنَّكَ لن تكونَ مُنضبطًا أيضًا. ولكِنَّ تَحْويلَ الأطفالِ غيرِ المُنضَبِطينَ إلى مُدمني عَقاقير هو أمرٌ مُرعِب.

فالأطفالُ يأخذونَ عادةً 5-10 ملغم مِن هذا الدَّواءِ ثلاثَ مَرَّاتٍ يوميًّا في أيَّامِ الدَّوامِ المدرسيِّ. وَهُمْ يأخذونَ استراحةً مِنَ الدَّواءِ في عُطَلةِ نهايةِ الأسبوعِ وكُلَّ بِضعةِ أشهُر". وإلى أينَ يَقودُ هذا؟ إليكُم هذا المَثَل التوضيحيّ. هناكَ طِفلٌ صغيرٌ اسمُهُ بيتر بريغر (Peter Briger) عُمرُهُ سَبعُ سنوات. وقد تَناوَلَ بيتر أدوية عديدة ومُختلفة، وتَنَقَّلَ بينَ صُفوفٍ عديدة ومُختلفة في الأشهُر الستَّة الماضية. ولكِنَّ دَواءَ ريتالين لم يَنجَح. ولم يَكُن سايليرت (Cylert)، وهو دواءٌ آخر، أفضلَ مِنَ الأوَّل. وهو يَأخُذُ الآنَ دواء إميبرامين (Imipramine)، وهو مُضادٌ للاكتئابِ وقد يؤدِّي إلى مشاكل في التَّنَفُّس، ويبدو أنَّهُ يَجعَلُهُ هادئًا. ولكِنْ إنْ لم يُوليهِ المُعَلِّمونَ اهتمامًا خاصًّا، يجب عليهِ أن يُرَكِّز كثيرًا".

ويا لَهُ مِنَ اكتشاف! فإنْ لم يُوليهِ المُعَلِّمونَ اهتمامًا خاصًّا فإنَّهُ يُعاني مِن صُعوبةٍ في التَّركيز. وما الَّذي يَفعلُهُ بالاهتمامِ الخاصّ؟ "يَصرِفُ بيتر نِصفَ يومِهِ في مدرسة بي إس 191 (PS 191) في مانهاتن (Manhattan) في صَفٍّ يَضُمُّ أكثرَ مِن عِشرينَ طالبًا مِن طلبةِ الصَّفِّ الثَّاني. وفي يومٍ اعتياديٍّ، جَلَسَ فوقَ مِقعَدِهِ، ثُمَّ إنَّهُ اتَّجَهَ إلى حَنفيَّةِ الماءِ وَضَرَبَ رأسَهُ بمَلَفٍّ كبير. وكانَ دَفتَرُهُ مُمتلئًا بالخَرابيش ومُزَيَّنًا في صَفْحاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ بواجباتٍ نِصْف مَحلولة".

وهذا يُذَكِّرُني بِكُلِّ دَفترٍ مِن دفاتري. وأنا أَذكُرُ ذاتَ مَرَّةٍ أنِّي وَقفتُ فوقَ مِقعدي في مُنتصفِ الصَّفِّ الثَّاني في روكوود (Rockwood)، بنسلفانيا (Pennsylvania). وفجأةً دَخَلَتِ المُعلِّمةُ الصَّفَّ. وقد كُنتُ أظُنُّ أنَّها ستأتي في وقتٍ لاحق.

"لقد أَضاعَ وقتًا كثيرًا" بِحَسَبِ قَوْلِ ميلي موراليس (Millie Morales). استمعوا إلى ما تَقول: "لقد ماتت الخالَة الَّتي كانت تَعتني ببيتر مُنذُ وفاةِ أُمِّهِ وذهابِ أبيهِ إلى السِّجْن". وما مُشكلةُ بيتر؟ إنَّهُ بلا أُمٍّ، وبلا أبٍ، وبِلا أيِّ شخصٍ يَهتمُّ بِه. وهو لا يستطيعُ أن يُرَكِّزَ إلَّا إذا اهْتَمَّ بهِ شخصٌ مَا. إنَّ هذا ليسَ مَرَضًا.

وتُخْتَمُ المقالةُ بالقول: "بالنِّسبةِ إلى الباحثينَ، إنَّهُ موقفٌ كلاسيكيٌّ على غِرارِ ’ادفعِ الآنَ أو ادفع أكثر لاحقًا‘. فالدِّراساتُ تُشيرُ إلى أنَّ...استمعوا إلى هذا...إلى أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ لا يَتَلَقَّوْنَ عِلاجًا لاضطرابِ نقصِ الانتباهِ وفَرْطِ الحركة مُعَرَّضونَ جدًّا إلى أن يصيروا مُدمنينَ على المشروباتِ الكُحوليَّة، ومُدَخِّنينَ، ومُدمني مُخَدِّرات أكثرَ مِنَ الأشخاصِ العاديِّين". هذا مُؤكَّد. فالأشخاصُ غيرُ المُنضبطينَ الَّذينَ يَفتقرونَ إلى ضَبْطِ النَّفسِ يَميلونَ أكثرَ مِن غيرهم إلى التصرُّفِ هكذا. "وأكثرُ مِنَ الثُّلُثِ يَتركونَ المدرسة". بِكُلِّ تأكيد. "وعُشْرُ الكِبارِ المُصابينَ باضطرابِ نَقصِ الانتباهِ وفَرْطِ الحركة يُحاولونَ الانتحار". فما لدينا هُنا هو طِفْلٌ مُضْطَرِبٌ، وغيرُ اجتماعيٍّ، ولا يَشعُر بأنَّهُ مَحبوب، وطِفلٌ غاضِب، ومُنزعِج، وغير مُنضبِط، ويَفتقرُ إلى ضَبْطِ النَّفسِ. وهو يَنْمو ويَصيرُ شخصًا كبيرًا على تلكَ الشَّاكِلَة. إنَّها وَصفة كارثيَّة مَضمونة.

وإذا كُنتُم تَرغبونَ في الاطِّلاعِ على لائحةٍ تَشخيصيَّة، سأُقدِّمُ لكم لائحةً بذلك. "فالاختصاصيُّونَ يَبْنونَ تَشخيصَهُم لاضطرابِ نَقصِ الانتباهِ وفَرْطِ الحَرَكة على الأعراضِ التَّالية". وَهُمْ يَذكرونَ أمورًا كثيرة. فرُبَّما يَذكرونَ عِشرينَ عَرَضًا ويقولونَ إنَّهُ إنْ كُنْتَ تَمْتَلِكُ سِتَّةَ أعراضٍ منها، فإنَّكَ مُصابٌ بهذا الاضطراب. فيُمكِنُكَ أن تَختارَ أيَّ سِتَّة أعراضٍ تَشاء.

"أوَّلاً، عَدَمُ الانتباهِ كثيرًا إلى التَّفاصيل. عَدَمُ المُبالاةِ بالأخطاء. عَدَمُ القدرة على التَّركيزِ طويلاً. عَدَمُ الإصغاءِ عندما يَتحدَّثَ الآخرونَ إليكَ. عَدَمُ اتِّباعِ التَّعليمات. عَدَمُ إنجازِ المَهامّ. صُعوبةُ تَنظيمِ أشيائِك. تَجَنُّبُ المهامِّ الَّتي تتطلَّبُ جُهدًا مُضْطَرِدًا. فُقدانُ الأشياء. تَشَتُّتُ الانتباهِ بسهولة. نِسيانُ الأشياءِ خلالَ اليوم. الضَّجَر. الالتواءُ في المِقعَد. مُغادرةُ المِقعَدِ في الوقتِ الَّذي يُتوقَّعُ مِنكَ أن تبقى جالسًا في مكانِك. الرَّكضُ هُنا وهُناك. تَسَلُّقُ الأشياءِ أكثر مِنَ اللَّازِم. صُعوبة اللَّعِب بهدوء. التصرُّف كما لو كُنتَ تَعْمَلُ بواسطةِ مُحَرِّك. الثَّرثرة. الإجابة قبلَ انتهاءِ السُّؤال".

وهل تَعلمونَ مَنِ الأطفالُ الَّذينَ يَصِفونَهُم؟ جَميعَ أبنائِنا. لا تُمازِحوني! فهذهِ الأوصافُ تَنْطَبِقُ على جميعِ أبنائي. وهي تَنطَبِقُ على جميعِ أحفادي. وهي تَنْطَبِقُ عليَّ. ولكنِّي لا أُعاني مَرَضًا. فكُلُّ طِفلٍ سيفعلُ تلكَ الأشياء إن لم يَتعلَّم ضَبْطَ النَّفس. وكُلُّ بطاقة سُلوك حَصلتُ عليها في السَّنواتِ الأولى في المدرسة...وأنا أُشارِكُكُم أسرارًا عميقةً يا أحبَّائي. فكُلُّ بطاقةِ سُلوكٍ حَصلتُ عليها عندما كُنتُ صَبيًّا صغيرًا في السَّنواتِ الباكرةِ في المدرسةِ ذَكَرَتِ العِبارةَ نَفسَها: "جوني لا يَنتَبِه. جوني يَتكلَّم كثيرًا. جوني لا يَبقى جالسًا في مِقعَدِه. جوني يَتحرَّك كثيرًا ويُصْدِرُ أصواتًا بقلمِه. جوني يَفْتَقِرُ إلى ضَبْطِ النَّفس. جوني لا يَبذُلُ قُصارى جُهدِه". وفي كُلِّ مَرَّة رَجَعْتُ فيها إلى البيتِ ببطاقة كهذه، كُنتُ أُضْرَبُ على مُؤخِّرَتي.

كانت هناكَ أمورٌ كثيرة تَدورُ في رأسي، ولم أكُن قادرًا على التَّركيزِ على شيءٍ واحدٍ فقط لأنِّي كُنتُ مَشغولاً بأمورٍ كثيرة. فقد خَلَقني اللهُ بطريقة مُعيَّنة، وجَعَلني قادرًا على التَّعامُلِ معَ أُمورٍ كثيرة. وهذه هي حياتي الآن. وأنا مَسرورٌ لأنَّ أبي وأُمِّي لم يَجْعلاني مُدمِنًا على العَقاقير. فأنا لم أكُن أشكو مِن مَرَضٍ أو عِلَّة، بل كانت هذه هي شخصيَّتي وَحَسْب. وقد واجَهَ أبي وأُمِّي تَحَدِّيًا كبيرًا جدًّا في تَعليمي ضَبْطَ النَّفسِ لأنَّهُ كانت لديَّ طاقة ذهنيَّة هائلة وطاقة جسديَّة هائلة. وما زِلتُ أملِكُ طاقةً هائلةً حَتَّى الآن. ويُمكنكم أن تَتَخَيَّلوا وَحَسْب كيفَ كُنتُ قبلَ أن أبلُغَ سِنَّ الثَّانية عَشْرَة.

فقد كُنتُ صَاروخُا مُنطَلِقًا في كُلِّ اتِّجاه. وقد تَعِبَ أبي وأُمِّي كثيرًا في تَربيتي. وأنا مَسرورٌ جدًّا لأنَّهُما بَذلا جُهدًا في القيامِ بذلك لكي يَستخدِمَ اللهُ القُدُراتِ الَّتي وَهَبها لي. فقد أحبَّاني وأَدَّباني. وقد عَلَّماني الحَقَّ الإلهيَّ طَوالَ الوقتِ مِن خلالِ التَّعليمِ والقُدوة. وعندما لم أَكُن أطيعُ ذلك، كانا يُؤدِّباني. وقد تَعَلَّمْتُ ضَبْطَ النَّفس.

ولكِنَّ الحالَ مُحزِنَة جدًّا في مُجتمعِنا. فكُلُّ عُلماءِ النَّفسِ والاختصاصيِّينَ النَّفسيِّينَ يُحاولونَ جاهِدينَ أن يَحُلُّوا مُشكلةً يُمكِنُ أن تُحَلَّ في بيتٍ تَسودُ فيهِ كلمةُ اللهِ. فلا توجد طريقة أخرى. ونحنُ مَدعُوُّونَ، بِصِفَتِنا آباءَ وأُمَّهاتٍ، إلى أن نُعَلِّمَ أبناءَنا أن يُطيعونا. والسَّببُ في ذلكَ هو ليسَ أنَّ لدينا خُطَّة مُعَيَّنة وَحَسْب، بل لأنَّنا نُمَثِّلُ بالنِّسبةِ إليهم الحَقَّ الإلهيَّ. فقد حَصَلْنا على أخلاقيَّاتِنا ومُبادِئِنا وقِيَمِنا ومَعرفَتِنا للحَقِّ مِنَ الله، وينبغي أن نُقَدِّمُ تلكَ الأشياءَ لهم. "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هذَا حَقٌّ".

"أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ". ما مَعنى ذلك؟ أيْ: مِنْ أجْلِ الرَّبِّ لأنَّ آباءَكُم وأُمَّهاتِكُم يُعَلِّموكُم الأشياءَ الغالِيَة على قَلبِ الرَّبِّ. لِذا، يجب عليكُم أيُّها الأولادُ أن تُطيعوا وَالِدِيكُم طَوْعًا. ويجب عليكم أن تُطيعوا وَالِدِيكُم طَاعةً غير مَشروطة. ويجب عليكم أن تُطيعوا وَالِدِيكُم بسرورٍ وفَرح لأنَّهم يُعَلِّموكُم الحَقَّ الإلهيَّ. وكُلُّ هذه الجُهودِ الَّتي تُبْذَلُ في مُجتمعِنا، وكُلُّ تلكَ الجُهودِ الَّتي تُبذَلُ لتحريرِ الأطفالِ مِنْ سُلطةِ الأبَوَيْنِ ولتحريرِ الأطفالِ مِنَ العِقابِ البَدنيِّ هي جُهودٌ كارثيَّة وتُخالِفُ شَريعةَ اللهِ.

في السَّنة الماضية...أو أعتقد قبلَ بِضعِ سَنوات...قرأتُ إحصائيَّاتٍ صَدَرَتْ قبلَ أعوامٍ. وتَقولُ آخرُ الإحصائيَّاتِ الَّتي قَرأتُها إنَّ ثمانيةَ ملايينِ وَلَدٍ وبنتٍ يُهينونَ آباءَهُم وأُمَّهاتِهم كُلَّ سَنة. وتَقولُ مَقالةٌ نُشِرَتْ في المَجَلَّة التَّربويَّة (Journal of Education): "قَدَّمَتْ مُعَلِّمةُ مَدرسة سَاخِطَة استقالَتَها بعدَ أنْ أَرْفَقَتْها بالمُلاحظة التَّالية: ’في مَدارِسِنا الحُكوميَّةِ اليوم، يَخافُ المُعَلِّمونَ مِنَ المُديرين. والمُديرونَ يَخافونَ مِنَ المُشرِفين. والمُشرِفونَ يَخافونَ مِنْ أعضاءِ مَجلسِ الإدارة. وأعضاءُ مَجلسِ الإدارةِ يَخافونَ مِنَ الآباءِ والأُمَّهات. والآباءُ والأُمَّهاتُ يَخافونَ مِنَ الأبناء. والأبناءُ لا يَخافونَ مِنْ أحد‘".

وقد قالَ شخصٌ أجنبيُّ يَزورُ بَلَدَنا إنَّ أكثرَ شَيءٍ صَعَقَهُ في أمريكا هو طاعةُ الآباءِ والأُمَّهاتِ لأبنائهم. وهذا مأساويٌّ جدًّا. "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ". لماذا؟ ما الَّذي تَقولُهُ الآية؟ "لأَنَّ هذَا حَقٌّ". "لأَنَّ هذَا حَقٌّ". وَمَنِ الَّذي يَقولُ ذلك؟ وأينَ الدَّليلُ النَّفسيُّ؟ إنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَقولُ إنَّ هذا حَقٌّ. ويُمكِنُكم أن تَعلموا أنَّ هذا حَقّ مِن خلالِ النَّظرِ إلى الكارثةِ الَّتي تَحِلُّ بهذا المُجتمعِ حينَ لا يَفعلُ الأولادُ ذلك. فقد قالَ اللهُ: "افعلوا ذلك". وقد قالَ اللهُ إنَّ هذا حَقّ. وقد كَتَبَ السِّفْرَ عنِ الحَقِّ. وبالمُناسبة، إنَّ الصِّيَغَ المُختلفة للكلمة "حَقّ" ("ديكايوس" – “dikaios”) تَرِدُ 185 مَرَّة في العهدِ الجديدِ بِمُفرَدِهِ.

لقد رَسَّخَ اللهُ الحَقَّ. ولا شَكَّ أنَّ جُزءًا رئيسيًّا مِنَ المُشكلةِ الَّتي يُواجِهُها الآباءُ والأُمَّهاتُ اليومَ هي أنَّهم لا يَعرفونَ الحَقَّ. فلا يوجد مِعيارٌ أخلاقيٌّ. وكما رأينا، عندما دَرَسَ هؤلاءِ الآباءُ والأُمَّهاتُ في الجامعاتِ، تَعَلَّموا هُناكَ أنَّهُ لا يوجد حَقّ. وكيفَ ستُعَلِّمُ أولادَكَ الحَقَّ إنْ لم يَكُن هُناكَ حَقٌّ؟ فكُلُّ ما يُمكِنُكَ أن تُحاولَ القيامَ بهِ هو أن تَمْنَعَ أولادَكَ مِن إغاظَتِكَ. وبالنِّسبةِ إلى أُناسٍ كثيرينَ فإنَّ أسهلَ طريقة للقيامِ بذلك هي إعطاؤهم عَقاقير مُخَدِّرة.

لقد رَسَّخَ اللهُ الحَقَّ. وبِمَعزِلٍ عنِ اللهِ، لا يُمكنُكَ أن تَعرفَ الحَقَّ. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر نَحَمْيا 9: 13 أنَّ اللهَ أعطى: "أَحْكَامًا مُسْتَقِيمَةً وَشَرَائِعَ صَادِقَةً، فَرَائِضَ وَوَصَايَا صَالِحَةً". ونَقرأُ في المَزمور 19: 8: "وَصَايَا الرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ". ونَقرأُ في المَزمور 119: 75 أنَّ أحكامَ الرَّبِّ عَدْلٌ. ونَقرأُ في العدد 128: "لأَجْلِ ذلِكَ حَسِبْتُ كُلَّ وَصَايَاكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مُسْتَقِيمَةً". ونَقرأُ في سِفْر هوشَع 14: 9: "فَإِنَّ طُرُقَ الرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ". ونَقرأُ في رسالة رُومية والأصحاح السَّابع: "إِذًا النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ". ويُضيفُ بولسُ: "وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ". والطَّريقةُ الوحيدةُ الَّتي يُمكِنُكَ مِن خلالها أن تُرَبِّي أولادكَ تَربيةً سَليمةً هي أن تُرَبِّيهم حَسَبَ كلمةِ اللهِ. لِذا فإنَّنا نُعَلِّمُ أولادَنا ما هُوَ حَقّ. ونحنُ نَدعوهُم إلى الطَّاعةِ كما لو أنَّهُم يُطيعونَ الرَّبَّ لأنَّنا نُعَلِّمُهم كَلمتَهُ ومَشيئَتَهُ.

ونحنُ لا نَفعلُ ذلكَ فقط مِن خلالِ التَّعليمِ الشَّفويِّ، ولا نَفعلُ ذلكَ فقط مِن خلالِ القراءةِ لهم، بل نَفعلُ ذلكَ مِن خلالِ القُدوةِ الحسنةِ بإظهارِ طاعَتِنا الشَّخصيَّةِ لله. ولا شَكَّ في أنَّكَ إنْ حاولتَ أن تُعَلِّمَهُم الطَّاعةَ مِنْ دون أن تَعيشَها، فإنَّ التَّشويشَ سيكونُ مُدَمِّرًا. لِذا، يجب علينا أن نُعَلِّمَهُم أنْ يُطيعوا. ونحنُ نُعَلِّمُهم أن يُطيعوا لأنَّ ذلكَ حَقّ. وكما تَرَوْنَ، فإنَّنا نَتمتَّعُ بعلاقةٍ غير عاديَّة بأولادِنا. استمعوا إلى هذه الأفكار. فعلاقةُ الابنِ...ونحنُ لدينا صُورة حَيَّة هُنا مِن خلالِ هؤلاءِ الأطفالِ الأحبَّاءِ هُنا في هذا المساء...فعلاقةُ الابنِ باللهِ تَتِمُّ مِنْ خِلالِ الأبَوَيْن. فقد صَمَّمَ اللهُ هذِهِ العلاقة هكذا.

فالطِّفلُ سيكبُر في نهايةِ المَطافِ، ويَترُكُ الأبوَيْنَ، ويَتمتَّع بعلاقة مُباشرة باللهِ مِن خلالِ المسيح. ولكِنْ عندما يكونُ هؤلاءِ الأطفالُ صِغارًا فإنَّ علاقَتَهُم باللهِ تَتِمُّ مِن خلالِنا. وعندما يَعصِي الابْنُ أَحَدَ وَالِدَيْه فإنَّهُ في جميعِ الأحوالِ والظُّروفِ يَعصِي الله. وعندما يَجْحَدُ الابنُ الصَّغيرُ أَحَدَ والِدَيه فإنَّهُ يَجْحَدُ اللهَ. وهذا أمرٌ خَطيرٌ جدًّا. لِذا فإنَّ العهدَ القديمَ يَقول: "عندما يَفعلُ الابنُ ذلكَ، اقتُلوه".

وبالمِعيارِ نَفسِه، فإنَّ الابنَ الَّذي يُقاوِمُ مُيولَهُ الطَّبيعيَّة المُتمرِّدة، ويَخضَعُ لوالِدَيْه، يَخضعُ أيضًا لله. وهذا يَجْلِبُ بَرَكةً رائعةً. أخبِروا أولادَكُم بذلك. قولوا لَهُم ذلك. فلا تَكتفي بالقول: "أريدُ مِنكَ أن تُطيعَني لأنِّي قُلتُ لكَ ذلك ولأنِّي تَعِبْتُ مِنْ تَكرارِ ذلك". بَلْ قُل لَهُ: "أريدُ مِنكَ أن تُطيعَني لأنَّكَ عندما تُطيعُني فإنَّكَ تُطيعُ اللهَ. وطاعَتُكَ للهِ تَعني أنَّكَ ستَتبارَك". وَقُل لهُ: "أطِعني لأنَّكَ إن لم تُطِعني فإنَّكَ تُهينُ اللهَ الَّذي أُعَلِّمُكَ مَشيئَتَهُ. وإن عَصَيْتَ اللهَ فإنَّكَ تَجلِبُ على نَفسِكَ دَينونةً عظيمةً وتأديبًا". وهذه فِكرة رائعة.

فيجب على الأبناءِ أن يَفهموا أنَّ طريقةَ تَجاوُبِهم معكَ تَعْكِسُ طريقةَ تَجاوُبِهم معَ الله. ويجب عليهم أن يَفهموا عَواقِبَ عِصيانهم لأنَّ علاقتهم باللهِ (وهي علاقة خاصَّة) مُحَدَّدة في آية واحدة على الأقلّ قرأناها في هذا المساء مِن إنجيل مَرقُس والأصحاح 10، وهي آية قالَها يسوعُ حينَ حَمَلَ أولئكَ الأطفالَ الصِّغارَ، ولَمَسَهُم، وبارَكَهُم. فَهُم مُمَيَّزونَ لدى الله. ولكِنَّ علاقَتَهُ بهم تَتِمُّ مِن خلالِكم أيُّها الآباءُ والأُمَّهات. ويجب عليهم أن يَفهموا ذلك. ويجب عليهم أن يَعرفوا أنَّ مُساءَلَتَهُم العظيمةَ هي أمامَ الله، ولكنَّهُم يُظهرونَ ذلكَ مِن خلالِ طاعَتِهم لَكُما. وهذا أيضًا، مِن وُجهةِ نَظَرِ الأبوَيْنِ، يَمنَعُ أيَّ إجْحاف. أليسَ كذلك؟ فلا يُمكِنُكَ أنْ تُصْدِرَ كُلَّ أنواعِ الأوامِرِ لأبنائِكَ ما لم تَكُنْ هذه الأوامِر قائمة على مبادئ كِتابيَّة.

وهذا يُذَكِّرُني بقصَّة أبشالوم في سِفْر صموئيل الثَّاني والأصحاحات 13-18...قِصَّة الابْن المُتمرِّد. فأبوهُ داوُد لم يَكُن بكُلِّ تأكيد أبًا كامِلاً. فقد أَخفَقَ في تأديبِ ابنِه. لقد أخفَقَ في تأديبِ أبشالوم. لِذا، ما الَّذي حَصَلَ عليه؟ لقد حَصَلَ على ابْنٍ مُتمرِّد. فلا أبوهُ ولا أُمُّهُ عَلَّمَاهُ ضَبْطَ النَّفس. وقدِ اقْتَدى أخوهُ غير الشَّقيق (أمنون) بالقُدوةِ السَّيِّئةِ لأبيهِ داوُد. وأنا أتحدَّثُ هُنا عن خطيئةِ داود معَ بَثْشَبَع. فقد فَعَلَ داودُ ذلك. وقد سارَ أمْنون ابنُهُ على مِنوالِ أبيه واغتَصَبَ أُخْتَ أبشالوم "ثَامَار" كما جاءَ في سِفْر صموئيل الثَّاني والأصحاحَيْن 11 و 13. ولم يَفعل داودُ شيئًا بخصوصِ ذلك. لم يَفعل داودُ شيئًا بخصوصِ ذلك.

وقد غَضِبَ أبشالوم لأنَّ أخاهُ غير الشَّقيقِ اغتَصَبَ أُختَهُ. لِذا فقد قَتَلَ أَمْنون. ولكنَّهُ تَعَلَّمَ ذلكَ مِن أبيهِ الَّذي قَتَلَ أُوريَّا الحِثِّيّ. وأخيرًا، تَصَرَّفَ داودُ بدافعِ خَوفِهِ مِن أبشالوم. فهو لم يتصرَّف بِدافعِ حِرْصِهِ الأبويِّ، بل بدافِعِ خوفِهِ. لِذا فقد نَفَى أبشالوم ورَفَضَ أن يتعاملَ معَ الموقفِ إلى أنْ أُرْغِمَ على ذلك. فقد كانَ داودُ أبًا ضَعيفًا وواهِنًا. وكانَت لدى أبشالوم أسبابٌ جَعَلَتْهُ عُدوانيًّا، وفاقدًا السَّيطرة، وغاضبًا. ولكِنْ بالرَّغمِ مِن تلكَ الأسباب، كانَ ينبغي لأبشالوم أن يَخضعَ لداود. وكانَ ينبغي لهُ أن يَفعلَ الصَّواب. ولكنَّهُ لم يَفعل. لِذا، بالرَّغم مِن وُجودِ أبٍ فاشِل، قَتَلَ اللهُ أبشالوم (كما قالَ اللهُ إنَّهُ سيفعل بالأبناءِ العُصاة). فنحنُ نَتحدَّثُ عن مسألة خطيرة جدًّا وهي أن تُعَلِّموا أولادَكُم الطَّاعة.

كذلك، انظروا إلى العددِ الثَّاني وهي مسؤوليَّةُ أن تُعَلِّموا أولادَكُم الاحترام: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَارِ عَلَى الأَرْض". فأنتم لا تَتعاملونَ هُنا معَ الأفعالِ فقط فيما يَخُصُّ الطَّاعة، بل تتعاملونَ أيضًا معَ المواقفِ هُنا وعنِ الاحترامِ والإكرام. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الخروج 20: 12: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ". وإذا رجَعْنا إلى الوصايا العَشْر نَقرأ: "أكرِم أباكَ وأُمَّك". فلا تَكفي الطَّاعةُ الخارجيَّة فقط، بل يجب أن تكونَ هُناكَ طاعة مِنَ الدَّاخل، أيْ طاعة قائمة على الاحترامِ والتَّوقيرِ والإكرام. فهي ليست طاعة أنانيَّة أو طاعة مُرَّة، وليست طاعة قَسْرِيَّة أو مُمْتَعِضَة أو نابعة مِنَ الخوف، بل طاعة مُحِبَّة مُفْعَمة بالاحترام.

والكلمة "أكرِموا" هُنا مُشتقَّة مِنَ الفِعْل "تيماؤو" (timao)، وهي تَعني "يُقَدِّر كثيرًا"...يُقَدِّر. قَدِّر أباكَ وأُمَّك، وأكرِمْهُما كثيرًا. بعبارة أخرى، يجب عليكَ أن تُدركَ قيمَتَهُما بالنِّسبةِ إليك. أيُّها الأولادُ، يجب عليكم أن تَفهموا قيمةِ آبائكُم وأُمَّهاتِكُم. وهذه هي أوَّلُ وَصيَّة بوعد. وهي الوصيَّة الخامسة في الوصايا العَشْر في خُروج 20. ولكنَّها أوَّلُ وصيَّة تَختصُّ بالعلاقاتِ البشريَّة. فالوصايا الأربعُ الأولى تَختصُّ بعلاقةِ المرءِ باللهِ. وهيَ تَحْوي وَعْدًا. ولكِنَّ هذه هي أوَّلُ وصيَّة تَختصُّ بالعلاقاتِ البشريَّة. وفي نِطاقِ هذه الوصايا، هذه هي أوَّلُ وَصيَّة بوعد. والوعدُ هو: "لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَارِ عَلَى الأَرْض".

فهل تُريدُ أن تَعيشَ حياةً سعيدة؟ وهل تُريدُ حياةً مُمتلئة؟ أَطِعْ أبَوَيْكَ. ويجب على أبنائكَ أن يَعرفوا ذلك. ويجب أن تُعَلِّموا أولادَكُم ذلك. فلا يجوزُ أن تَحجُبوا ذلكَ عنهم. فقد تقولُ: "قد يَعملُ ذلكَ...قد يَعملُ ذلكَ على إخافَتِهم". لا بأسَ في ذلك. فإنْ وَازنتَ بينَ ذلكَ وبينَ مَنْحِهم الأمان والطُّمأنينة والمحبَّة الَّتي تُقَدِّمُها لهم باسمِ الرَّبِّ، سَيَفهمونَ ذلك. ولكِنْ مِنَ المُهمِّ جدًّا أن يَعلموا أنَّ اللهَ يَعِدُ بالبَركةِ والحياةِ المَديدةِ للأبناءِ الَّذينَ يُطيعونَهُ. ويجب أن يَعلموا أنَّ تلكَ الطَّاعةَ تَتِمُّ مِن خلالِ آبائهم وأُمَّهاتِهم.

وقد تَقول: "لماذا تَرتبطُ هذه الوصيَّة بوعد؟ فَمِنْ بينِ كُلِّ الوصايا المُختصَّةِ بالعلاقاتِ بينَ البشر، ما سببُ أهميَّةِ هذه الوصيَّة؟" لأنَّ هذا الأمرَ، يا أحبَّائي، هو جَوهرُ كُلِّ العلاقات. فهو في صَميمِ العائلة. ولأنَّهُ في صَميمِ العائلةِ، فإنَّهُ في صَميمِ الكنيسةِ، وفي صَميمِ المُجتمع. فالكنيسةُ والمُجتمعُ يتألَّفانِ مِن عائلات. وعندما يوجدُ جيلٌ مِنَ الأولادِ غيرِ المُنضبطين، والذين لا يَحترمونَ آباءَهُم وأُمَّهاتِهم، والعُصاة، والمُتمرِّدين، فإنَّهم سيُدمِّرونَ العائلاتِ والكنائسَ والأُمَم. وعندما يوجدُ أطفالٌ عُصاةٌ لا يَحترمونَ آباءَهُم وأُمَّهاتهم، فإنَّها مأساةٌ على جَميعِ الأصعِدَةِ، وأمرٌ مُؤسِفٌ جدًّا.

استَمِعوا إلى ما جاءَ في سِفْر الأمثال: "الابْنُ الْجَاهِلُ غَمٌّ لأَبِيهِ، وَمَرَارَةٌ لِلَّتِي وَلَدَتْهُ". وهُناكَ أُمَّهاتٌ يَعْلَمْنَ ذلكَ، بَلْ يَعْلَمْنَ ذلكَ جَيِّدًا. فهو ليسَ مَرارة لأُمِّهِ فقط، بلِ استمعوا إلى ما يَقولُهُ بخصوصِ الآباء: "مَنْ يَلِدُ جَاهِلاً فَلِحَزَنِهِ، وَلاَ يَفْرَحُ أَبُو الأَحْمَق". ونَقرأُ في سِفْر الأمثال والأصحاح 19: "اَلابْنُ الْجَاهِلُ مُصِيبَةٌ عَلَى أَبِيهِ". "الْمُخَرِّبُ أَبَاهُ وَالطَّارِدُ أُمَّهُ هُوَ ابْنٌ مُخْزٍ وَمُخْجِلٌ". فهو مَصْدَرُ حُزْنٍ لأُمِّه، ومَصْدَرُ حُزْنٍ لأبيه. وَهُوَ مُخْزٍ للأبَوَيْن. وَهُوَ مُخْزٍ للعائلةِ بأسرِها. وَهُوَ مُخْزٍ للكنيسةِ وعِبْءٌ على المُجتمَع.

وهذا كُلُّهُ، أيْ كُلُّ هذه العلاقاتِ المُتكاملة تَبتدئُ مِن هُناك. وأودُّ أن أَصْحَبَكُم ثانيةً إلى سِفْر التَّثنية 21: 18-21: "إِذَا كَانَ لِرَجُل ابْنٌ مُعَانِدٌ وَمَارِدٌ لاَ يَسْمَعُ لِقَوْلِ أَبِيهِ وَلاَ لِقَوْلِ أُمِّهِ، وَيُؤَدِّبَانِهِ فَلاَ يَسْمَعُ لَهُمَا. يُمْسِكُهُ أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَيَأتِيَانِ بِهِ إِلَى شُيُوخِ مَدِينَتِهِ وَإِلَى بَابِ مَكَانِهِ، وَيَقُولاَنِ لِشُيُوخِ مَدِينَتِهِ: ابْنُنَا هذَا مُعَانِدٌ وَمَارِدٌ لاَ يَسْمَعُ لِقَوْلِنَا، وَهُوَ مُسْرِفٌ وَسِكِّيرٌ...". وهذا يَعني أنَّهُ بَلَغَ سِنَّ المُراهقةِ على أقَلِّ تَقدير. "...فَيَرْجُمُهُ جَمِيعُ رِجَالِ مَدِينَتِهِ بِحِجَارَةٍ حَتَّى يَمُوتَ".

إنَّهُمْ يَقتلونَهُ. لماذا؟ لأنَّ عَدوى ذلكَ في الأُمَّة مُدَمِّرة. وهي عَدوى نُصابُ بها حَتَّى في وقتِنا هذا. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في سِفْر التَّثنية 21: 21: "فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ بَيْنِكُمْ، وَيَسْمَعُ كُلُّ إِسْرَائِيلَ وَيَخَافُونَ". وكما تَرَوْنَ، فقد كانَ اللهُ يَعلمُ أنَّ حِفْظ تلكَ الأُمَّة كانَ يتوقَّفُ على عمليَّةِ التَّربية، وعلى إطاعةِ الأولاد. وأعتقد أنِّي أَملِكُ الوقتَ لأقولَ لَكُم ما يَلي في هذا المساء: افتحوا على الرِّسالة الأولى إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاح السَّابع. واسمَحوا لي أن أَخرُجَ قليلاً عنِ الموضوعِ لأنَّنا نَجِدُ هُنا مَسألةً قد تُصادِفونَها وتتساءلونَ عنها. فقد يقولُ أحدُ الأشخاصِ: "حسنًا! يجب على الأولادِ أن يُطيعوا آباءَهُم وأُمَّهاتِهم". ثُمَّ إنَّهُم يَقرأونَ هذا المقطعَ فيتشوَّشون. اسمحوا لي أن أقرأَ على مَسامِعِكُم الآياتِ مِن 36 إلى 38 وأن أُعَلِّقَ عليها:

رسالة كورِنثوس الأولى 7: 36: "وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَظُنُّ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِدُونِ لِيَاقَةٍ نَحْوَ عَذْرَائِهِ إِذَا تَجَاوَزَتِ الْوَقْتَ، وَهكَذَا لَزِمَ أَنْ يَصِيرَ، فَلْيَفْعَلْ مَا يُرِيدُ. إِنَّهُ لاَ يُخْطِئُ. فَلْيَتَزَوَّجَا. وَأَمَّا مَنْ أَقَامَ رَاسِخًا فِي قَلْبِهِ، وَلَيْسَ لَهُ اضْطِرَارٌ، بَلْ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى إِرَادَتِهِ، وَقَدْ عَزَمَ عَلَى هذَا فِي قَلْبِهِ أَنْ يَحْفَظَ عَذْرَاءَهُ، فَحَسَنًا يَفْعَلُ. إِذًا، مَنْ زَوَّجَ فَحَسَنًا يَفْعَلُ، وَمَنْ لاَ يُزَوِّجُ يَفْعَلُ أَحْسَنَ".

والآن، قد يَبدو ما نَقرأهُ هُنا مُتناقضًا. فهُناكَ أبٌ يُريدُ أن يُبْقي ابنتَهُ العَذراءَ دون زَواجٍ، وهُناكَ فتاة عَذراء تُريدُ أن تتزوَّج. والعدد 36 يَقولُ للأبِ: "دَعْها تتزوَّج". لِذا فإنَّ السُّؤالَ الَّذي قد يُطرَح هو: "مَهلاً! هل هي حُرَّة في أن تُعارِضَ مَشيئةَ أبيها وأن تَفعلَ ما تُريد؟" في هذا الموقِف، اسمَحوا لي أن أَشرَحَ ما يَجري. في الثَّقافةِ اليهوديَّة، كانَ الأبوانِ، ولا سِيَّما الآباءُ، يَقومونَ بدَورٍ فريدٍ وحَاسِمٍ في اختيارِ شُركاءِ الحياةِ لأولادهم. فقد كانَ قرار الأبِ (كما ينبغي أن يكونَ دائمًا). فهي العادة...وأنا أقولُ ذلكَ على سَبيلِ المُزاحِ كما تَعلمون.

فهي العادة الشَّائعة نَفسُها الَّتي كانت سائدة في مُجتمعات كثيرة أخرى بما في ذلكَ المُجتمعُ الرُّومانيّ. والحقيقة هي أنَّ بعضَ المؤرِّخينَ...إن كُنتم قد قرأتُم أيَّ كِتابٍ عن تاريخِ رُوما...هي أنَّ بعضَ المؤرِّخينَ يَنْسِبونَ انهيارَ رُوما جُزئيًّا إلى ضُعْفِ العائلة. وَهُم يَقولونَ إنَّ العائلةَ ابتدأت تَضعُف عندما توقَّفَ الآباءُ عن تَنظيمِ الزِّيجات. وفي أزمنةِ العهدِ الجديد، كانَ تَنظيمُ الزِّيجاتِ هُوَ العُرْفُ السَّائد.

والآن، في ضَوْءِ هذا التَّعليم عن فوائدِ عدمِ الزَّواج (وهو ما يَتحدَّثُ عنهُ المقطعُ في رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح 7)، عَلِموا أنَّ عدمَ الزَّواجِ قد يكونُ مِيزَةً. فيمكنكَ أن تَخدِمَ الرَّبَّ وأن تُكْرِمَ الرَّبَّ مِن دونِ أن تَنشَغِلَ بالزَّواجِ والعائلة. وقد كانَ مِنَ الرَّائعِ أن تبقى عازِبًا مِن أجلِ الرَّبِّ. لِذا فقد قامَ عَدَدٌ مِنَ الآباءِ الَّذينَ آمنوا بالمسيح ويُحِبُّونَ فِكرةَ خِدمةِ الرَّبِّ، قامُوا [بِحُسْنِ نِيَّةٍ] بتكريسِ بَناتِهم لِحياةِ العُزوبَةِ كي يَخْدِمْنَ الرَّبَّ. فقد كَرَّسوهُنَّ ليبقَيْنِ عَذَارى دائمًا.

ولكِنْ عندما بَلَغَتْ بَناتُهُم سِنَّ الزَّواجِ، كانت لديهنَّ فِكرة مُختلفة. فبعضُهُنَّ أردنَ أن يَتزوَّجْنَ. وقد كانَ آباؤُهُنَّ في حَيْرَةٍ مِن أمرِهِم بخصوصِ ذلك. فهل يَنكُثونَ عَهدَهُم الَّذي قَطعوهُ بتكريسِ بناتِهم؟ ومِنَ المُرَجَّحِ أنَّ بناتٍ كثيراتٍ لم يَمَتَلِكْنَ موهبةَ العُزوبةِ وكُنَّ يَشْعُرْنَ بِرغبةٍ قويَّة طَبيعيَّةٍ تُجاهَ الرِّجال. فقد أردنَ أنْ يَتزوَّجْنَ. فقد كانت رَغبةُ قُلوبِهِنَّ هي أن يَتزوَّجْنَ، ولكِنَّهُنَّ يَرْغبنَ أيضًا في إرضاءِ آبائِهِنَّ وإرضاءِ الرَّبِّ. والمُشكلةُ آنذاكَ طُرِحَتْ على بولُس كما نَقرأُ في رسالَتِهِ إلى أهلِ كورنثوس.

وبولس يَقولُ ببساطة الآتي: إن أرادت الابنةُ أن تَتزوَّج فلتتزوَّج. فإنْ كانَ لا بُدَّ مِن ذلك (بحسب العدد 36): "يُمْكِنُكَ أن تَدَعَها تتزوَّج". فلا بأسَ في ذلك. فقد كانت لديكَ نَوايا طَيِّبة عندما قَطعتَ ذلكَ العَهد، ولكِنْ إنْ كانَت تُريدُ أن تَتزوَّج، دَعها تتزوَّج. ولكِنَّ العَدَدَيْن 37 و 38 يَتحدَّثان عنِ الفتاةِ الَّتي لا تُريدُ حَقًّا أن تتزوَّج. ويُمكِنُكَ، بِصِفَتِكَ أبًا، أن تُصِرَّ على موقِفِكَ. فلا يوجد قَيْدٌ عليكَ، وأنتَ لستَ مُلزَمًا بتغييرِ رأيِك (بحسب العدد 37). وهذا يعني أنَّ ابنَتَكَ ليست مُتَعَلِّقة بِبِنطالِكَ وتقول: "أرجوكَ يا أبي، حِرِّرْني مِن هذا العَهْد. فأنا أريدُ أن أتزوَّج". لِذا، في كِلتا الحالتين، أيًّا كانت رَغبةُ ابنَتِكَ القَلبيَّة بخصوصِ الزَّواجِ فإنَّهُ أمرٌ مَقبولٌ لدى الله.

لِذا، فقد أردتُ وَحَسْب أن أَذكُرَ ذلكَ المَقطع لأنِّي أَعلمُ أنَّ هناكَ أشخاصًا ذَكروهُ قائِلين: "أجل، نحنُ نَعلمُ أنَّهُ يجب علينا أنْ نُطيعَ أبَوَيْنا ونُكرِمَهُم، ولكِنْ قد يأتي وقتٌ نُريدُ فيهِ أن نَفعلَ شيئًا ما يُعارِضُ مَشيئةَ أبَوَيْنا. وقد نَشعُرُ أنَّهُ لا بأسَ في القيامِ بذلك مِن وُجهةِ نَظرِنا. فماذا نَفعل؟ وهذا مَثَلٌ تَوضيحيٌّ رائع. فعندما تَبلُغينَ ذلكَ السِّنّ وتَرغبينَ في الزَّواج، افعلي ذلك. ويُمكِنُكَ أنْ تَنصاعَ لرغبةِ ابنِكَ أوِ ابنتِكَ في ذلكَ الوقت. ولا شَكَّ في أنَّ هذا يَسري على أمورٍ أخرى أيضًا. فَلا أعتقدُ أنَّ الآباءَ والأُمَّهاتِ يَستطيعونَ أن يُمارسوا طَوالَ حَياةَ أبنائهم نوعًا مِنَ التَّسَلُّطِ عليهم، أو نوعًا مِنَ السُّلطةِ الاستبداديَّةِ والتَّعسُّفيَّةِ بِحَقِّهم. فعندما يُعَبِّرونَ عن رغباتِهم في إطارِ مَشيئةِ اللهِ، يجب علينا أنْ نَسمَحَ لهم أن يُلَبُّوا تلكَ الحاجاتِ والرَّغْباتِ القلبيَّة.

حسنًا! لِنَرجِع إلى رسالة أفسُس ونَختِمُ حَديثَنا لهذا المساء. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنِّي استَخدمتُ تلكَ الكلمة في الأسبوعِ الماضي. وأرجو أن تكونوا قد انتبهتُم إليها. العدد الثَّالث: "لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَارِ عَلَى الأَرْض". وهذا رائع. فهو يَتحدَّثُ عن شَيئين. فسوفَ تكونُ هُناكَ حَياة أفضل، وحياة أَطول. "لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ". وهذا يُشيرُ إلى نَوعيَّةِ الحياةِ. فهي حياة مُمتلئة، وَغَنيَّة، وفَرِحَة، وسَعيدة، ومُفعمة بالسَّلامِ والمُكافآت. فهي حَياة مُفعمة بالبَرَكَة عامَّةً.

وأنا أُوْمِنُ بذلكَ حَقًّا، يا أحبَّائي. فأنا أُوْمِنُ بأنَّ هذا هو تَحديدًا ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. فأنا أنظُرُ إلى حياتي وأرى أنَّها مُبارَكَة ومُبارَكة ومُبارَكة جدًّا. وأنا أنظُرُ إلى حياةِ زوجتي "باتريشا" (Patricia) وإلى حياةِ أبنائِنا. وأنا أعتقدُ أنَّ ذلكَ يُعْزَى بصورة كبيرة جدًّا إلى الطَّاعة. وهذا تَتْميمٌ لوعدِ اللهِ. والأمرُ لا يَقتصِر فقط على الحُصولِ على حياةٍ أفضَل، بل أيضًا على حَياةٍ أطول إذْ إنَّ الآيةَ تَقولُ هُنا إنَّها ستكونُ حياةً مَديدةً على الأرض.

وما الَّذي يَعنيه ذلك؟ أعتقد أنَّهُ يمكنكم أن تُفَسِّروا هذه الآية بثلاثِ طُرُق رائعة: أوَّلاً: بطريقة ماديَّة. فأنا أعتقد أنَّكُم ستعيشونَ حياةً مُمتلئة. فلا أعتقد أنَّ حياتَكُم ستَقصُر كما يَحْدُثُ للحيَواتِ الَّتي تَقصُر بسببِ الخطيَّة والعِصيان، بل إنَّكم ستعيشونَ الحياةَ المُمتلئةَ الَّتي قَصَدَها اللهُ لكم. ثانيًا، سوفَ تَعيشونَ المُلْكَ الألفيَّ. فإنْ تَبِعْتَ أبَوَيْكَ في الإيمانِ بيسوعَ المسيح، ستعودُ وتعيشُ ألفَ سنة على الأرض، بل وإلى الأبد في السَّماءِ الجديدة والأرضِ الجديدة الأبديَّتين. فالخُطَّة واضحة. فيجب على الأولادِ أن يُطيعوا آباءَهُم وأُمَّهاتِهم. ويجب عليهم أن يُكرِموهم. واللهُ سيُباركُكَ ويَجعَلُكَ تَعيشُ حياةً مُمتلئة وغَنيَّة. أمَّا بِخلافِ ذلكَ فإنَّ النَّتيجةَ مأساويَّة.

وسوفَ أختِمُ بما يَلي: "وُلِدَ هذا الطِّفْلُ في الثَّاني عَشَر مِن شهرِ تشرين الثَّاني/نوفمبر سنة 1934. وقد وُلِدَ لفتاةٍ عُمرُها سِتَّ عَشْرَةَ سنة تُدعى "كاثلين مادوكس" (Cathleen Maddox). وقد تَمَّ تَسجيلُهُ في السِّجلَّاتِ مِن دونِ اسْمٍ أوَّل، ولكِنْ مِن عائلة مادوكس. وهو نَموذَجٌ على الإساءاتِ الَّتي يَتعرَّضُ إليها الأطفال إذْ إنَّ أُمَّهُ هَجَرَتْهُ أيَّامًا كثيرةً في السَّنواتِ الأولى مِن حياتِه. وفي سنة 1939، تَمَّ القبضُ على أُمِهِ بِتُهْمَةِ السَّطْوِ المُسَلَّحِ وحُكِمَ عليها بالسِّجنِ خمسِ سنوات في الإصلاحيَّة. وعندما خَرَجَتْ مِنَ السِّجن، كانَ ذلكَ الطِّفلُ الَّذي لا اسْمَ لَهُ قد بَلَغَ الثَّامِنَةَ مِن عُمرِه. وقد صارتْ حَياتُهُ تَنَقُّلاً دائمًا بينَ الفَنادِقِ، ومُعاملةً وَحشيَّةً مِن أخوالِهِ الَّذينَ جاءوا للعَيشِ معَ أُمِّهِ وكانوا يُفرِطونَ في الشُّرب.

وعندما بَلَغَ سِنَّ الثَّانية عَشرة، حاولَتْ أُمُّهُ أن تَضَعَهُ في دارِ رِعاية. ولكِنْ حيثُ إنَّها لم تَعثُر على دارِ رعاية، أرسَلَتْهُ إلى دار غيبولت لرعاية الأولاد (Gibault Home for Boys) في إنديانا (Indiana). وكانت تلكَ أوَّل تلكَ المَرَّات العديدة الَّتي يَذهبُ فيها إلى دُور رعاية أكثر صَرامةً. وبعدَ عشرة أشهر في دار غيبولت، هَرَبَ، ولكنَّ أُمَّهُ رَفَضَتْهُ. ثُمَّ إنَّهُ جَنَحَ إلى حياةِ الجريمة. وفي سِنِّ الثَّالثة عشرة، قُبِضَ عليهِ بتُهمةِ السَّطْوِ المُسَلَّحِ وَحُكِمَ عليهِ بالذَّهابِ إلى إصلاحيَّة هَرَبَ منها. وفي سِنِّ السَّادسة عشرة، ارتَكَبَ سِلسلةً طويلةً مِنَ الجرائمِ الجنسيَّة.

"وأخيرًا، عندما كانَ مَسجونًا في سِجْنٍ فدراليٍّ، تَمَّ الاعتداءُ عليهِ جنسيًّا واغتصابُه. وفي سِنِّ السَّابعة عشرة، وَضَعَ شَفرةً على حَنجَرَةِ زَميلٍ لهُ في السِّجن ومارَسَ اللِّواطَ مَعَهُ بالإكراه. وقد نُقِلَ إلى سِجْنٍ آخرَ وآخرَ وصُنِّفَ بأنَّهُ مُجرمٌ خَطيرٌ لديهِ سِجِلٌّ إجراميٌّ حافِلٌ. وأخيرًا، عندما بَلَغَ سِنَّ الثَّالثة والثَّلاثين تَمَّ إطلاقُ سَراحِهِ مِن سِجْنِ تيرمنال آيلاند (Terminal Island Prison) في كاليفورنيا رُغْمًا عن إرادَتِه. وقد صارَ يَهذي بأمورٍ شيطانيَّة. وقد قالَ لِسَجَّانيه إنَّ السِّجنَ هو بيتُهُ الوحيد. وهذا الطِّفلُ الَّذي لم يَكُن لهُ اسم هو المُجرِمُ المَعروف باسم "تشارلز مانسون" (Charles Manson). وهو الابنُ الرَّقيقُ الَّذي وَلَدَتْهُ فَتاةٌ ما وصَارَ وَحْشًا. وهذا هو أسوأُ شيءٍ يُمكِنُ أن يَحدُث.

أمَّا أفضلُ شيءٍ يُمكنُ أن يَحدُث فهو مَذكورٌ لنا مِن خلالِ الحَقِّ الكِتابيِّ: "عَلِّموا أولادَكُم عنِ اللهِ وشَريعَتِهِ طَوالَ الوقتِ. واجعلوهم يَنصاعونَ إلى تلكَ الشَّريعة. وعندما لا يَفعلوا ذلك، عاقِبوهم جَسديًّا". وافعلوا ذلكَ كُلَّهُ في بيئة مُفعمة بمحبَّةِ المسيحِ الحُلوة. وحينئذٍ، سيكونُ أولادُكُم مَصْدَرَ فَرَحٍ لحياتِكُم.

نَشكُرُكَ يا أبانا على التَّعليمِ الَّذي تُقَدِّمُهُ لنا. فهو عَمليٌّ جدًّا ويَلمَسُ كُلَّ جانبٍ في الحياة. ونَشكُرُكَ يا رَبُّ مَرَّةً أخرى على آبائِنا وأُمَّهاتِنا الرَّائعينَ والمؤمنينَ، وعلى الأبناءِ والأحفادِ الأعِزَّاء. ونَشكُرُكَ يا رَبُّ على إثراءِ حياتِنا، وعلى جَعْلِ عائلتِنا مَلاذًا للفَرحِ والهَناء. ونَشكُرُكَ يا رَبُّ...نَشكُرُكَ لأنَّكَ خَلَّصتَنا، ولأنَّكَ تُعَلِّمُنا هذه الأشياء لكي تكونُ بُيوتُنا أماكِنَ سعيدة جدًّا، وأماكِنَ رائعة جدًّا.

ويا رَبُّ، إنَّ هذه الكنيسة مُمتلئة بالعائلاتِ القويَّة، والعائلاتِ السَّعيدة، والعائلاتِ الَّتي تَشعُرُ بالرِّضا لأنَّهم تَبِعوا حَقَّكَ. ويا رَبُّ، يا لَيتَنا نَستمرُّ في أن نكونَ أُمناء. ويا لَيتَ أبناءَنا يكونونَ أُمناءَ لكي نُنشئَ جيلاً تَقيًّا، ونَتمتَّعُ بالبَرَكة، ونَتمتَّعُ بحياةٍ خَيِّرَةٍ ومَديدة، وبسنواتٍ طويلةٍ مِنَ العلاقاتِ الحُبِّيَّة الَّتي تَجْعَلُنا نَشعُرُ بالرِّضا. بارِك أولادَنا، وبارِك كُلَّ هؤلاءِ الأولادِ الصِّغارِ الأحبَّاءِ الَّذينَ كَرَّسناهُم في هذا المساء، وبارِك كُلَّ الأشخاصِ الآخرينَ في حياتِنا...كُلَّ الأولادِ الأعِزَّاء. ويا لَيتَنا جميعًا نَكونُ أُمناءَ في جَلْبِ أولادِنا إليكَ لكي تُبارِكَهُم حَقًّا بنعمةِ المسيحِ الَّذي نُصَلِّي باسْمِهِ. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize