Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في رسالة أفسُس والأصحاحِ الخامِس والآيات مِن 1 إلى 7، نَجِدُ واحدًا مِن المَقاطِعِ الرَّائعةِ والمُفيدةِ في كُلِّ رسالة أفسُس. وهو مَقطَعٌ يُعَلِّمُ عن صَميمِ الحياةِ المسيحيَّةِ؛ وتَحديدًا عنِ المحبَّة. وسوفَ تُلاحِظونَ في العددِ الثَّاني العِبارةَ القصيرةَ: "اسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّة". فلا يوجد عِبارة تُضاهِي هذهِ العِبارَةَ جَمَالاً، ولا يوجد تَعريفٌ أكثر مُباشَرَةً مِن هذا التَّعريفِ بخصوصِ حَياتِنا (نحنُ المُؤمِنينَ) مِن جِهَةِ السُّلوك. وأَوَدُّ أن أَقرأَ هذهِ الآياتِ السَّبع على مَسامِعِكُم حَتَّى تَرَوْا السِّياقَ كُلَّهُ، ثُمَّ إنَّنا سنتأمَّلُ في العَدَدَيْنِ الأوَّل والثَّاني في هذا الصَّباح: "فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ، وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً.

"وَأَمَّا الزِّنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ أَوْ طَمَعٍ فَلاَ يُسَمَّ بَيْنَكُمْ كَمَا يَلِيقُ بِقِدِّيسِينَ، وَلاَ الْقَبَاحَةُ، وَلاَ كَلاَمُ السَّفَاهَةِ، وَالْهَزْلُ الَّتِي لاَ تَلِيقُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ الشُّكْرُ. فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ هذَا أَنَّ كُلَّ زَانٍ أَوْ نَجِسٍ أَوْ طَمَّاعٍ­ الَّذِي هُوَ عَابِدٌ لِلأَوْثَانِ­ لَيْسَ لَهُ مِيرَاثٌ فِي مَلَكُوتِ الْمَسِيحِ وَاللهِ. لاَ يَغُرَّكُمْ أَحَدٌ بِكَلاَمٍ بَاطِل، لأَنَّهُ بِسَبَبِ هذِهِ الأُمُورِ يَأْتِي غَضَبُ اللهِ عَلَى أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ. فَلاَ تَكُونُوا شُرَكَاءَهُمْ". والآن، مِنَ الواضحِ أنَّ هذا المَقطعَ عَمليٌّ. وعلى سَبيلِ المُراجَعَةِ المُوجَزَة، اسمَحوا لي أن أقولَ ما يَلي: أنا أُوْمِنُ بأنَّ اللهَ يُعَلِّمُنا حَقًّا نفسَ الدَّرسِ مَرَّةً تِلو الأخرى. لِذا فإنَّ الفَضلَ في ذلكَ لا يَعودُ لي أنا، بل إنَّنا نَقرأُ ذلكَ في كُلِّ مَكان.

وأعتقدُ أنَّهُ في الشَّهرِ الماضي تَقريبًا، سَمَحَ اللهُ لكُلِّ كنيسةِ غريس (Grace Church) أن تُرَكِّزَ على حَقٍّ عَظيمٍ وهو أنَّهُ ما لم تُظهِر حَياتُنا الحاليَّةُ صِفةَ البِرِّ، هُناكَ احتِمالٌ حَقيقيٌّ في أنَّنا لم نَخلُص أصلاً. فإن كُنتُم مَعَنا خِلالَ الأسابيعِ القليلةِ الماضية، لا بُدَّ أنَّكُم تَعلَمونَ أنَّنا تَحدَّثنا عن ذلك. فهذا الأمرُ مَوجودٌ في صَميمِ هذا النَّصِّ أيضًا. فإن كُنتَ شخصًا زانِيًا أو نَجِسًا أو جَشِعًا فإنَّكَ لم تَرِث مَلكوتَ اللهِ والمسيح. وأعتقدُ أنَّ الرَّبَّ يَقولُ شيئًا لنا. وأنا قَلِقُ حَقًّا بشأنِ ذلكَ لأنَّ كَنيسةً بِحَجمِ كَنيستِنا قد تُخفي أشخاصًا لا يَتمتَّعونَ بعَلاقةٍ حَيَّةٍ حَقيقيَّةٍ بالله.

فقد يكونُ هؤلاءِ أشخاصًا مُتديِّنينَ، أو أشخاصًا سَطحيِّينَ، أو رُبَّما أشخاصًا اتَّخذوا قَرارًا وتَقَدَّموا إلى الأمام وصَلُّوا صَلاةٌ؛ ولكنَّهُم لا يُظهِرونَ حَاليًّا دَليلاً حَيًّا يُؤكِّدُ خَلاصَهم الحَقيقيّ. ويبدو لي أنَّهُ بِغَضِّ النَّظرِ عنِ النَّصِّ الَّذي نَدرُسُه، يبدو أنَّ هذهِ الفِكرة تأتي في صَميمِ النَّصّ. وفي العَددِ السَّادسِ مَرَّةً أخرى، هُناكَ أشخاصٌ يُريدونَ أن يُخادِعوا. فهُناكَ أشخاصٌ يُريدونَ أن يُخادِعوا مِن خِلالِ التَّظاهُرِ بنوعٍ زائفٍ مِنَ المحبَّة. والمَحبَّةُ الزَّائفةُ الَّتي يُظهِرُها أهلُ العالَمِ تَنطَوي على الدَّعارة، والزِّنى، والشَّهوة، والنَّجاسة، وكُلِّ تلكَ الأشياء. ولكن لا يَجوزُ أن نَقبلَ ذلكَ الشَّكلَ الزَّائف. فإن كُنَّا مُؤمِنينَ حَقيقيِّينَ، يجب ألاَّ تَتَّصِفَ حَياتُنا بالمحبَّةِ الزَّائفةِ، بل بالمحبَّةِ الحقيقيَّة.

والحقيقةُ هي أنَّكُم تَعلمونَ أنَّ هذهِ الفِكرةَ تُراوِدُني طَوالَ الوقت؛ حَتَّى في حياتي الشَّخصيَّة إذْ إنَّنا نَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الرَّابعِ أنَّ يُوحنَّا قالَ ما يَلي: "اللهُ مَحبَّة، ومَن يُحِبُّ يَعرِفُ اللهَ". وإن لم تَكُن تُحِبُّ فإنَّكَ لا تَعرِفُ اللهَ؛ بِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا تَدَّعيه. فإن لم تَكُن حَياتُكَ تَتَّصِفُ بالمحبَّة فإنَّكَ لا تَعرِفُ اللهَ. وإن لم تَكُن تُحِبُّ أخاكَ فإنَّ مَحبَّةَ اللهِ ليست فيكَ. لِذا فإنَّ الرَّسولَ بولُس يَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ الَّذي نَتَعَلَّمُه. وهو يَقولُهُ بالمَعنى التَّالي: "اسلُكوا في المَحبَّة". فإن لم تَكُن هُناكَ مَحبَّة في حَياتِك، أو إن كانت مَحبَّة زائفة على غِرارِ المَحبَّةِ الَّتي يُقَدِّمُها العالَم فإنَّكَ لستَ في المَلكوتِ؛ بِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا تَظُنُّهُ. والآن، اسمَحوا لي أن أتأمَّلَ في هذا المَقطع. انظُروا مَعي إلى العَددِ الأوَّل: "فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاء".

والآن، أريدُ أن آخُذَ تلكَ العِبارَة "مُتَمَثِّلينَ باللهِ". فالكلمةُ اليونانيَّة هي "ميميتاي" (mimetes)؛ وهي الكلمة الَّتي اشتُقَّت مِنها الكلمة "ميميك" (mimic) ومَعناها: "يُقَلِّد". قَلِّدوا اللهَ. والشَّخصُ المُقَلِّدُ هو ليسَ شخصًا يَنتقى صِفاتٍ عامَّة، بل هو شخصٌ يُقَلِّدُ صِفاتٍ مُحَدَّدَة. تَمَثَّلوا أو تَشَبَّهوا بالله. ويا أحبَّائي، اسمَحوا لي أن أقولَ ما يَلي لَكُم: يُمْكِنُنا أن نُلَخِّصَ الحياةَ المسيحيَّةَ بِمُجمَلِها في تلكَ الجُملةِ الواحدة: "كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِالله". فهذا هو كُلُّ ما في الأمر. قَلِّدوا كُلَّ شيءٍ يَختصُّ بالله. والأمرُ بِرُمَّتِه ابتدأَ بتلكَ الطَّريقة. أليسَ كذلك؟ في إنجيل مَتَّى 5: 48 عندما قالَ رَبُّنا: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ". وهذا هو بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ ما يَقولُهُ بُطرسُ في رسالة بُطرس الأولى 1: 15 و 16. ففي ذلكَ المَقطعِ الرَّائعِ، يَقولُ بُطرسُ ما يَلي: "بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ»".

فقد قالَ بُطرس: "تَمَثَّلوا بالله". وقد قالَ الرَّسولُ بولُس: "كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالْمَسِيح". فقد قالَ الرَّسولُ بولُس: "رَكِّزوا أنظارَكُم على مَجدِ الرَّبِّ واسمَحوا لرُوحِ اللهِ أن يُغَيِّرَكُم على صُورَتِه". فالغايةُ الأسمَى للحياةِ المسيحيَّةِ (حَسَبَ ما جاءَ في رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الثَّالث) هي أن نَصيرَ ذاتَ يَومٍ مِثلَهُ لأنَّنا سنَراهُ كما هُوَ. بِعبارة أخرى، إنَّ كُلَّ الحياةِ المُسيحيَّة تَتَلَخَّص في هذهِ الفِكرة: تَمَثَّلوا باللهِ وكُونوا مِثلَ الله. فإن كُنتَ تَبحثُ هُنا وهُناكَ في مُحاولةٍ لمعرفةِ ما يُريدُهُ اللهُ مِنكَ فإنَّ هذا هو ما يُريدُهُ مِنكَ. وهذا يَعني أنَّهُ كُلَّما زادَت مَعرفَتُكَ باللهِ، زَادَت مَعرِفَتُكَ بما ينبغي أن تَكون. لِذا، ما هي الغايةُ الرَّئيسيَّةُ لأيِّ مُؤمِنٍ؟ أن يَعرِفَ مَن؟ الله. لِذا، لا عَجَبَ أنَّ بولسَ قال: "لأعرِفَهُ".

فإن أردنا أن نَتَمَثَّلَ باللهِ، يجب علينا أن نَعرفَ صِفاتِ الله. وإن أردنا أن نَعرِفَ صِفاتِ اللهِ، يجب علينا أن نَدرُسَ صِفاتِ الله. لِذا، عندما نَدرُسُ الكتابَ المقدَّسَ نَرى صِفاتِ اللهِ بوضوح. وبالمُناسبة، إنَّ الكتابَ المقدَّسَ كُلَّهُ هُوَ إعلانُ الله. فهو إعلانٌ مِنَ اللهِ عن نَفسِه. ولا يَقتَصِرُ هذا المبدأُ على العهدِ الجديدِ وَحَسْب، بل إنَّ الكلماتِ "كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ" مَذكورة في التَّوراةِ؛ وتَحديدًا في سفرِ اللاَّويِّين 11: 45. فقد تَمَّ تَوضيحُ هذا المبدأ منذُ البداية. فاللهُ يقول: "أنتُم شَعبي، وأنا إلَهُكُم. والأمرُ يَبتدِئُ هَكذا: كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ" (سِفْر اللاويين 11: 45). فالأمرُ كُلُّهُ يَبتدئُ مِن هُناك. وهو يَستمرُّ هَكذا. وقد تقول: "مِنَ السَّهلِ عليكَ أن تَقولَ: ’كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ"؛ ولكِنَّ تَطبيقَ ذلكَ صَعب".

مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ صَعبٌ ولا يُمكِنُكم القيامُ بهِ بقوَّتِكُم الذَّاتيَّة. فلا يُمكِنُكَ أن تَضغَطَ على أسنانِكَ وتَستَجمِعَ كُلَّ شَجاعَتِكَ وتكونَ مِثلَ الله. وهذا هُوَ، كَما تَرَوْنَ، ما قالَهُ يَسوعُ في العِظَةِ على الجبل. وهل تَعلمونَ كيفَ تَبتَدِئونَ في التَّمَثُّلِ بالله؟ أنتَ تَبتَدِئُ مِن خلالِ إدراكِ أنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَكونَ مِثلَ الله. فأنتَ تَبتدئُ برُوحٍ مَكسورٍ وحَزين، وتَبتدئُ بالبُكاءِ على خَطاياكَ، وتَبتدئُ بالوَداعَةِ، وتَبتدئُ بالشُّعورِ الرَّهيبِ بالخطيَّةِ حَتَّى إنَّكَ تَجوعُ وتَعطَشُ إلى البِرّ. لِذا، هُناكَ مُفارَقَة بَديعة هُنا. فَمِن جِهَة، يجب عليكَ أن تَتَمَثَّلَ بالله. ومِن جِهةٍ أخرى، يجب عليكَ أن تَعلمَ أنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَكونَ مِثلَ الله. أتَرَوْن؟ وهذا هو المَغزَى. فعندما تَعلمُ أنَّهُ ينبغي لكَ أن تَتَمَثَّلَ باللهِ، وتَعلمُ أنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَكونَ مِثلَ اللهِ، ستَعلمُ حِينئذٍ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُجودِ قُوَّة أخرى تَجعلُ ذلكَ مُمكِنًا.

وهذا هو جَمالُ الأصحاحِ الثَّالثِ مِن رسالة أفسُس والعدد 17، أوْ بالحَرِيِّ العدد 16، إذْ إنَّهُ يُصَلِّي أن "يُعْطِيَنا اللهُ أَنْ نَتأيَّدَ بالقُوَّةِ بِرُوحِهِ في الإنسَانِ البَاطِن. أيْ أن أقولَ: "أنا خَاطِئٌ أثيمٌ وشِرِّيرٌ، ولا أستطيعُ أن أكونَ مِثلَ الله؛ ولكنَّ اللهَ يُوصيني بأن أكونَ مِثلَهُ. فإن لم يَكُن بمقدوري أن أكونَ مِثلَهُ ولكن يجب عليَّ أن أتمثَّلَ بِهِ، لا بُدَّ أن يَسْكُنَ شَخصٌ فِيَّ ويَقومَ بما أعجَزُ أنا عنِ القيامِ بِه". أَتَرَوْن؟ ومَن هوَ ذلكَ الشَّخص؟ إنَّهُ الرُّوحُ القُدُسُ الَّذي يُؤيِّدَنا بالقوَّةِ في الإنسانِ الباطِن. وهل تَعلمونَ مَا هي نَتيجةُ ذلك؟ نَجِدُ النَّتيجةَ في نِهايةِ العدد 19 إذْ نَقرأُ: "لِكَيْ"؛ وهي تَرجمة للكلمة اليونانيَّة "هينا" (hina)، وهي كلمة دَالَّة على القَصد. "لِكَي" [أو: "بِقَصْدِ أن"، أو: "مِن أجلِ أن] تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ".

اسمَعوني: إنَّ بولسَ يَقولُ هُنا إنَّهُ يُمكِنُكم أن تَتَمَثَّلوا باللهِ، ويُمكنكُم أن تَمتلِئوا إلى كُلِّ مِلْءِ اللهِ، ويُمكنُكم أن تَتَمَثَّلوا تَمامًا باللهِ مِن جِهَةِ صِفاتِهِ؛ ولكن لا يُمكنكم أن تَفعلوا ذلكَ بمُفردِكُم؛ بل يجب أن تَتأيَّدوا بالقُوَّة مِن رُوحِهِ في الإنسانِ الباطِن. فهو عَمَلُ الرُّوح. لِذا، هذا هو الحَلُّ لهذهِ المُفارَقة: "يا رَبّ، يا رَبّ، أنا مَكسورٌ بسببِ خَطاياي، وأنا حَزينٌ بسببِ خَطاياي. وخَطِيَّتي أمامي دائمًا" (كما قالَ داوُد). وأنا أَتَواضعُ وأجوعُ وأعطشُ إلى ما ينبغي أن أحصُلَ عليه ولكنِّي عاجِزٌ عنِ الحُصولِ عليه. وفي خِضَمِّ ذلكَ الانكسارِ فإنَّكَ تَتَّكِلُ على عَملِ المسيحِ وخِدمةِ الرُّوحِ مِن أجلِ القيامِ بما لا تَستطيعُ القيامَ بِهِ ولكنَّكَ مُطالَبٌ بالقيامِ به. هذا هو لُبُّ الأمر. أتَرَوْن؟

لِذا فإنَّهُ يَقول: "يجب عليكُم أن تَتَمَثَّلوا باللهِ؛ ولكن يجب عليكم أن تُدركوا أنَّهُ عَملُ اللهِ، لا عَمَلَكُم أنتُم". وهُنا يَكمُنُ الاتِّكالُ على رُوحِ الله. وبالمُناسبةِ يا أحبَّائي، إن كُنتَ مُؤمِنًا حَقًّا فإنَّ الرُّوح يَعمَلُ فيكَ لكي يَجعلَ ذلكَ حَقيقةً، ويَعملُ مِن أجلِ جَعلِكَ مُشابِهًا للمسيح، ويَعملُ مِن أجلِ جَعلِكَ تَتَمَثَّلُ بالله. والآن، يُمكِنُكم حَتَّى أن تأخُذوا تلكَ الفِكرةَ الصَّغيرةَ في الأصحاحِ الخامِسِ والعددِ الأوَّل وأن تُطَبِّقوها في كِلا الاتِّجاهَيْن. فابتداءً مِنَ الأصحاحِ الرَّابعِ والعددِ الأوَّل، أي في كُلِّ هذا المَقطَعِ مِن رسالةِ أفسُس؛ أيِ المَقطعِ الثَّاني الَّذي هو المَقطعُ العَمليُّ لأنَّ المَقطعَ الأوَّلَ هو مَقطعٌ يُعَلِّمُ العَقيدة. أمَّا هذا المَقطعُ بِمُجملِه فيبتدئُ بالآية: فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا".

ففِكرةُ السُّلوكِ هي الفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ في الأصحاحاتِ الثَّلاثةِ الأخيرة. فيجب عليكم أن تَسلُكوا؛ أي أن تَكونَ هذهِ هي حَياتُكُم اليوميَّة، وأن يَكونَ هَذا هُوَ نَمَطُ حَياتِكُم. فهذه هي عَقيدَتِكُم في الأصحاحاتِ الثَّلاثَةِ الأولى. هذهِ هي العقيدة. والآن، هذا هو التَّطبيق. فهذا هوَ مَقامُكُم، وهذه هي الطَّريقةُ الَّتي ينبغي أن تَعيشوها. وهذا هو ما يَفعلُهُ اللهُ، وهذا هو ما يَنبغي لَكُم أن تَفعلوهُ. اسلُكوا كما يَحِقُّ. وما الَّذي يَتَطَلَّبُهُ ذلكَ السُّلوكُ كما يَحِقُّ؟ إنَّهُ يَتطلَّبُ أمورًا كثيرة. فهو يَتطلَّبُ سُلوكًا في التَّواضُع (في الأعداد 1-3 مِنَ الأصحاحِ الرَّابع). وهو يَتطلَّبُ سُلوكًا في الوَحدة (في الأعداد 4-16 مِنَ الأصحاحِ الرَّابع). وهو يَتطلَّبُ سُلوكًا مُختلفًا (في الأصحاحِ الرَّابعِ والأعداد 17-32). سُلوكًا مُختلِفًا؛ لا مِثلَ أهلِ العالَم. انظروا إلى العدد 17. فيجب عليكم أن تَسلُكوا لا كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَم. لِذا فإنَّهُ سُلوكٌ مُتواضِع، وسُلوكٌ في الوَحدة، وسُلوكٌ مُختلِف.

والآن، في الأصحاحِ الخامِس، إنَّهُ سُلوكُ في المَحبَّة. ثُمَّ نَقرأُ في العددِ الثَّامِنِ أنَّهُ سُلوكٌ في النُّور. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 15 أنَّهُ سُلوكٌ في الحِكمَة. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 18 أنَّهُ سُلوكٌ في الرُّوح. ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاحِ السَّادسِ والعددِ العاشِرِ أنَّهُ سُلوكٌ في الجِهاد. أَتَرَوْن؟ بِعبارة أخرى، إنَّهُ يَذكُرُ [ببساطةٍ] عَناصِرَ مُختلفة مِنَ السُّلوك. ولكن في صَميمِ ذلكَ السُّلوكِ كُلِّه... وأنا أُحِبُّ ذلك... ففي صَميمِ هذا كُلِّه نَجِدُ هذهِ العِبارةَ الجَميلة: "كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ". وهذهِ العِبارَةُ تُلَخِّصُ كُلَّ شيء. حيثُ إنَّ اللهَ اتَّضَعَ ونَزَلَ إلينا في هيئةِ المسيح، يجب عليكم أن تَتواضَعوا. وحيثُ إنَّ اللهَ في ثالوثِهِ واحِدٌ، يجبُ عليكم أن تكونوا واحِدًا. وحيثُ إنَّ اللهَ مُختلفٌ عنِ الآلِهَةِ الأخرى، يجبُ عليكم أن تَنفصِلوا عن هذا العالَمِ الشرِّير وأن تكونوا مُختلِفين. وحيثُ إنَّ اللهَ مَحبَّة، يجب عليكم أن تَكونوا مُحِبِّين. وحيثُ إنَّ اللهَ نُورٌ، يجبُ عليكُم أن تَكونوا نُورًا. وحيثُ إنَّ اللهَ حَكيمٌ، يجبُ عليكُم أن تَكونوا حُكماء.

وحيثُ إنَّ اللهَ يَسيرُ ويَعملُ بموجبِ مَبادئَ خارقة للطَّبيعة ورُوحيَّة، يجب عليكم أن تَقتَدوا بِه. وحيثُ إنَّ اللهَ قد غَلَبَ الشَّيطانَ، يجب عليكم أن تَغلِبوا الشَّيطان. تَمَثَّلوا بِه. هذا هو كُلُّ ما في الأمر. هل تَوقَّفتَ يومًا للتَّفكيرِ في كُلِّ مَا هُوَ لَكَ في المسيح؟ فهذا مُذهِل! فَمِنَ المُذهِلِ أن نَعلَمَ الأشياءَ الَّتي وَهَبنا المَسيحُ إيَّاها. والأصحاحاتُ الثَّلاثةُ الأولى... اسمَحوا لي أن أُذَكِّرَكُم بها. فهي تُخبرُنا بما يَلي: نحنُ لَدينا مَوقِفٌ جَديدٌ أمامَ اللهِ، وحَياة جَديدة، وبِرٌّ جَديد، وأبٌ جَديد، ومِيراثٌ جَديد، ومُواطَنَة جَديدة، وسَيِّدٌ جَديد، وحُريَّة جَديدة، ونُصرة جَديدة، وضَمانٌ جَديد، وسَلامٌ جَديد، ووَحدة جَديدة، وشَرِكَة جَديدة، وفَرَحٌ جَديد، ورُوحٌ جَديد، وقُوَّة جَديدة، وقُدرة جَديدة، ودَعوة جَديدة، وقَصدٌ جَديد، ومَحبَّة جَديدة.

وهذه أمورٌ جَديدةٌ كثيرة. فكُلُّ هذهِ الامتيازاتِ هي لنا في المسيح. ولا يَسَعُكُم إلاَّ أن تَرَوْا أنَّ فِكرةَ المحبَّة هذهِ تَتَغَلغَلُ في كُلِّ الأصحاحاتِ الثَّلاثةِ الأولى. فهي مَوجودة في الأصحاحِ الأوَّل: فقدِ "اختارَنا فيهِ في المحبَّة". وهي مَوجودة في الأصحاحِ الثَّاني. فلماذا أَظهَرَ لنا الرَّحمة؟ "مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا". وهي مَوجودة في الأصحاحِ الثَّالث: "وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَة". فكما تَرَوْنَ، إنَّها مَوجودة في كُلِّ الرِّسالة. ومَقامُنا يَستَنِدُ إلى مَحبَّةِ الله. أَتَرَوْن؟ ولَمَّا كانَ هذا الأمرُ صَحيحًا فإنَّهُ يَقولُ في الأصحاحِ الخامِس: يجبُ عليكم أن تَسلُكوا في المحبَّة. فيجب أن تَكونَ هذهِ صِفَةً ثابتةً فيكُم. والحقيقةُ هي أنَّ هُناكَ مَواضِعَ أخرى في الكتاب المقدَّس تُخبرُنا أنَّ المحبَّة هي المِفتاحُ لكُلِّ شيء. أليسَ كذلك؟ "أَمَّا الآنَ فَيَثْبُتُ: الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ، هذِهِ الثَّلاَثَةُ وَلكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ [ماذا؟] الْمَحَبَّةُ". فالمحبَّةُ هي الأعظَم. لِذا، يجب علينا أن نَسلُكَ في المحبَّة.

والآن، أريدُ أن أُريكم أربعَ نِقاطٍ أخرى في هذهِ الآياتِ السَّبع، ثُمَّ أُريكُم تَحذيرًا في الخِتام. وسوفَ نَتحدَّثُ عن الجُزءِ المُتَبَقِّي؛ أي عن ذلكَ الجُزءِ، في الأسبوعِ القادِم بأيِّ حال. فهناكَ أربعُ نِقاطٍ: الالتِماس، والنَّمَط، والانحِراف، والعِقاب. فنحنُ نَرى هُنا: التماسًا، ونَمَطًا، وانحِرافًا، وعِقابًا؛ ثُمَّ نَرى تَحذيرًا نِهائيًّا. لِذا فإنَّ النُّقطتينِ الأوَّلى والثَّانية إيجابيَّتان، والنُّقطتانِ الثَّالثة والرَّابعة سَلبيَّتان. ولا شَكَّ في أنَّكُم رأيتُم ذلكَ عندما قَرأتُ النَّصَّ. أليسَ كذلك؟ فالعَددان 1 و 2 إيجابيَّان جدًّا. والأعداد 3-6 سَلبيَّة جدًّا. والعَددُ السابِع هو تَحذير. الالتِماسُ هو أوَّلُ نُقطة، ونَراهُ في العَددَيْن 1 و 2أ: "فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ [تَمَثَّلوا باللهِ] كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ، وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّة". تَوقَّفوا هُنا.

فهذا هوَ الالتِماس. فالالتِماسُ الَّذي يَلتَمِسُهُ مِنَّا هو أن نَعيشَ حَياةَ مَحبَّة. والآن، أنا أَعلمُ أنَّنا نَتحدَّثُ عن هذا الموضوعِ كثيرًا، وأنَّهُ مَوضوعٌ لا يُمكِنُنا أن نَتغاضَى عنهُ لأنَّهُ يُذكَرُ في الكتابِ المقدَّسِ كثيرًا. ولكن اسمَعوني يا أحبَّائي وتَذكَّروا ما يَلي: إنَّ الوعظَ أوِ التَّعليمَ في الكنيسةِ لا يَهدِفُ إلى تَوصيلِ مَعلوماتٍ إليكُم كي تَحفظوها طَوالَ حَياتِكُم وتَعيشونَ بِموجَبِها. فالأمرُ ليسَ هكذا؛ بل إنَّ سِرَّ الوعظِ والتَّعليمِ يَكْمُنُ في أن نَستمرَّ في إخبارِكُم نَفسَ الأمورِ الَّتي أخبَرناكُم بها سابقًا ونَسَيتُموها مِن جِهَةِ سُلوكِكُم. لِذا فإنَّنا لا نَعتَذِرُ البتَّة عن أيِّ شيءٍ قُلناه في وقتٍ سَابِق. فاللهُ لا يَعتَذِرُ عنهُ، ونحنُ لا نَعتَذِرُ عنه. وهل تَظُنُّونَ أنَّهُ بسببِ أنَّكُم تَسمَعونَ الكلمةَ، وتَسمعونَ الألفاظَ، وتَعرِفونَها عَقليًّا فإنَّها ليست مُوَجَّهة إليكُم؟

فإن لم تَكُن عامِلَة في حَياتِكُم، مِنَ الأفضلِ أن تُصغوا أكثر لأنَّكم تَحتَ المُساءلةِ أكثر مِمَّا كُنتُم في السَّابق. والالتِماسُ بَسيط. انظروا إلى العددِ الأوَّل الآن. فهو أمر: "كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ". فهو ليسَ اقتراحًا، بل إنَّها وَصيَّة. ولا شَكَّ في أنَّهُ ينبغي أن تَبتدئوا مِن نُقطةِ أنَّكُم خُطاة. ولا شَكَّ في أنَّهُ ينبغي أن تَبتدئوا مِن حقيقةِ أنَّكُم لا تَستطيعونَ أن تَفعلوا ذلك؛ ولكنَّ هذا لا يُغَيِّرُ الوَصيَّة. فيجب علينا أن نَصيرَ على تلكَ الصُّورةِ الَّتي نَعجَزُ عن تَحقيقِها. وهُنا يأتي دَورُ رُوحِ الله. ولكن هل لاحظتُم الفاء السَّبَبِيَّة؟ وبأيِّ اتِّجاهٍ تَقودُنا هذهِ الفاء السَّبَبِيَّة؟ إنَّها تَقودُنا إلى ما وَرَدَ ذِكرُهُ سَابِقًا. وسوفَ أُخبرُكم واحدًا مِنَ الأشياءِ الَّتي ينبغي أن تَفعلوها عندما تُعَلِّمونَ الكتابَ المقدَّسَ وهو أنَّهُ يجبُ عليكم أن تَدرُسوا الفِقْرَةَ الَّتي تَسبِقُ النَّصَّ والفِقْرَةَ الَّتي تَليه.

وإن فَعلتُم ذلك، يجب عليكم أن تَدرُسوا الفِقْرةَ الَّتي تَسبِقُ الفِقْرةَ السَّابقة، والفِقْرَةَ الَّتي تَسبِقُ الفِقْرةَ السَّابقةَ لأنَّ كُلِّ الفِقْراتِ مُرتبطة معًا. فَما القَصدُ مِنَ استخدامِ الفاءِ السَّبَبِيَّة؟ أن تُعيدَنا إلى الوراء. والآن، انظُروا ما الَّذي ستُريكُم إيَّاه إذ نَقرأُ في العدد 31: "لِيُرْفَعْ مِنْ بَيْنِكُمْ كُلُّ مَرَارَةٍ وَسَخَطٍ وَغَضَبٍ وَصِيَاحٍ وَتَجْدِيفٍ مَعَ كُلِّ خُبْثٍ". والآن، اسمَحوا لي أن أقولَ لكم شيئًا يا أحبَّائي: إنَّ هذهِ الأشياءَ مُناقِضَة للمحبَّة. فكما تَرَوْنَ، إنَّ كُلَّ هذهِ الأشياء تُشيرُ إلى حَقيقةِ أنَّهُ لا توجد مَحبَّة. فعندما تُضْمِرُ مَرارَةً تُجاهَ شخصٍ مَا، أو تُضْمِرُ ضَغينَةً، أو تَغضَبُ عليه – وهُناكَ كَلِمتانِ مُستخدمتانِ هُنا للإشارة إلى الغَضب. فسواءَ كانَ غَضَبًا خارجيًّا وظاهِرًا أو كانَ غَضَبًا داخِليًّا مَكتومًا، أو كانَ صِياحًا بأنْ تَشْتُمَ شَخصًا على المَلأ، أو كانَ هَمْسًا مِن وَراءِ ظَهرِهِ؛ أيًّا كانَ نَوعُ الخُبثِ ذاكَ فإنَّهُ مُناقِضٌ لما يَتحدَّثُ عنهُ.

مِن جِهةٍ أخرى، لا يَجوزُ أن تَكونَ هذهِ الأشياء مَوجودة؛ بل إنَّ الأشياءَ الَّتي يَنبغي أن تكونَ مَوجودة هي تلكَ المَذكورة في العدد 32 كاللُّطف ("وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ")، والشَّفَقَة، والمُسامَحة. فهذه هي سِماتُ المَحبَّة. فالمحبَّة لَطيفة. والمحبَّة رَقيقة. وفوقَ الكُلِّ: المَحبَّة ماذا؟ غَفورة. فهي غَفورة. وكما تَرَوْنَ فإنَّ عَدمَ الغُفرانِ هوَ الَّذي يُسَبِّبُ المَرارة. فعَدَمُ القُدرةِ على المُسامَحَةِ هو الَّذي يُؤدِّي إلى السَّخَطِ والغَضب. وعَدمُ القُدرةِ على الغُفرانِ هو الَّذي يَجعلُكَ تَشتُمُ الآخرينَ، وتَتحدَّثُ عَنهُم مِن وراءِ ظُهورِهم، وتُضْمِرُ ضَغينةً مِن نَحوِهم. فلأنَّكَ لا تَغفِرُ لَهُم فإنَّكَ تُضمِرُ تلكَ المَرارة وتلكَ الضَّغينة. والسَّببُ في أنَّكُم لا تَغفِرُونَ لهم، يا أحبَّائي، هو [بصراحة] أنَّكُم ماذا؟ لا تُحِبُّوهُم.

لِذا فإنَّ ما يَقولُهُ هُنا هو: اطرَحوا كُلَّ تلكَ الأشياءِ المُناقضة للمحبَّة. لا تَسمَحوا لتلكَ الصِّفاتِ أن تَظهَر. لا تَسمَحوا بوجودِ أيٍّ مِن تلكَ الصِّفاتِ الَّتي تُعَبِّرُ عنِ القلبِ غيرِ المُحِبِّ، بل اتَّصِفوا بِصفاتِ القلبِ المُحِبّ. وهو لا يَذكُرُ المحبَّةَ في العدد 32، بل يَذكُرُ اللُّطفَ والشَّفَقَة والتَّسامُح. وخَشيَةَ ألاَّ تَعرِفوا مَصدرَ تلكَ الصِّفاتِ فإنَّهُ يَستخدِمُ الفاءَ السَّببيَّةَ بِمَعنى: لكي تَكونوا لُطفاءَ، ولكي تَكونوا مُشْفِقينَ، ولكي تَكونوا مُتسامِحينَ، يجب عليكُم أن تَتَمَثَّلوا باللهِ في هذا الأمر. فيجب عليكُم أن تَسلُكوا في ماذا؟ المحبَّة لأنَّ المحبَّة لَطيفة، والمحبَّة شَفوقة، والمحبَّة غَفورة. أمَّا عَدمُ المحبَّة فيَجعلُكَ شخصًا مُرَّ النَّفسِ، وغاضِبًا، وسَاخِطًا، وصَيَّاحًا، وشِرِّيرًا، وخَبيثًا.

لِذا فإنَّ الفاءَ السَّبَبِيَّة هُنا تُعيدُكم إلى الوراء. والفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ هي الغُفران يا أحبَّائي. واسمَحوا لي أن أُرَكِّزَ على هذهِ الفكرة في هذا الصَّباح وأُرَسِّخَها في أذهانِكُم قليلاً. اسمعوني: قِيْسُوا مَحبَّتَكُم اليوم. ألاَ فَعلتُم ذلك؟ فهناكَ طَرائِق كثيرة للتحدَّثِ عن ذلك؛ ولكن لِنَنظُر إلى النَّصِّ كما هُوَ. قِيسوا مَحبَّتَكُم اليومَ مِن خِلالِ فِكرةِ الغُفران. ألاَ فَعلتُم ذلك؟ لأنِّي أُوْمِنُ حَقًّا... اسمعوني جيِّدًا: أنا أُوْمِنُ حَقًّا بأنَّ أعظمَ مِقياسٍ للمحبَّة في حَياتِكُم هو الغُفران. حسنًا؟ وما أعنيه هو أنَّ هذهِ هي الطَّريقةُ الَّتي يُظهِرُ فيها اللهُ مَحبَّتَهُ.

وكما تَرَوْنَ، يُمكِنُنا أن نَقول: "لأنَّهُ هكذا أحَبَّ اللهُ العالَمَ حَتَّى إنَّهُ خَلَقَ أزهارًا جَميلةً"، أو: "لأنَّهُ هكذا أحَبَّ اللهُ العالَمَ حَتَّى إنَّهُ خَلَقَ فَتياتٍ جَميلاتٍ وشُبَّانًا وَسيمين"، أو: "لأنَّهُ هكذا أحَبَّ اللهُ العالَمَ حَتَّى إنَّهُ خَلَقَ طَعامًا شَهيًّا"، أو: "لأنَّهُ هكذا أحَبَّ اللهُ العالَمَ حَتَّى إنَّهُ قالَ كلماتٍ رائعة"، أو "لأنَّهُ هكذا أحَبَّ اللهُ العالَمَ حَتَّى إنَّهُ خَلَقَ أشجارًا وجِبالاً". وهذا كُلُّهُ رائعٌ؛ ولكنَّ الكتابَ المقدَّسَ لا يَقولُ ذلك. فهناكَ شيءٌ نَاقِص. فهكذا أحَبَّ اللهُ العالَمَ حتَّى إنَّهُ أخذَ مَجموعةً مِنَ الخُطاةِ القَذِرينَ المُتَعَفِّنينَ الأشرارِ الَّذينَ يَكرهونَ اللهَ وماتَ على الصَّليبِ لكي يَغفِرَ خَطاياهُم، ولكي يَأتي بِهم إلى مَلكوتِهِ الأبديِّ ليَعبُدوهُ إلى الأبد". وهذا رائع! فهذا أفضل مِنَ الأشجارِ والأزهارِ والفَتياتِ الجَميلات. وهذا أفضلُ مِن أيِّ شيءٍ آخر. وكما تَرَوْنَ فإنَّ ما أُحاولُ أن أقولَهُ هو التَّالي: أفضلُ مِقياسٍ للمحبَّة هو القُدرة على الغُفران. فهذا هوَ المَعنى المَقصود.

وكما تَرَوْنَ، إليكُم ما يَقولُه: إنَّ قُدرةَ اللهِ على الغُفرانِ هي الَّتي تُخبِرُنا عن مَحبَّتِه. "وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيح". لماذا؟ بسببِ رَحمَتِهِ الكَثيرة، وبسببِ مَحبَّتِهِ الكثيرةِ الَّتي أحَبَّنا بها. فأعظمُ عَمَلٍ يُمكِنُ للمحبَّة أن تَصنَعَهُ هو أن تَغفِرَ أشنَعَ شَرٍّ. لِذا، قِيسُوا مَحبَّتَكُم، واسألوا أنفسَكُم: هل تُحِبُّون؟ فأولادُ اللهِ يُحِبُّون. أمَّا إن لم تَكونوا تُحِبُّونَ (كما جاءَ في رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الرَّابع) فإنَّكُم لستُم مِنَ الله. وقد تَقول: "كيفَ أَعلمُ أنَّني لستُ مُحِبًّا؟" اسأل نَفسكَ وَحَسْب السُّؤالَ التالي: هل تَشعُرُ بالمَرارة تُجاهَ أيِّ شخصٍ بسببِ ما فَعَلَهُ بِكَ؟ هل تَغضَبُ مِنَ الآخرين؟ هل يأكُلُكَ الغَضَبُ مِنَ الدَّاخِل؟ هل تَتكلَّمُ كَلامًا خَبيثًا عنهُم مِن وراءِ ظُهورِهم؟ هل تَشتُمُهم وتُهاجِمُهم بِشَراسَة؟

انظروا! هذه هي سِماتُ عدمِ المحبَّة. وهذه هي الحياةُ القَديمة. ويجب عليكم أن تَطرَحوا الحياةَ القديمة. أليسَ كذلك؟ فالحياةُ القديمةُ قد انتهَت. أَتَرَوْن؟ لقدِ انتهَت. انظروا إلى نِهايةِ العدد 32. فيجب علينا أن نَغفِر. إليكُم المِفتاحَ لكُلِّ هذا المَقطَع. فهو يُذكَرُ مَرَّتَيْن: الأولى في العدد 32، والثَّانية في الأصحاحِ الخامِسِ والعددِ الثَّاني. فيجب علينا أن نَغفِرَ "كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيح". وقد لَمَسَتني هذهِ الآية بقوَّة هائلة في هذا الصَّباح عندما كنتُ أَعِظُ في الخِدمةِ الأولى. فلطالَما فَكَّرتُ فيها؛ ولكنَّها لم تَتَبَلوَر تَمامًا هكذا. ولا أدري إن كنتُ أستطيعُ أن أُعَبِّرَ عن ذلكَ كما عَبَّرتُ عنهُ في العِظةِ الأولى؛ ولكن هل تَعلمونَ ماذا رأيتُ؟ أعتقد أنَّ هذهِ هي أوَّلُ مَرَّةٍ أرى فيها هذهِ الآيةَ بهذا الوضوح. فواحدٌ مِنَ الأمورِ الرَّائعةِ في الوعظِ هو أنَّكُم تَتَعَلَّمونَ فيما تُعَلِّمون. أَتَعلَمونَ ذلك؟

ولكن هل تَعلمونَ أنَّني لم أُفَكِّر يومًا في هذهِ الآية بهذه الطَّريقة؟ فبِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا قد يَفعلُهُ أيُّ شخصٍ بي... وهذا أمرٌ مُدهش... بِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا قد يَفعلُهُ أيُّ شخصٍ بي في نِطاقِ عائلةِ المؤمنينَ أو في نِطاقِ رَعيَّةِ المؤمنين، وبِغَضِّ النَّظرِ عنِ الأذى الَّذي قد يُلْحِقُهُ بي، أوِ الضَّرَرِ الَّذي قد يُسَبِّبُه لي، أوِ الافتِراءِ الَّذي قد يَفتريهِ عَليَّ، أوِ الضَّربةِ السَّاحقةِ الَّتي قد يُوَجِّهُها إليَّ، أوِ اللَّطمَةِ الَّتي قد يَلطُمُني بها، أوِ الجُرحِ الَّذي قد يَجرَحُني بِهِ، أوِ الإساءةِ الَّتي قد يُوَجِّهُها إليَّ، أوِ الشَّيءِ الَّذي قد يَفعلُهُ بي، فإنَّ المَسيحَ قد دَفَعَ أُجرةَ تلكَ الخطيَّة. هل تَفهمونَ ذلك؟ وقد تقول: "ما أَفظَعَ ما فَعلوهُ بي! سوفَ أجعَلُهُم يَدفعونَ الثَّمنَ غاليًا!" هل تُريدونَ أن تَعلموا شيئًا؟ مِنَ الأفضل أن تُفَكِّروا مَرَّتين. فالمسيحُ تَألَّمَ بسببِ ما فَعلوهُ بِك. فما الَّذي تُريدُهُ أكثر مِن ذلك؟ وهذهِ فِكرة رائعة! ما الَّذي تَطلُبُهُ مِنَ الله؟ فقد حَمَلَ يسوعُ في جَسَدِهِ خَطايانا.

فإن أخطأَ شخصٌ بِحَقِّي، وتَعَدَّى شخصٌ عَليَّ، وأساءَ شخصٌ إليَّ، وكانَت رَدَّةُ فِعلي في الجسدِ البشريِّ هي أن أغضبَ، وأصيرَ مُرَّ النَّفسِ، وساخِطًا، ونَاقِمًا، وشَاتِمًا، يجبُ عليَّ أن أتوقَّفَ وأقول: "مَهلا! أنا لا أريدُ أيَّ شيءٍ مِنهُ. ففي نِهايةِ المَطافِ، لقد حَمَلَ يَسوعُ تلكَ الخطيَّةَ في جَسَدِه على الخَشَبة". فقد سَفَكَ يسوعُ دَمَهُ عن تلكَ الخطيَّة. فما الَّذي سأطلُبُه؟ وما الَّذي أُريدُه؟ وهل يوجَد ما هو أكثر مِن ذلك؟ لِذا، في المَرَّةِ القادِمةِ الَّتي تُفَكِّرُ فيها بالانتقامِ، وفي المَرَّةِ القادمةِ الَّتي تُفَكِّرُ فيها في الثَّأرِ مِن شخصٍ آخر، وفي المَرَّةِ القادمةِ الَّتي تُفَكِّرُ فيها في قَولِ كلمةٍ نَابِيَة، أو في الشُّعورِ بالمَرارة مِن نَحوِ شخصٍ مَا، وفي المَرَّةِ القادمةِ الَّتي تُريدُ فيها أن تَشتِمَ شخصًا مَا أو أن تَتحدَّثَ عنهُ مِن وَراءِ ظَهرِه، أو أن تَنتقمَ مِنهُ، أو أن تَثأرَ مِن شخصٍ مَا، تَذَكَّر أنَّ كُلَّ خَطِيَّة اقتَرفوهَا بِحَقِّكَ، وكُلَّ شَيءٍ سَيِّءٍ فَعلوهُ بِحَقِّك فإنَّ يَسوعَ حَمَلَهُ في جَسَدِهِ على الصَّليب.

فأُجرةُ تلكَ الخطيَّة مَدفوعة. وأنتَ لستَ بحاجة إلى إضافةِ أيِّ شيءٍ إلى الألمِ والعواقبِ الَّتي جَلَبَتْها تلكَ الخطيَّة. فقد حَمَلَ المَسيحُ أُجرتَها كُلَّها على الصَّليب. فهي أمرٌ قد حُسِمَ وَحَسْب. لِذا، يجب علينا أن نَغفِر إذْ إنَّ العدد 32 يَقول: "كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيح". فهل تَعلمونَ ما الَّذي يَقولُهُ اللهُ؟ فكما تَعلمونَ، أنا وأنتُم نُسيءُ إلى اللهِ كَثيرًا. فأنا أُسيءُ إلى اللهِ كثيرًا. وكذلكَ أنتُم. واللهُ لا يَقول: "ماك آرثر، لقد احْتَملتُ الكثيرَ مِنكَ وهذهِ هي المَرَّةُ الأخيرة. خُذ هَذِهِ!" لا، بل هل تَعلمونَ ماذا يَقولُ اللهُ؟ "ماك آرثر، ماذا عَسايَ أن أفعلَ بِكَ؟ فابني حَمَلَ كُلَّ الخطايا ولم يَبْقَ هُناكَ ما أفعلُهُ. فالأمرُ مَحسومٌ". فقد سامَحَكُمُ اللهُ في المسيح. لِذا، سَامِحوا بَعضُكُم بعضًا لأجلِ المسيح. فمِقياسُ محبَّتِكَ هو نِطاقُ قُدرتِكَ على الغُفران.

وهذا حَقٌّ رائع. وقد تقول: "حسنًا، ولكن لا يُمكِنُكَ أن تَغفِرَ إلى الأبد. فذلكَ الشَّخصُ يُسيءُ إليَّ كُلَّ يوم". بَلَى، يُمكِنُكَ أن تَغفِرَ إلى الأبد. فنحنُ نَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى 2: 12: "أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، لأَنَّهُ قَدْ غُفِرَتْ لَكُمُ الْخَطَايَا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ". ونَقرأُ في رسالة كولوسي والأصحاحِ الثَّاني أنَّهُ غَفَرَ كُلَّ خَطاياكُم. وهذا رائع! ونَقرأُ في رسالة أفسُس والأصحاح الأوَّل: "الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا". وإنِ اعترفنا بخطايانا فإنَّنا سنَنالُ الغُفرانَ والتَّطهيرَ دائمًا (كما جاءَ في رسالة يوحنَّا الأولى 1: 9). فسوفَ نَتَطَهَّرُ دائمًا. واللهُ يَنظُرُ إليَّ ويقول: "أنتَ تَستمرُّ في اقترافِ الخطيَّة، ولكنِّي لا أستطيعُ أن أُعاقِبَكَ لأنَّ يَسوعَ حَمَلَ العِقابَ عنك". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ لنا: "والآن، هذه هي الطَّريقةُ الَّتي أُريدُ مِنكُم أن تَسلُكوا بها".

"أريدُ منكم أن تَسلُكوا في نَفسِ المحبَّةِ الَّتي لا تُضْمِرُ مَرارَةً، ولا تُضمِرُ حِقْدًا، ولا تُضْمِرُ أيَّ شُعورٍ سَيِّءٍ تُجاهَ أيِّ شخصٍ لأنَّكم تَعلمونَ أنَّ تلكَ الخطيَّةَ قد غَفَرَها يسوعُ المسيح. فما الَّذي تُريدُهُ أكثرَ مِن ذلك؟" وإن كانَ اللهُ المُبارَكُ والقُدُّوسُ والبارُّ يَستطيعُ أن يَغفرَ لذلكَ الشَّخص وأن يأخُذَ خَطيَّتَهُ ويَضَعُها على ابنِهِ الحَبيب، مَن أنتَ لكي تَنتَقِمَ مِن ذلكَ الشَّخص؟ فهذا هو ما يَحدُثُ في هذا الجانِبِ مِنَ الصَّليب، يا أحبَّائي. والآن، اسمَحوا لي أن أقولَ فِكرةً أخرى، وهي كالتَّالي. ويُمكنُنا أن نَقسِمَ هذهِ الفِكرةَ إلى جُزءَيْن. فَعُمْقُ مَحَبَّتِكُم يَظهَرُ مِن خِلالِ مِقدارِ غُفرانِكُم. انظر إلى حَياتِك. كَم تَغفِر؟ فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال 10: 12: "المَحَبَّةُ تَسْتُرُ كُلَّ الذُّنُوب". المَحَبَّةُ تَسْتُرُ كُلَّ الذُّنُوب.

بعبارة أخرى، المَحبَّة الكامِلة تُساوي غُفرانًا كامِلاً. وقد عَبَّرَ بُطرسُ عن ذلكَ بالطَّريقةِ التَّالية في رسالة بُطرس الأولى 4: 8: "لِتَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً". والكلمة "شَديدة" هي تَرجمة للكلمة "أكتينيس" (aktenes)؛ وهي تُشيرُ إلى عَضَلَةٍ مَشدودةٍ إلى أقصى حَدٍّ مُمكِن. فيجب عليكم أن تُحِبُّوا إلى أقصى حَدٍّ مُمكِن "لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ [ماذا؟] كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا". ما مِقدارُ غُفرانِك؟ بِقَدرِ مَحبَّتِكَ سيكونُ غُفرانُك. واللهُ يَعلَمُ أنَّكَ إن كُنتَ مُحِبًّا فإنَّكَ سَتُطلِقِ الآخرينَ أحرارًا. واللهُ يَعلَمُ أنَّكَ إن كُنتَ مُحِبًّا فإنَّكَ ستَغفِرُ للآخرين. واللهُ يَعلَمُ أنَّ المَحبَّةَ يَنبغي أن تُوَبِّخَ على الخطيَّة؛ ولكنَّ المَحبَّةَ تَفعلُ ذلكَ بأن تَستُرَها. وهذا يعني أنَّها تُلقي غِطاءً فَوقَها، وتَستُرُها، وتُبعِدُها عنِ الأنظار. لِذا أوَّلاً: عُمقُ مَحبَّتِكُم يَظهَرُ مِن خِلالِ مِقدارِ غُفرانِكُم.

والآن، فَكِّروا في ذلك. هل تُضْمِرُ ضَغينةً تُجاهَ أيِّ شخصٍ في بَيتِك؟ إنَّها ليست مُشكلتُهم، بل هي مُشكلتُك. فعدمُ قُدرتكَ على الغُفران تَدحَضُ مَحبَّتَك. وأنا أقولُ لكم: إن كانَت سِمَةُ حَياتِكَ هي عَدمُ مُسامحةِ الآخرينَ فإنَّكَ لستَ مُؤمِنًا لأنَّكَ إن لم تَكُن مُحبًّا فإنَّكَ لستَ وَلدًا مِن أولادِ الله. فَكِّروا في ذلك. وهُناكَ شَيءٌ آخر أرغبُ في قَولِهِ عن هذا الأمر. فالشَّيءُ الأوَّلُ هو أنَّ عُمْقَ مَحَبَّتِكُم يَظهَرُ مِن خِلالِ مِقدارِ غُفرانِكُم. ثانيًا: عُمْقُ مَحَبَّتِكُم يَظهَرُ مِن خِلالِ يَقينِكُم بأنَّ اللهَ غَفَرَ لَكُم. هل فَهمتُم ذلك؟ أولاً، يُمكِنُكم أن تَعرفوا مَحبَّةَ شخصٍ مَا مِن خلالِ مِقدارِ مُسامَحَتِهِ للآخرين. ويُمكنكُم أن تَعرفوا ذلكَ أيضًا مِن خِلالِ يَقينِهِ مِن غُفرانِ اللهِ لَهُ.

وسوفَ أقولُ لكم شيئًا: الكنيسةُ هي مَكانٌ مُدهِش. وقد قَرأتُ تلكَ الرِّسالة في هذا الصَّباح عن سَيِّدة تُريدُ أن تأتي إلى هُنا بعدَ خُروجِها مِنَ السِّجن. فقد كانت مُجرمةً وتَمَّ سَجنُها. وهُناكَ أشخاصٌ مِثلُها في هذه الكنيسة. فلدينا أشخاصٌ كانوا مُحتالين، ولدينا أشخاصٌ سُجِنوا لمُدَّة تَزيدُ عن عَشْرِ سِنين. ولدينا أشخاصٌ فَعلوا كُلَّ شيءٍ يَخطُرُ بالبال. فنحنُ لدينا مَجموعة مُمَيَّزة هُنا! فلدينا أشخاصٌ كانوا فَاسِقينَ، وعَبَدَةَ أوثانٍ، وزُناةً، ولُصوصًا، وكَذَبَة، ومُخَنَّثونَ، ومِثليِّينَ جِنسيِّينَ. فلدينا مَجموعة كبيرة مِن هؤلاءِ النَّاس. ونحنُ نَستقبِلُ كُلَّ يومٍ أشخاصًا يَظُنُّونَ أنَّهُم أبرار، أيْ أشخاصًا كانوا يَظُنُّونَ سابقًا أنَّهُم أبرار، ويَتَّكِلونَ على أعمالِهم. فنحنُ لدينا أشخاصٌ كثيرونَ مِن هذا النَّوع. ولكن هل تَعلمونَ شيئًا؟ أنا لا أتوقَّفُ البتَّة عنِ التَّعَجُّبِ مِن أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يُدرِكونَ أكثرَ مِن غَيرهم قِيمةَ الغُفرانِ في حَياتِهم هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يَغفِرونَ أكثرَ مِن غَيرهم للآخرين. هل لاحظتُم ذلكَ يَومًا؟

أمَّا الأشخاصُ المُعْتَدُّونَ بأنفُسِهم، والأبرارُ في أعيُنِ أنفُسِهم، والمُتديِّنونَ فإنَّهُم دائمًا الأشخاصُ الَّذينَ لا يَستطيعونَ أن يَغفروا للآخرينَ ما فَعلوهُ في الماضي، ولا يَستطيعونَ أن يُطلِقوا سَراحَهُم. فإن رأيتَ شخصًا في هذه الكنيسةِ [على سبيلِ المِثالِ] كانَ سِكِّيرًا، أو مُدمِنًا، أو زَانِيًا، أو مُجرِمًا ثُمَّ جاءَ إلى يسوعَ المسيح، ثُمَّ جاءَ شخصٌ آخر في وقتٍ لاحِقٍ وسَبَّبَ لهُم مُشكلةً مُريعةً وعميقةً وخاطئةٍ فإنَّ ذلكَ الشَّخصَ سَيَقول: "أتَدري ماذا؟ سوفَ أغفِرُ لَهُ. ففي نِهايةِ المَطاف، انظُر إلى ما فَعَلَهُ الرَّبُّ مَعي! فالرَّبُّ فَعَلَ ذلكَ مَعي". مِن جِهةٍ أخرى، إذا نَظرتُم إلى شخصٍ يَقولُ: "أنا أذهَبُ إلى الكَنيسةِ طَوالَ حياتي، وقد مَضى على تَدَيُّني كَذا وكَذا وكَذا"، ثُمَّ جاءَ شخصٌ وأساءَ إليهِ فإنَّهُ يَقولُ: "أنا أَحتَقِرُ ذلكَ الشَّخص. إنَّهُ أسوأُ شخصٍ في الكنيسة!"

أجل! ولكن يجب أن تَعلَموا أنَّ حَقيقةَ الأمرِ هي أنَّ خَطيَّةَ ذلكَ الشَّخص رُبَّما كانت أسوأُ مِنَ الدَّعارة لأنَّ التَّدَيُّنَ الزَّائفَ هو أسوأُ شيءٍ على الإطلاق. ولكِن كما تَرَوْنَ، فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَعلَمونَ يَقينًا أنَّ اللهَ غَفَرَ خَطاياهُم هُم أكثرُ النَّاسِ قُدرةً على مُسامَحةِ الآخرين. والآن، اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكُم مِثالاً تَوضيحيًّا على ذلك. انظروا إلى إنجيل لوقا والأصحاحِ السَّابع إذْ تَرَوْنَ شَخصَيْنِ مُتناقِضَيْن هُنا (في إنجيل لوقا والأصحاحِ السَّابع). فنحنُ نَرى صُورةً جَميلةً عن رَبِّنا. والعَدد 37 (بل بالحَرِيِّ 36) يمُهِّدُ لِذلك: "وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ..."، وَهُوَ يُدعى سِمْعان. وهو ليسَ سِمعان بُطرس، بل شخصًا آخرَ اسمُهُ سِمعان. "... أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ الْفَرِّيسِيِّ وَاتَّكَأَ". والآن، لاحِظوا ما سيَحدُث.

"وَإِذَا امْرَأَةٌ فِي الْمَدِينَةِ كَانَتْ خَاطِئَةً". فقد جاءت امرأةٌ شِرِّيرةٌ وفاسِقَةٌ، ولا شَكَّ في أنَّها كانت زَانية. فقد كانت حَقًّا امرأةً فاسِدَة وخاطئة. "إِذْ عَلِمَتْ أَنَّهُ مُتَّكِئٌ فِي بَيْتِ الْفَرِّيسِيِّ، جَاءَتْ بِقَارُورَةِ طِيبٍ". ونحنُ لا نَملِكُ الوقتَ الكافي للتحدُّثِ عن كُلِّ ما يَعنيهِ ذلك، ولكنَّ ذلكَ الطِّيْب كانَ غالي الثَّمن جدًّا. ورُبَّما كانت قدِ اشتَرتهُ بالمالِ الَّذي جَنَتْهُ مِن مِهنَتِها؛ أيْ مِنَ الدَّعارة. لِذا فقد كانَ مَوقفًا غَريبًا. إذًا فقد دخَلتِ البيتَ الَّذي دَعا الفَرِّيسيُّ يَسوعَ إليه. "وَوَقَفَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ [أيْ مِن وَراءِ يَسوع] بَاكِيَةً". فقد كانت ذَليلَةً، وحَزينَةً في رُوحِها، وتَبكي على خَطيَّتِها.

"وَابْتَدَأَتْ تَبُلُّ قَدَمَيْهِ بِالدُّمُوعِ، وَكَانَتْ تَمْسَحُهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا، وَتُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ وَتَدْهَنُهُمَا بِالطِّيبِ". ولا شَكَّ في أنَّ هذا المَشهَدَ كانَ صَادِمًا. فلو فَعَلَت ذلكَ بواحدٍ مِنَ الفَرِّيسيِّين لالتَفَتَ وصَفَعَها على فَمِها وأَمَرَ خُدَّامَهُ أن يَحمِلوهَا ويُلقوها في الشَّارعِ قائلاً: "كيفَ تَجرُئينَ على لَمْسِ شَخصٍ طَاهِرٍ مِثلي أيَّتُها الامرأةُ الشِّرّيرةُ القَذِرَة؟" والعَدد 39 يُشيرُ إلى ذلك: "فَلَمَّا رَأَى الْفَرِّيسِيُّ الَّذِي دَعَاهُ ذلِكَ، تَكَلَّمَ فِي نَفْسِهِ قِائِلاً: «لَوْ كَانَ هذَا نَبِيًّا، لَعَلِمَ مَنْ هذِهِ الامَرْأَةُ الَّتِي تَلْمِسُهُ وَمَا هِيَ! إِنَّهَا خَاطِئَةٌ»". وكما تَرَوْنَ فإنَّ البِرَّ الذَّاتِيَّ فَظيع!

فهو لم يَكُن لديهِ أيُّ غُفرانٍ في قَلبِه. هل تَعلمونَ لماذا؟ لأنَّهُ لم يَكُن يَظُنُّ أنَّهُ بحاجة إلى الحُصولِ على الغُفرانِ بشأنِ أيِّ شيء. فأنتُم تَغفِرونَ بِقَدرِ استيعابِكُم لغُفرانِ اللهِ لَكُم. أَتَرَوْن؟ وأنتُم تُحبُّونَ بِقَدرِ استيعابِكُم لمَحبَّةِ اللهِ لَكُم. وكُلَّما زادَ عُمْقُ خَطاياكُم، زادَ شُعورُكم بالغُفران، وزَادَت مَحبَّتُكُم وغُفرانُكُم للآخرين. ولكنَّ ذلكَ الفَرِّيسيَّ لم يَكُن لَديهِ حِسٌّ مُطلَقًا بالخطيَّة. لِذا، لم يَكُن لديهِ أيُّ حِسٍّ بالغُفران. وأنا أُحِبُّ ما جاءَ في هذهِ الآية. فقد كانَ يُخاطِبُ نَفسَهُ ولم يَكُن يَتكلَّمُ بِصوتٍ عَالٍ. ولكنَّ يَسوعَ أَجابَهُ. أليسَ ذلكَ الأمرُ رائعًا؟ هذا رائعٌ جدًّا! فإن حَدَثَ ذلكَ معكَ بِضعَ مَرَّاتٍ سيَهتزُّ كِيانُكَ لأنَّ هذا يعني أنَّهُ يَستطيعُ أن يَقرأَ أفكارَك. "فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «يَاسِمْعَانُ، عِنْدِي شَيْءٌ أَقُولُهُ لَكَ»".

"فَقَالَ [بِصَوتٍ يُحاوِلُ فيهِ أن يُظهِرَ تَقواه]: «قُلْ، يَامُعَلِّمُ». «كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ". وقد كانَ يَسوعُ أَبرعَ مَن قَدَّمَ أمثالاً إيضاحيَّة. "كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِئَةِ دِينَارٍ". وكانَ الدِّينارُ هُوَ أُجرةَ العامِلِ في يومٍ واحد. "وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا". إنَّهُ شخصٌ لَطيف. أليسَ كذلك؟ "فَقُلْ: أَيُّهُمَا يَكُونُ أَكْثَرَ حُبًّا لَهُ؟" "فَأَجَابَ سِمْعَانُ وَقَالَ: «أَظُنُّ الَّذِي سَامَحَهُ بِالأَكْثَرِ». فَقَالَ لَهُ: «بِالصَّوَابِ حَكَمْتَ»". فقد فَهِمَ المَعنى. "ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَرْأَةِ وَقَالَ لِسِمْعَانَ: «أَتَنْظُرُ هذِهِ الْمَرْأَةَ؟ إِنِّي دَخَلْتُ بَيْتَكَ، وَمَاءً لأَجْلِ رِجْلَيَّ لَمْ تُعْطِ. وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ غَسَلَتْ رِجْلَيَّ بِالدُّمُوعِ وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا".

"قُبْلَةً لَمْ تُقَبِّلْنِي، وَأَمَّا هِيَ فَمُنْذُ دَخَلْتُ لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَقْبِيلِ رِجْلَيَّ. بِزَيْتٍ لَمْ تَدْهُنْ رَأْسِي، وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ دَهَنَتْ بِالطِّيبِ رِجْلَيَّ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَقُولُ لَكَ: قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا الْكَثِيرَةُ، لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيرًا. وَالَّذِي يُغْفَرُ لَهُ قَلِيلٌ يُحِبُّ قَلِيلاً»". ويا لَها مِن إدانَة رَهيبة! "السَّببُ الَّذي أَحَبَّتني لأجلِهِ كُلَّ هذا الحُبِّ، والسَّببُ الَّذي دَفَعَها إلى القيامِ بهذا العَملِ لأجلي، والسَّببُ الَّذي جَعَلَها تَتصرَّفُ هكذا مَعي هو أنَّها أحَبَّت كَثيرًا. والسَّببُ الَّذي لأجلِهِ أحَبَّت كَثيرًا هو أنَّها كانت تَشعُرُ ببشاعَةِ الخطيَّة وتَرغبُ جدًّا في الحصولِ على الغُفران". وقد التفتَ يَسوعُ إليها وقالَ في العدد 48: "مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ". فقد غَفَرَ لها كثيرًا فأحبَّت كثيرًا.

وكما تَرَوْنَ فإنَّ القُدرةَ على المحبَّة تَتوقَّفُ على عُمْقِ شُعورِكَ بمحبَّةِ الله. فقُدرَتُكَ على مُسامَحَةِ الآخرينَ تَتوقَّفُ على إدراكِكَ لمِقدارِ مُسامَحَةِ اللهِ لَك. ونَرى هُنا فَرِّيسيًّا مُعْتَدًّا بنفسِه وبارًّا في عَينيِّ نَفسِه ظَنَّ أنَّهُ بارٌّ وصَالِحٌ جدًّا ورائعٌ جدًّا حتَّى إنَّهُ ليسَ بحاجة إلى الغُفران. وحتَّى إنَّهُ لم يتحدَّث معَ يَسوعَ كما فَعلت تلك المرأة. وهو لم يَكُن مُهتمًّا بِغَسْلِ رِجْلَيِّ يَسوع، ولم يَكُن مُهتمًّا بخِدمةِ يسوعَ بالطَّريقةِ الَّتي فَعلتَها هي. فكُلُّ ما كانَ يُريدُهُ هو أن تَكونَ هُناكَ مُناقَشة لاهوتيَّة لكي يَعلم ما إذا كانَ يَسوعُ الشَّخصَ الَّذي يَدَّعي أنَّهُ هُوَ. ومُنذُ البِداية، لم يَكُن يُؤمِنُ بذلكَ في الأصل لأنَّهُ قال: "لَوْ كَانَ هذَا نَبِيًّا، لَعَلِمَ مَنْ هذِهِ الامَرْأَةُ الَّتِي تَلْمِسُهُ وَمَا هِيَ!"

ولكنَّ بِرَّهُ الذَّاتيَّ دَانَهُ. فهو لم يَشعُر يَومًا بحاجَتِهِ إلى يَسوع. وهو لم يَكُن يَستطيعُ أن يَغفِرَ لزانيةٍ لأنَّهُ لم يَكُن يَشعُرُ بأيِّ غُفرانِ في حَياتِهِ الشخصيَّة لأنَّهُ لم يَشعُر بأيَّة حاجة إلى ذلك، ولأنَّهُ لم يَكُن يَشعُرُ أنَّهُ خاطِئ. والمَعنى المقصودُ هو التَّالي يا أحبَّائي: كانَ يَنبغي لذلكَ الرَّجُل أن يُدركَ أنَّهُ لو تَمَّ وَضْعُ هَذينِ الخاطِئينِ جَنبًا إلى جنب لكانَ هُوَ الخاطِئُ الأكبر لأنَّ الخطيَّةَ الكُبرى هي أن تَقولَ: "أنا لستُ بحاجة إلى الله". فهذه هي الخَطيَّةُ الكُبرى. لِذا فإنِّي أقولُ لكم إنَّهُ وَفقًا لعُمْقِ شُعورِكَ بالغُفرانِ ستكونُ لديكَ القُدرةُ على أن تَغفِرَ للآخرين. وإن كُنتَ تُحِبُّ قليلاً فإنَّ السَّببَ في ذلكَ هو أنَّكَ تَشعُرُ بأنَّ مَحبَّةَ اللهِ قليلة. وإن كُنتَ تُحِبُّ كثيرًا فإنَّ السَّببَ في ذلكَ هو أنَّكَ تَشعُرُ بالكثيرِ مِنَ المحبَّةِ مِن خلالِ غُفرانِهِ لَك. يا لها مِن قِصَّةٍ رائعة!

فنحنُ هُنا أمامَ امرأةٍ خاطئة كانت بحاجةٍ مَاسَّةٍ إلى الغُفران. وقد كانت بحاجة حَقًّا إلى الكثيرِ مِنَ الغُفران. ولأنَّها حَصَلَت على الكثيرِ مِنَ الغُفران فقد أحَبَّت كثيرًا. وأنا أُفَكِّرُ أحيانًا في أنَّ أولئكَ الأشخاصَ هُمُ الَّذينَ ينبغي أن يَملأوا الكنيسة أكثرَ مِن غَيرِهم. فنحنُ لسنا بحاجةِ إلى أُناسٍ يَظُنُّونَ أنَّهُم لا يَحتاجونَ إلى أيِّ شيء، ولسنا بحاجة إلى أشخاصٍ يَظُنُّونَ أنَّهُم على ما يُرام. وما زِلتُ أَذكُرُ تلكَ القصَّةَ الَّتي سَرَدها "روبرت فالكونر" (Robert Falconer). فقد كانَ يَجلِسُ في وَسْطِ الأشخاصِ الفُقراءِ المُعدَمينَ بِمَن في ذلكَ المُشَرَّدينَ والزُّناة والأشرار ويُخبرُهم القصَّةَ التَّالية. وقد كانَ يُحاولُ أن يُرِيَهُم أنَّ يَسوعَ على استِعدادٍ لأن يَغفِرَ لهم. وبينما كانَ يَقرأُ لَهُم (كما قالَ كاتِبُ سِيرتِه) "سَمِعَ شخصًا يَبكي بصوتٍ عَالٍ. وعندما نَظرَ رأى شَابَّةً هَزيلةً تَشَوَّهَ وَجهُها بسببِ الجُدريّ. ولولا الدُّموع الَّتي كانت تَنهَمِرُ على خَدَّيْها لكانت مُجرَّدَ فتاةٍ فَقيرة لا تَبدو عليها أيَّة مَلامِح.

"فقالَ فالكونر كلماتٍ لطيفة لها فقالت: ’هل سيأتي مَرَّةً أخرى‘ وهي تَبكي. قالَ فالكونر: ’مَن؟‘ ’هُوَ – يَسوعُ المسيح. الشَّخصُ الَّذي غَفَرَ للمرأة. فقد سَمعتُ، في اعتقادي، أنَّهُ سيأتي ثانيةً‘. قالَ فالكونر: ’لماذا تَسألين؟‘ قالت: ’لأنَّ...‘ ثُمَّ راحَت تَذرِفُ مَزيدًا مِنَ الدُّموع حَتَّى إنَّ بَقيَّةَ كَلامِها لم يَكُن مَفهومًا. ثُمَّ إنَّها تَمالَكَتْ نَفسَها قليلاً بعدَ لَحَظاتٍ في مُحاولةٍ مِنها لإكمالِ جُملتِها. وقد وَضَعَتْ يَدَيها على شَعرِها القَصيرِ والخَفيفِ والعَديمِ اللَّونِ وقالت: ’يا سَيِّدي؟ أَلاَ يُمكِنُهُ أن يَنتظرَ قليلاً؟ فَشَعري ليسَ طَويلاً حَتَّى أمسَحَ قَدَمَيْه‘. فقد أحبَّت كثيرًا لأنَّها اختبرت الكثيرَ مِنَ المحبَّة.

لِذا فإنَّ ما يَحدُثُ هُنا في رسالة أفسُس (ويُمكنُكم الآنَ أن تَنظروا مَرَّةً أخرى إلى النَّصِّ) هو أنَّ رَبَّنا يقولُ ما يَلي: لقد أحَبَّنا اللهُ وغَفَرَ لنا. وهذا هو ما ينبغي لنا أن نَفعلَهُ بعضُنا مع بعض. فلا يجوزُ أن تكونَ هُناكَ مَرارة، أو أن يكونَ هُناكَ غَضَب، أو سَخَط، أو شَيئًا مِن هذا القَبيل. والحقيقةُ يا أحبَّائي هي أنَّ قُدرتَكُم على أن تُحِبُّوا تَتوقَّف تمامًا على قُدرتِكُم على أن تُحِبُّوا. فسوفَ تُحِبُّ وتَغفِرُ قليلاً إن كنُتَ تَظُنُّ أنَّ اللهَ غَفَرَ لكَ قليلاً. أمَّا إذا كنتَ تَرى أنَّكَ خَاطِئٌ شِرِّيرٌ، ومُنكَسِرٌ، ومِسكينٌ، وبائسٌ غُفِرَ لَهُ كثيرًا فإنَّكَ ستَغفِرُ كثيرًا. هذا هو كُلُّ ما في الأمر يا أحبَّائي. قِيْسُوا مَحبَّتَكُم. فأنتُم تُحبُّونَ لأنَّهُ قد غُفِرَ لكُم كثيرًا. فبسببِ مَحبَّتِكُم فإنَّكُم تَغفِرونَ للآخرينَ كثيرًا. لِذا، يجب علينا مِن هذا المُنطَلَق أن نَتَمَثَّلَ بالله. والرُّوحُ يَستطيعُ أن يَفعلَ ذلك.

وقد تَقولُ ما قالَهُ صُوفَر: "ما أبعَدَنا عن أن نَكونَ مِثلَ اللهِ. أَإِلَى عُمْقِ اللهِ تَتَّصِل؟" "مَا أَبْعَدَ طُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاء. كيفَ يُمكِنُنا أن نَكونَ مِثلَ الله؟". هذا مُستحيل! فإن نَظرنا إلى تَعريفِ العالَم ونَظَرنا إلى اللهِ كما لو أنَّهُ سانتا كلوز، رُبَّما تكونُ لدينا فُرصة في القيامِ بذلك. ولكن إذا نَظرنا إلى تَعريفِ الكتابِ المقدَّس، لا شَكَّ في أنَّنا سنَقولُ معَ بُطرس: "اخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَا رَبُّ، لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ!" ولا شَكَّ في أنَّنا سنَقولُ معَ يوحنَّا: "فَلَمَّا رَأَيْتُهُ...". فهذا هو ما يَقولُهُ في سِفْر الرُّؤيا والأصحاحِ الأوَّل. فقد رأى رُؤيا عنِ المسيح فقال: "فَلَمَّا رَأَيْتُهُ سَقَطْتُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ كَمَيِّتٍ". فأن نكونَ مِثلَ اللهِ هو أمرٌ مُستحيل. كيفَ يُمكِنُ لشيءٍ كهذا أن يَحدُث؟ نَقرأ في إنجيل لوقا 6: 36: "كَما أنَّ أباكُم السَّماويَّ رَحيمٌ، كُونُوا رُحَمَاء". ونَقرأُ في رسالة بُطرس الأولى: "كَمَا أنَّهُ قُدُّوسٌ، كُونُوا قِدِّيسِينَ". ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى 5: 48: "كما أنَّهُ كامِلٌ، كُونوا كامِلين". ونَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى: "كَما أنَّهُ مُحِبٌّ، كُونوا مُحِبِّين". كُونوا مِثلَهُ.

وهل هذا مُمكِن؟ بِكُلِّ تأكيد، إنَّهُ مُمكِن. أوَّلاً، إنَّهُ مُمكِنٌ مِن خلالِ التَّجديد. فنحنُ نَقرأُ في رسالة بُطرس الثَّانية 1: 4 إنَّهُ عندما وُلِدتُم ثانيةً فإنَّكُم صِرتُم شُركاءَ في الطَّبيعةِ الإلهيَّة. وهذا شيءٌ مُذهل! فيُمكنكَ أن تكونَ مِثلَ اللهِ لأنَّ اللهَ يَسكُنُ فيك. أليسَ كذلك؟ وأنتَ شَريكٌ في الطَّبيعةِ الإلهيَّةِ مِن خلالِ الولادةِ الثَّانية. ثانيًا، مِن خلالِ التَّقديس عندما يَعملُ رُوحُ اللهِ في حياةِ المؤمنِ ويَجعَلُهُ على صُورةِ الله. وبولُس يَقول، يا أحبَّائي: "أتَعلمونَ شيئًا؟ إن كُنتَ تَقولُ إنَّكَ ابنٌ للهِ، أَلاَ سَلَكْتَ سُلوكًا يَليقُ بذلكَ مِن فَضلِك؟" كنتُ جالسًا في مَطعمٍ يومَ أمس، أو رُبَّما يوم الجُمعة. وقد كُنَّا نَتحدَّثُ إلى شخصٍ يَقول: أتَدري شيئًا! إنَّهُ يَقولُ عن نَفسِهِ إنَّهُ مَسيحيّ؛ ولكنَّكَ لا تَرى البتَّةَ اللهَ في حَياتِه. صَحيحٌ أنَّهُ يَقولُ إنَّهُ مُؤمِن؛ ولكنَّكَ لا تَرى البتَّةَ اللهَ في حَياتِه". وقد كانَ يَتحدَّثُ عن شخصٍ آخر. فهو يَقولُ دائمًا إنَّهُ مُؤمِن؛ ولكن عندما تُراقِبُهُ لا يُمكِنُكَ أن تَرى أيَّ أَثَرٍ للهِ في حَياتِه.

وقد كانَ الإسكندرُ الكبيرُ يَسيرُ بينَ أفرادِ جَيشِه فرأى جُنديًّا يَحمِلُ نَفسَ الاسم: "الإسكندر". وقد تَمَّ استدِعاءُ ذلكَ الجُنديِّ أمامَ الإسكندرِ لأنَّهُ تَصرَّفَ بِجُبْنٍ في وَسْطِ المَعركة. فنَظرَ الإسكندرُ في عَينيهِ وقال: "أيُّها الجُنديُّ، إمَّا أن تَتَخَلَّى عن جُبْنِكَ وإمَّا أن تَتَخَلَّى عنِ اسمِك". وهذا مُنْصِفٌ. فإن كُنتَ تُسَمِّي اسمَ يَسوعَ، وكُنتَ تُسَمِّي اسمَ اللهِ، يجب عليكَ أن تَسلُكَ كما سَلَكَ ذاك. أليسَ هذا هو ما تَقولُهُ الآيةُ 1يوحنا 2: 6؟ "مَنْ قَالَ إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا". والآيةُ 1كورنثوس 16: 14 تُلَخِّصُ ذلك: "لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّةٍ".

فالمحبَّة ينبغي أن تَظهَرَ في كُلِّ جانبٍ مِن جوانبِ الحياة. وهذا هوَ دائمًا مِعيارُ الله. وقد تَقول: "ولكنَّ هذا الشَّيءَ مَذكورٌ فقط في العهدِ الجديد". لا، لا! بل هُوَ مِعيارُ اللهِ دائمًا. فَجَوهَرُ أيِّ شيءٍ هو المحبَّة. فمنذُ المَرَّةِ الأولى الَّتي وَضَعَ اللهُ فيها مِعيارًا، كانَ هذا المِعيارُ هو المحبَّة. وقد تَقول: "مَهلاً مِن فَضلِك! لقد كانتِ الوصايا العَشرُ نَاموسًا قاسيًا وناموسيَّةً". لا، بل كانت مَحبَّة. فهل تَعلمونَ أنَّ الوصايا العَشْر هي عَشْرُ سِماتٍ للمحبَّةِ تَمَّ التَّعبيرُ عنها بالكلمات؟ فهي كذلكَ وَحَسْب. فهي عَشْرُ سِماتٍ للمحبَّةِ تمَّ التَّعبيرُ عنها بالكلمات. انظروا معي إلى سِفْر الخُروج والأصحاحِ العشرين إذ سأُريكُم بإيجازٍ شديد شيئًا رُبَّما لم تُفكِّروا فيهِ مِن قَبل. فسوفَ أُريكُم عَشْرَ سِماتٍ للمحبَّة تَمَّ التَّعبيرُ عنها بالكلمات. وهذا أمرٌ مُدهشٌ جدًّا. فهي [أوَّلاً] مَحبَّةٌ تُجاهَ اللهِ، و[ثانيًا] مَحبَّة تُجاهَ الآخرين.

وقد تَمَّ التَّعبيرُ عنِ المحبَّةِ تُجاهَ اللهِ في الوصايا الأربعِ الأولى، وتَمَّ التَّعبيرُ عنِ المحبَّةِ تُجاهَ الآخرين في الوصايا السِّتّ الأخرى. هل أنتُم جاهِزون؟ إليكُم هذه السِّمات. أوَّلاً، المحبَّة مُخْلِصَة. المحبَّة مُخْلِصَة. فهذا هو ما تَقولُهُ الوصيَّة إذْ نَقرأُ في العددِ الثَّالث: "لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي". فهكذا ينبغي أن تكونَ المحبَّة. فالمحبَّة مُخلِصَة. فهي ليست مُتَقَلِّبه، بل مُخلِصَة. واللهُ يَقولُ وَحَسْب: "هل تُحِبُّني مَحبَّةً كافيةً تَدفَعُكَ إلى عَدَمِ تَركي والذَّهابِ وراءَ آلهةٍ أخرى؟" وزَوجَتُكَ تَقولُ لَكَ: "هل تُحِبُّني مَحبَّةً كافيةً تَدفَعُكَ إلى عَدَمِ تَرْكي والذَّهابِ وراءَ امرأةٍ أخرى؟" أَتَرَوْن؟ وأصدقاؤكَ يَقولونَ لكَ: "هل تُحِبُّنا مَحبَّةً كافيةً تَدفَعُكَ إلى عَدَمِ تَرْكِنا والذَّهابِ وراءَ أشخاصٍ آخرين؟" فهذه هي المحبَّة. فالمحبَّة مُخلِصَة. وهذا هو ما يَقولُهُ اللهُ. فهو لا يقولُ كلامًا آخر. فالمحبَّة مُخلِصَة. وهي لا تَتبَعُ آلهةً أخرى، ولا تَتَقَلَّب، ولا تُديرُ ظَهرها.

ثانيًا، المحبَّة أَمينة. والأمانَةُ هي إخلاصٌ مُستمرٌّ. فالمحبَّة أمينَة. "لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ، أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ، وَأَصْنَعُ إِحْسَانًا إِلَى أُلُوفٍ مِنْ [مَنْ؟] مُحِبِّيَّ". بعبارة أخرى، المحبَّة مُخْلِصَة. والمَحبَّة أمينَة. واللهُ يَقول: "إن كُنتَ تُحبُّني، لا يَجوزُ أن تَكونَ مُتقلِّبًا. وإن كُنتَ تُحبُّني... [وهذا هوَ جَانِبُ النَّهْي] ... لا يَجوزُ أن تَترُكني، بل ينبغي أن تَلتَصِق بي، وينبغي أن تَكونَ أمينًا".

ثالثًا، المحبَّة وَقورَة إذْ نَقرأُ في العدد 7: "لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلاً، لأَنَّ الرَّبَّ لاَ يُبْرِئُ مَنْ نَطَقَ بِاسْمِهِ بَاطِلاً". فهُناكَ أشخاصٌ يَقولون: "لا يُمكِنُكَ أن تَتكلَّمَ عن زَوجتي هكذا". فَهُم لا يَسمَحونَ بذلكَ البتَّة. أو: "لا يُمكِنُكَ أن تُهينَ صَديقي". فهل تَشعرونَ بنفسِ هذه المشاعِر تُجاهَ الله؟ فالمحبَّة تُوَقِّر. فإن كُنتَ تُحبُّ اللهَ، لن تَستخدِمَ اسمَهُ باطلاً، ولن تُشَوِّهَ سُمعَتَهُ. فالمحبَّة وَقورَة.

رابعًا [وأنا أُحِبُّ هذه]: المحبَّة حَميمَة. المحبَّة حَميمَة. وهذا رائع: "اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ. سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. لاَ تَصْنَعْ عَمَلاً مَا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ الَّذِي دَاخِلَ أَبْوَابِكَ. لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ ... إلخ، إلخ... لِذلِكَ بَارَكَ الرَّبُّ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ".

فالمحبَّة حَميمَة. وهل تَعلمونَ ماذا تَفعلُ المحبَّة؟ إنَّها تَميلُ إلى جانِبِ الحَميميَّة. فاللهُ يَقول: "إن كُنتَ تُحبُّني، لا يُمكِنُكَ أن تَذهبَ وتَحيا حَياتَكَ وَحَسْب وتَنفَصِلَ عنِّي. هل تُريدُ أن تكونَ معي؟ وهل تُريدُ أن تَكونَ في شَركة معي؟ إذًا، يجبُ عليكَ أن تَترُكَ الماشِيَة، والأنشطة، والأرض، والانشغال وتكونَ معي". فهكذا ينبغي أن تكونَ المحبَّة. أتَرَوْن؟ فالمحبَّة مُخلِصَة، وأمينة، ووَقورة، وحَميمَة. فكُلُّ ما يَتحدَّثُ عنهُ هُنا هو أن نُحِبَّهُ. فهذا هو كُلُّ ما يُريدُه. ففي نِهايةِ المَطاف، عندما تَمَّ تَلخيصُ كُلِّ ذلكَ، قالَ يَسوعُ إنَّ هذا كُلَّهُ يُمكِنُ أن يَتلَخَّصَ في الكلماتِ التَّالية: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِك". أليسَ كذلك؟ فهذا هو كُلُّ ما في الأمر.

أمَّا الجُزءُ الثَّاني مِنَ الوصايا فهو مُوَجَّهٌ إلى الآخرين. وما الَّذي يَقولُهُ فيها مِن نَحوِ الآخرين؟ إنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ المحبَّة أيضًا. انظروا إلى العدد 12. أوَّلاً، المحبَّة تَحتَرِمُ الآخرين. المحبَّة تَحترِمُ الآخرين. "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ". فالمحبَّةُ ليست آثِمَةً، وليست مُتمرِّدةً؛ بل هي تَحتَرِمُ الآخرينَ وتُكرِمُ الآخرين. فواحدةٌ مِنَ السِّماتِ العَظيمةِ للمحبَّة هي أنَّ المحبَّةَ تَسعى دائمًا إلى مَدْحِ الآخرين. والمحبَّةُ تَسعى دائمًا إلى تَقديمِ العَونِ والمُساعدةِ للآخرينَ، وإلى مُساندتِهم وإكرامِهم. فالمحبَّة تَحترِمُ الآخرين.

ثانيًا، المحبَّةُ ليست مُؤذيةً. فإن كانت هُناكَ مَحبَّة حَقيقيَّة لن تكونَ هُناكَ أَذِيَّة. لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العدد 13: "لاَ تَقْتُلْ". فالمحبَّة لا تَقتُل. والمحبَّة لا تُؤذي، ولا تُلْحِقُ الضَّررَ بأيِّ شخصٍ؛ بل إنَّها تُقَدِّمُ يَدَ المُساعَدة.

ثالثًا، المحبَّة طاهرة. فالمحبَّة تَسعى دائمًا إلى طَهارةِ الآخرين. لِذا فإنَّنا نَقرأ: "لاَ تَزْنِ". فالزِّنَى يُنَجِّس؛ أمَّا المحبَّة فتَسعى فقط إلى الطَّهارة.

رابعًا، المحبَّة غير أنانيَّة (كما يقول). المحبَّة غير أنانيَّة. "لاَ تَسْرِق". فالمحبَّة لا تَسرِق، بل إنَّ المحبَّة تَفعلُ ماذا؟ تُعطي. فهي تُعطي. فهي لا تأخُذ، بل تُعطي.

خامسًا (في العدد 16): المحبَّة صَادقة: "لاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ". فإن كَذَبتَ على قَريبِكَ فإنَّكَ تُحاولُ أن تُؤذيه. أمَّا إن كُنتَ تُحبُّ قَريبَكَ فإنَّكَ ستقولُ الصِّدق. فالمحبَّة صَادقة.

سادسًا وأخيرًا: المحبَّة قَنوعة. المحبَّة قَنوعة. فهي لا تَشتهي بيتَ القريب، ولا تَشتَهي زَوجَةَ القريب، ولا تَشتهي أيَّ شيءٍ لَهُ؛ بل إنَّها قَنوعَة. وهي قَنوعة بالمَعنى التَّالي. فالمحبَّة تقول: "أنا فَرِحٌ جدًّا بأنَّكَ تَمْلِكُ هذهِ الأشياء. وسَعادَتي تَكمُنُ في امتِلاكِكَ لها". هل تَرَوْنَ ما يُحاولُ أن يَقولَهُ؟ فهُناكَ مَحبَّة تُجاهَ اللهِ تَتَّسِمُ بأنَّها مُخلِصَة، وأمينَة، ومُوَقِّرَة، وحَميمة. وهُناكَ مَحبَّة تُجاهَ النَّاسِ تَتَّسِم بأنَّها تَحترمُ الآخرينَ، ولا تُؤذيهم، وهي طاهرة، وغير أنانيَّة، وصادقة، وقَنوعة. وكما تَرَوْنَ فإنَّ الوصايا العَشرَ، يا أحبَّائي، تَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ: تَمَثَّلوا باللهِ. فاللهُ يُحِبُّ. وفي الوصيَّةِ الثَّانيةِ، لَخَّصَ يَسوعُ الوصايا السِّتّ الأخرى. فالوصيَّةُ الأولى هي: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَ[ماذا؟] وقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ". فإن كُنتَ تُحِبُّ قَريبَكَ سأقولُ لكَ ماذا ستَفعل: سوفَ تَحتَرِمُهُ، ولن تُؤذيه، وستُعامِلُهُ بطَهارةٍ، وإيثارٍ، وصِدْقٍ، وستكونُ قَنوعًا ولن تَشْتَهي ما لَهُ.

هذا هو كُلُّ ما يَقولُهُ يَسوع في إنجيل مَرقُس والأصحاح 12. فقد قالَ ذلكَ مُلَخِّصًا النَّاموس. ولا عَجَبَ في أنَّ بولسَ قال: "لأَنَّ كُلَّ النَّامُوسِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يُكْمَلُ": المحبَّة... المحبَّة... المحبَّة. تَمَثَّلوا باللهِ يا أحبَّائي، وأحبُّوا كما يُحبُّ اللهَ. واللهُ يَغفِرُ للأشخاصِ الَّذينَ يُسيئونَ إليه. لِذا فإنَّنا نَرى الالتماسَ: اسلُكوا في المحبَّة. والآن، أريدُ مِنكُم أن تَرَوْا النَّمَطَ في عُجالة؛ ثُمَّ سَنَختِمُ حَديثَنا... النَّمَط: "كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً". والآن اسمعوني: نَجِدُ هُنا النَّمَط. وقد تقول: "أن نُحِبَّ كما يُحِبُّ اللهُ! ولكِن كيفَ يُحِبُّ اللهُ؟" حسنًا! إنَّ اللهَ يُحِبُّ هكذا: إنَّهُ يَغفِرُ الخطيَّة. وهو لا يُبالي بِفَداحَةِ الخطيَّة، أو بِمُدَّةِ استمرارِ الخطيَّة؛ بل إنَّهُ يَغفِرُها وَحَسْب.

"ومَن هُوَ المِثالُ في هذا النَّمَط؟" إنَّهُ المَسيح. والآن، أريدُ منكم أن تَرَوْا شيئًا هُنا، وهو مُهمٌّ جدًّا. اسمعوا: "كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا". والآن، لاحِظوا ما يَلي يا أحبَّائي: أعتقدُ، وقد قُلتُ ذلكَ بطَرائق عديدة جدًّا في السَّنواتِ الماضية؛ ولكنِّي سأقولُ ذلكَ بطريقة أخرى في هذا الصَّباح وأريدُ مِنكُم أن تَفهموا المَعنى المَقصود: أعتقدُ أنَّ المحبَّة الكِتابيَّة ليست عاطفةً. رَجاءً؛ إنَّها ليست عاطفةً. فهي لا تُعَرَّفُ البتَّة بأنَّها عاطفة؛ بل إنَّها عَطاءٌ يَنطوي على التَّضحيةِ بالنَّفس. وسوفَ أقولُ لكم شيئًا: إذا كانَ لَديكَ القليلُ مِن ذلكَ النَّوع مِنَ المحبَّة في زَواجِكَ فإنَّهُ سَيُحدِثُ فَرقًا كبيرًا. فالنَّاسُ يَقولون: "أنا لم أَعُد أُحِبُّ زوجتي". إذًا، أنتَ خاطِئ. أجل! فيجبُ عليكَ أن تَفعلَ ذلكَ مَرَّةً واحدةً على الأقلّ في حياتِك. ألا يُمكِنُكَ أن تُكَرِّسَ نَفسَكَ لِحُبِّ شخصٍ مَا دُونَ أن تَنتَظِرَ منهُ شيئًا بالمُقابِل؟ شخصًا واحدًا فقط إطاعَةً لله.

اعثُر على شخصٍ واحِد، والتَصِق بذلكَ الشَّخص الواحد، وابذُل نَفسَكَ لأجلِ ذلكَ الشَّخص الواحد حَتَّى لو لم تَحصُل مِنهُ على أيِّ شيء. فحينئذٍ ستَعرفُ مَعنى مَحبَّة يَسوعَ المسيحِ الَّذي لم يُحِبُّنا بسببِ ما سَيَجنيه مِنَّا، بل أحبَّنا بالرَّغمِ مِن إساءاتِنا. وكما تَرَوْنَ فإنَّها مَحبَّة لا تَقومُ على أساسِ المُبادَلة. فهذا هو المَعنى المقصود. بل إنَّها تلكَ المحبَّة المُتواضِعَة، والمُطيعة، والمِعطاءَة، والمُضَحِّية الَّتي تَقول: "أنا أُحِبُّ. أنا أُحِبُّ لا لأجلِ ما سأجنيهِ مِنَ المحبَّة، بل أُحِبُّ لأنَّ طَبيعتي هي أن أُحِبَّ". فإن لم تُحِبَّ شخصًا مَا، أو إن كُنتَ قد فَسَخْتَ عَلاقةً أو زَواجًا أو شَيئًا مِن هذا القَبيل ولا تُحِبُّ شخصًا مَا فإنَّ هذهِ ليست مَشكلةَ هؤلاءِ الأشخاص؛ بل هي مُشكلتُكَ أنت. وهذه خطيَّة. فالمحبَّة... المحبَّة الكِتابيَّة ليست مَشروطة، بل هي غير مَشروطة.

فقد غَسَلَ رَبُّنا الحَبيبُ أَرْجُلَ التَّلاميذِ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 13 في حين أنَّهُم لم يكونوا يُحبُّونَهُ، بل كانوا لا يُبالونَ بهِ ولو قليلاً. فقد كانَ ذاهِبًا إلى الصَّليب؛ ولكنَّهُم لم يُبالوا بذلك. فقد كانوا يَتجادَلونَ بشأنِ مَن مِنهُم سيَجلِسُ عن يَمينِهِ ويَسارِهِ في المَلكوت. فقد أرادوا أن يَعرِفوا مَن مِنهُم سيَتمجَّد في المَلكوت، ومَن مِنهُم سيَحصُلُ على المَرتبةِ العُليا. ولكنَّهُ كانَ ذاهِبًا إلى الصَّليبِ دونَ أن يُبالي أيٌّ مِنهُم بذلك. وقد جاءَ وبارَكَهُم، وغَسَلَ أرجُلَهُم، وأحبَّهُم في وَسْطِ أبشَعِ لَحَظاتِ حَياتِهم لأنَّ مَحبَّتَهُ لم تَكُن تَنتَظِرُ شَيئًا بالمُقابِل. وقد ماتَ على الصَّليبِ وقالَ عن أولئكَ الأشخاصِ الَّذينَ كانوا يَقفونَ هُناكَ ويَبصُقونَ في وَجهِه: "يا أبتاه [ماذا؟] اغفِر لَهُم". فاللهُ يُريدُ هذا النَّوعَ مِنَ المحبَّةِ الَّتي لا تَنتَظِرُ شيئًا بالمُقابِل، والمحبَّةِ غيرِ المَشروطةِ، والَّتي لا تَنتَظِرُ ما سأجنيهِ مِنها وما سأحصُلُ عليهِ منها.

والحقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في العددِ الثَّاني – لاحِظوا ما يَلي: نَقرأُ أنَّهُ عندما فَعلَ يَسوعُ ذلك وقَدَّمَ نَفسَهُ قُربانًا وذَبيحةً أنَّ ذَبيحَتَهُ صَعِدَت رائِحَةً طَيِّبَةً للهِ. فما عَمِلَهُ المسيحُ كانَ شيئًا طَيِّبَ الرَّائحةِ للهِ لأنَّهُ نَفسُ نَوعِ مَحبَّتِهِ. فهي مَحبَّة مُستقلَّة وغير مَشروطة. فقد أحبَّ اللهُ ذلك. وقد تَنَسَّمَ مِنها رائحةً طَيِّبة. وقد تقول: "ما مَعنى ذلك؟ ما مَعنى ذلك؟" نَقرأُ في رسالة فيلبِّي 4: 18: "نَسِيمَ رَائِحَةٍ طَيِّبَةٍ، ذَبِيحَةً مَقْبُولَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ". فهي رَمْزٌ يُشيرُ إلى أنَّ اللهَ سُرَّ بها. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ما جاءَ في سِفْر اللاويين والأصحاحات 1 و 2 و 3 و 4 و 5. فهناكَ خَمْسُ تَقْدِمات. والتَّقدماتُ الثَّلاثُ الأولى (وهيَ: ذَبيحةُ المُحرَقة، وتَقْدِمَةُ الدَّقيق، وذَبيحةُ السَّلامِ) مَذكورة في الأصحاحات 1-3 وكانت مَطلوبة مِن بَني إسرائيل.

والآن، لَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ ذَبيحةَ المُحرَقة كانت تَرمِزُ إلى تَكريسِ المسيحِ الكامِل للهِ وكيفَ أنَّهُ بَذَلَ نَفسَهُ حَرفيًّا. وكانت تَقدِمَةُ الدَّقيقِ تَرمِزُ إلى كَمالِهِ. وكانت ذَبيحَةُ السَّلامِ تَرمِزُ إلى السَّلامِ الَّذي صَنَعَهُ بينَ اللهِ والإنسان. وقد كانت هذهِ التَّقْدِماتُ الثَّلاثُ نَسِيمَ رَائِحَةٍ طَيِّبَة لأنَّ اللهَ سُرَّ بتَكريسِ المسيح، وسُرَّ بكَمالِ صِفاتِهِ، وسُرَّ بأنَّهُ صَنَعَ سَلامًا بينَ اللهِ والإنسان. ولكِن في سِفْر اللاَّويِّين والأصحاحَيْن 4 و 5، هُناكَ تَقْدِمَتانِ هُما ذَبيحة الخطيَّة وذبيحَة الإثم. اسمَعوني! إنَّ هَاتينِ الذَّبيحَتَيْنِ ليسَتا نَسِيمَ رَائِحَةٍ طَيِّبَة، بل هُما مُنَفِّرَتَيْنِ لأنفِ الله لأنَّهُ بالرَّغمِ مِن أنَّهُما تَرمِزانِ إلى المسيحِ فإنَّهُما تَرمِزانِ إلى حَمْلِ المسيحِ لخطايانا.

وفي تلكَ اللَّحظة، أَدارَ اللهُ ظَهرَهُ للمسيحِ فَصَرَخَ المَسيحُ قائلاً: "إلهي إلهي، لماذا تَركتَني؟" لأنَّهُ لم يَكُن نَسِيمُ رَائِحَةٍ طَيِّبَةٍ لأنفِ اللهِ أن يَرى خطيَّة. فمعَ أنَّ المسيحَ هو الَّذي حَمَلَ خَطايانا فإنَّهُ لم تَكُن هُناكَ رائحة طَيِّبة في ذلك. أمَّا عندما نَظَرَ اللهُ إلى كَمالِ شَخصِ المسيحِ، وإلى عُنصِرِ صُنْعِ السَّلامِ في عَمَلِه، ورأى التَّكريسَ الكامِلَ لمحبَّتِهِ فإنَّ ذلكَ كانَ نَسِيمَ رَائِحَةٍ طَيِّبَةٍ. وكما تَرَوْنَ، هذهِ هي الأشياءُ الَّتي تُسِرُّ قَلبَ الله. فهل تُريدُ أن تُسِرَّ قَلبَ اللهِ؟ وهل تُريدُ أن تَصعَدَ حَياتُكَ إلى أنفِ اللهِ وأن تَكونَ نَسِيمَ رَائِحَةٍ طَيِّبَة؟ إذًا، اجعل حَياتَكَ حَياةَ مَحبَّة، واجعلها حَياةً تَتَّسِمُ بالمحبَّةِ غيرِ المَشروطةِ الَّتي تَغفِر وتَغفِر وتَغفِر. أتَرَوْن؟

وكما تَعلمونَ، لا يَجوزُ أن نُضمِرَ أيَّ ضَغينة، أو مَرارة أو سَخَطٍ، أو خُبْثٍ. فكُلُّ تلكَ الأشياءِ قد مَضَت. أَتَرَوْن؟ ويجب أن تَتَّسِمَ حَياتُكُم بهذهِ الصِّفات الجديدة. فهذا هو مِعيارُ الله. دَعونا نُصَلِّي:

يا رَبّ، نحنُ نَعلمُ أنَّكَ تُريدُ مِنَّا أن نَكونَ مِثلَكَ، ونَعلمُ أنَّنا لا نَستطيعُ أن نَكونَ مِثلَكَ بقوَّتِنا. ولا عَجَبَ في أنَّهُ مِنَ الضَّروريِّ أن يَحيا المَسيحُ فينا. ولا عَجَبَ في أنَّهُ مِنَ الضَّروريِّ أن يُؤيِّدَنا الرُّوحُ بالقوَّة. ولا عَجَبَ في أنَّهُ مِنَ الضَّروريِّ أن نَتَّكِلَ على المَصدرِ الإلهيِّ. نَشكُرُكَ يا رَبُّ لأنَّكَ جَعلتَنا نُدرك ما ينبغي أن نَكون ولكنَّنا لا نَستطيعُ أن نُحَقِّقَهُ إلاَّ عندما نُدركُ أنَّنا لا نَستطيعُ ذلكَ ونَتَّكِلُ عليك. نُصَلِّي باسمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize