في هذا المساء، نُتابِعُ دراستنا لرسالة أفسُس والأصحاحَيْن الخامِس والسَّادس عن خُطَّةِ اللهِ الرَّائعة للعائلة. وقد وَصَلْنا إلى نَموذجِ اللهِ للأبناء. نَموذجِ اللهِ للأبناء. وقد نَسَيْتُ في الخِدمةِ الأولى في هذا الصَّباحِ أن أَذكُرَ الموضوعَ، ولكنِّي قُلتُ في الثَّانية إنَّنا سننتقِل مِنَ الحديثِ عنِ الأبَوَيْنِ الآن إلى الأبناء. فقد تحدَّثنا عنِ الزَّوجاتِ والأزواج. والآن، نَنتقِلُ (كما هي حَالُ النَّصِّ أيضًا) إلى الأبناء.
الأصحاح السَّادس والأعداد مِن 1 إلى 3: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هذَا حَقٌّ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَارِ عَلَى الأَرْضِ". إنَّهُ ليسَ عالَمًا سَهلاً على الأبناء بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال. فالبيتُ ليسَ مَكانًا سَهلاً. والمُجتمعُ ليسَ مكانًا سَهلاً. وقد وَصَلَتْ رِسالة مِنْ مُراهِقٍ إلى وَكالة "يو.إس. نيوز آند وورلد ريبورت" (U.S. News & World Report). وإليكُم ما جاءَ في الرِّسالة:
فهذا هو ما كَتَبَهُ هذا المُراهِقُ الشَّابُّ: "لقد أُصيبَ الاقتصادُ في مَقْتَل. والوَحدة العائليَّة تَمُرُّ في أزمة. واحترامُ السُّلطة مُزحَة. فإنْ دَفعتَ السِّعرَ المُناسِب، يُمكنُكَ أن تَشتري لنفسِكَ عُضوًا في مَجلسِ الشُّيوخِ أو قاضيًا، أو رُبَّما يَخرُجُ هُوَ ليشتري لنفسِهِ فَتاةً عُمرُها سِتَّ عَشْرَةَ سنة ليستخدِمَها بِضْعَ ساعاتٍ. والمالُ عَديمُ القيمة، وأنتَ عَديمُ القيمة مِنْ دونِهِ. توقَّفوا عنِ القَلقِ بخصوصِ حاجةِ ابنِكُم إلى مَشروبٍ قبلَ أن يَذهبَ إلى صُفوفِهِ الصَّباحيَّة، أو بخصوصِ خُروجِ ابنَتِكُم وَحَمْلِها. ساعِدوهُم وَحَسْب على التَّأقلُمِ معَ واقعِ الحياة.
فقبلَ أن تُصَنِّفونا في فِئاتٍ، تَذَكَّروا وَحَسْب أنَّهُ يجب علينا أن نَتولَّى القِيادة خِلالَ ثلاثينَ سنة في الوقتِ الَّذي ستكونونَ فيهِ قد مُتُّم أو تَقاعدتُم أو تَعيشونَ حياةً صَعبةً جدًّا على راتبِ الضَّمانِ الاجتماعيّ. أنا أترُكُ القَرارَ لَكُم. فإمَّا أن تُقَدِّموا لنا بعضَ المُساعدة والفَهم، وإمَّا أن تُريحوا العالَمَ مِنْ بُؤسِهِ بأن تُطلِقوا الصَّواريخَ النَّوويَّة على أملِ أن تَحظَى الطَّبيعةُ الأُمُّ بفُرصةٍ أفضل معَ الشَّيءِ التَّالي الَّذي سيَخرُجُ مِنَ الحَمْأة".
وكم هُوَ مُحزِنٌ أن يَصِلَ شابٌّ صغيرٌ إلى هذه النَّتيجة بهذه السُّرعة. ولكنَّ هذا يَعكسُ شيئًا مِنَ الخوفِ، وشيئًا مِنَ انعدامِ الثِّقةِ، وشيئًا مِنَ الفوضى والتَّشويشِ والتَّخَبُّطِ والضَّياعِ الَّذي يَشعُرُ بهِ جيلُ الأطفالِ والشَّباب.
هناكَ مَثَلٌ صِينيٌّ قديمٌ يَقول: "جيلٌ يَزرعُ الأشجارَ، وجيلٌ آخرُ يَسْتَظِلُّ بها". ونحنُ في هذا الجيلِ ما زِلنا نَعيشُ تحتَ بعضِ الظِّلِّ. فأجدادُنا (ورُبَّما حَتَّى آباؤنا إنْ كُنَّا في سِنٍّ مُتقدِّمة قليلاً) غَرسوا بعضَ الأشجارِ في الماضي. ونحنُ ما زِلنا نَستَظِلُّ بِظِلِّها. ولكِنَّ هذا الجيلَ لا يَزرعُ أيَّ أشجارٍ للجيلِ القادِم. وسوفَ يَجدونَ أنفسَهُم في عالَمٍ عَارٍ مِنَ الأشجارِ مِن دونِ أن يَجدوا مَكانًا يَسْتَظِلُّونَ فيه. فالشَّابُّ الَّذي كَتبَ تلكَ الرِّسالة لا يَشعُرُ بأيِّ ظِلٍّ، ولا يَجِدُ مكانًا مُريحًا، أو مَكانًا يَختبئُ فيه، أو مكانًا آمِنًا، بل يَرى واقعًا مُخيفًا في الحاضرِ والمستقبَل.
يجب علينا أن نَغرِسَ بعضَ الأشجارِ لتوفير الظِّلِّ للجيلِ القادِم. ويجب علينا أن نَفعلَ شيئًا، وإلَّا فإنَّ الجيلَ القادِمَ سيكونُ في حالٍ أسوأ مِن هذا الجيل، والجيلُ الَّذي يَليهِ سيكونُ في حالٍ أسوأ. وهذه أمورٌ مِنَ المُفزِعِ أن نُفَكِّرَ فيها. وإن فَكَّرنا فيها فترةً طويلةً جدًّا، لا بُدَّ أن نَستنتِجَ أنَّ الأمرَ لن يَستغرِقَ وقتًا طويلاً قبلَ أن يَصيرَ العالمُ كُلُّهُ ضِدًّا للمسيحِ بسببِ الوُجْهَةِ الَّتي نَسيرُ فيها.
وكيفَ يُمكنُنا أن نَغرِسَ هذه الأشجار؟ وكيفَ يُمكنُنا أن نُوَفِّرَ الظِّلَّ لأبنائنا وأبنائهم وأحفادِهم؟ والجوابُ هو: بالرُّجوعِ إلى مَعاييرِ كلمةِ اللهِ. وهذا هو ما يَجعلُ الأمرَ مُخيفًا جدًّا. فمُجتمعُنا يُدركُ أينَ هُوَ ذاهبٌ، ويُدركُ إلى حَدٍّ ما الفَوضَى الَّتي يَعيشُها أبناؤه. ولا شَكَّ في أنَّ الأبناءَ يُدركونَ ذلك. فَهُم يُدركونَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وجودِ شيءٍ يَمْنَحُهُم الرَّجاءَ والأمان. ولكِنَّهُم، في الوقتِ نفسِه، يَرفضونَ تمامًا الكتابَ المقدَّس. وَهُم لا يُريدونَ (كما ذَكرنا مِرارًا) أنْ يَفرِضَ مَعاييرَهُ الأخلاقيَّةَ على نَمَطِ حياتِهم. وَهُم ليسوا مُستعدِّينَ لإخضاعِ أنفسهم إلى المعاييرِ الَّتي وُضِعَتْ لِسلوكيَّاتِهم الشخصيَّة. لِذا فإنَّهُم يَتَخَلَّوْنَ عنِ الرَّجاءِ الوحيدِ للأبناء.
وبالمُناسبة، إنَّ الكتابَ المقدَّسَ واضحٌ تمامًا في ما يَقولُهُ ويُعلِنُهُ عن مَشيئةِ اللهِ المُختصَّة بالعائلة. ولِمُجَرَّدِ تَذكيركُم بذلك، نَقرأُ في التَّوراةِ على سبيلِ المِثالِ، وتَحديدًا في سِفْرِ التَّثنية 6: 6 و 7: "وَلْتَكُنْ هذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ عَلَى قَلْبِكَ، وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ". فَدورُنا بَسيطٌ جدًّا. عَلِّم كلمةَ اللهِ لأولادِك. عَلِّمهُم الكتابَ المقدَّسَ. فهذا هو دَورُنا. سِفْرُ التَّثنية 6: 6 و 7. ودَوْرُ اللهِ مَذكورٌ في آيةٍ سابقة وهي تَثنية 5: 29: "يَا لَيْتَ قَلْبَهُمْ كَانَ هكَذَا فِيهِمْ حَتَّى يَتَّقُونِي وَيَحْفَظُوا جَمِيعَ وَصَايَايَ كُلَّ الأَيَّامِ، لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ وَلأَوْلاَدِهِمْ خَيْرٌ إِلَى الأَبَد".
فأنا لا أستطيعُ أن أُعطيهم قَلبًا كهذا. وأنتُم لا تَستطيعونَ أن تُعطوهم قَلبًا كهذا. ولكنَّ اللهَ يَستطيع. واللهُ يَتوقُ إلى ذلك. ولا بُدَّ أن يُعطيهم اللهُ قلبًا كي يَقبَلوا وَصاياه، وقَلبًا لكلمَتِه. ولا بُدَّ أن يَدعوهُم اللهُ إليه. ويجب علينا نحنُ أن نُعَلِّمَهُم. وتعليمُ كلمةِ اللهِ هو جُزءٌ مِنَ العمليَّةِ الَّتي يُدْعَوْنَ مِن خلالِها إلى الله. وحالما تَتِمُّ دَعوَتُهم، فإنَّ ذلكَ التَّعليمَ يَصيرُ نَمَطًا يَعيشونَ فيه. لِذا فإنَّ اللهَ يَدعو عائلاتٍ تُعَلِّمُ كلمتَهُ وتُقَدِّمُ كلِمَتَهُ لأبنائهم. ويجب على الأبَوَيْنِ حَقًّا أن يَفعلوا ذلك. فهذا هو البَديلُ الوحيدُ إنْ كانوا يَرغبونَ في تَربيةِ أبنائهم على محبَّةِ الرَّبِّ، وإنْ كانوا يَرغبونَ في حُصولِهم على البَرَكةِ الَّتي هي مِنْ نَصيبِ مَنْ يُطيعون.
وفي سِفْرِ يَشوع 24: 15، في العهدِ القديمِ أيضًا، نَقرأُ ما يَلي: "وَإِنْ سَاءَ فِي أَعْيُنِكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا الرَّبَّ، فَاخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمُ الْيَوْمَ مَنْ تَعْبُدُونَ: إِنْ كَانَ الآلِهَةَ الَّذِينَ عَبَدَهُمْ آبَاؤُكُمُ الَّذِينَ فِي عَبْرِ النَّهْرِ، وَإِنْ كَانَ آلِهَةَ الأَمُورِيِّينَ الَّذِينَ أَنْتُمْ سَاكِنُونَ فِي أَرْضِهِمْ. وَأَمَّا أَنَا وَبَيْتِي فَنَعْبُدُ الرَّبَّ". وهذا هو القَرارُ الَّذي ينبغي أن تَصنَعوهُ بِصِفَتِكُم آباءَ وأُمَّهات. فَمَنْ سَتَعبُدون؟ هل ستَعبدونَ الآلهةَ المُحيطةَ بِكُم، آلِهَةَ آبائِكُم، آلِهَةَ العَصْرِ الحاضِر؟ أَم أنَّكُم ستَعبُدونَ اللهَ الحقيقيَّ الحَيَّ؟ وعِبادَتُهُ تَعني أن يكونَ هُوَ صَاحب الأولويَّة الأولى في حياتِكَ، وفي عائلَتِكَ، وأنْ تُعَلِّمَ حَقائقَهُ وَوَصاياهُ لأبنائِك.
وبالمُناسبة، في سِياقِ ما جاءَ في سِفْرِ يَشوع 24: 15، هناكَ أبٌ يأخُذُ ذلكَ القَرار. وهو يَصنَعُ قَرارًا سليمًا فيما يَختصُّ بعائلتِهِ حينَ يَقول: "وَأَمَّا أَنَا وَبَيْتِي فَنَعْبُدُ الرَّبَّ". وهذا هو القَرارُ الَّذي يجبُ على كُلِّ عائلةٍ أن تَصنَعَهُ. فهذا هو جَوهرُ المسألةِ الَّتي تُواجِهُ العائلة. فلا يوجد أيُّ رجاءٍ حقًّا للعائلةِ سِياسيًّا. فَبِقَدْرِ ما أتَّفِقُ معَ التَّشديدِ والتَّركيزِ الأخلاقيِّ على الحَقِّ الدِّينيِّ (كما يُسَمُّونَهُ)، فإنِّي أُدركُ أنَّ السِّياسةِ لا تَستطيعُ أن تُعيدَ النِّظامَ إلى العائلة. فالسِّياسةُ لا تَستطيعُ أن تُعيدَ البِرَّ إلى البيت. فهذه مسألة رُوحيَّة. ولا يُمكِنُ مُعالَجَتُها بالسِّياسة. ولا يُمكنُ مُعالجَتُها مِن خِلالِ التَّعليم. فالتَّربويُّونَ يَعملونَ بجهدٍ كبيرٍ جدًّا في مُحاولةِ تَحقيقِ ذلكَ الجُزء مِنَ الدِّيناميكيَّة الروحيَّة اللَّازمة لإحداثِ ثَورة مُغَيِّرة في القَلبِ مِن خلالِ عملِ روحِ اللهِ بالإيمانِ بالمسيح. وَهُم يَسْعَوْنَ إلى تَعليمِ أبنائِنا نَوعًا ما أن يَرجِعوا إلى مُستوىً مُعَيَّنٍ مِنَ الأخلاقِ، ولكنَّهُم لا يَستطيعونَ الاتِّفاقَ على مِعيارِ تلكَ الأخلاق. فهناكَ مَن يَضَعونَ كُلَّ ثِقْلِهِم السِّياسيِّ مِن أجلِ تَحقيقِ ذلك، وهناكَ مَن يَقومونَ بذلكَ تَربويًّا. ولكِنَّ كِلا الفَريقَيْنِ لا يُحَقِّقانِ نَجاحًا.
فهناكَ طَريقة واحدة فقط لإعادةِ العائلةِ إلى حيثُ ينبغي أن تكون، وهي تتطلَّبُ صُنْعَ القَرارِ الَّذي صَنَعَهُ يَشوع وَهُوَ أن تَختارَ لبيتِكَ أنْ تَفعلَ شيئًا أَهَمَّ مِن أيِّ شيءٍ آخر وَهُوَ: أن تَعْبُدَ الرَّبَّ. وهذا يعني أن تُطيعَ كلمَتَهُ في كُلِّ جانبٍ مِن جوانبِ حياتِك. وهذا يَعني ببساطة أن نَقولَ إنَّنا نَختارُ طَريقَ اللهِ على طَريقِ العالمِ فيما يَختصُّ بعائلتِنا. فالأمرُ يَبتدئُ مِن تلكَ النُّقطة.
فيجب عليكَ أن تَقْطَعَ هذا العَهدَ على نَفسِكَ وأن تَبتدئَ في تَطبيقِه. فالرَّبُّ وَضَّحَ في الكتابِ المقدَّسِ خُطَّتَهُ للعائلة. وسوفَ نَراها تَتَّضِحُ تَدريجيًّا. فهي موجودة هُنا. وهي واضحة جدًّا. ولكِن في نُقطةٍ ما، يجب عليكَ أنتَ أن تُقرِّرَ أنَّ هذه هي الخُطَّة الَّتي ستتبَعُها. وعندما تَتَعَهَّدُ باتِّباعِها، لا توجد ضَمانةٌ بنجاحِها ما لم تَتَّبِعْها بِكُلِّ قلبِكَ وبصورة تامَّة.
وَنَصُّنا في رسالة أفسُس والأصحاحَيْن 5 و 6 يُلَخِّصُ لنا ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّسُ عن خُطَّةِ اللهِ للعائلةِ؛ أوْ خُطَّةِ اللهِ للعائلةِ النَّاجحة. وقد دَرسنَا سابقًا خُطَّةَ اللهِ للزَّوجةِ المَدعُوَّة إلى الخُضوعِ لزوجِها بتواضُعٍ ومحبَّة، وإلى أن تَجعَلَهُ وتَجعلَ أبناءَها وبيتَها مَرْكِزَ وَمِحْوَرَ حياتِها حَقًّا. وقد دَرسنا أيضًا النَّموذجَ الإلهيَّ للزَّوجِ المَدعُوِّ إلى تَرأُّسِ العائلةِ بمحبَّة إذْ يَنبغي لَهُ أن يَعتني بزوجَتِهِ، ويَهتمّ بها، ويُضَحِّي لأجلِها، ويَحميها، ويُطَهِّرَها، ويَبذُلَ نَفسَهُ لأجلِ تَقديمِ كُلِّ شيءٍ لزوجَتِه.
والآن، نأتي إلى مَسؤوليَّةِ الأبناءِ وما يَنبغي أن يَتَرَسَّخَ لديهم. فنحنُ نَقرأُ في الآياتِ الَّتي قَرأناها أنَّهُ يجب عليهم أن يُطيعوا آباءَهُم وأمُّهاتِهم (في العددِ الأوَّل). وفي العددِ الثَّاني، يجب عليهم أن يُكرِموا آباءَهُم وأُمَّهاتِهم. الطَّاعةُ والإكرام. فالطَّاعةُ والاحترامُ هُما مَسؤوليَّتُهم. واسمحوا لي أن أبدأَ حَديثي عنِ الأبناءِ في هذا المساء بتأكيدِ حقيقةِ أنَّ الأبناءَ هُمْ أفرادٌ مُرَحَّبٌ بهم في العائلة. ولا بُدَّ لي مِنْ قَوْلِ ذلكَ في هذا اليومِ وهذا العَصر. فَهُم أفرادٌ مُرَحَّبٌ بهم في العائلةِ في وقتٍ يَقولُ فيهِ أُناسٌ أنَّهم لا يُفَضِّلونَ إنجابَ الأبناء كما لو كانَ ذلكَ شَيئًا سَلبيًّا في حياتِهم. فالمزموران 127 و 128 يَقولانِ إنَّ الأبناءَ بَرَكَةٌ مِن عندِ الرَّبِّ.
وقد قالَ الرُّوحُ القُدُسُ في الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس 5: 14: "فَأُرِيدُ أَنَّ الْحَدَثَاتِ يَتَزَوَّجْنَ وَيَلِدْنَ الأَوْلاَدَ وَيُدَبِّرْنَ الْبُيُوتَ". ومَرَّةً أخرى، فإنَّ الأبناءَ بَرَكَةٌ وميراثٌ مِن عندِ الرَّبِّ. ونَقرأُ في سِفْرِ أيُّوب 42: 12 و 13: "وَبَارَكَ الرَّبُّ آخِرَةَ أَيُّوبَ أَكْثَرَ مِنْ أُولاَهُ". هل تَذكرونَ ذلك؟ فقد كانَ أيُّوبُ يَملِكُ كُلَّ شيءٍ ثُمَّ إنَّهُ خَسِرَ كُلَّ شيء. ثُمَّ إنَّ الرَّبَّ بارَكَهُ أكثرَ مِنَ الأوَّلِ ببركةٍ عظيمة. كيف؟ لقد أَنْجَبَ سَبعةَ أبناءٍ وثلاثَ بَنات. فقد بارَكَهُ اللهُ بتلكَ البركةِ العَظيمةِ بأنْ وَهَبَهُ أبناء.
فالأبناءُ بَرَكة مِنَ اللهِ. وَهُم دَليلٌ على مَحَبَّتِه. وَهُم دَليلٌ على صَلاحِه. فَهُم عَطِيَّة مِنَ الله. ومعَ أنَّهُم لَهُ في الأصل، فإنَّهُ يَهَبُهُم لنا كي يُثْرينا. فهو يُرسِلُهُم لكي يَجعلوا حياتَنا مُمتلئةً ولكي نُنَشِّئَهُم على الصَّلاحِ لكي يَكونوا هُمْ أيضًا شُهودًا على اللهِ الحقيقيِّ وإنجيلِ ابنِهِ، رَبِّنا يسوعَ المسيح. ويا لَها مِن فُرصة رائعة لتَلمذةِ شُهودٍ مُستقبَليِّين!
والآن، عندما نُرَبِّي هِباتِ اللهِ الخاصَّة على النُّضجِ والصَّلاحِ والفَضيلة والنَّفْعِ والفاعليَّة لملكوتِ المسيح، هناكَ أَمْرانِ ينبغي أن نُعَلِّمَهُما لَهُم. فيجب علينا أن نُعَلِّمَهم أن يُطيعوا آباءَهُم وأُمَّهاتِهم، ويجب علينا أن نُعَلِّمَهُم أن يُكْرِموا آباءَهُم وأُمَّهاتِهم. وهذا سَهْلٌ، ولكنَّهُ شامِلٌ جدًّا. وبصورة عامَّة، أعتقد أنَّ قيامَهُم بذلكَ بفاعليَّة يتوقَّف علينا وعلى تَكريسِنا لكلمةِ اللهِ وما تُؤكِّدُهُ. وسِفْرُ الأمثال 22: 6 يُلَخِّصُ ذلكَ بكلماتٍ مألوفة جدًّا: "رَبِّ الْوَلَدَ فِي طَرِيقِهِ، فَمَتَى شَاخَ أَيْضًا لاَ يَحِيدُ عَنْهُ".
وهذه جُملة عامَّة بسيطة تَقولُ إنَّ الطَّريقةَ الَّتي تُرَبِّي ابْنَكَ عليها ستَنعَكِس عليهِ حينَ يَصيرُ راشِدًا. فهذا هو كُلُّ ما تَقولُه. فهي ليست وَعْدًا، وهي ليست ضَمانةً مؤكَّدةً ومَضمونة، بل هو ببساطة أمرٌ بَديهيٌّ وواضحٌ إذْ إنَّ الطَّريقةَ الَّتي تُرَبِّي بها الطِّفلُ ستنعكِس على شخصيَّتِهِ لاحقًا. وهذه هي الحقيقة العامَّة في تلكَ الآية. وعندما تُرَبِّيهم على الأمورِ المُختصَّة باللهِ، لا بُدَّ أنْ تَتْرُكَ تلكَ التَّربيةُ تأثيرًا في شخصيَّتِهم لاحِقًا. فإنْ تَبِعْنا خُطَّةَ اللهِ، سنَرى أنَّ تلكَ الخُطَّةَ تُؤتي ثَمَرًا. وهذا شيءٌ مَنطقيٌّ.
والآن، أَوَدُّ أن أُقِرَّ بأنَّ تَعليمَ الأبناءَ كيفَ يُطيعونَ ويُكرمونَ آباءَهُم وأُمَّهاتِهم ليسَ أمرًا سهلاً وَليسَ أمرًا هَيِّنًا. وعلى أَقَلِّ تَقدير، لم يَكُنِ الأمرُ سَهلاً معَ أبنائي. وَهُوَ ليسَ كذلكَ معَ أيٍّ مِن أحفادي. واسمحوا لي أن أقولَ لكم لماذا هُوَ صَعْبٌ. لِنفسِ الأسبابِ الَّتي تَجعلُ الزَّوجةَ تَجِدُ صُعوبةً في الخُضوعِ لزوجِها، وتَجعلُ الزَّوجَ يَجِدُ صُعوبةً في قيادةِ بيتِهِ بمحبَّة. فالأسبابُ نَفسُها تَصِحُّ على صُعوبةِ إطاعةِ الأبناءِ وإكرامِهم لآبائِهم وأُمَّهاتِهم. فهي نَفسُ الأسبابِ الرَّئيسيَّة.
أوَّلاً: اللَّعنة الموجودة في داخِلِهم. فَقد كانوا تحتَ اللَّعنةِ عندما وُلِدوا. فَهُم بَشَرٌ صِغار فاسِدونَ، وأنانيُّونَ، ويَتمركَزونَ حولَ أنفُسِهم، ومُتَمَرِّدون. صحيحٌ أنَّهُم جَميلونَ ولَطيفون، ولكنَّهُم فاسِدون. وهذا ظاهِرٌ مُنذُ لَحظةِ مَجيئِهم إلى العالَم. فَهُم يَصرخونَ ولا يُشاركونَ أحدًا آخرَ أَلَمَهُ. فَهُم يَصرُخونَ فقط لأجلِ ما يُريدونَهُ هُم أنفُسُهم. وَهُم لا يَتعاطَفونَ معَ أحَد. وَهُم لا يَشتركونَ في أيِّ شيءٍ يَجري في العائلة. وَهُم لا يُصغونَ البَتَّة إلى الكَلام. وَهُم لا يَبذُلونَ أيَّ جُهدٍ للمساعدةِ في أيِّ شيء. فَهُم مُنهمِكونَ فقط في أنفسهِم.
وَهُمْ يَعتقدونَ أنَّهُ لا يوجد بَشَرٌ آخرونَ غَيرُهم. وَهُمْ يَصيرونَ رائعينَ حينَ يَتَخَطَّوْنَ قليلاً مرحلةَ الطُّفولةِ المُبَكِّرَةِ تلك. فَهُم رائعونَ في العِصيان. فهو شَيءٌ مَغروسٌ فيهم. وأنتَ لا تَصرِفُ وَقتَكَ طَوالَ فترةَ طُفولَتِهم المُبَكِّرة في القول: "أجل! نَعم! أجل! أجل! أجل!"، بل تَستمرُّ في قولِ: "لا! لا! لا! لا!" لأنَّ كُلَّ مَيلهِم هُوَ للأشياءِ غيرِ المُفيدةِ والعِصيان. فَهُم بارعونَ في العِصيانِ حَتَّى إنَّكَ لستَ في حاجةٍ إلى تَعليمهم كيفَ يَعْصُون. فليست هُناكَ حاجة البَتَّة إلى أن يُعَلِّمَهُم أحدٌ كيفَ يَعْصُون.
فلا يوجد شخص لديهِ طِفْلٌ واضْطُرَّ يومًا إلى أن يقولَ لَهُ في نُقطةٍ ما: "والآن، أريدُ أن أُريكَ ما هو العِصيان كي تُمَيِّزَهُ عندما يَقومُ بهِ شخصٌ آخر. فهو كَذا وكَذا" ثُمَّ تَقومُ بمسرحيَّة صغيرة. لا! فأنتَ لستَ بحاجة إلى القيامِ بذلك، بل إنَّهُم بحاجة إلى مَن يُعَلِّمُهم أنْ يُطيعوا. فَهُمْ يُحْسِنونَ العِصيانَ جيِّدًا جدًّا. فَهُم أنانيُّونَ جدًّا ومُنشغلونَ بأنفسهم جدًّا. وَهُم يريدونَ أن تُنَفِّذَ لَهُم رَغْباتِهم وقْتَما يَشاءون. وَهُم لا يُريدونَ أن يَنتظروا أيَّ شيء. فَهُم عَديمو الصَّبْرِ جِدًّا. وَهُم لا يَحترمونَ أيَّ شيءٍ تُبالي بِه. فالعالَمُ كُلُّهُ يَدورُ حَولَهُم. وهذا تَعبيرٌ مَبدئيٌّ عن فَسادِهم الَّذي يُمكِنُ تَعريفُهُ ببساطة بأنَّهُ: انشِغالُهُم بأنفسهِم.
لِذا، يجب تَعليمُهم أن يُطيعوا مِن خلالِ دروسٍ قاسية جدًّا. وَهُم يَتمرَّدونَ على ذلكَ بدرجاتٍ مُتفاوتة. أليسَ كذلك؟ وهناكَ أطفالٌ بحاجة إلى الكثيرِ مِنَ الصَّفْعِ والتَّأديبِ، في حين أنَّ هُناكَ أطفالاً آخرينَ بحاجة إلى تأديبِ أقَلّ. فَهُمْ يأتونَ في شخصيَّاتٍ مُختلفة بعضُهم عن بعض، ولكِنْ بالرَّغمِ مِن ذلك، يَبقى التَّدريبُ ضَروريًّا لَهُم جميعًا. وأعتقد أنَّ داودَ لَخَّصَ ذلكَ مُنذُ البداية حينَ قالَ في المزمور 51: 5 (وقد قالَ داوُدُ ذلكَ مُفَكِّرًا في الوقتِ الَّذي كانَ فيهِ ما يَزالُ في رَحْمِ أُمِّه): "هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي". وَهُوَ لا يَعني بذلكَ أنَّهُ كانَ طِفلاً غيرَ شَرعيٍّ، بل يَعني ببساطة: "لقد كُنْتُ مُنذُ لَحظةِ الحَبَلِ بِي إنسانًا خاطئًا".
ولا يوجدُ تَدريبٌ يَحدُثُ في فترةِ وُجودِ الطِّفْلِ في الرَّحِم. لِذا، عندما يُولَدُ الطِّفلُ الصَّغيرُ فإنَّهُ يكونُ مُستعدًّا للتَّعبيرِ عنِ الخطيئةِ الَّتي فيه. فأنتَ تَمْلِكُ تلكَ اللَّعنة الدَّاخليَّة. وتلكَ اللَّعنة الداخليَّة تَظْهَرُ بوضوح مِنْ خِلالِ السُّلوكيَّاتِ الَّتي يُمارِسُها الأطفالُ في سِنٍّ مُبَكِّرة. وأنتُم تَعرِفونَ مَعنى الفَسادِ الرَّهيبِ الَّذي يُعَبِّرُ عن نَفسِهِ مِن خلالِ الطِّفلِ غيرِ المُهَذَّب. أليسَ كذلك؟ فحينئذٍ، يَظهَرُ ذلكَ المَيلُ الفِطريُّ إلى الخطيَّة ويَتَجَلَّى أمامَ هذا العالَمِ الشِّرير. وَهُوَ يَتَجَلَّى بأوضحِ صُورة مِنْ خِلالِ أطفالٍ آخرينَ فاسِدينَ يَصيرُ كَلامُهُم وسُلوكُهُم نَموذجًا مُريعًا جدًّا يَراهُ أطفالُكَ الصِّغار فَتَشعُرُ بالرَّغبة في حِمايَتِهم.
ثُمَّ إنَّ أطفالَكَ يَنتقلونَ بحالةِ الفسادِ تلكَ بسُرعة رَهيبة إلى مَرحلةِ المُراهقةِ ويَتعرَّضونَ لكُلِّ شيءٍ مِن دونِ أيِّ نُضْجٍ أو قُدرةٍ على التَّعامُلِ مع بيئتهم، أوِ التَّعامُلِ معَ الضُّغوط، أوِ التَّعامُلِ معَ مَشاعِرِهم. وإن لم تَكُن هُناكَ سَيطرة قويَّة وفاعلة، ولم يَكُن هناكَ تَدريبٌ على الطَّاعةِ طَوالَ تلكَ الرِّحلة، ستحصُل على ابْنٍ مُتمرِّدٍ جدًّا. فالتَّعرُّضُ المُفرِطُ للخطيَّةِ الجنسيَّة الموجودة في الأغاني، والمجلَّاتِ، والأفلامِ، والتِّلفزيون يَدفَعُ الأبناءَ إلى أنماطِ تَفكيرٍ مُنحَرِفَة قبلَ أن يَصيروا جاهِزينَ للتَّعامُلِ معها أوِ السَّيطرةِ عليها. فقد قالَ طِفلٌ في الثَّانيةِ عَشْرَةَ مِنَ العُمرِ لأبيه (وأنا أقتَبِسُ هذا مِن رسالة): "اسمَع يا أبي، لقد جَرَّبْتُ كُلَّ شيء: المُخدِّرات، المشروباتِ الكُحوليَّة، الجنس. ولم يَعُد هناكَ شيءٌ لا أعرفُ عنه. لِذا، لا تُبالِغ في تَحذيري مِن تلكَ الأشياء". وهُناكَ مَن يُسَمِّي هذا: "الطِّفل العَجول".
وإحدى نتائجِ ذلك هي أنَّ سِنَّ البُلوغِ صارت مُبَكِّرة جدًّا. وهذه نَتيجة فسيولوجيَّة نابعة عن ذلك. وهذا مُدهشٌ حقًّا. فهذه السِّنُّ مُبَكِّرة الآنَ بِمُعَدَّل سَنتين إلى خَمْسِ سنوات عَمَّا كانت عليهِ في الماضي بحسبِ دراساتٍ أَجْرَتْها مَجلَّةُ "سايكولوجي توداي" (Psychology Today). فعلى سَبيلِ المِثال، في القرنِ الثَّامِن عَشَر، كان واحدٌ مِنَ الأشياءِ الشَّائعة في أوروبا هو الجَوْقات...جَوْقاتِ الأولاد...الأولادُ الصِّغار الَّذينَ يَمتلكونَ صَوت "سوبرانو" (soprano). وقد كانوا يَتوقَّفونَ عن غِناءِ السُّوبرانو (بحسبِ التَّاريخِ في القرنِ الثَّامِن عشر) في سِنِّ الثَّامنة عَشْرَة لأنَّ أصواتَهُم كانت تَتغيَّرُ في تلكَ السِّنّ. أمَّا الآن فإنَّ أصواتَهُم تتغيَّر بينَ سِنِّ الثَّالثة عشرة والرَّابعة عشرة في أغلبِ الأحيان. فالنُّموُّ (أيِ النُّموُّ البَدَنِيُّ) كَانَ يَستمرُّ حَتَّى بداياتِ القرنِ العِشرين لغايةِ سِنِّ السَّادسة والعِشرين. أمَّا الآنَ فيتوقَّف في نحوِ سِنِّ الثَّامنة عَشرة. وَكانَ سِنُّ البُلوغِ في بداياتِ القرنِ العِشرين هو 14 سنة وشهرين، وهو الآن 12 سنة. وهو يَتراجِعُ (كما يَقولونَ) بمعدَّل أربعة أشهُر كُلَّ عَشْرِ سنوات). ففي القرنِ السَّابع عشر، كانَ مُعَدَّلُ سِنِّ البُلوغِ نَحْوَ 17 سنة.
فَضُغوطُ التَّعَرُّضِ المُفرِط لهذه الأشياءِ، وضُغوطُ الخطيَّة تُرغِمَ الطِّفلَ على الإسراعِ في كُلِّ الجوانِب لأنَّ طَبيعَتَهُ المَيَّالة أصلاً إلى الخطيَّة قد تَعَرَّضَتْ لجُرْعاتٍ مُفْرِطَةٍ مِنها. لِذا، هناكَ هذا الفَسادُ المُستَفحِل فيهم يَتعرَّض لهذهِ البيئة الَّتي تَجعلُ مِنَ الصَّعبِ على الآباءِ والأمَّهاتِ أن يُسيطِروا على الطِّفلِ وأنْ يَجعلوهُ مُتوافقًا معَ مَعاييرِ كلمةِ الله.
ثانيًا: لا يَقتَصِرُ الأمرُ على اللَّعنةِ الَّتي وُلِدوا فيها، بل هُناكَ أيضًا النِّظامُ الخارجيُّ الَّذي أَشَرْتُ إليهِ إذْ إنَّهُ يُؤثِّرُ في الخطيَّةِ الموجودةِ فيهم. ولكِنْ لنتحدَّث عنِ النِّظامِ الخارجيِّ. فالعالمُ يَستمرُّ في الضَّغطِ عليهم. لِذا فإنَّ الآيةَ رُومية 12: 2 تَقول: "وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ". لا تَجعلوا أبناءَكُم يُشاكِلونَ العالم. فالماديَّة الاستهلاكيَّة تُعَلِّمُهم الانغماسَ في الذَّات. وهذا أمرٌ مُريعٌ يَتَعَلَّمونَهُ.
ففي أمريكا وَحدِها، نُنفِقُ مالاً على الألعابِ أكثرَ مِنَ النَّاتِجِ القوميِّ الإجماليِّ لأكثرَ مِن سِتِّينَ أُمَّة. فنحنُ نُعَوِّدُ أبناءَنا على حياةِ التَّرَف. فأبناؤنا يَتلَقَّوْنَ جُرْعاتٍ مُنتَظَمَةٍ مِنَ الأنانيَّة. فَهُم يُشاهدونَ نَحْوَ مِئَتَيْ ساعَة مِنَ الإعلاناتِ في السَّنة على شاشاتِ التِّلفزيون. فهناكَ اثنتانِ وعِشرونَ ألفَ دِعاية تجاريَّة تَرمي إلى جَعلِهِم غيرَ قَنوعين، أو إلى تَعليمِهم مَبدأَ التَّبَرُّم العامِّ وعَدَمِ حُبِّ ما لَديكَ، بلِ الرَّغبة في امتلاكِ شيءٍ آخر تَراهُ على شاشةِ التِّلفزيون. والمُجتمعُ يُعلِّمُهم أن يَتمرَّدوا على السُّلطة. وهو يُعلِّمُهم أنَّ أهَمَّ شيءٍ في حياتِهم هو تَقديرُ الذَّاتِ، وتَحقيقُ الذَّاتِ، وفِعْلُ ما يَشاءونَ بطريقتِهم الخاصَّة عندما يَرغبونَ في ذلك وبالطَّريقةِ الَّتي يَشاءون.
وَهُم يُشاهدونَ نَحْوَ ثلاثينَ ساعة مِنَ التِّلفزيون في كُلِّ أسبوع في فَترةِ نَشأتِهم إلى أن يَتخرَّجوا مِنَ المدرسة الثانويَّة. وبذلكَ فإنَّهُم يُشاهدونَ التِّلفزيونَ عشرينَ ألفَ ساعة. وهي مُدَّة تَزيدُ عن أيِّ شيءٍ آخر فَعلوه غيرَ النَّوم. وَهُمْ يَرَوْنَ كُلَّ شيءٍ على التِّلفزيون. فالخطايا الَّتي يَراها الأطفالُ في شهرٍ واحد تَفوقُ الخطايا الَّتي رآها أجدادُهم وآباءُ أجدادِهم طَوالَ حياتهم. فَكُلُّ ما تَبُثُّهُ وَسائِلُ الإعلامِ هو نَمَطُ حياةٍ مُعادٍ لله.
فهل نَتعجَّبُ حينَ نَسمعُ أنَّ عَشْرَةَ مَلايينِ شابٍّ وشابَّة مُصابونَ بالأمراضِ الجنسيَّة، وأنَّ خمسةَ آلافٍ يَلتقطونَ هذهِ الأمراضَ كُلَّ يوم؟ وهل نتفاجأ حينَ نَسمعُ أنَّ واحدًا مِن أصْلِ خمسة يَتعاطى المُخَدِّراتِ مَرَّتينِ في الأسبوع؟ وأنَّ أكثرَ مِن مَليون فتاة تَتورَّط في الدَّعارة قبلَ بُلوغِ سِنِّ السَّادسة عشرة؟ وأنَّ هُناكَ ما بين 7 و 14 مَليون شابّ وشابَّة يُدمِنونَ الكُحول؟
وهناكَ ملايينُ الشَّبابِ والشَّابَّاتِ الَّذينَ يَحتاجونَ إلى المساعدة في عياداتِ الطِّبِّ النَّفسيِّ. وهناكَ نَحْوُ مَليونيّ شابٍّ وشابَّة بحسبِ إحصائيَّاتِ مكتبِ صِحَّةِ الأطفالِ وتعليمهم ورعايتهم...هناكَ نحو مَليونين مِنهم يَحصلونَ على المُساعدة سنويًّا مِنَ الوكالاتِ المَحليَّةِ بسببِ ما يُصَنَّفُ بأنَّهُ مشاكل نَفسيَّة واعتلالات نَفسيَّة. وَهَلُمَّ جَرَّا. فهناكَ لَعنة داخليَّة، وهناكَ فَسادٌ خارجيّ. والأمرُ الثَّالثُ الَّذي يُؤدِّي إلى دَمارِ أبنائِنا هو ليسَ فقط ما يَأتي مِن داخِلهم أو مِن حولِهم، بل أيضًا الأزمنة الصَّعبة الَّتي تأتي عليهم. الأزمنة الصَّعبة الَّتي تأتي عليهم.
افتَحوا على رسالة تيموثاوس الثَّانية والأصحاح الثَّالث. ففي رسالة تيموثاوس الثَّانية والأصحاح الثَّالث، نَعودُ إلى هذا المَقطعِ الَّذي عَلَّقنا عليهِ سابقًا ونَقرأُ عن صُعوبةِ الأيَّامِ الأخيرة. رسالة تيموثاوس الثَّانية 3: 1 إذْ نَقرأ: "فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ سَتَأتِي أَزْمِنَةٌ صَعْبَةٌ". فسوفَ تأتي على الأطفالِ في جيلِنا كُلُّ سِماتِ الأيَّامِ الأخيرةِ الفريدة مِنْ جِهَةِ الفَسادِ: "لأَنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ مُحِبِّينَ لأَنْفُسِهِمْ، مُحِبِّينَ لِلْمَالِ، مُتَعَظِّمِينَ، مُسْتَكْبِرِينَ، مُجَدِّفِينَ، غَيْرَ طَائِعِينَ لِوَالِدِيهِمْ". فواحِدة مِن سِماتِ الأيَّامِ الأخيرةِ هي التَّمَرُّدُ على الأبوَيْن. والمُجتمعُ يَتهاوَنُ معَ ذلك. والمُجتمعُ يُعَلِّمُهم أن يَتمرَّدوا على السُّلطة. فهو يُعَلِّمُهم ذلك.
فهو مُجتمعٌ يُريدُ أن يُقَدِّمَ إليهم العَوازِلَ المَطَّاطيَّة الجنسيَّة مِن دونِ أن يُعطي الآباءَ والأُمَّهاتِ الحَقَّ في أن يَعرفوا ذلك كي لا يَفرِضوا على ذلكَ الطِّفل مُعتقداتِهم الدِّينيَّة الشَّخصيَّة. والأطفالُ المُتمرِّدونَ، وغيرُ المُنضَبِطينَ، والأنانيُّونَ، والمُحَفَّزونَ جنسيًّا، والغاضِبونَ، والمُصابونَ بمرارةِ النَّفسِ، والمُحْبَطونَ، والمُخَرِّبونَ هُمْ نِتاجُ مُجتمعٍ لا يُطيعُ أبَوَيْهِ، ويَفتقِرُ إلى العاطفةِ الطَّبيعيَّة...يَفتقِرُ إلى العاطفةِ الطَّبيعيَّة. فَهُمْ لا يَمتلكونَ تلكَ المحبَّة الطَّبيعيَّة للعائلة.
انظروا إلى الكلمةِ الأولى في العددِ الثَّالثِ: "بِلا حُنُوٍّ" (أستورغوي" – “astorgos”). فَهُمْ يَفتقرونَ إلى المحبَّة العائليَّة الطَّبيعيَّة. ومِنَ الواضحِ أنَّ لدينا جيلاً مِنَ الأطفالِ الَّذينَ أُسيئت مُعامَلَتُهم ولم يَنالوا المحبَّة الكافية. فهناكَ أناسٌ كثيرونَ يَرَوْنَ الأطفالَ عِبئًا. لِذا فإنَّ ثُلُثَ المُتزوجِّينَ القادرينَ على الإنجابِ يُجْرونَ عَمليَّاتٍ تَمْنَعُهُم دائمًا مِنَ الإنجاب. فقد تَرَكَ الآباءُ مَحَبَّتَهُم لأبنائهم. وهناكَ سِتَّةُ مَلايينِ طِفلٍ في بَلَدِنا، بل إنَّ العددَ أكبر مِن ذلكَ الآن...فأعتقد أنَّ العَدَدَ أكبر بكثير مِن ذلكَ. لِذا، يجب علينا أن نقولَ إنَّ هناكَ مَلايينَ الأطفالِ بلا آباء في البيتِ على الإطلاق. وقد اشتركتِ الأُمَّهاتُ أيضًا في ذلكَ فانغَمَسْنَ في ذواتِهِنَّ وَهَجَرْنَ أبناءَهُنَّ سَعيًا وراءَ مِهنة أو شَيءٍ يُرِدْنَهُ. وهناكَ ملايينُ الأطفالِ الوحيدينَ الجالسينَ وراءَ أبوابٍ مُغلقةٍ وسَتائِرَ مُنْسَدِلَةٍ يُشاهدونَ التِّلفزيونَ بإفراط.
وهناكَ ثلاثة أرباع مَليون طِفل يعيشونَ في بيوتِ رِعاية، أو مَرافِقَ سَكنيَّة، أو مُؤسَّساتٍ، أو مُستشفياتٍ عقليَّة، أو يَعيشونَ في إصلاحِيَّاتٍ بسببِ سُلوكِهِمِ الإجراميِّ أو حَتَّى في السُّجون. وقد صارَ بإمكانِكَ الآن، ابتداءً مِن سنة 1979، أن تُطَلِّقَ أباكَ وأُمَّكَ. وأوَّلُ دَعوى طَلاق مِن هذا النَّوع رُفِعَتْ في محكمة بمدينة "ميلواكي" (Milwaukee). وهذه هي الفَوضَى في حياةِ الأبناء. ففلسفةُ الأيَّامِ الأخيرة مُعادِيَة للعائلة. ونحنُ نَعلمُ ذلك. وقد تَحدَّثنا عن ذلك. فجدولُ أعمالِ حَركةُ تَحريرِ المرأة مُعادٍ للعائلة. وجماعةُ الضَّغطِ التَّابعة للمِثليِّينَ الجِنسيِّينَ مُعادية للعائلة. وأنصارُ الإجهاضِ مُعادونَ للعائلة.
وقد قالَ مؤلِّفٌ ومُحاضِرٌ اسمُهُ "ف.م. إسفاندياري" (F.M. Esfandiary) عنِ فلسفةِ النَّزعةِ البشريَّة: "لكي نُحَرِّرَ الطِّفلَ، يجب علينا أن نَتخلَّصَ مِنَ الأُبوَّة، ويجب علينا أَلَّا نَرضى بأقلَّ مِنَ القضاءِ التَّامِّ على العائلة". واسمَحوا لي أن أقولَ لكم إلى أيِّ مَدى وَصَلَ ذلك. في سنة 1960، كانَ واحدٌ بالمئة مِنَ الأبناءِ تحتَ سِنِّ الثَّامنة عشرة يَتعرَّضونَ لطلاقِ أَبَوَيْهِم. ففي سنة 1960، كانَ واحدٌ بالمئة مِنَ الأبناءِ تحتَ سِنِّ الثَّامنة عشرة يَتعرَّضونَ لطلاقِ أَبَوَيْهِم. وفي سنة 1990 وَصَلَتِ النِّسبةُ إلى خَمسينَ بالمئة. نِصْفُهُم. ونحنُ نَتحدَّثُ عن تَحريرِ الطِّفل. فما نَفعلُهُ بالطِّفلِ هو أنَّنا نُحَرِّرُهُ ونَجعلُهُ فَريسةً للحَملةِ الدِّعائيَّةِ الإنسانيَّةِ والاجتماعيَّةِ في وقتِنا الحاضِر. ويُدافِعُ عالِمُ النَّفسِ المَعنيُّ بحقوقِ الإنسان "ريتشارد فارسون" (Richard Farson) عنِ الحُقوقِ التَّاليةِ للأطفال: يجب أن يَتحرَّروا مِنَ العِقابِ البَدنيِّ، وأن يُمْنَحوا حَقَّ التَّصويت، ويُعْطَوا الحُريَّةَ الجِنسيَّةَ الكاملة والحُريَّةَ الاقتصاديَّة. ما نَوْعُ هذه الحَماقَة؟
وقد ابتدأَ المُهندسونَ الاجتماعيُّونَ مُنذُ سنة 1979 في الاحتفالِ بالسَّنةِ الدَّوليَّةِ للطِّفل. وقد دَعَوْا إلى تَحريرِ الأطفالِ مِن أربعةِ أشياء: فيجب أن يَتحرَّروا مِنَ المَعاييرِ أوِ القِيَمِ التَّقليديَّة، وَمِنْ سُلطةِ الأبَوَيْن (بما في ذلكَ مِنْ أيِّ عِقابٍ)، ومِنَ التَّمييزِ الدِّينيِّ، ومِنَ النَّزعةِ القوميَّةِ أوِ الوَطنيَّة. وما يُدهشُني دائمًا هو أنَّ 80 بالمئة مِن وسائلِ الإعلامِ في أمريكا ليست لها انتماءات دينيَّة. لِذا فإنَّهم يُرَوِّجونَ لجدولِ أعمالِهم بصورة مُحترفة وعدوانيَّة.
وقد كَتَبَ واحدٌ مِن أعضاءِ مَجلسِ الشُّيوخِ الأمريكيِّ رسالةً إليَّ قالَ فيها إنَّ القُوى المُعادية للعائلة عاقِدَةُ العَزْمِ على تَحقيقِ الأهدافِ التَّالية. وهذه هي الأهدافُ التي ذَكَرها: الإجهاضُ في سَبيلِ سَعادةِ الأُمِّ والأب (إن كانَ هُناكَ أبٌ أو أُمٌّ في البيت). فَهُم يَسْعَوْنَ إلى تَحقيقِ الأهدافِ التَّالية: الإجهاض، تَحَكُّمُ العائلة في تَنظيمِ الأُسرَة، تَشريعُ زَواجِ المِثليِّين الجِنسيِّينَ (وهذا سيحدُثُ هُنا بسرعة كبيرة جدًّا)، ومَنْحُ الأطفالِ حُقوقًا مُساوية للكبار، وتدريبُ الحكومةِ للأطفال، وتحديدُ حَدٍّ أدنى للأجورِ للأطفالِ مُقابِلَ قيامهم بالأعمالِ المنزليَّة. فهل يُمْكِنُ أن يَحدُثَ هذا؟ هل يُمْكِنُ أن يَحدُثَ هذا؟
نحنُ نُواجِهُ موقفًا خطيرًا. وقد كَتَبَ الدُّكتور "مايكل نوفاك" (Dr. Michael Novak) مقالةً في مجلَّة "هاربر" (Harper’s Magazine) قالَ فيها: "مِنَ الواضحِ أنَّ العائلة هي المَركِزُ الرَّئيسيُّ للقُوَّة الاجتماعيَّة. فهي التُّربة الخِصْبَة للمهاراتِ والمواقفِ الاقتصاديَّة المُختصَّة بالعمل. وهي وسيلة أقوى مِنَ المَدرسة لتحقيقِ النَّجاحِ التَّعليميِّ، ومُعَلِّمًا أقوى مِنَ الكنيسةِ لتنميةِ المُخيِّلةِ الدينيَّة. فالتَّخطيطُ السِّياسيُّ والاجتماعيُّ في النِّظامِ الاجتماعيِّ الأكثر حِكمةً يَبتدئُ بهذه المَقولة: ’الشَّيءُ الَّذي يُقَوِّي العائلة يُقَوِّي المُجتمع‘. وحتَّى عندما يُصيبُ الفَقْرُ والتَّخَبُّطُ الأجيالَ كما يَحدُثُ غالبًا، فإنَّ قوَّةَ العائلةِ هي الَّتي تَحمي الأفرادَ أكثرَ مِن غيرها مِنَ العُزلةِ أوِ الإعياءِ أوِ اليأس. فالعالمُ المُحيطُ بالعائلةِ غيرُ مُنْصِفٍ البَتَّة. والدَّولةُ ومؤسَّساتُها والنِّظامُ الاقتصاديُّ ومؤسَّساتُهُ لا يُمكنُ الوُثوقُ بهم تمامًا. وهناكَ قانونٌ لا يُمكِنُنا أن نَنساهُ، وقد تَعَلَّمناهُ مِن خلالِ كُلِّ الكوارثِ والمَظالِمِ الَّتي حَدَثَتْ خلالِ الألفِ سنة الماضية وهو: إن كانتِ الأمورُ تَسيرُ حَسَنًا في العائلة، فإنَّ الحياةَ تَستحقُّ أن تُعاش. وعندما تَنهارُ العائلةُ فإنَّ الحياةَ تَتَهاوَى". و "مايكل نوفاك" مُحِقٌّ تمامًا.
فَمِن وُجهةِ نَظرِ شخصٍ يُراقبُ العائلةَ، ومِن وُجهةِ نَظرِ الحِكمةِ البشريَّة، مِنَ الواضحِ أنَّ كُلَّ شيءٍ على ما يُرام عندما تكونُ العائلة مُعافاة. وعندما لا تكونُ كذلك، لا رجاءَ للمُجتمع. فالرَّجاءُ الوحيدُ لتوفيرِ الظِّلِّ للجيلِ القادِمِ هو أن نُخضِعَ ذَواتِنا لما تُعَلِّمُهُ كلمةُ اللهِ عنِ العائلةِ وعن تَربيةِ الأبناء. وبصراحة، يا أحبَّائي، ليسَ مِنَ الصَّعبِ أن نَفهمَ ذلك. فالأمرُ لا يَحتاجُ إلى سنواتٍ وسنواتٍ وسنوات. وهو لا يَحتاجُ إلى أساليب تِقَنِيَّة لفهمِ ذلك. وما يُدهشُني دائمًا هو الأسلوبُ المُوجَزُ الَّذي يَستخدِمُهُ الرَّبُّ لقولِ كُلِّ شيء. وما يَقولُهُ هو الآتي: "عَلِّموا أبناءَكُم أن يُطيعوكُم وأن يَحترموكُم". فهذه هي الخُلاصَة.
"أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هذَا حَقٌّ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَارِ عَلَى الأَرْض". وبالمناسبة، هذهِ هي الآياتُ الوحيدةُ في الكتابِ المقدَّسِ الَّتي تُوصي الأبناءَ. فيجب علينا نحنُ أن نُعَلِّمَ أبناءَنا هذه الأشياء. فيجب عليهم أن يَتعلَّموا هذه الأشياءَ تَحديدًا. فيجب عليهم أن يَتعلَّموا أن يُطيعوا. والأولاد بالمناسبة...الكلمة "أولاد" هي "تا تيكنا" (ta tekna). وهي الكلمة العامَّة الَّتي تُستخدمُ بمعنى "نَسْل". فهي لا تُشيرُ بالضَّرورة إلى "طِفلٍ رَضيع". فهناكَ كلمة أخرى تَعني طِفلاً رَضيعًا. ولكنَّ هذه الكلمة تُشيرُ إلى الأبناءِ عامَّةً.
فهي لا تُشيرُ إلى عُمْرٍ مُعَيَّن، بل إلى الأبناءِ مُنذُ وِلادتهم إلى أن يَصيروا شَبابًا مَا داموا تحتَ سَيطرةِ الأبوَيْنِ ورعايَتِهم. فَحالَما يَبلُغونَ سِنًّا يُمَيِّزونَ فيها الصَّوابَ، يجب تعليمهم أن يُطيعوا أبويهم. فذلكَ الفَسادُ وتلكَ الأنانيَّة ينبغي أن يُلْجَما. والطَّاعةُ هي المِفتاحُ إلى القيامِ بذلك. فيجب أن يَتِمَّ تَعليمُهم أن يُطيعوا. والكلمة "أطيعوا" هي "هوباكووو" (hupakouo). وَ "أكووو" (akouo) تَختصُّ بالسَّمْعِ. و "هوبا" (hupa) تَعني: "أسفل". أي "أن يَجلس تحت ويُصغي". والطَّاعة هي النُّقطة الجوهريَّة. عَلِّموا أولادَكُم أن يُطيعوا. وهذه هي النُّقطة الجوهريَّة حقًّا.
وسوفَ أقولُ لكم شيئًا: عندما تُرَبُّونَ أولادَكُم، وتَفعلونَ ذلكَ دائمًا، ستأتي أوقاتٌ يُقاومونَ فيها ذلكَ بقوَّة أكبر مِن أوقاتٍ أخرى. وهذه هي أوقاتُ العِراكِ الَّتي ينبغي لكَ فيها أن تَستمرَّ في تَعليمِهم عنِ الطَّاعةِ وأن تَجعلَ العواقبَ أشَدَّ كي يَفهموا الرِّسالة. ولكنَّها لن تكونُ عَشْرَ سَنواتٍ مِنَ المَعارِك، بل ستكونُ عَشْرَ سَنواتٍ مِنَ التَّعليم؛ معَ بِضعة أسابيع مُتفرِّقة مِنَ المعاركِ الحقيقيَّة حيثُ إنَّهم سيحاولونَ خَوضَ المعاركِ للحفاظِ على حُريَّاتِهم النَّابعة مِن طبيعتِهم الخاطئة.
وهذا أمرٌ مُهِمٌّ جدًّا لدى الله. استمعوا إلى ما جاءَ في سِفْرِ الخروج 21: 15 و 17: "وَمَنْ ضَرَبَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يُقْتَلُ قَتْلاً". ويا لَهُ مِنْ حَزْم! فالاحترامُ أمرٌ مُهمٌّ جدًّا. ففي العهدِ القديم، إنْ ضَربتَ أُمَّكَ أو ضَربتَ أباكَ، تُقْتَل. واستمعوا إلى بَقِيَّةِ الكَلام في العدد 17: "وَمَنْ شَتَمَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يُقْتَلُ قَتْلاً". اقتُلوا أولئكَ الأولادَ الَّذينَ لا يُظهرونَ لآبائِهم وأمَّهاتِهم الاحترامَ. وقد تقول: "عَجَبًا! هلِ اللهُ جَادٌّ جدًّا بخصوصِ ذلك؟"
إنَّ اللهَ يَعلمُ أنَّهُ لا توجد طريقة أخرى (عندما اختارَ شَعبَهُ في سِفْرِ الخُروجِ ودَعاهُم إلى الخُروجِ ليكونوا أُمَّةً شَاهِدَةً للعالَم) أنَّهُ لا توجد طريقة أخرى لتَرسيخِ البِرِّ في العائلةِ ما لم تَكُن هناكَ طاعَة. وقد كانَ مِنَ المُهِمِّ جدًّا أنْ يُثَبِّتَ ناموسَ اللهِ في إسرائيل وأنْ يَنشُرَ في العالمِ أنَّهُ يَقولُ إنَّهُ إن كانَ لديكَ وَلَدٌ غيرُ مُطيعٍ، اقْتُلْهُ وَحَسْب. فالطَّاعةُ وعدمُ الاحترامِ يُعاقبانِ بالموت. فهذا أمرٌ خَطيرٌ إلى هذا الحَدّ.
فلا يُمكِنُكَ أن تُعَلِّمَ البِرَّ لأحدِ الأجيال، ولا يُمكنُكَ حَتَّى أن تَحصُلَ على مُجتمعٍ يَضبُطُ نَفسَهُ، ولا يُمكنكَ أن تَحصُلَ على أيِّ شيءٍ مُنَظَّم ما لم يَكُن لديكَ أُناسٌ تَعَلَّموا الخُضوعَ والطَّاعةَ، وأيضًا: ضَبْطَ النَّفس. فعندما تُعَلِّمُ أبناءَكَ أن يُطيعوا فإنَّكَ تُعَلِّمُهم ضَبْطَ النَّفس. وأنتَ تُعَلِّمُهم أن يَقمَعُوا فَسادَهُم، وأن يَنتصروا على شَهواتِهم الخاطئة. وأنتَ تَفعلُ ذلكَ مِن خِلالِ فَرْضِ العَواقبِ بشدَّة وتَحُوْلُ دُوْنَ قِيامِهم بذلك. وهذا هو الرَّجاءُ الوحيدُ للمُجتمَع. وَهُوَ الرَّجاءُ الوحيدُ لِحِفْظِ البِرّ. فالرَّجاءُ الوحيدُ لتوصيلِ حَقِّ اللهِ هُوَ وُجودُ جيلٍ مُطيعٍ مِنَ الأبناء. لِذا فقد كانَ اللهُ جَادًّا جدًّا مُنذُ البداية حَتَّى إنَّهُ كانَ يُوصي بِقتلِ الأبناءِ الَّذينَ لا يَفعلونَ ذلك.
وباستطاعةِ المرءِ أن يَتخيَّلَ أنَّهُ لو كانَت عُقوبةُ الإعدامِ مُطَبَّقة على جميعِ الأبناءِ المُتمرِّدينَ، كيفَ سيكونُ تأثيرُ ذلك. فهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يُحاولونَ أنْ يُصْدِروا قانونًا يَمنعُ الآباءَ والأُمَّهاتِ مِنْ تأديبِ أبنائِهم. ولو أنَّهم فَهِموا هذه الآية لثاروا غَضَبًا. ومِنَ الواضحِ أنَّ اللهَ بِرَحمَتِهِ ونِعمَتِهِ (في هذا الوقتِ مِن تاريخِ الفِداءِ) لا يُعيدُ هذه الوصيَّة هُنا في رسالة أفسُس. ولكِنْ في بدايةِ تأسيسِ الشَّعبِ وتَرسيخِه، وإعطائهم شَريعَتَهُ، وبسببِ رَغبَتِهِ في حِفْظِ تلكَ الشَّريعة وتوصيلِها مِنْ جيلٍ إلى جيل، كانَ الأمرُ جادًّا جدًّا في البداية. وكانتْ تأثيراتُ ذلكَ هائلة جدًّا حتَّى إنَّهُ قالَ: إن أردتُم توصيلَ هذه الشَّريعة، يجب أن يكونَ لديكم أبناء مُطيعونَ ومُلتزمونَ بضبطِ أنفسهم وبالبِرِّ. واقتلوا وَحَسْب الأولادَ غير المُطيعين.
والآن، افتحوا معي على سِفْرِ الأمثال لأنَّ سِفْرَ الأمثالِ هو جوهرُ تَعليمِ الآباءِ لأبنائهم. فعندما تَصِلونَ إلى سفر الأمثال تكونونَ قد وَصلتُم إلى السِّفرِ الَّذي كانَ الآباءُ يُعَلِّموهُ بصورة رئيسيَّة لأبنائهم. فهو شيءٌ ينبغي أن تُعَلِّمَهُم إيَّاه. الأصحاح الأوَّل والعدد الثَّامِن: "اِسْمَعْ يَا ابْنِي تَأدِيبَ أَبِيكَ، وَلاَ تَرْفُضْ شَرِيعَةَ أُمِّكَ، لأَنَّهُمَا إِكْلِيلُ نِعْمَةٍ لِرَأسِكَ، وَقَلاَئِدُ لِعُنُقِكَ". وهل تَعلمونَ ما مَعنى ذلك؟ إنَّ ذلكَ يَجعَلُكَ شخصًا جميلاً، ويَجعلُكَ شخصًا تَفيضُ بالنِّعمة، ويَجعلُكَ شخصًا مُبارَكًا. لِذا، اسمَع ما يُعَلِّمُكَ إيَّاهُ أبوكَ وأُمُّك.
الأصحاح الثَّاني والعدد الأوَّل: "يَا ابْنِي، إِنْ قَبِلْتَ كَلاَمِي وَخَبَّأْتَ وَصَايَايَ عِنْدَكَ، حَتَّى تُمِيلَ أُذْنَكَ إِلَى الْحِكْمَةِ، وَتُعَطِّفَ قَلْبَكَ عَلَى الْفَهْم..." فهذا أبٌ يَقولُ لابنِهِ: "اسمع ما أقولُهُ لَكَ"، ثُمَّ إنَّهُ يُعَلِّمُهُ الحَقَّ الإلهيَّ. وفي الأصحاحِ الثَّالثِ والعددِ الأوَّل: "يَا ابْنِي، لاَ تَنْسَ شَرِيعَتِي، بَلْ لِيَحْفَظْ قَلْبُكَ وَصَايَايَ. فَإِنَّهَا تَزِيدُكَ طُولَ أَيَّامٍ، وَسِنِي حَيَاةٍ وَسَلاَمَةً. لاَ تَدَعِ الرَّحْمَةَ وَالْحَقَّ يَتْرُكَانِكَ. تَقَلَّدْهُمَا عَلَى عُنُقِكَ. اُكْتُبْهُمَا عَلَى لَوْحِ قَلْبِكَ". بعبارة أخرى: استمع إلى ما أقولُهُ لكَ، وارْبُطْهُ حولَ جَسَدِك، وَعِشْهُ في كُلِّ جانبٍ مِن جوانبِ حياتِك.
وفي الأصحاحِ الرَّابعِ نَجِدُ الفكرةَ نَفسَها إذْ نَقرأُ في العددِ الأوَّل: "اِسْمَعُوا أَيُّهَا الْبَنُونَ تَأْدِيبَ الأَبِ، وَاصْغُوا لأَجْلِ مَعْرِفَةِ الْفَهْمِ، لأَنِّي أُعْطِيكُمْ تَعْلِيمًا صَالِحًا، فَلاَ تَتْرُكُوا شَرِيعَتِي. فَإِنِّي كُنْتُ ابْنًا لأَبِي، غَضًّا وَوَحِيدًا عِنْدَ أُمِّي، وَكَانَ يُرِينِي وَيَقُولُ لِي: لِيَضْبِطْ قَلْبُكَ كَلاَمِي. احْفَظْ وَصَايَايَ فَتَحْيَا". وهذا أبٌ أَمينٌ. وفي الأصحاحِ الرَّابعِ أيضًا والعدد 10: "اِسْمَعْ يَا ابْنِي وَاقْبَلْ أَقْوَالِي، فَتَكْثُرَ سِنُو حَيَاتِكَ". وفي الأصحاحِ الخامسِ والعددِ الأوَّل: "يَا ابْنِي، أَصْغِ إِلَى حِكْمَتِي. أَمِلْ أُذُنَكَ إِلَى فَهْمِي".
وفي الأصحاحِ السَّابعِ مِنْ سِفْرِ الأمثال والعددِ الأوَّل: "يَا ابْنِي، احْفَظْ كَلاَمِي وَاذْخَرْ وَصَايَايَ عِنْدَكَ. احْفَظْ وَصَايَايَ فَتَحْيَا، وَشَرِيعَتِي كَحَدَقَةِ عَيْنِكَ. اُرْبُطْهَا عَلَى أَصَابِعِكَ. اكْتُبْهَا عَلَى لَوْحِ قَلْبِكَ. قُلْ لِلْحِكْمَةِ: أَنْتِ أُخْتِي". وفي الأصحاحِ الثَّامنِ والعدد 32، تَستمرُّ الوصايا إذْ نَقرأُ: "فَالآنَ أَيُّهَا الْبَنُونَ اسْمَعُوا لِي. فَطُوبَى لِلَّذِينَ يَحْفَظُونَ طُرُقِي". وإليكُم المزيد إذْ نَقرأُ في الأصحاح 13: "اَلابْنُ الْحَكِيمُ يَقْبَلُ تَأدِيبَ أَبِيهِ". فنحنُ نقرأُ في الأصحاح 13 والعدد الأوَّل: "اَلابْنُ الْحَكِيمُ يَقْبَلُ تَأدِيبَ أَبِيهِ". ونَقرأ في الأصحاح 15 والعدد 5: "اَلأَحْمَقُ يَسْتَهِينُ بِتَأدِيبِ أَبِيهِ".
والآن، هذه بعضُ النَّماذِجِ المُختصَّةِ بكيفيَّةِ تَعليمِ أبنائِنا وبكيفيَّةِ تَجاوُبِ أبنائِنا مَعنا. وَإنْ فَتَحْتُم على سِفْرِ الأمثال والأصحاح 30 تَرَوْنَ العَكس. فَهُنا تَجدونَ النَّقيضَ. فعندما لا يَتجاوبُ الابْنُ، ولا يُطيع، ولا يُؤدَّبُ كما ينبغي، نَقرأُ في العدد 11: "جِيلٌ [مِنَ الأولادِ والبَناتِ] يَلْعَنُ أَبَاهُ وَلاَ يُبَارِكُ أُمَّهُ. جِيلٌ طَاهِرٌ فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ، وَهُوَ لَمْ يَغْتَسِلْ مِنْ قَذَرِهِ". وهذا يَصِفُ تمامًا حالَ الأبناءِ المُتمرِّدينَ على آبائهم وأُمَّهاتِهم. فَهُمْ يَفعلونَ ما يَحلوا لَهُم، ويَسلُكونَ حَسَبَ حِكمَتِهم، ويَفعلونَ ما يُريدونَ في كُلِّ شيء. فلا يُمكِنُكَ أن تقولَ لَهُم ماذا ينبغي أن يَفعلوا.
فَهُم يَظُنُّونَ أنَّهم يَعرفونَ كُلَّ الإجاباتِ. والحقيقةُ هي أنَّهم لم يَغتَسِلوا مِنْ أقذارِهم. "جِيلٌ مَا أَرْفَعَ عَيْنَيْهِ، وَحَوَاجِبُهُ مُرْتَفِعَةٌ [مِنْ فَرْطِ العَجْرَفَةِ]". وهذه كلماتُ تَصِفُ الابْنَ المَغرورَ والأنانيَّ الذي لا يُفَكِّرُ إلَّا في نفسِه، والمُتمرَّدَ الَّذي لا يُصغي إلى أيِّ شيءٍ يَقولُهُ لَهُ أَبَواه. "جِيلٌ أَسْنَانُهُ سُيُوفٌ، وَأَضْرَاسُهُ سَكَاكِينُ، لأَكْلِ الْمَسَاكِينِ عَنِ الأَرْضِ وَالْفُقَرَاءِ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ". فَهُمْ بِلا حُنُوٍّ، وبلا رَحمةٍ، بل هُمْ أبناءٌ قُساة. فَهُم لم يَتعلَّموا يَومًا اللُّطْفَ، ولم يَتعلَّموا يَومًا النِّعمةَ الَّتي تَجعَلُهم أشخاصًا مُحِبِّين.
العدد 15: "لِلْعَلُوقَةِ بِنْتَانِ: هَاتِ، هَاتِ!". وهذا العَدَدُ يَتحدَّثُ عنِ العَلَقِ الَّذي يَلْتَصِقُ بأجسامِ الخُيولِ. والعَلَقَةُ تَمتلِكُ سِنَّانِ (إنْ جازَ القَول) أو نابانِ يَخرُجانِ مِن فَمِها تَغرزهُما في جَسَدِ الحِصانِ وتَمتصُّ بهما دَمَهُ. وَهُوَ يَقولُ إنَّ هؤلاءِ الأبناءَ يُشبهونَ العَلَقَةَ الَّتي تَغرِزُ أنيابَها وتَمُصُّ الدَّمَ. فَهُمْ أبناءٌ مُتمرِّدونَ مَصَّاصُو دِماء. ونُتابِعُ القراءةَ في العدد 15: "ثَلاَثَةٌ لاَ تَشْبَعُ، أَرْبَعَةٌ لاَ تَقُولُ: كَفَا: الْهَاوِيَةُ، وَالرَّحِمُ الْعَقِيمُ..." وهذه لُغة تَصويريَّة جدًّا جدًّا. فالهاويةُ لا تَقولُ كَفى. والرَّحِمُ العَقيمُ لا يَقولُ كَفى. "...وَأَرْضٌ لاَ تَشْبَعُ مَاءً، وَالنَّارُ لاَ تَقُولُ: كَفَا".
ويُمكنُكم أن تُضيفوا إلى ذلكَ الابْنَ الَّذي يُشبِهُ العَلَقَة. فأيًّا كانَ ما تُعطيهِ لَهُ، أيًّا كانَ ما تُعطيهِ لَهُ، فإنَّهُ لا يَكتفي. وهذه كلماتٌ قويَّة للأشخاصِ الَّذينَ لديهم أبناء مُتمرِّدون يَعتقدونَ أنَّهُم يستطيعونَ أن يَشتروا وَلائهم، أو يَستطيعونَ أن يَشتروا طَاعَتَهُم، أو أن يَشتروا احترامَهُم. فلا يُمكنكَ أن تَفعلَ ذلك لأنَّهم لا يَشبَعون. فَهُم يُشبِهونَ القَبرَ. وَهُم يُشبهونَ الرَّحِمَ العَقيم. وَهُمْ يُشبِهونَ أرضًا لا تَشبَعُ مَاءً بسببِ يُبوسَتِها، ويُشبِهونَ النَّارَ الَّتي لا تَقولُ "كَفى". "اَلْعَيْنُ الْمُسْتَهْزِئَةُ بِأَبِيهَا، وَالْمُحْتَقِرَةُ إِطَاعَةَ أُمِّهَا، تُقَوِّرُهَا غُرْبَانُ الْوَادِي، وَتَأْكُلُهَا فِرَاخُ النَّسْرِ". إنَّها لُغة تصويريَّة جدًّا.
فعندما يكونُ لديكَ ابْنٌ لا يَحصُل على التَّأديبِ والتَّدريبِ والتَّعليمِ عنِ الطَّاعةِ والإكرامِ، يكونُ أَشْبَهُ بِالعَلَقَةِ الَّتي تَمتصُّ الدِّماءِ ويَحصُل في النِّهاية (بسببِ قَسوتِهِ، وعَدَمِ حُنُوِّهِ، وبسببِ كُلِّ عَداوَتِهِ وقَذارَتِهِ) سيحصُلُ على دينونةِ الله. وكم هذا مُحْزِن! كم هذا مُحزِن! وما أكثرَ الآباءَ والأُمَّهاتِ...كم عددُ الآباءِ والأُمَّهاتِ في وَسْطِكُم الَّذينَ لديهم أبناء وَقَعوا تحتَ الدَّينونةِ الإلهيَّة؟ وَحَتَّى إنَّ البعضَ منهم مَات. وهذا يَكسِرُ القلبَ حَقًّا.
والآن، كيفَ تَقومُونَ بهذه العمليَّة؟ كيفَ تُرَبّونَ ابنَكُم على الطَّاعةِ والاحترام؟ لنرجِع إلى سِفْرِ الأمثال والأصحاحِ الثَّالث. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال 3: 11 و 12: "يَا ابْنِي، لاَ تَحْتَقِرْ تَأدِيبَ الرَّبِّ وَلاَ تَكْرَهْ تَوْبِيخَهُ، لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَكَأَبٍ بِابْنٍ يُسَرُّ بِهِ". وبالمُناسبة، هذه الكلماتُ مُقتبسَة في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 12: 5-11 عندَ التَّحَدُّثِ عنِ التَّأديب. والفئةُ هُنا هي التَّأديب. فالأبُ الَّذي يُحِبُّ ابنَهُ حَقًّا...أيْ إنْ كُنتَ تَقولُ إنَّكَ تُحِبُّ ابنَكَ، يجب عليكَ أن تُؤدِّبَهُ. "وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ". فهذا هو ما تَقولُهُ الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين. فإن كانَ الرَّبُّ يُحِبُّ شخصًا، فإنَّهُ يَجْلِدُهُ؛ أيْ يُؤدِّبُه. وهذا مُحْزِنٌ إلى حِيْن، ولكنَّهُ يُعْطِي في النِّهاية الَّذِينَ يَتَدَرَّبُونَ بِهِ ثَمَرَ بِرٍّ لِلسَّلام.
لِذا أوَّلاً: نحنُ نَرى هُنا أنَّ عمليَّةَ تَعليمِ الطَّاعةِ والاحترامِ هي عمليَّة تأديب. ويُمكِنُنا أن نُعَرِّفَ التَّأديبَ ببساطة بالكلماتِ التَّالية: التَّأديبُ هو تلكَ المَهمَّة الَّتي يَقومُ مِن خلالِها الآباءُ والأُمَّهاتُ بمُكافأةِ الطَّاعةِ ومُعاقبةِ العِصيان. فهذا هو التَّأديب. وعَدَمُ الانصياعِ إلى المِعيارِ الإلهيِّ يُؤدِّي إلى نتائجَ سَلبيَّة. أمَّا الانصياعُ إلى المِعيارِ الإلهيِّ فيؤدِّي إلى نتائجَ إيجابيَّة. وهذه هي تمامًا الطَّريقة الَّتي يؤدِّبُنا اللهُ بها. وقد تقول: "هل تُؤمِنُ بالثَّواب؟" بكُلِّ تأكيد. بكُلِّ تأكيد. وأنا أُوْمِنُ أيضًا بالعِقاب.
وقد تَقول: "وهل ينبغي أن تُحاولَ حَفْزَ أبنائِكَ مِن خلالِ مُكافأتِهم؟" بكُلِّ تأكيد. أَلا يَحْفِزُنا اللهُ مِن خلالِ ذلك؟ أَلا يَعِدُنا بالخَير؟ أَلا يَعِدُنا بالبَرَكة؟ أَلا يَقولُ إنَّ الابنَ الَّذي يُطيعُ سيعيشُ طويلاً على الأرض؟ في الحقيقة، إنَّ الحافِزَ كُلَّهُ، والحافِزَ الوحيدَ المَذكورَ في رسالة أفسُس والأصحاح السَّادس هو ثَواب. فلا يوجد وَعيدٌ هُنا. فَمِنَ الجيِّد أن تقولَ لابنِكَ: "إذا فَعلتَ كذا سأُكافِئُكَ بِكَذا" مِن مُنطَلَقِ عِلْمِكَ بأنَّ ابنَكَ يَرغبُ في تلكَ المُكافأة. فالتَّأديبُ يَتطلَّبُ كِلا الأمْرَيْن. والتَّأديبُ بسيطٌ جدًّا. فهو يَعني مُكافأة الأبناءِ أو مُعاقَبَتُهم بحسبِ سُلوكِهم. وعندما أتحدَّثُ عنِ السُّلوكِ فإنِّي لا أعني ببساطة ما يَفعلونَهُ، بل أعني أيضًا ما يَقولونَهُ، وأعني أيضًا مواقِفَهُم. ويُمكنني أن أقولَ لكم، ويُمكِنُ لأبنائي أن يقولوا لكم أيضًا إنَّنا أَدَّبناهُم على مَواقِفِهم أكثرَ مِمَّا أدَّبناهُم على ما كانوا يَفعلونَهُ. وإنِ ابتدأتَ بتأديبِ أبنائِكَ على مَواقِفِهِم، لن تُضطرَّ إلى تأديبهم كثيرًا على أفعالِهم. وقد حاولنا أن نُرَبِّي أبناءَنا مُنذُ البداية على مواقِفهم.
والآن، انظروا إلى الأصحاحِ السَّادسِ مِن سِفْرِ الأمثال. ولنتحدَّث أكثر عن عمليَّةِ التَّأديبِ هذه. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ السَّادسِ والعدد 20: "يَا ابْنِي، احْفَظْ وَصَايَا أَبِيكَ وَلاَ تَتْرُكْ شَرِيعَةَ أُمِّكَ. اُرْبُطْهَا عَلَى قَلْبِكَ دَائِمًا. قَلِّدْ بِهَا عُنُقَكَ. إِذَا ذَهَبْتَ تَهْدِيكَ. إِذَا نِمْتَ تَحْرُسُكَ، وَإِذَا اسْتَيْقَظْتَ [وَكَمْ أُحِبُّ هذه الكلمات] فَهِيَ تُحَدِّثُكَ. لأَنَّ الْوَصِيَّةَ مِصْبَاحٌ، وَالشَّرِيعَةَ نُورٌ، وَتَوْبِيخَاتِ الأَدَبِ طَرِيقُ الْحَيَاةِ". فما تَفعلُهُ هو أنَّكَ تَسْكُبُ كلمةَ اللهِ فيهم لكي تُرْشِدَ ضَمائِرَهُم وتُحَدِّثَهُم.
والآن، لا بُدَّ أنَّكُم تَذكرونَ عندما كُنَّا نَدرُسُ عنِ الضَّميرِ في بدايةِ دراسَتِنا للرسالةِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس. وقد شَرحتُ لكم أنَّ الضَّميرَ ليسَ لديهِ أخلاق. فالضَّميرُ هو نِظامُ تَحذيرٍ فقط. فهو صَافِرَةُ إنذار. وَهُوَ نُورٌ أحمر. وَهُوَ جَرَس. وَهُوَ صُفَّارة. فهذا هو كُلُّ ما في الأمر. فالضَّميرُ يَتجاوبُ معَ النِّظامِ الأخلاقيِّ المُخَزَّنِ في الذِّهن. وَهُوَ يتجاوبُ معَ أعلى مِعيارٍ أخلاقيٍّ لديكَ. والطِّفلُ الَّذي يُولدُ في العالمِ لديهِ شريعةُ اللهِ مَكتوبة أين؟ في قلبه. فنحنُ نَقرأُ في رسالة رُومية والأصحاح الثاني: "الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ". فهي مكتوبة هناك. وَهُم يَفهمونَ الصَّوابَ مِنَ الخطأ، ولكنَّهُم يُحِبُّونَ الخطأ. لِذا فإنَّهم بحاجة إلى التَّدريبِ على فِعْلِ الصَّواب.
وقد تتأثَّرُ شريعةُ اللهِ تلكَ المكتوبة في قُلوبهم...اسمعوني جيِّدًا...قد تتأثَّرُ تأثُّرًا سَلبيًّا بالرَّسائلِ الَّتي تَرِدُ إليهم مِنَ الثَّقافة. فالثَّقافةُ تُريدُ أن تُعيدَ صِياغَةَ ذلكَ القانون الأخلاقيّ. وهي تُريدُ أن تُقْنِعَهُم بالأكاذيب. وَهُوَ تُريدُ أن تُعيدَ تَشكيلَ نِظامِهم الأدبيِّ بمُجمَلِه، ونِظامِهم الأخلاقيِّ بأسرِه. وإنْ نَجَحَتْ في القيامِ بذلك، فإنَّ الضَّميرَ (الَّذي هو جِهازُ الإنذارِ الَّذي ينبغي أن يَنطلقَ عندما تَنْتَهِكُ ذلكَ النِّظامَ) يَحصُلُ على مُعْطَياتٍ مَغلوطة...يَحصُلُ على مُعْطَياتٍ مَغلوطة. فإنْ كانَ لاهوتُكَ مَغلوطًا، وإنْ كانَ نِظامُكَ الأخلاقيُّ مُعْوَجًّا، سيتجاوبُ ضَميرُكَ وَفْقًا لذلكَ النِّظامِ المُعْوَجِّ.
لِذا، عندما تأتي إلى العالَم، ما الَّذي يَحدُث؟ إنَّ هذا الطِّفلَ الصَّغيرَ يَتعرَّضُ للتِّلفزيون، والإذاعة، والأفلام، والموسيقا، والتَّعليم، وكُلِّ عَمليَّةِ التَّشَبُّعِ الثَّقافيِّ. وهذا يُعيدُ صياغةَ الحَقِّ العظيمِ الَّذي وُضِعَ أصلاً في ذلكَ القلبِ الصَّغيرِ منذُ ولادَتِهِ عنِ اللهِ وعنْ ما هُوَ صَواب وما هُوَ خَطأ. ويُخبرُكُم الأصحاحُ الأوَّلُ مِن رسالة رومية أنَّهُ بمقدورِهم أن يَعرفوا عنِ اللهِ، ويُمكنهم أن يَعرفوا عنِ الثَّالوثِ الأزليِّ، وقُدرَتِهِ، وبِعضًا مِن صِفاتِه. ونَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني مِن رسالةِ رومية أنَّهم يَعرفونَ الصَّوابَ مِنَ الخطأِ، ولكِنَّ المُجتمعَ يُدَمِّرُ ذلك.
فهو يُدَمِّرُ ذلكَ مِنْ خِلالِ تَعليمِهم عنْ نظريَّةِ النُّشوء إلى أنْ يَجدوا أنفُسَهُم لا يُؤمنونَ بأنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ شيء. وَهُمْ يَجدونَ أيضًا (بسببِ فَسادِ النِّظامِ الأخلاقيِّ الَّذي تَشَرَّبوه) أنَّهم لم يَعودوا يُمَيِّزونَ بينَ الصَّوابِ والخطأ لأنَّ النِّسبيَّةَ حَلَّتْ مَحَلَّ ذلك. فلم تَعُد هناكَ قِيَمٌ مُطلَقة. والضَّميرُ صارَ عَاجِزًا. فكُلُّ ما يَستطيعُ الضَّميرُ أن يَفعلَهُ هو أن يَتجاوبَ معَ النِّظامِ الأخلاقيِّ. ولكِنْ إن كانَ النِّظامُ الأخلاقيُّ مُعْوَجًّا، فإنَّ الضَّميرَ سيتلقَّى مُعْطياتٍ مَغلوطَة.
لِذا، ما الَّذي يَجري في ثقافَتِنا اليوم؟ شَيئان: فهناكَ جُهْدٌ هائلٌ يُبذَل لإقناعِ الأطفالِ والشَّبابِ بنظامٍ أخلاقيٍّ غير مَسيحيّ. وهذا يَجري على نِطاقٍ واسعٍ جدًّا. تَخَلَّصوا مِنَ اللهِ. فلا يوجد خالِق. ولا يوجد إلَه. ولا توجد شريعة أخلاقيَّة. وكُلُّ ما تُريدونَهُ هُوَ لَكُم. وكُلُّ شيءٍ يَتوقَّفُ على نَمَطِ الحياةِ الَّذي تَختارُهُ لنفسِك. وقد قلتُ لكم عندما تَحَدَّثنا عن ذلكَ في أثناءِ دراستنِا للرِّسالة الثَّانية إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاح الأوَّل أنَّ مَحَطَّةَ "إم.تي.في" (MTV) لديها مُسلسَل مُدَّتُهُ ساعتان يُعْرَضُ على مَحطَّة "بي.بي.إس" (PBS) حيثُ شاهدتُهُ وحَصلتُ على المادَّة. وقد كانَ ذلكَ المُسلسل يتحدَّثُ عنِ الخطايا السَّبع المُميتة. وقد أَجْرَوْا مُقابلاتٍ معَ الجيلِ المُعاصِرِ مِنْ مُغَنِّي الرُّوك على المَحطَّةِ الموسيقيَّة "إم.تي.في" (MTV) وسألوهم عنِ الخطايا السَّبع المُميتة. وقد أنكروها كُلَّها تقريبًا. فقد قَلبوا كُلَّ شيءٍ رأسًا على عَقِب.
والحقيقةُ هي أنَّهُم سَألوا أحدَ مُغَنِّي الرُّوك إنْ كانَ يَعتقد أنَّ الشَّهوة خطيَّة فقال: "الشَّهوة خطيَّة! هل تَمزَح؟ هذا هو الشَّيءُ الَّذي دَفَعَني إلى العَمَلِ في هذا المَجال...كي أشْتَهي الفتياتِ الجميلات". وقد سألوا مَجموعةً مِن مُغَنِّي الرُّوك إنْ كانوا يَعتقدونَ أنَّ الكبرياءَ خطيَّة (وهي خطيئة أخرى مُميتة ذَكَرها رُهْبانُ العصورِ الوُسطى) فأجابوا: "الكبرياء خطيَّة؟ إنَّ مُشكلةَ مُجتمعِنا هي أنَّنا لا نَمْلِكُ كِبرياء كافية". لقد باتَ كُلُّ شيءٍ مُحَرَّفًا، وباتَ كُلُّ شيءٍ مُشَوَّهًا. وقد سألوا مُغَنِّيًا آخر: "هلِ الجَشَع خطيَّة؟" فأجاب: "الجشعُ خطيَّة؟ هذا هو ما يَجعَلُنا أثرياء". فقد باتَ كُلُّ شيءٍ مُحَرَّفًا.
إذًا، ما يُريدُ المُجتمعُ أن يَفعلَهُ هو أن يُوْجِدَ نِظامًا فاسدًا وشيطانيًّا مِنَ القِيَم في المقامِ الأوَّل لكي يَعُلِّموا أبناءَنا أنَّ ما يُحَدِّثُهُمْ بِهِ قَلبُهُم خاطئ. والشَّيءُ الثَّاني الَّذي يُريدُ المُجتمعُ أن يَفعلَهُ هو أن يُخَدِّرَ الضَّمير. وكيفَ يَفعلُ ذلك؟ بأن يقولَ لكَ إنَّهُ لا يَنبغي لكَ أن تَستَمِعَ إلى صوتِ ضَميرِكَ. والحقيقة هي أنَّ المُجتمعَ يَقول: "لا يجوزُ أن تَشعُرَ بالذَّنْب. ولا يَجوزَ أن تَشعُرَ بالعار. فأنتَ لم تَفعل أيَّ شيءٍ خاطئ. فما حَدَثَ حقًّا هو أنَّهُ تَمَّتْ إساءةُ مُعامَلَتِك. فقد أَساءَتْ أُمُّكَ إليكَ. وقد أَساءَ أبوكَ إليكَ. وأنتَ ضَحِيَّة وَحَسْب. فأنتَ لستَ المُلام. ولا يجب أن تَشعُرَ بالذَّنب. ولا يجب أن تَشعُرَ بالمسؤوليَّة. فالمُجتَمَعُ هُوَ المُلامُ على ذلك". وَهُمْ يُعْفُونَ المَرءَ مِنَ الحاجةِ إلى الاستماعِ إلى صوتِ ضَميرِه. لِذا فإنَّكَ تَقتُلُ (إنْ جازَ القولُ) وَظيفةَ الضَّمير، وتُعيدُ صِياغةَ القِيَمِ الأخلاقيَّة فتحصُلُ على كارِثَة مُحتَمَلة. وهذهِ هي نوعيَّةُ الشَّبابِ الَّذينَ نَراهُم في جيلِنا.
والآن، يجب عليكم أن تَعودوا إلى البداية المذكورة هُنا في أمثال 6. ويجب أن تُعَلِّموهم وصايا كلمةِ اللهِ. فيجب عليكم أن تَربطوها دائمًا على قُلوبِهم الصَّغيرة، وأن تَضَعوها حولَ أعناقِهم. وهذا يعني أنْ تُرَسِّخوها لديهم حَتَّى لا يَعود بمقدورهم التَّمَلُّصَ منها. وحينئذٍ، عندما يَسلُكونَ فإنَّها ستَعملُ في أذهانِهم الصَّغيرة. وعندما يَنامونَ فإنَّ تلكَ الحقائقِ سَتَحْرُسُهُمْ حَتَّى في أثناءِ نَومِهم لأنَّها مَغروسة بِعُمق فيهم. وحينَ يَنهضونَ مِنَ النَّومِ ستكونُ هذه الحقائقُ أوَّلَ شيءٍ يَفْتَكِرُ فيهِ ضَميرُهم. فيجب على ذلكَ الطِّفلِ الصَّغير أن يَذهبَ إلى المَطْبَخِ وَهُوَ يَسمَعُ ضَميرَهُ يقولُ لَهُ في الصَّباحِ إنَّهُ أيًّا كانَ الشَّيءُ الَّذي ستَقولُهُ لَهُ أُمُّه فإنَّهُ سيُطيعُها حالاً، وأيًّا كانَ الشَّيءُ الَّذي سيَقولُهُ لَهُ أبوهُ فإنَّهُ سيُطيعُهُ حالاً لأنَّ الطَّاعةَ صارت جُزءًا مِنْ نَسيجِ حَياتِه.
والآن، لننتقِل إلى الأصحاح العاشِر. فهذا يَصيرُ سِراجًا ونُورًا لحياتِهم. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ العاشرِ مِنْ سِفْرِ الأمثال والعدد 13... ونحنُ نَتَعَمَّقُ قليلاً في هذه العمليَّة...فنحنُ نَقرأُ في العدد 13 مِنَ الأصحاح العاشر: "وَالْعَصَا لِظَهْرِ النَّاقِصِ الْفَهْمِ". فالأمرُ بَسيطٌ جدًّا يا أحبَّائي. كيفَ نَجعلُ هذا الصَّبيَّ الصَّغيرَ مُطيعًا أو هذه الفتاةَ الصَّغيرة مُطيعةً؟ بالمُختَصَرِ المُفيد: يجب عليكَ أنْ تَضْرِبَهُم بشيءٍ مَا. وَهُوَ يُسَمِّيهِ هُنا: العَصَا. وقد تقول: "هل أنتَ مُتأكِّدٌ مِنَ المَعنى المقصود؟" ما النَّفْعُ إنِ اكتفيتَ بالقول: "انظر هذه العَصا! هَلْ أَطَعْتَ مِنْ فَضلِك؟" فإنْ لم تَستخدِمِ العَصا يومًا، لا أظُنُّ أنَّهم سيَفهمونَ الفِكرة مِنَ العَصا. ولكنَّكَ مُطالَبٌ بصورة أساسيَّة باستخدامِ العِقاب. فهذا هو ما تَقولُهُ الآية. فالعَصا هي لِظَهْرِ النَّاقِصِ الْفَهْم. وأليسَ مِنَ المُدهشِ أنَّ الرَّبَّ يُخبِرُنا أينَ نَضرِبُهُم؟ لا في الجُزءِ الأماميِّ، ولا في الجُزءِ العُلويِّ، بل على المؤخِّرَة...في المَكانِ المُعَدِّ للضَّرْب.
والحقيقةُ هي أنِّي أعتقد...أنا أعتقد حقًّا أنَّ حَجْمَ المؤخِّرَة أكبر مِنَ اللَّازِم! وأنا أَعلمُ أنَّ هناكَ مَن يُوافِقُني الرَّأي. وجُزءٌ مِنها مُعَدٌّ للضَّرْبِ في أثناءِ عمليَّةِ التَّأديب. فاللهُ يَعلم. والآية أمثال 13: 24 تَتَعَمَّقُ في هذه النُّقطة إذْ إنَّنا نَقرأُ في سِفْر الأمثال 13: 24: "مَنْ يَمْنَعُ عَصَاهُ [يَفْعَلُ ماذا؟] يَمْقُتِ ابْنَهُ". وأنا لا أعرفُ طريقةً أقوى مِن هذه لِقَوْلِ ذلك. فإن كُنتَ تُحِبُّ طِفلكَ، اضْرِبْهُ على المؤخِّرَةِ بعَصا. فإنْ لم تَفعل، فإنَّكَ تُبْغِضُ ابنَكَ. لماذا؟ لأنَّكَ تَتْرُكُ ذلكَ الطِّفلَ يَنمو على أنماطٍ حَياتيَّةٍ خاطئة. فهل هذا هو ما تُريدُهُ لابنِك؟ "وَمَنْ أَحَبَّهُ يَطْلُبُ لَهُ التَّأدِيبَ". واظِب على تأديبِه. واظِب على تأديبِه.
وقد تقول: "أوه! ولكِنْ لا يُمكِنُكَ أن تَضرِبَ أولادَكَ. هل أنتَ مُتيقِّنٌ مِن أنَّ اللهَ يُريدُ مِنَّا أن نَفعلَ ذلك؛ أيْ أن نَضرِبَهُم؟" أجل، أنا مُتيقِّنٌ. فهذا هو ما تَقولُهُ الآية. ولنتعمَّق أكثر قليلاً: الأصحاح 19 والعدد 18: "أَدِّبِ ابْنَكَ مَا دامَ في ذلكَ رَجَاءً". وما مَعنى ذلك؟ أنَّكَ قد تَنتَظِرُ أكثرَ مِنَ اللَّازم. وقد لا تكونُ مُواظِبًا على تأديبِكَ لَهُ. "أَدِّبِ ابْنَكَ مَا دامَ في ذلكَ رَجَاء، وَلكِنْ عَلَى إِمَاتَتِهِ لاَ تَحْمِلْ نَفْسَكَ". والمَعنى الحَرفيُّ هو: "لا تَفعل شيئًا يَتَسَبَّبُ في قَتلِه". فإنْ لم تَكُنْ تُؤدِّبُ ابنَكَ، رُبَّما تَكونُ بذلكَ تَقرأُ قَرارَ إعدامِه بنفسِكَ لأنَّ السُّلوكَ المُعادي للمُجتمع وغير المُنضبِط يُمكن أن يؤدِّي سريعًا إلى الموت. ونحنُ نَرى ذلكَ في مُجتمعِنا. أليسَ كذلك؟ الموتُ بسببِ السُّكرِ، أوِ الموتُ بسببِ المُخَدِّراتِ، أوِ الموتُ بسببِ سُلوكٍ إجرامِيٍّ، أوِ الموتُ بسببِ مَرَضٍ جِنسيٍّ مُعْدٍ. فهذا يَحْدُثُ في كُلِّ مَكان. فالأطفالُ يموتون، والشَّبابُ يَموتون، والمُراهقونَ يَموتون. فهناكَ شخصٌ لم يَكُن يَعرِفُ الحَقَّ الإلهيَّ. وهناكَ شخصٌ لم يُؤدِّبهم التَّأديبَ المَطلوبَ عندما كانَ هُناكَ رَجاء. وبهذا فقد تَسَبَّبوا في موتِهِم لأنَّ هذه هي عاقِبَةُ الأشخاصِ غيرِ المسؤولينَ، والخُطاةِ، والأشرار الَّذينَ لم يَتعلَّموا يومًا ضَبْطَ النَّفس.
والأصحاحُ الثَّاني والعِشرونَ يُخبرنا المزيد. الأصحاح 22 والعدد 15. وهذا العَدَد يُلَخِّص ما قُلناه: "اَلْجَهَالَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِقَلْبِ الْوَلَدِ. عَصَا التَّأدِيبِ تُبْعِدُهَا عَنْهُ". وفي نَظري، هذه الآية رائعة جدًّا. والآن، إنِ انتقينا خمسةَ عَشَرَ طبيبًا نفسيًّا عِلمانيًّا مِن أيِّ جامعاتٍ تُريدون، ودَعَوْناهُم إلى هُنا وقُلنا لهم: "نُريدُ أن نُنشِئَ مُواطِنًا مَسؤولاً، وذا أخلاقٍ رفيعة يُسْهِمُ إسهامًا إيجابيًّا في العالَم، ويُمكنُ أن يُغَيِّرَ نَوعيَّةَ الحياةِ إلى حَدٍّ ما، ويُمكنُ أن يكونَ شخصًا نَبيلاً يَتَحَلَّى بِقِيَمٍ أخلاقيَّة عالية. ماذا تَقترحونَ أن نَفعل؟"
أعتقد أنَّهم سيدرُسونَ الأمرَ بِضعةَ أشهُر، ويُفَصِّلونَها مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِ عِلْمِ النَّفسِ، ويتحدَّثونَ عن كُلِّ تلكَ الأمورِ الَّتي يتحدَّثُ عنها عُلماءُ النَّفس. ولِعِلمِكُم، قد يَشعُرُ الآباءُ والأُمَّهاتُ أنَّهُم مَشلولونَ أمامَ هذا التَّحَدِّي أيضًا. وما أعنيه هو أنَّ الآباءَ والأُمَّهاتِ المؤمنينَ قد يَشعروا أنَّهم عاجِزونَ بخصوصِ كُلِّ الأشياءِ الَّتي ينبغي أن يَفعلوها لتحقيقِ هذه النَّتيجة. وهل يُمكنني أن أقولَ لكم إنَّ الأمرَ ليسَ صعبًا جدًّا؟ فما هُوَ مَذكورٌ هُنا مُباشِرٌ جدًّا. فأنتَ لديكَ ابنٌ فاسِدٌ وأحمق. وإن أردتَ أنْ تُخَلِّصَهُ مِن حماقَتِهِ، أَدِّبْهُ. فهذا هو كُلُّ ما في الأمر.
والآن، إنْ وَقفتَ في وَسْطِ مَجموعةٍ مِن عُلماءِ النَّفسِ العُظماءِ المُتخصِّصينَ في سُلوكِ الطِّفلِ وقُلتَ هذا الكلامَ، سيَطردونَكَ خارجًا، ثُمَّ يُقاضونَكَ بسببِ إساءَتِكَ للطُّفولة. ولكِنَّ هذا هو ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ: "اَلْجَهَالَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِقَلْبِ الْوَلَدِ". فهي جُزءٌ مِن طبيعَتِهِ الفاسِدة. وطريقةُ التَّخلُّصِ مِنها...أليسَ مِنَ الرَّائعِ أنَّ اللهَ جَعَلَ الحَلَّ بَسيطا جدًّا؟ أَدِّبْهم إلى أنْ يقولوا في النِّهاية: "لا أعتقدُ أنِّي سأفعلُ ذلكَ مَرَّةً أخرى لأنِّي حينَ أفعلُ ذلكَ أتألَّم". وقد تَطَلَّبَ الأمرُ مِنِّي وقتًا طويلاً كي أَفهمَ ذلكَ في مَرحلةِ الصِّبا، ولكنِّي فَهمتُ أخيرًا أنَّ الألمَ ليسَ شيئًا مُمتِعًا. وكانت أُمِّي تقولُ لي إنَّها كانت تَشعُرُ بالذَّنبِ لأنَّها كانت تُعاقِبُني كثيرًا وتَضرِبُني بقوَّة. اسمعوني: لا يَسَعُني إلَّا أن أَشكُرَ أُمِّي على ذلك. فلو لم تَفعل ذلك، مَن يَدري نَوع المُجرمينَ الَّذينَ كُنتُ سأنتَمي إليهم؟
وقد تَقول: "ولكِن...ولكِن...ولكِنَّكَ قد تؤذي ابنَك. فقد تَجْرَحْهُ، أو تَترُك بعضَ النُّدوبِ العاطفيَّة على ابنِك". اسمعوني: إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّ ابنكَ جاهِلٌ. فهذا شيءٌ موجودٌ في أعماقِ قلبه. وأليسَ مِنَ الرَّائعِ أنَّكَ لستَ مُضطرًّا إلى مُمارسةِ بعضِ التَّدريباتِ النَّفسيَّة على ابنِكَ طَوالَ أربعَ عَشْرَةَ سنة لتخليصِهِ مِنَ الجَهالة؟ فكُلُّ ما ينبغي لكَ أن تَفعلَهُ هو أنْ تُؤدِّبَهُ بالعَصا. وما أعنيه هو أنَّكَ لستَ بحاجة إلى الدِّراسةِ في الجامعة كي تَفعلَ ذلك. وقد تقول: "ولكِنَّ ذلكَ قد يُؤذيه". انظروا إلى الأصحاح 23. وهذه الآية هي لجميعِ الآباءِ والأُمَّهاتِ الَّذينَ يَشعرونَ بالخوف. العدد 13: "لاَ تَمْنَعِ التَّأدِيبَ عَنِ الْوَلَد". لا تَمْنَعْهُ عنهُ. وما أعنيهِ هو أنَّ الكلامَ مُباشِرٌ جدًّا هُنا. "لأَنَّكَ إِنْ ضَرَبْتَهُ بِعَصًا لاَ يَمُوتُ". فتأديبُهُ بالعَصا لن يُميتَهُ، بل إنَّهُ سَينجو.
لأنَّ هذا هو رَدُّ الفِعْلِ الشَّائع: "أنا لا أريدُ أن أُؤذيه. فإنْ آذيتُهُ، أخشَى أنْ يَتوقَّفَ عن حُبِّهِ لي". ونحنُ نَسمعُ كلامًا كهذا طَوالَ الوقت. "أنا لا أَجرؤُ على القيامَ بذلك. فهو لن يُحِبَّني". ولكنَّهُ سيُحِبُّك لأنَّكَ ستُريهِ طَريقَ البِرّ. لِذا، لا تتردَّد، بل أَدِّبْهُ بالعَصا "لأَنَّكَ إِنْ ضَرَبْتَهُ بِعَصًا لاَ يَمُوتُ". وأنا أُحِبُّ هذه الكلمات. فهي تَدُلُّ على أنَّ كاتِبَ سِفْرِ الأمثال كانَ يَمْتَلِكُ حِسًّا فُكاهيًّا. فأنتَ لن تَقْتُلْهُ. فهو يُخبرُكَ بما ينبغي أن تَفعلهُ. فسوفَ تَضْرِبُ ابنَكَ بالعصا وتُنْقِذْ نَفسَهُ مِنَ الهاوية. وما مَدى أهميَّة تأديبِ أبنائكَ بالعصا؟ هل يُمكِنُكَ أن تقولَ إنَّهُ أمرٌ مُهِمٌّ جدًّا؟ أعتقد أنَّهُ الأمرُ الأكثر أهميَّة. وأعتقد أنَّ هذه هي النُّقطة الأساسيَّة هُنا. ويا لَهُ مِنْ وَعْد! فكما تَعلمون، نحنُ نَبحثُ دائمًا عن وُعودٍ في الكتابِ المقدَّسِ تَتَّسِمُ بأنَّها عَمليَّة. وهذا وَعْدٌ عَمليٌّ. وما أعنيه هو: لا حاجةَ إلى أن تَخرُجوا خارجًا وتُفَّكِّروا في المَعنى الَّذي قَصَدْتُهُ مِنْ كَلامي. أليسَ كذلك؟
ما الَّذي نَقولُهُ هُنا؟ نحنُ نَقولُ إنَّهُ يجب علينا أن نُعَلِّمَ أبناءَنا الطَّاعة لأنَّ طَبيعَتَهُم الفاسِدَةَ تُقاوِم ذلك. حسنًا! افتحوا على الأصحاح 29. وسوفَ نُنْهي حَديثَنا بهذه الآية. فالعدد 15 يَسْمَحُ لَكَ بالتحدُّث إليهم قليلاً في أثناءِ تأديبِهم بالعَصا. فالآيةُ تَقول: "اَلْعَصَا وَالتَّوْبِيخُ يُعْطِيَانِ حِكْمَةً". وبصراحة، لقد كانَ أبنائي يُفَضِّلونَ التَّأديبَ بالعَصا على التَّوبيخ. فالأمرُ يكونُ صَعبًا حينَ يكونُ أبوكَ واعِظًا وينبغي لكَ أنْ تَسمعَ عِظَةً طَويلةً مِنهُ. "اضْرِبْني وَحَسْب واصْرِفْني مِن هُنا". ولكِنْ يَجوزُ لكَ أنْ تُوَبِّخَهُم. العَصا والتَّوبيخ. فيجب أن تُبَيِّنَ لهم سَببَ ضَربِكَ لهم، وأنْ تَشرَحَ لهم ما يَجري، وأنْ تُقَدِّمَ لهم بعضَ الحِكمة. ولكن اسمعوا: "وَالصَّبِيُّ الْمُطْلَقُ إِلَى هَوَاهُ يُخْجِلُ أُمَّهُ". فلا يُمكِنُكَ أنْ تَسمحَ لابنِكَ أن يَفعلَ ما يَحلو لَهُ. ونَقرأُ في العدد 17: "أَدِّبِ ابْنَكَ فَيُرِيحَكَ وَيُعْطِيَ نَفْسَكَ لَذَّاتٍ".
وما أَوْضَحَ ذلك! التَّأديبُ، والتَّقويمُ، والعَصا. فالمِفتاحُ هو أن يَتعلَّمَ الأبناءُ أن يُطيعوا مِن خلالِ اختبارِ الألمِ النَّاجِمِ عن عِصيانِهم. فيجب عليهم أن يَتعلَّموا أنْ يُكرِموا ويَحترموا آباءَهُم وأُمَّهاتِهم، وأن يُعاقَبوا لا فقط على العِصيانِ، بل أيضًا على عَدَمِ احترامِهم وعدمِ إكرامِهم لهم. فهناكَ عواقِبُ للعِصيان. والسَّببُ في قِيامِنا بذلكَ هو أنَّهُ يجب علينا أن نُرشِدَ أبناءَنا. ويجب علينا أنْ نُدَرِّبَهُم على البِرّ. وكيفَ نَفعلُ ذلك؟ حسنًا، سوفَ نتحدَّثُ عن ذلكَ بشيءٍ مِنَ التَّفصيل في المَرَّة القادمة.
فسوفَ نَتحدَّثُ عن مَعنى العِبارة "في الرَّبِّ"؛ أيْ في رُوحِ إرضاءِ المَسيح. وسوفَ أتحدَّثُ أيضًا عن كيفَ تُقَدِّمُ الإنجيلَ لأبنائِك. فعندما تَرغبُ في تَقديمِ الإنجيلِ لأبنائِكَ الصِّغار، كيفَ تَفعلُ ذلك؟ فهل تقول: "إنَّ اللهَ يُحِبُّكَ ولديهِ خُطَّة رائعة لحياتِك؟" أَمْ تُقَدِّم لهم عِظَةً عن جَهَنَّم؟ وهل تُخيفُهُم باستخدامِ الحقائقِ المُختصَّةِ بجهنَّم، أَم أنَّكَ تَجتذبهم مِن خلالِ الحديثِ عن بَرَكاتِ السَّماء؟ دَعونا نُصَلِّي معًا:
يا رَبّ، لقد أعطيتَنا كلمة واضحة جدًّا عن هذا الموضوع. ويا رَبُّ، ساعِدنا على أن نتمكَّنَ مِن غَرْسِ الأشجارِ الَّتي ستُعطي ظِلًّا لجيلِ المُستقبَل الغَالي على قُلوبِنا. وأنا أشكُرُكَ على هذه العائلاتِ الرَّائعةِ في كنيسَتِنا الَّتي فَعَلَتْ ذلك، والتي قامت بتربيةِ جيلٍ تَقِيٍّ. وأشكُرُكَ على الفَرَحِ الَّذي يَملأُ قَلبي مِن خلالِ وُجودي في هذه الكنيسة وقتًا طويلاً مَكَّنَني مِن رؤيةِ الجيلِ الثّالث. فما أروعَ ذلك! ما أروعَ أنْ تُرَبِّي عائلاتٌ كثيرة أبناءَها وأنْ يَتَرَبَّوْا على تأديبِ الرَّبِّ وإنذارِه.
وما أروعَ أن أرى أبناءً يَتعلَّمونَ آياتِ الكتابِ المقدَّس...أبناءً يُحِبُّونَ الكتابَ المقدَّسَ...أبناءً يُحِبُّونَ يسوعَ...أبناءً يُحِبُّون أُمَّهُم وأباهُم وجَدَّتَهُم وجَدَّهُم...أبناءً يُحِبُّونَ بعضُهم بعضًا...أبناءً يَرغبونَ في أن يَخدموكَ، وفي أن يُكرِموكَ، وفي أن يُطيعوكَ كما يُطيعونَ آباءَهُم وأُمَّهاتِهم. يا رَبُّ، ما أروعَ ذلك! ويا لأهميَّةِ ذلك وضَرورةِ ذلك!
ساعِدنا على أن نكونَ آباءَ وأُمَّهاتٍ أُمناء في عمليَّةِ التَّأديبِ، وأن نُدركَ أيضًا أنَّ طاعَتَنا نحنُ هي قُدوة لهم كي يَتعلَّموا الطَّاعة. واحترامُنا بعضُنا لبعض (بِصِفَتِنا آباءً وأُمَّهاتٍ) تُريهم كيفَ ينبغي لهم أن يَحترمونا. فعندما أَحترِمُ زوجَتي وتُبادِلُني هي الاحترام، فإنَّهم يَفهَمونَ مَعنى الاحترام. وعندما نُطيعُكَ، سوفَ يَفهمونَ مَعنى الطَّاعة.
ويا رَبُّ، اجعلنا أُمناءَ في هذه النَّاحيةِ كي تَتَمَجَّد في حياتِنا وفي عائلاتِنا، وكي نُعِدَّ جيلاً آخر مِنَ الأبناءِ الأتقياءِ الشُّهودِ إنْ تَأنَّى يسوعُ في مَجيئِهِ إلى جيلٍ آخر. أعْطِنا عائلاتٍ، يا رَبّ، بحسبِ مَشيئَتِك. ويا ليتَنا لا نَغْرَقُ في هذه الثَّقافةِ وَلا نَفشَلُ في تَوفيرِ الظِّلِّ لأبناءِ الجيلِ القادِم. ونحنُ نُكَرِّسُ أنفُسَنا مِن جديد كآباءٍ وأُمَّهاتٍ، وأجدادٍ وجَدَّاتٍ، وكنيسة. ويا ليتَنا جميعُنا نَخدِمُ بهذه الطَّريقة لأجْلِ مَجْدِكَ. باسْمِ المسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
