يَتحدَّثُ هذا الأصحاحُ تَحديدًا عن حَقيقةِ الألسِنَةِ الَّتي لم تَكُن مُشكلةً كبيرةً في كَنيسةِ كورِنثوسَ، ولكِن يُمكِنُنا أن نَقولَ دُونَ مُبالَغَةٍ إنَّها مُشكلةٌ كَبيرةٌ اليوم. لِذا فإنَّنا نَتحدَّثُ عنِ الأزمنةِ، وأيضًا عَن تَفسيرِ الكتابِ المُقدَّس. واسمَحوا لي أن أَبتَدِئَ بالقولِ إنَّهُ في أثناءِ بِناءِ بُرْجِ بَابِل، بَلْبَلَ اللهُ ألسَنَةَ النَّاس. والحَادِثَةُ الوَحيدةُ الأخرى في الكِتابِ المُقدَّسِ الَّتي يُمكِنُها أن تَتَفَوَّقَ على بَلْبَلَةِ الألسِنَةِ في بابِل هي بَلْبَلَةُ الألسِنَةِ في كورِنثوس. فَقَد شَوَّشُوا جدًّا مَسألةَ اللُّغاتِ الَّتي أعطاها اللهُ مِنْ ضِمْنِ المَواهِبِ إذْ إنَّهُم زَيَّفوهُا وَاستَعاضُوا عَنها بِشَيءٍ شَيطانِيٍّ مُزَيَّفٍ حَتَّى إنَّ بولسَ اضْطُرَّ إلى أن يَكتُبَ أَصْحَاحًا كَامِلاً للتَحَدُّثِ عَن هذا الأمر.
والآن، إذا كُنتُم مَعَنا في مَا مَضَى، لَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّهُ كانت هُناكَ مَوهبةٌ حَقيقيَّةٌ للتَّكلُّمِ بِلُغاتٍ أخرى. فَعندَما أعطَى اللهُ المَواهِبَ للكَنيسةِ الباكِرَةِ، أعطاهُم مَواهِبَ خَارقةً للطَّبيعةِ لتَكونَ آياتٍ أو عَلاماتٍ تُؤكِّدُ مِصداقِيَّةَ رِسالةِ العَصرِ الجَديد. فَكَما تَعلَمونَ: "بَعْدَ مَا كَلَّمَ [اللهُ] الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا... كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ". وَقَد كانت هُناكَ رِسالةٌ جَديدةٌ. كَما أنَّهُ أرادَ مِنَ العَالَمِ اليَهودِيِّ تَحديدًا أن يَعلَمَ أنَّ هُناكَ عَصْرًا جَديدًا، وأنَّ هُناكَ إعلانًا جَديدًا، وأنَّ اللهَ تَكَلَّمَ مِن جَديد. وَقَد رَافَقَ ذلكَ آياتٌ وَعَجائب. وكانت واحِدَةٌ مِن تلكَ الآياتِ هِيَ أنَّ الرُّسُلَ وأشخاصًا آخرينَ كَانُوا يَخْدِمونَ مَعَهُم صَارُوا قَادِرينَ على التَّكلُّمِ بِلُغَةٍ لم يَعرِفوها مِن قَبل مِن خِلالِ الوَحْيِ الإلهيِّ. وقد كانت تلكَ هِيَ مَوهِبَةُ اللُّغات.
وَقَد عَرَفْنا أيضًا أنَّها كانت دَائمًا لُغَةً، وأنَّها كانت قُدرةً على التَّكلُّمِ بِلُغةٍ أجنبيَّة. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل أنَّ كُلَّ وَاحِدٍ: "كَانَ يَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَتِهِ". ولكِنْ عِندَما نَأتي إلى مَا حَدَثَ في كَنيسةِ كورِنثوس نَرى أنَّ المَرَّةَ الوَحيدةَ الَّتي ذُكِرَتْ فيها هذهِ المَوهبة بَعدَ سِفْرِ أعمالِ الرُّسُلِ هِيَ رِسالة كورِنثوس. والسَّببُ في ذلكَ هُوَ أنَّها أدَّتْ إلى الكَثيرِ مِنَ التَّشويشِ والفَوضَى. ولكِنْ عِندَما نَنظُرُ إلى مَا حَدَثَ في كَنيسةِ كورِنثوسَ نَجِدُ أنَّهُم زَيَّفُوا المَوهبةَ الحَقيقيَّةَ واستَبدلوها بشَيءٍ وَثَنِيٍّ لا يَعْدُو عَنْ كَوْنِهِ كَلامًا غيرَ مَفهوم. فقد خَلَطُوا بينَ المَوهبةِ الحَقيقيَّةِ والكَلامِ غيرِ المَفهومِ الَّذي كانَ مُجَرَّدَ شَيءٍ مُزَيَّف.
وَقد كانَتْ هَذِهِ النَّشَواتُ وهَذا الكَلامُ المُنْتَشي أمرًا شَائِعًا جدًّا في الدِّياناتِ الوَثنيَّة. ولن أَصرِفَ وَقتًا في هذا الصَّباحِ للانتقالِ مِن أَحَدِ أطراف العَالَمِ وَمِن تَاريخٍ قَديمٍ جدًّا إلى الوقتِ الحَاضِرِ لإثباتِ ذلك؛ ولكنِّي أريدُ مِنكُم أن تَفهموا الأمرَ التَّالي: أنَّ هَذا الأمرَ شَائِعٌ جدًّا في الدِّياناتِ الوَثنيَّة. وقد كُنتُ أَقرأُ مَقالاً في هذا الأسبوعِ عَنْ مَدَى انتشارِ ذلك بينَ قَبيلةِ الزُّولو في إفريقيا؛ أيْ مَدى انتشارِ هَذهِ البَرْبَرَةِ أوِ الكَلامِ غَيرِ المَفهوم. وقد نَاقَشنا ذلكَ في المَاضي.
ولكنِ اسمَحوا لي أن أُعطيكُم خَلفيَّةً صَغيرةً عنِ المَوقفِ في كورِنثوس. لَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ أغلبيَّةَ الكُورنثيِّينَ سَمَحُوا لكُلِّ النِّظامِ العَالَمِيِّ الَّذي يُوجَدونَ فيهِ أنْ يَتَسَلَّلَ إلى كَنيستِهم. فَمَثلاً، لقد كانوا مُتأثِّرينَ جدًّا بالفَلسفاتِ البَشريَّةِ (كَما جَاءَ في الأصحاحاتِ الأربعةِ الأولى). وَكَانُوا مُعْتادينَ على تَأليهِ بَطَلٍ مَا عَلى غِرارِ مَا يَفعلُ مُجتمَعُهم. والأصحاحُ الثَّالثُ يَتحدَّثُ عن ذلك. وَقد كانوا مُنْغَمِسينَ في خَطَايَا جِنسيَّةٍ مُريعَةٍ وَشَنيعَة. وَالأصحاحانِ الخامِسُ والسَّادِسُ يَتحدَّثانِ عن ذلك. وَقد كانُوا يُقَاضُونَ بَعضُهُم بَعضًا في المَحاكِمِ. والأصحاحُ السَّادِسُ يَتحدَّثُ عن ذلك. وَقد شَوَّهُوا صُورةَ البَيتِ والزَّواجِ وَأساؤُوا تَقييمَ الأمرِ كُلِّه. والأصحاحُ السَّابِعُ يَتحدَّثُ عن ذلك.
وَقَد كانوا مُشَوَّشينَ جدًّا فيما يَختصُّ بالاحتفالاتِ الوَثنيَّةِ والعِبادَةِ الوَثنيَّةِ والأشياءِ الَّتي تُقَدَّمُ للأصنام. والأصحاحاتُ 8 و 9 و 10 تَتحدَّثُ عن ذلك. وَقد أَساؤُوا فَهْمَ دَورِ المرأةِ الصَّحيح في الكنيسة. والأصحاحُ الحادي عَشَرَ يَتحدَّثُ عن ذلك. وَقَد أَساؤُوا فَهْمَ كُلِّ مَوضوعِ المَواهِبِ الرُّوحيَّةِ. والأصحاحُ الثَّاني عَشَر يَتحدَّثُ عن ذلك. وَقَد فَقَدوا تَمَسُّكَهُم بأَهَمِّ شَيءٍ على الإطلاق وَهُوَ: المَحبَّة. والأصحاحُ الثَّالث عَشَر يَتحدَّثُ عن ذلك.
وَقَدْ سَمَحُوا لكُلِّ النِّظامِ الشَّيطانِيِّ المَوجودِ في مُجتمعِهم أنْ يَتَسَلَّلَ إلى الكَنيسة. وَحَالَ دُخولِ ذلكَ النِّظام إلى الكنيسة، دَخَلَ أيضًا كُلُّ أسلوبِ التَّدَيُّنِ بِكُلِّ مَا يُرافِقُهُ مِنْ نَشَوَةٍ، وَأُمورٍ حِسِّيَّةٍ، وأمورٍ شَهْوانِيَّة. فَقَد قَبِلوا النِّظامَ كُلَّهُ. لِذا فقد صَارَ كُلُّ ما يُؤمِنونَ بِهِ هُوَ خَليطٌ مِنَ الحَقِّ والبَاطِل. والصُّورةُ الشَّبيهَةُ لذلكَ في وَقتِنا الحَاضِرِ هِيَ الكَنيسةُ الكَاثوليكيَّةُ الرُّومانِيَّة الَّتي هِيَ خَليطٌ مِنَ المَسيحيَّةِ الكِتابيَّةِ وَعِبادَةِ البَعْلِ في القَديم، وَبِدعَةُ الأُمِّ والطِّفل الَّتي كانت تُعرَفُ في الأصل باسم "عَشْتَروت وتَمُّوز". فالشَّيءُ نَفسُهُ حَدَثَ في كَنيسةِ كورِنثوس. فقد كانت خَليطًا مِنَ المَسيحيَّةِ والوَثنيَّةِ المُتداخِلَتَيْنِ مَعًا.
وإنْ دَرَستُمِ العَالَمَ اليُونانِيَّ-الرُّومانِيَّ في زَمَنِ كَنيسةِ كورِنثوس، سَتَرَوْنَ أنَّهُ كانَ يُوجَدُ لَديهم العَديدُ مِنَ الكَهَنَةِ والكَاهِناتِ، وأنَّ النَّاسَ الَّذينَ يَعبُدونَ الآلِهَةَ كانوا يَذهبونَ إلى تلكَ المَعابِدِ الوَثنيَّةِ ويَعبُدونَ هَؤلاءِ الكَهَنَة والكَاهِنات. وكانَ مِنَ الشَّائِعِ جدًّا أن يَدخُلَ المُتَعَبِّدُ في حَالَةِ نَشوَة. والمَقصودُ بالنَّشوةِ هُنا هِيَ أنْ يَفقِدَ المَرءُ سَيطَرَتَهُ على نَفسِه. فَالمَعنَى الحَقيقيِّ لهذهِ الكلمة هُوَ أنْ يَغيبَ الإنسانُ عَنِ الوَعي.
فَقَد كَانوا يَنْطَرِحونَ أرضًا ويَغيبونَ عَنِ الوَعيِ. وَحينئذٍ، كانت تَحدُثُ ظَواهِرُ كَثيرة آنذاك؛ أيْ ظَواهِرُ نَفسيَّة. وَكانُوا يُؤمِنونَ بأنَّهُ عندما يَغيبونَ عَنِ الوَعيِ فإنَّهُم يُغادِرونَ حَرفِيًّا أجسادَهُم، ويَصعَدونَ إلى الفَضاءِ، ويَتَلامَسونَ مَعَ الآلِهَةِ (أيًّا كانتِ الآلِهَةُ الَّتي يَعبُدونَها)، ويَبتدِئونَ في مُخاطَبَةِ الآلِهَة. وحَالَما يَبتَدِئونَ في التَّحدُّثِ إلى الآلِهَةِ، كانوا يَتكلَّمونَ بِلُغَةِ الآلِهَة. وَكانَ هَذا الأمرُ شَائِعًا جدًّا في ثَقافَتِهم.
لِذا، لَم تَكُنِ العِبارَةُ المُستخدَمَةُ في كورِنثوس وَهِيَ: "غلوسايس لالين" (glossais lalein) ومَعناها: "يَتَكَلَّمُ بألسِنَةٍ" عِبارةً ابتَكَرَها كُتَّابُ الكتابِ المُقدَّسِ، بل كانت عِبارةً شَائعةَ الاستِخدامِ في الثَّقافةِ اليونانيَّةِ-الرُّومانِيَّةِ للإشارةِ إلى البَرْبَرَةِ الوَثنيَّةِ، والخُروجِ مِنَ الجَسَدِ، والتَّواصُلِ مَعَ الآلِهَةِ، والابتداءِ بطريقةٍ غريبةٍ بالتَّكلُّمِ بِلُغَةِ الآلِهَة. وَكانَ ذلكَ الكَلامُ يَخْرُجُ في شَكلِ بَرْبَرَةٍ أو كَلامٍ غَيرِ مَفهوم.
وَحَتَّى إنَّ الإغريقَ كَانوا يَستخدِمونَ كلمةً بِعَينِها للإشارةِ إلى ذلكَ الاختبارِ الدِّينيِّ النَّشْوِيِّ. ورُبَّما تَرغبونَ في مَعرفةِ تلكَ الكلمة. إنَّها الكلمة "إيروس" (eros). أَتَذكرونَ تلكَ الكلمة؟ فنَحنُ نُتَرجِمُها أحيانًا: المَحَبَّة الشَّهْوانِيَّة. ولكِنَّ الكلمة تَعني ما هُوَ أكثر مِن ذلك. فَمَعناها أشمَلُ مِن ذلك. فالكلمة "إيروس" تَعني ببساطة: "الرَّغبة في الأشياءِ الحِسِّيَّة"، أوِ "الرَّغبة في الأشياءِ المُثيرة"، أوِ "الرَّغبة في بُلوغِ النَّشْوَة"، أوِ "الرَّغبة في الحُصولِ على أسْمَى اختبارٍ أو شُعور".
وَقَد كانتْ دِيانَتُهُم دِيانَةً حِسِّيَّةً، وكانت دِيانَةً قائمةً على المَشاعِر. فقد كانت دِيانَةً حِسِّيَّةً وتَعتَمِدُ على النَّشوة. وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ إنْ كُنتُم قَد دَرستُم تلكَ الدِّياناتِ أنَّهُ عندما كانوا يَذهبونَ إلى تلكَ المَعابِدِ وإلى تلكَ الكَاهِناتِ مِن أجلِ العِبادَةِ، كانوا يُمارِسونَ طُقوسًا مَاجِنَةً. أليسَ كذلك؟
وقد انتقلت كُلُّ فِكرةِ النَّشوةِ، والمُمارَساتِ الجِنسيَّةِ، والأمورِ الحِسِّيَّةِ والانتِشاءِ والبَربَرَةِ المُرافِقَةِ للكَلامِ الَّذي يُقالُ في أثناءِ مُمارسةِ تلكَ الطُّقوسِ الدِّينيَّةِ، وانتَقلت كُلُّ الأشياءِ المُختصَّةِ بتلكَ الدِّياناتِ الوَثنيَّةِ الَّتي كانَت تُمارَسُ في بَابِل إلى المُجتمعِ الكُورِنثيّ. ولن أَصرِفَ وَقتًا في قِراءةِ كُلِّ تلكَ المَعلوماتِ عن ذلك، ولكِنْ تُوجَدُ مَعلوماتٌ تَاريخيَّةٌ مُدهشةٌ تُخبرُنا أنَّ هذهِ الأمورَ كَانت تَحدُثُ بالفِعل.
والآن، أَخشى أنَّ ما يَحدُثُ اليَومَ في الحَركةِ الكَارِزماتِيَّةِ هُوَ صُورةٌ طِبْقُ الأصْلِ عَمَّا كانَ يَحدُثُ في كورِنثوس. فبِسَبَبِ بُرودِ الكَنيسةِ، وبسببِ سَنواتِ الجَهلِ الَّتي عَاشوها دُونَ أن يَختبروا العَمَلَ الحَقيقيَّ للرُّوحِ القُدُسِ، وبسببِ نَقصِ التَّعليمِ الكِتابيِّ القَويمِ في أماكِن كَثيرة، وبِسببِ نُدرةِ الأشياءِ المُهِمَّةِ الَّتي كانت تَجري هُناكَ، ابتدأَ النَّاسُ في الكنيسةِ في تَقليدِ مَا يَفعلُهُ الوَثنيُّونَ ويَرغبونَ في التَّلامُسِ مَعَ اللهِ وَمُلامَسَةِ الوَاقِع.
وَقَدْ جَاءتِ النُّسخةُ الشَّيطانيَّةُ الزَّائفةُ إلى بَابِ الكَنيسة. وَما يَحدُثُ الآنَ في الحَركةِ الكَارِزماتِيَّةِ هُوَ ما كانَ يَحدُثُ في كُورِنثوسَ آنذاك. فقد تَزَوَّجَتِ الكَنيسةُ نِظامَ الدِّيانَةِ الوَثنيَّةِ مَرَّةً أخرى وَصِرْنا نُرَكِّزُ على الأمورِ الحِسيَّةِ، وعلى المَشاعِرِ، وعلى الخِبراتِ الشَّخصيَّةِ، وعلى الشُّعورِ بالنَّشوةِ في مُمارَساتِنا الدِّينيَّة. والفَرْقُ الوَحيدُ هُوَ أنَّنا نَنْسِبُ ذلكَ إلى عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ في حينِ أنَّهُ في الحَقيقةِ عَملاً زَائِفًا مِن أعمالِ الشَّيطان. وإنْ وَجَدْتُم الوَقتَ الكَافي للتَّحدُّثِ إلى أشخاصٍ كَانُوا في وَقتٍ سَابِقٍ يَنتَمونَ إلى هذهِ الحَرَكِة، سَتَجدونَ أنَّ الكَثيرَ مِن خِبراتِهم الشَّخصيَّةِ تَتَّسِمُ بهذهِ السِّماتِ. فَهِيَ حِسِّيَّة وَقائِمَة على المَشاعِر.
وأنا أُمْسِكُ بِيَدي الآنَ رِسالَةً. وَمَعَ أنِّي لن أقرأَها، فإنِّي قَد أَقتَبِسُ مَا جَاءَ فيها في كِتابي القَادِم. وَقَد وَصَلَتني هذهِ الرِّسالة مِن سَيِّدة في كَنيسَتِنا شَارَكَتْ مَعي اختبارَها المُدهِش عندما حَاوَلوا أنْ يَجعَلوهَا تَتكلَّمُ بألسِنَة. وَهي تَذكُرُ السُّقوطَ على الأرضِ وَكُلَّ أنواعِ الأشياءِ الَّتي كانت تَحدُثُ وتُرَكِّزُ على العَاطِفَةِ وإثارةِ المَشاعِرِ؛ لا على التَّفكيرِ والذِّهنِ كَما تُعَلِّمُ كلمةُ الله.
ولكي أعطيكُم مَثَلاً إيضاحِيًّا آخر، هُناكَ نَشْرَةٌ كَتَبَها قَائِدٌ سَابِقٌ في الحَركةِ الخَمسينيَّةِ يُدلي فيها بِشَهادَتِه. وإليكُم مَا يَقولُهُ فيها: "أخيرًا، ذَهبتُ إلى الهَيئةِ المَسيحيَّةِ في الشَّارِعِ الفُلانِيِّ في "شيكاغو" (Chigago) وَسَألتُ سُؤالاً واحدًا فقط: "لِمَاذا لم يَتِمَّ تَعميدي حَتَّى الآن؟ مَا خَطْبي؟" صَلَّى أصدقائي الطَّيِّبونَ مَعي وقالوا إنَّهُ لا يُوجَدُ فِيَّ خَطْبٌ، بل إنِّي أحتاجُ فقط إلى الانتظار. "وكَم أشكُرُ الرَّبَّ لأنَّهُم كانُوا مُحِقِّين.
كانت تلكَ أوَّلُ مَرَّة أَجثو فيها عندَ المَذبحِ بَعْدَ ظُهرِ يَومِ الأحدِ في السَّابع عَشَر مِن شهرِ آذار/مارِس، فابتدأَتْ قُوَّةٌ تَحِلُّ عَليَّ. وَقَد رُحْتُ أَضْحَكُ وأَضحَكُ طَوالَ خِدمةِ المَائدةِ التَّالية. وفي المَساء، في نَحوِ السَّاعةِ الحَاديةَ عشرة لَيلاً، رَكَعْتُ بِرفقةِ عَددٍ مِنَ الأصدقاءِ الَّذينَ صَلُّوا مَعي. (وَقَدْ وَضَعَ الشَّيخُ فُلان يَدَيهِ على رأسي وَقتًا قَصيرًا مَرَّاتٍ عَديدةً في فترةِ بَعدِ الظُّهرِ وفي المَساء). وبعدَ انتظارٍ قَصيرٍ، ابتدأتُ أَضحَك، أو بالحَرِيِّ لقدِ اعتادَ جَسَدي على الضَّحِكِ بقوَّةٍ مُتزايدةٍ إلى أنْ سَقَطْتُ على ظَهري وأنا أضحَكُ بأعلى صَوتي مُدَّةً تَزيدُ عَن نِصفِ السَّاعة.
"وعندما نَهَضْتُ، وَجدتُ أنِّي سَكِرْتُ بالخَمْرِ الجَديدةِ، وأنِّي كُنتُ أَتَصرَّفُ كَشَخْصٍ أَفْقَدَهُ المَشروبُ صَوابَهُ مِن عِدَّةِ أوجُهٍ وأنِّي كُنتُ فَرِحًا جدًّا. وعندما جَثَوْتُ لمُلاقاةِ الرَّبِّ مَرَّةً أخرى، شَعَرْتُ فجأةً بقُوَّةٍ تَصْعُبُ مُقاوَمَتُها مِنَ التَّضَرُّعاتِ والأنَّاتِ الَّتي لا يُنْطَقُ بِها والَّتي تَطلُبُ مِنَ الرَّبِّ أنْ يَرْحَمَني أنا الخَاطِئ، وتُخبِرُهُ أنَّني أريدُ أن أمضِي كُلَّ حَياتي مَعَهُ. وكانت قُوَّةُ تلكَ الصَّلاةِ تَفوقُ قُدرتي على الاحتِمال. وفجأةً، فَتَحْتُ عَينيَّ وَرأيتُ الشَّيخَ فُلان الَّذي كانَ يَقِفُ عَلى بُعْدِ خُطُواتٍ قَليلةٍ مِنِّي يَسقُطُ كَما لو أنَّ بَرْقًا صَعَقَهُ. وَقَدِ ارْتَحْتُ. وبعدَ لَحَظاتٍ، كُنتُ أقفِزُ في الهَواءِ وأصرُخُ قَائِلًا "مَجْدًا" بأعلى صَوتي.
"ثُمَّ إنِّي رَكَعْتُ مَرَّةً أخرى. وفجأةً لم أَعُد أرَ شَيئًا. ثُمَّ إنِّي شَعرتُ بأنِّي مَطروحٌ أرضًا. وقد بَقيتُ مُستلقيًا هُناكَ بِضْعَ دَقائق دُونَ وَعيٍ. ثُمَّ إنِّي نَهَضْتُ وَرَكَعْتُ، وَشَعرتُ أنَّ حَنَكي وَفَمي يَتحرَّكانِ بِفِعْلِ قُوَّةٍ غَريبة. وبعدَ ثَوانٍ فقط، نَطَقْتُ بِكلماتٍ طُفوليَّةٍ غير مَفهومة، ثُمَّ ببِضعِ كَلِماتٍ صِينيَّة فَهِمْتُها، ثُمَّ بِبِضْعِ جُمَلٍ بِلسانٍ أجنبيٍّ. وقد تَحَوَّلَ ذلكَ إلى تَرنيمٍ. ولم أتكلَّم بعدَ ذلكَ بألسِنَةٍ إلاَّ يومَ الأربعاء؛ أيْ بعدَ ذلكَ بثلاثَةِ أيَّام".
والآن، مَا الَّذي يَجري هُنا؟ إنَّها خبْراتٌ قائمةٌ على المَشاعِرِ وَحَسْب، وخِبراتٌ قائمةٌ على العَواطِفِ وَحَسْب، وخِبراتٌ قائمةٌ على الأشياءِ الحِسيَّةِ بِكُلِّ مَعنى الكلمة؛ أيْ أنَّها تُفْهَمُ بالحَواسِّ لا بالذِّهن. وقد كانت هذهِ الأمورُ واسعةَ الانتشارِ في الدِّياناتِ الوَثنيَّة. فقد كَتَبَ أفلاطون في مُحاوَراتِهِ... وَقد عَاشَ أفلاطون مِن سَنة 429 إلى سَنة 347 قَبلَ الميلادِ، أيْ قَبلَ المَسيح. وفي مُحاوَراتِهِ، كَتَبَ صَفْحاتِ تِلْوَ صَفْحاتٍ يَصِفُ فيها هَذهِ البَربرةِ لَدى الوَثنيِّين.
فَلم يَكُن هذا الأمرُ شَيئًا مِنَ المسيحيَّة. فَفي المَسيحيَّةِ، كانَت هُناكَ مَوهِبَةُ أَلْسِنَةٍ حَقيقيَّة تُستخدَمُ فقط عِندَ وُجودِ شَخصٍ يَتكلَّمُ بِلُغَةٍ مَا كي تَكونَ عَلامَةً على أنَّ اللهَ حَاضِرٌ وعلى أنَّ شَعبَ اللهِ يَنطِقُ بالحَقِّ الإلهيّ. لَكِنَّها لم تَكُن يَومًا شَيئًا يُمكِنُ الخَلْطُ بَينَهُ وبينَ الوَثنيَّة. ولكِن كما هِيَ الحَالُ دَائِمًا، عندما يَفعلُ اللهُ شَيئًا فإنَّ الشَّيطانَ يُزَيِّفُ ذلكَ الشَّيء. أليسَ كذلك؟ وَهذا هُوَ مَا يُشَوِّشُ الأمر.
لِذا فقد استَخدَمَ الشَّيطانُ سِتارَ دُخانٍ كي يَحْجُبَ الإعلانَ الحَقيقيَّ للرُّوحِ القُدُسِ في الكَنيسةِ البَاكِرَةِ مِن خِلالِ الإعلاناتِ الزَّائفةِ والرُّؤى الزَّائفةِ والألسِنَةِ الزَّائفة. لِذا فإنَّ يُوحَنَّا يَقولُ في رِسالَتِهِ الأولى إنَّهُ إنْ جاءَ شَخصٌ وقالَ لَكُم إنَّهُ جَاءَ بِكلامٍ مِن عِندِ اللهِ، عَليكُم أن "تَمْتَحِنُوا الأرواح". فَمِنَ السَّهلِ أن نَسقُطَ ضَحِيَّةَ شَيءٍ زَائِف. ولأنَّ الكُورِنثيِّينَ قَرَّروا أن يَقبَلوا رُوحَ الدَّهْرِ، صَارُوا ضَحِيَّةً.
والآن تَذَكَّروا أنَّ الشَّيطانَ يُدعَى "إلَهَ هَذا الدَّهر"، وأنَّ الشَّيطانَ يُدعَى "الرُّوحَ الَّذِي يَعْمَلُ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَة"، وأنَّ الشَّيطانَ يُريدُ أن يَكونَ مِثلَ اللهِ، وأنَّ الشَّيطانَ يَظهَرُ كَمَلاكِ نُورٍ. فَهُوَ يُريدُ أن يُزَيِّفَ الحَقيقَة، ويُريدُ مِنَ الكنيسةِ أن تُصَدِّقَ الأشياءَ الزَّائفة. فَهذا هُوَ عَمَلُه. لِذا فإنَّنا نَرى في الوَثنيَّةِ كُلَّ ذلكَ الزِّيْف. وَهُنا، في كورِنثوس، تَسَلَّلَ هذا الزِّيفُ إلى الكنيسة. وأَخشَى أنَّ هَذا هُوَ مَا يَحدُثُ اليوم.
ولكِن لا تُوجَدُ نَشَواتٌ، ولا أمورٌ حِسِّيَّةٌ، ولا أمورٌ شَهْوانِيَّةٌ، ولا يُوجَدُ غِيابٌ عَنِ الوَعيِ في العهدِ الجديدِ مُقتَرِنٌ بالعملِ الحَقيقيِّ للرُّوحِ القُدُس. البَتَّة! البَتَّة! والحَقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في الأصحاح 14 والعَدد 32: "وَأَرْوَاحُ الأَنْبِيَاءِ خَاضِعَةٌ لِلأَنْبِيَاء". فَلا وُجودَ لأيِّ شَخصٍ يَتَخَلَّى عَن رُوحِهِ، ولا وُجودَ لأيِّ شَخصٍ يَفقِدُ السَّيطرةَ على نَفسِه، ولا وُجودَ لأيِّ شَخصٍ يَغيبُ عَنِ الوَعيِ مِنْ جِهَةِ عَمَلِ الله.
لِذا فإنَّنا نَقرأُ في نِهايةِ الأصحاحِ الرَّابع عشر الكلماتِ الأخيرةَ الَّتي قالَها بولسُ وَهِيَ: "وَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ بِلِيَاقَةٍ [وَماذا أيضًا؟] وَبِحَسَبِ تَرْتِيبٍ". فَما يَجري لا يَنسَجِمُ مَعَ أسلوبِ الرُّوحِ القُدُس. فَالرُّوحُ القُدُسُ لا يَجعلُ النَّاسَ يَقفِزونَ، ولا يَجعَلُ كُلَّ وَاحِدٍ يُرَدِّدُ مَزْمُورًا (كَما يَقولُ في العَدد 26)، وَلا يَجعَلُ لِكُلِّ شَخصٍ تَعْلِيم أو إعلان أو تَرْجَمَة، وَلا يَجعَلُ كُلَّ شَخصٍ يَرغَبُ في التَّكلُّمِ بِنَشوةٍ، ولا يُعطي كُلَّ شخصٍ رُؤيا مُختلفة، وَهَلُمَّ جَرَّا. فَهَذا هُوَ التَّشويشُ الَّذي كَانَ سَائِدًا في الوَثنيَّةِ والَّذي غَزَا الكَنيسة.
وَما أعنيهِ هُوَ أنَّ الأمرَ كَانَ مُعَقَّدًا. فالدِّياناتُ الوَثنيَّةُ في بَابِل كانت تُهَيمِنُ في ذلكَ الوَقتِ على الثَّقافةِ في كورِنثوس. وَكانوا يُمارِسونَ كُلَّ أنواعِ الشَّعائِرِ، والطُّقوسِ، والنُّذورِ، والمَعموديَّاتِ، وَتَقديمِ الذَّبائِحِ، والأعيادِ، وَالوَلائِمِ، والحَلِّ مِنَ الخَطيَّةِ مِن خِلالِ الغَطْسِ في نَهْرٍ مُتَجَمِّدٍ أوِ الزَّحفِ على الرُّكْبَتَيْنِ مَسافَةَ أميال. فقد كانوا يُمارِسونَ كُلَّ الأشياءِ الَّتي هِيَ مُجَرَّدُ مَظاهِرَ للدِّياناتِ البَاطِلَةِ، وكانَتِ البَربرةُ والرُّؤى والنُّبوءاتُ جُزءًا مِن تلكَ المَظاهِر.
وَقَد وَصَلَتْ كُلُّ تلكَ الأمورِ الزَّائفةِ إلى كورِنثوس. وكانَ زَحْفُها إلى المُؤمِنينَ في كورِنثوس فَوضَى عَارِمَة، وفَوضَى تَامَّة. وَهَل تَعلمونَ أنَّ الأصحاحَ الثَّاني عَشَرَ يَقولُ إنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقِفونَ فِعليًّا وَيَلعَنونَ يَسوعَ مِن خِلالِ الألسَنَةِ، وأنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقولونَ: "لا بُدَّ أنَّ هَذا هُوَ الرُّوحُ القُدُس"؟ لِذا فإنَّهُ يَقولُ إنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لا يُجَدِّفُ على يَسوع. فَهذا تَشويشٌ وَحَسْب. فَقَد صَارَ الفِسْقُ المُصاحِبُ للوَثنيَّةِ اليونانيَّةِ جُنونًا في كَنيسةِ كورِنثوس. وَقد كَتَبَ أحَدُ الكُتَّاب: "لَقَدْ قَلَّدُوا الوَثنيِّينَ وَتَكَلَّمُوا دُونَ شَكٍّ بكَلامِهم غيرِ المَفهومِ بِشِفاهٍ مُزْبِدَةٍ وشَعرٍ أَشْعَث".
ويا أحبَّائي، بِقَدْرِ مَا أتَمَنَّى أَلاَّ يَكونَ هَذا صَحيحًا، فإنِّي مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّ مَا نَراهُ اليومَ في الحَركةِ الكارِزماتِيَّةِ هُوَ نَفسُ انغماسِ الكَنيسةِ في الوَثنيَّة. فقد تَمَّ قَبولُ شَيءٍ زَائِفٍ لأنَّهُ يُؤثِّرُ في عَواطِفِ النَّاسِ الَّذينَ جَلَسوا وَقتًا طَويلاً في الكَنيسةِ دُونَ أن يَلْمَسُوا أيَّ تَغييرٍ في حَياتِهم. لِذا فإنَّ بُولُسَ يَكتُبُ الأصحاحَ الرَّابع عشر لِتَصحيحِ ذلك.
حَسَنًا! لِنَدرُسِ الأصحاحَ الرَّابع عشر. والآن، أريدُ أن أُقَسِّمَ هَذا الأصحاحَ إلى ثَلاثةِ أقسام: القِسْمُ الأوَّلُ: مَكانَةُ مَوهبةِ الألسِنَة... مَكانَةُ مَوهبةِ الألسِنَة. القِسْمُ الثَّاني: الغَايَةُ مِنَ المَوهِبَة. القِسُمُ الثَّالِثُ: المُمارَسَة. والمَكانَةُ هِيَ مَوضوعُ الأعدادِ التِّسعةَ عَشَرَ الأولى. والغَايَةُ مِنَ المَوهِبَةِ هِيَ مَوضوعُ الأعدادِ مِن 20 إلى 25. والمُمارَسَةُ هِيَ مَوضوعُ الأعدادِ مِن 26 إلى 40. إذًا: المَكانَةُ، والغَايَةُ، والمُمارَسَة.
والآن، لاحِظُوا ما يَلي: فَقد كانتْ المَكانَةُ ثَانويَّةً، والغَايَةُ مِنها هيَ أنَّها آيَة، وَالمُمارَسَةُ بِتَرتيب. فهذهِ هي النِّقاطُ الثَّلاثُ الرَّئيسيَّةُ الَّتي يَقولُها هَذا الأصحاح. فَقد كانتْ مَكانَتُها ثَانَويَّة، وكانَتِ الغايَةُ مِنها هِيَ أن تَكونَ آيَةً، وكانَتْ مُمارَسَتُها بِتَرتيب. والآن، سَوفَ نَتحدَّثُ اليومَ عَنِ الجُزءِ الأوَّلِ فقط مِنَ النُّقطةِ الأولى.
فالنُّقطةُ الأولى هِيَ: مَكانَةُ المَوهِبَة. فَبُولسُ يُريدُ أن يَتحدَّثَ عَنِ الألسِنَةِ، ويُريدُ مِنَّا أن نَفهَمَ قَبلَ كُلِّ شَيءٍ مَكانَتَها بالنِّسبةِ إلى المَواهِبِ الأخرى. فَمكانَتُها هِيَ مَاذا؟ ثَانَويَّة. فَمَكانَتُها ثَانَويَّة. وَهُوَ يَذكُرُ لَنا السَّبب. والسَّببُ الأوَّلُ مَذكورٌ في الأعدادِ الخَمسةِ الأولى. وَهُناكَ سَبَبانِ آخَرانِ سَنَتحدَّثُ عنهُما في الأسبوعِ القَادِم.
السَّبَبُ الأوَّل: لِماذا كانت مَوهبةُ الألسِنَةِ ثَانَويَّة؟ ولماذا كانت مَوهِبَةُ الألسِنَةِ أَقَلَّ شَأنًا مِنَ النُّبوَّة؟ هَذهِ هِيَ المُفارَقَةُ الَّتي يُبَيِّنُها. فالسَّببُ الأوَّلُ هُوَ أنَّ النُّبوَّةَ تُسْهِمُ في بُنْيانِ الرَّعيَّةِ كُلِّها؛ في حينِ أنَّ الألسِنَةَ لا تَصْلُحُ للبُنْيان. هَل هذا وَاضِح؟ هَذا هُوَ المَبدأُ الأوَّل. فالنُّبوَّةُ أَعلى شَأنًا مِنَ الألسِنَةِ لأنَّ النُّبوَّةَ تَبني؛ في حينِ أنَّ الألسِنَةَ لا تَبني. فَالألسِنَةُ...لاحِظوا مَا يَلي... لا تَصْلُحُ للبُنْيان. هَذا هُوَ ما يَقولُه. هَذا هُوَ ما يَقولُهُ في الأصحاح 14 والأعداد مِن 1 إلى 5. وَهُناكَ سَبَبانِ آخَرانِ لِكَوْنِ هذهِ المَوهبةِ ثَانَويَّة. وَسَوفَ نَذكُرهُما في الأسبوعِ القَادِم. فأنا لا أريدُ أن أُشَوِّشَكُم بِهِما اليوم. لِذا، انتَظِروا حَتَّى الأسبوعِ القَادِم.
حسنًا! أولاً، الأعدادُ مِن 1 إلى 19 تَتحدَّثُ عن حَقيقةِ أنَّ مَكانَةَ مَوهبةِ الألسِنَةِ ثَانَويَّة. والأعدادُ الخَمسةُ الأولى مِنها تَقولُ إنَّها ثَانَويَّة لأنَّ الألسِنَةَ لا تَستَطيعُ أن تَبْني؛ في حينِ أنَّ النُّبوَّةَ تَستطيع. والآن، اسمَحوا لي أن أُضيفَ مُلاحَظَةً. فَما الغَايَةُ مِنَ اجتماعِ الكَنيسةِ مَعًا؟ مَا الغَايَةُ مِن ذلك؟ الغَايَةُ بَسيطةٌ جدًّا: البُنْيان... البُنْيان.
فَالعَددُ 26 مِنَ الأصحاح 14 يَقولُ لَنا في النِّهاية: "فَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ [لِماذا؟] لِلْبُنْيَان". "فَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ لِلْبُنْيَان". وَنَقرأُ في نِهايةِ العَددِ الثَّاني عشر... انظُروا إليه: "اطْلُبُوا لأَجْلِ بُنْيَانِ الْكَنِيسَةِ أَنْ تَزْدَادُوا". بِعبارةٍ أخرى، الهَدَفُ هُوَ البُنْيان. ونَقرأُ في نِهايةِ العَددِ الرَّابع: "وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ فَيَبْنِي الْكَنِيسَة". ونَقرأُ في نِهايةِ العَددِ الخَامِس: "حَتَّى تَنَالَ الْكَنِيسَةُ بُنْيَانًا".
والآن، تَقرأونَ في كُلِّ الأصحاحِ، يا أحبَّائي، الشَّيءَ نَفسَهُ يَتَرَدَّدُ مِرارًا وتَكرارًا. فَنَحنُ نَقرأُ في العَدد 31: "لأَنَّكُمْ تَقْدِرُونَ جَمِيعُكُمْ أَنْ تَتَنَبَّأُوا وَاحِدًا وَاحِدًا، لِيَتَعَلَّمَ الْجَمِيعُ وَيَتَعَزَّى الْجَمِيعُ". فالكَلامُ نَفسُهُ يَتكَرَّرُ المَرَّةَ تِلْوَ المَرَّة: "حَتَّى تَنالُوا جَميعًا بُنْيانًا... حَتَّى يَتَعَلَّمَ الجَميعُ... حَتَّى يُبْنَى الجَميعُ". فَهَذا هُوَ الهَدَفُ الرَّئيسيُّ. فالكَنيسةُ تَجتَمِعُ مَعًا مِن أجلِ البُنْيان، أوْ لِكَيْ تُبْنَى. وَبولسُ يَقول: "اسمَعوني! الألسِنَةُ لا تَستطيعُ أن تَبْني؛ ولا سِيَّما الألسِنَةُ الَّتي تَتَكَلَّمونَ بها لأنَّها ليست حَقيقيَّة". أَتَرَوْن؟ هَذهِ هِيَ المَكانَةُ الحَقيقيَّةُ للألسِنَةِ بِحَسَبِ الأعدادِ الخَمسةِ الأولى.
حَسَنًا! لِنَبتدِئ دَرْسَنا. فَنحنُ نَقرأُ في العَددِ الأوَّل: "اِتْبَعُوا الْمَحَبَّةَ، وَلكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّةِ، وَبِالأَوْلَى أَنْ تَتَنَبَّأُوا". والحَقيقةُ هي أنَّ الجُملةَ "اِتْبَعُوا الْمَحَبَّة" يَنبغي أن تَكونَ خَاتِمَةَ الأصحاحِ الثَّالث عَشَر. أليسَ كذلك؟ فَهُوَ يَقولُ في الحَقيقة: "لَقد أعطيتُكُم أعظمَ شَيءٍ وَهُوَ: المَحبَّة. والشَّيءُ الَّذي يَنبغي أنْ تَجِدُّوا في اتِّباعِهِ هُوَ المَحبَّة". وَهُناكَ مَا جاءَ في الأصحاحِ الثَّاني عَشَر والعَدد 31. وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ كيفَ يَنتهي الأصحاحُ الثَّاني عَشَر والعَدد 31. وَقَدْ تَرْجَمْتُهُ بِصيغةِ الدَّلالَةِ بِسَبَبِ السِّياق.
فَما يَقولُهُ العَدد 31 مِنَ الأصحاحِ الثَّاني عَشَر في الحَقيقةِ هُوَ التَّالي: "أنتُم تَسْعَوْنَ إلى الْمَوَاهِبِ الاستِعراضِيَّة". "أنتُم تَسْعَوْنَ إلى الْمَوَاهِبِ الاستِعراضِيَّة. وَأمَّا أنا فَأُرِيكُمْ طَرِيقًا أَفْضَلَ". فأنتُم مُنْهَمِكونَ في السَّعيِ إلى المَواهِبِ الاستِعراضِيَّةِ كَيْ تَتَبَاهَوْا بِها، أوِ المَواهِبِ الظَّاهِرَةِ للعِيان، أوِ المَواهِبِ الدّرامِيَّة؛ ولكنِّي أريدُ أن أُريكُم طَريقًا أفضل: اتْبَعُوا المَحَبَّة. وَهُوَ يَقولُ شَيئًا رائعًا عَنِ المَحبَّةِ في الأصحاحِ الثَّالث عَشَر ثُمَّ يَعودُ إلى نَفسِ النُّقطة. فالمَحبَّةُ (في الأصحاحِ الثَّالث عَشَر) تُشبِهُ الجُملةَ المُعتَرِضَة. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَددِ الأوَّلِ مِنَ الأصحاحِ الرَّابع عَشَر: "إنْ أردتُم أن تَسْعَوْا إلى شَيءٍ، اسْعُوا إلى المَحَبَّة". أَتَرَوْن؟
وَهُوَ يَستخدِمُ الكلمة "ديوكو" (dioko) في اللُّغةِ اليونانيَّةِ، وَمَعناها: "يُطارِد" أو "يُلاحِق" أو "يَتْبَع". وَهِيَ تُتَرجَمُ عَادَةً: "يُلاحِق"، وتَعني أن تَكونَ مُصِرًّا ومُتَحَمِّسًا ونَشِطًا في الحُصولِ على شَيءٍ مَا حَتَّى إنَّكَ تُلاحِقُ ذلكَ الشَّيء حَرفيًّا. فَأنتَ تَتْبَعُ خُطاهُ. وَهُوَ يَقولُ: "إن أردتُم أن تُلاحِقُوا شَيئًا، وإن أردتُم أنْ تَسْعَوْا إلى شَيءٍ، وإن أردتُم أن تَجِدُّوا لِشيءٍ، اتْبَعُوا المَحَبَّة". اتْبَعُوا المَحَبَّة. "وَلكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّة". والكلمة "مَواهِب" هُنا تُكْتَبُ بِخَطٍّ مَائِلٍ في العَديدِ مِنَ التَّرْجَماتِ لأنَّ الأصْلَ اليُونانِيَّ يَقول: "ولكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّة".
وهذهِ الكلمة "جِدُّوا" يُمكِنُ أن تُتَرجَمَ بِطَرائقَ عَديدةَ لأنَّها تَأتي بِصيغَةٍ تَحتَمِلُ تَرجَماتٍ عَديدة. ولكِن عندما تَدرُسونَ السِّياقَ سَتَجِدونَ أنَّها تَرِدُ بِصيغةِ الأمر. وَهِيَ تَرِدُ هُنا، في اعتقادي، كَفِعْلِ أمْرٍ مُستَمِرٍّ حَتَّى إنَّهُ يُمكِنُ أن تُتَرجَمَ كَما يَلي. والآن لاحِظُوا: "اتْبَعُوا المَحبَّةَ"، ثُمَّ نَجِدُ الكلمة "دي" (de) في اللُّغةِ اليونانيَّةِ. والكلمة "دي" (de) تُشبِهُ الكلمة "وَلَكِن". فَهِيَ لا تُساوي بينَ شَيئَيْن وَإلاَّ لاستخدَمَ الكلمة "كاي" (kai). ولكِنَّ مَعنى "دي" مُعاكِس إذْ إنَّهُ يُوجَدُ تَغييرٌ هُنا. لِذا فإنَّهُ يَقول: "اِتْبَعُوا الْمَحَبَّةَ، وَلكِنِ استَمِرُّوا في السَّعيِ إلى المَواهِبِ الرُّوحيَّة".
بِعبارةٍ أخرى: "أنا لا أقولُ لَكُم أن تَتخَلَّوْا عَنِ السَّعيِ إلى المَواهبِ الرُّوحيَّة". ثُمَّ انظروا إلى العَدد 31 مِنَ الأصحاحِ الثَّاني عَشَر. "أنتُم تَسْعَوْنَ إلى الأشياءِ الاستِعراضِيَّةِ في حينِ أنَّهُ يَنبغي لَكُم أن تَسْعَوْا إلى المَحبَّة. ولكِن لا تَتوقَّفوا عَنِ السَّعيِ إلى المَواهِب" أو حَرْفِيًّا: "إلى العالَمِ الرُّوحِيِّ". بعبارةٍ أخرى: "أنا لا أريدُ مِنكُم أن تَترُكوا ذلكَ لأنَّهُ يَنبغي أن تَسْعَوْا إلى خِدمةِ الرُّوحِ القُدُسِ مِن خِلالِ مَواهِبِ الرُّوح. وأنا لا أقولُ إنَّهُ لا يَجوزُ لَكُم أن تَلتَفِتُوا إلى المَواهِب؛ بَلْ عِوِضًا عَن ذلكَ اتْبَعُوا المَحبَّةَ واستَمِرُّوا في السَّعيِ إلى العَالَمِ الرُّوحيِّ أو نِطاقِ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ، أوِ الأشياءِ الحَقيقيَّةِ الَّتي يَفعلُها رُوحُ اللهِ".
"ولكِنْ" – والآن، انظُروا إلى نِهايةِ الآية: "وَبِالأَوْلَى"... "وَبالأولَى": "مَالون" (mallon). "وَبِالأَوْلَى أَنْ تَتَنَبَّأُوا". وَكما تَرَوْنَ، فإنَّ الألسِنَةَ ثَانَويَّة. "عندما تَجتمعونَ معًا، عِوَضًا عَنِ الفَوضَى والتَّشويشِ وبَرْبَرَةِ الألسِنَةِ، يَجِبُ عَليكُم أن تُرَكِّزُوا على النُّبوَّة". وقد تَقول: "أَيَّةُ نُبَوَّة يا جون؟" لقد دَرَسنا ذلكَ. لِذا، لَن أَصرِفَ وَقتًا في التَّحدُّثِ عن ذلكَ مَرَّةً أخرى. ولكِنَّ الكلمة "نُبُوَّة" هي تَرجَمةٌ للكلمة اليُونَانيَّة "بروفيتوو" (propheteuo). وَهُما في الحَقيقةِ كَلِمَتان: "برو" (pro) ومَعناها: "أَمام"، وَ "فيمي" (phemi) ومَعناها: "يَتكلَّمُ". وَهِيَ تَعني: "يَتَكَلَّمُ أَمامَ". لِذا فإنَّ النُّبوَّةَ تَعني أن يَتكلَّمَ شَخصٌ أمامَ شَخصٍ آخر.
وَهَذا هُوَ ما نَفعلُهُ كُلَّ يَومِ أَحَدٍ مِن عَلى المِنبَر. فأنا أَتَنَبَّأ. وَقد تَقول: "كُنتُ أَظُنُّ أنَّها تَعني يَعرِف مَا سَيَحدُثُ في المُستقبَل". لا، لا! فَيَنبغي أن تَعلَموا أنَّ فِكرةَ التَّنبُّؤِ بما سيَحدُثُ في المُستقبلِ لم تَظهَر إلاَّ في العُصورِ الوُسطَى عندما صَارتِ الكلمةُ الإنجليزيَّةُ تَعني ذلك. ولكِنَّ هَذا المَعنى ليسَ مَوجودًا البَتَّة في اللُّغةِ اليونانيَّة. لِذا فإنَّ الكلمة "نُبُوَّة" تَعني: "يَتَكَلَّمُ أمامَ شَخصٍ آخر". وَهُوَ يَقولُ: "عِوَضًا عن أن يَتَكَلَّمَ الجَميعُ في نَفسِ الوقتِ كَلامًا غَيرَ مَفهومٍ، يَجِبُ على الجَميعِ أن يَقِفوا أمامَ الآخرينَ وأن يَتكلَّموا بكلمةِ الله". أَتَرَوْن؟ هَذا هُوَ ما يَنبغي أن يَحدُث. لا الفَوضَى والتَّشويشِ النَّاجِمَيْنِ عَنِ الألسِنَةِ، بلِ تَكَلُّمُ الأشخاصِ الَّذينَ يَنْطِقونَ بِكلامِ الله.
والآن، يا أحبَّائي، كانَ ذلكَ الكَلامُ أحيانًا إعلانِيًّا في تلكَ الأيَّام. وأحيانًا، كانَ ذلكَ الكَلامُ يُكَرِّرُ إعلانًا سَبَقَ تَقديمُهُ. ولكِنَّ النُّقطةَ الَّتي نُريدُ أن نُوَضِّحَها هُنا هِيَ أنَّهُ كَانَ يَنبغي للكنيسةِ أن تَجتمِعَ معًا لكي تَسمَعَ كَلِمَةَ اللهِ تُعلَن. أَلاَ تَظُنُّونَ أنَّهُ أمرٌ رَائِع؟ وَهَل تَعلمونَ مَا الَّذي نَفعلُهُ في هذا الصَّباحِ هُنا؟ يُمكِنُني أن أَعِدَكُم أنَّكُم إن جِئتُم إلى كَنيسةِ غريس (Grace Church) فإنَّكُم سَتَسمَعونَ ذلك.
فَلَن تَسمَعُوا ألفاظًا تُخاطِبُ الأحاسيسَ وَتُثيرُ العَواطِفَ أو أيَّ شَيءٍ مِن هذا القَبيل، بل سَتَسمَعونَ أُناسًا يَتكلَّمونَ بِكلامِ اللهِ حَتَّى تَؤولَ كُلُّ الأشياءِ إلى ماذا؟ البُنْيان. فَيَجِبُ عَلينا أن نَجتمِعَ لكي نَسمَعَ اللهَ يَتكلَّم. واللهُ يَستخدِمُ أشخاصًا لكي يَتكلَّمُوا نِيابَةً عَنهُ، أيْ أشخاصًا لَديهم مَوهِبَةُ التَّعليمِ، ومَوهبةُ الوَعْظِ أوِ النُّبوَّة. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "وَبِالأَوْلَى" أو "بالحَرِيِّ" أو "عِوَضًا عَنِ الألسِنَةِ، يَنبغي أن تَقولوا كَلامًا مَفهومًا".
وكَما تَرَوْنَ، فإنَّ السَّببَ الوَاضِحَ لِعَدَمِ تَفَوُّقِ الألسِنَةِ هُوَ أنَّهُ لا يُمكِنُ لأيِّ شَخصٍ أن يَفهمَ مَا قِيْل. فالمَرَّةُ الوَحيدةُ الَّتي يُمكِنُ فيها لِهذهِ المَوهِبَةِ أن تُستخدَمَ هِيَ عندما يَفهَمُ الحَاضِرونَ مَا قِيْل (كَما حَدَثَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُلِ، أو عِندما كانتْ هُناكَ صِلَةٌ بِيومِ الخَمسين كَمَا حَدَثَ مِرارًا في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل). وَقَد كانت آنذاكَ آيَةً؛ ولكِنَّها لم تُعْطَ قَطّ للبُنْيان. والحَقيقةُ هي أنَّها غيرُ نَافعةٍ البَتَّة للبُنْيان.
فكيفَ سَتَبني شَخصًا إنْ لم يَفهَم مَا تَقول؟ فَالبُنْيانُ الوَحيدُ الَّذي يُمكِنُ أن يَتحقَّقَ هُوَ عندما يَفْهَمُ الآخَرونَ ما يُقال، أو عِندَما يُتَرْجَمُ ذلكَ حَتَّى يُفهَم. ولكِنَّ الغَايَةَ مِنَ الألسِنَةِ لم يَكُنِ البُنيان. فَهُوَ لَم يَكُنِ البُنْيان، بل إنَّ الغَايَةَ مِنها هِيَ أن تَكونَ آيَةً تُبَيِّنُ أنَّ اللهَ كانَ يَتكلَّمُ، وأنَّ أنبياءَ العهدِ الجَديدِ وَرُسُلَ العهدِ الجديدِ كانوا بِحَقّ يُمَثِّلونَ صَوتَ الله.
والآن لاحِظُوا العَددَ الثَّاني. فَهُوَ مُهِمٌّ. فَهَذا هُوَ السَّببُ في أنَّ الألسِنَةَ ثَانَويَّة: "لأَنَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ لاَ يُكَلِّمُ النَّاسَ بَلِ اللهَ، لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَسْمَعُ، وَلكِنَّهُ بِالرُّوحِ يَتَكَلَّمُ بِأَسْرَارٍ". والآن اسمَعوني. مَا الَّذي يَقولُهُ؟ "لأَنَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ لاَ يُكَلِّمُ النَّاسَ بَلِ اللهَ". والنَّصُّ اليُونانِيُّ يَقولُ حَرفِيًّا: "بَلْ يَتَكَلَّمُ إلى إلَهٍ".
فَما يَفعلُهُ بولسُ هُنا هُوَ أنَّهُ يَقولُ: "انظُروا! أنتُم يَا مَنْ تُبَرْبِرونَ بِكَلامٍ وَثَنِيٍّ لا تَفعَلونَ مَا يَنْسَجِمُ مَعَ السَّبَبِ الَّذي لأجلِهِ أُعطِيَتِ كُلُّ المَواهِبِ وَهُوَ أن تُكَلِّمُوا النَّاسَ، بل إنَّكُم بِبَرْبَرَتِكُم الوَثنيَّةِ هَذِهِ تَتَكَلَّمونَ إلى إلَهٍ مَا. فَلا أَحَدَ يَفهَمُ مَا تَقولون. فَكُلُّ ما تَفعلونَهُ هُوَ أنَّكُم تَتَكَلَّمونَ بأسرارٍ وَثنيَّة". هَل تَرَوْنَ مَا يَقول؟ وَهَذِهِ ليستِ أسرارًا إلهيَّةً، وليسَتِ الأسرارَ الَّتي أعلَنَها بولُسُ، بل هِيَ أسرارٌ وَثنيَّة. فالشَّخصُ الَّذي يَتكلَّمُ بِلِسانٍ لا يُكَلِّمُ النَّاسَ.
والآن، اسمَحُوا لي أن أقولَ لَكُم شَيئًا يا أحبَّائي: إنَّ هَذا الحَقَّ هُوَ حَقٌّ رَئيسيٌّ وجَوهَرِيٌّ. فَكُلُّ المَواهِبِ الرُّوحيَّةِ أُعطِيَتْ بِقَصْدِ خِدمَةِ النَّاسِ أوِ التَّكلُّمِ إليهم. هَل فَهِمتُم ذلك؟ بِقَصْدِ خِدمَةِ النَّاس. فَلم تُعْطَ مَوهِبَةٌ رُوحيَّةٌ قَطّ لأجلِ اللهِ، بل لأجلِ النَّاس. فَكُلُّ المَواهِبِ أُعطِيَتْ لِبُنيانِ جَسَدِ المَسيح. فالقَصدُ مِنها هُوَ أن يَخدِمُ بَعضُنا بَعضًا. فاللهُ ليسَ بحاجَةٍ إلينا لكي نُمَارِسَ بِضعَ مَواهِبٍ عَليهِ. فَهُوَ لا يَنْقُصُهُ أيُّ شَيء. أليسَ كذلك؟ وبولسُ يَقول: "لقد أَخفَقتُم في استِخدامِ المَواهِبِ كَما يَنبغي لأنَّهُ كانَ يَنبغي أن تَستخدِموها لِخِدمَةِ النَّاس. فَما تَفعلونَهُ ليسَ مُوَجَّهًا للنَّاسِ، بَل هُوَ مُوَجَّهٌ لإلَهٍ مَا".
وَلا تُوجَدُ في النَّصِّ هُنا أداةُ تَعريفٍ. فالنَّصُّ لا يَقولُ: "بَلِ اللهَ". فَهُوَ لا يُشيرُ إلى الإلهِ الحَقيقيِّ، بل إنَّ التَّرجمةَ الأدَقَّ مِنْ وُجهَةِ نَظري هِيَ "بَلْ يَتَكَلَّمُ إلى إلَهٍ". بعبارةٍ أخرى: "أنتُم لا تَدْرونَ مَاذا تَفعلون. فأنتُم تُخاطِبونَ إلَهًا مَا، وتَتكلَّمونَ بِأسرارٍ وَثنيَّةٍ. وبِذلكَ فقد خَرَقْتُم المَبدأَ الأوَّلَ للمَواهِبِ الروحيَّةِ" وَهُوَ أنَّها يَنبغي أن تُستخدَمَ لِخِدمةِ آخرينَ، أي أشخاصًا آخرينَ أو أُناسًا آخرين. فاللهُ ليسَ بِحاجَةٍ إلى أن نَتكلَّمَ إليهِ بِكلامٍ غيرِ مَفهومٍ.
اسمَعوني: مِنَ المُدهِشِ في نَظري أنَّ الحَركةَ الكَارِزماتِيَّةَ المُعاصِرَةَ بَعيدَةٌ عَنِ الفَهْمِ الصَّحيحِ للألسِنَة. فَهُم يُكَرِّرونَ أخطاءَ الكُورِنثيِّينَ ويُعَلِّمونَ أنَّ الاستعمالَ الأساسيَّ للألسِنَةِ هُوَ أنَّها لُغَةُ صَلاةٍ خَاصَّةٍ للتَّخاطُبِ مَعَ الله. وَهَذا هُوَ تَمامًا مَا يَدينُهُ بولسُ هُنا. فَهُوَ يَقول: "لقد أَخطأتُم في استِعمالِ الألسِنَةِ كَما يَنبغي". فالغَايَةُ مِنَ استِخدامِ هَذهِ المَوهِبَةِ هِيَ أنْ تُكَلِّمُوا بها النَّاس. ولكِنَّ بَرْبَرَتَكُم هِيَ تَكَلُّمٌ مَعَ إلَهٍ مَا دُونَ أن يَفهَمَ الآخرونَ مَا تَقولونَ إنْ كُنتُم تُبَربِرونَ بأسرارٍ وَثنيَّة. فاللهُ لا يُريدُ مِنَّا أن نَتكلَّمَ هَكذا". فَاللهُ لم يُرِد يَومًا أن نُكَلِّمَهُ بِكلامٍ لا نَفهَمُهُ.
تَفَحَّصُوا الرَّسائِلَ، وانظُروا إلى كُلِّ صَلاةٍ رُفِعَتْ في الرَّسائِل. وعندما تَنْتَهونَ مِن ذلك، تَفَحَّصُوا كُلَّ صَلاةٍ في الكتابِ المقدَّسِ، ثُمَّ تَفَحَّصُوا كُلَّ صَلاةٍ صَلاَّهَا يَسوعُ، ثُمَّ تَفَحَّصُوا كُلَّ شَيءٍ قَالَهُ يَسوعُ عَنِ الصَّلاةِ وانظروا إنْ كُنتُم سَتَجِدونَ أيَّةَ كَلِمَةٍ في أيِّ مَوضِعٍ أو أيِّ وَقتٍ تُشيرُ إلى أنَّهُ يَنبغي أن يَكونَ كَلامًا غَيرَ مَفهوم. لَن تَجِدوا ذلكَ البَتَّة.
والحَقيقةُ هي أنَّ يَسوعَ قَالَ العَكسَ تَمامًا في إنجيل مَتَّى 6: 7. اسمَعوا مَا يَلي: "وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلاً [كَمَنْ؟] كَالأُمَم". وَهَل تَعلمونَ مَا المَقصودُ بالكَلامِ الباطِل؟ إنَّها تَرجمةٌ للكلمة "باتالوغيئو" (battalogeo). والكلمة "لوغيئو" مَعناها: "يَتكلَّم". وهي الكلمة الَّتي اشتُقَّتْ مِنها الكلمة "لوغوس" (logos) ومَعناها: "كَلِمَة". والسَّابقةُ هِيَ "باتا" (batta). وَ "باتا" هي ليست كَلِمَة، بَل هي مَا يُسَمَّى... هَل تَذكرونَ ذلك؟ "هَذَرٌ". هَل تَذكرونَ ذلك؟
وَهَل تَعلمونَ مَا هُوَ الهَذَرُ؟ إنَّهُ مُجَرَّدُ تَكرارٍ لِكلامٍ فَارِغٍ، أو تَكرارٌ لِكلامٍ أجوف، أو تَكرارٌ لِكلامٍ لا مَعنَى لَهُ. فَهُوَ ليسَ كَلامًا، بَلْ هُوَ هَذَرٌ. وَهُوَ يُشبِهُ الاستعارَة. فالسَّابقَةُ "باتا" (batta) هي ليست كلمة أيضًا. وَما يَقولُهُ في الحَقيقةِ هُوَ (بِحَسَبِ النَّصِّ اليُونانِيِّ الحَرفِيِّ): "حِينَما تُصَلُّونَ" (كَما يَقولُ في إنجيل مَتَّى 6: 7)، لا تَقولوا: ’باتا، باتا، باتا‘، أو لا تَقولوا للهِ: "هَالُو-مَاتُو-تَاتُو-بَاتُو". هَذِهِ هِيَ الفِكرةُ هُنا.
فَهذا ليسَ تَخاطُبًا يُريدُهُ اللهُ. وَهَذا هُوَ ما كانَ الوَثنيُّونَ يَفعلونَهُ. بعبارةٍ أخرى، حَتَّى في زَمَنِ يَسوعَ، أدركَ يَسوعُ أنَّ هُناكَ بَرْبَرَةً أو هَذَرًا أو هَذْيًا يَقولُهُ الوَثنيُّونَ لآلِهَتِهم. وَهُوَ يَقولُ: "هَذا هُوَ تَمامًا ما أريدُ مِنكُم أن تَمْتَنِعُوا عَنهُ عندما تُصَلُّونَ إلى الآب". فيجبُ علينا أن نُصَلِّي دائمًا بكلامٍ مَفهوم. ويجبُ علينا دَائمًا أن نُصَلِّي بِفَهْمٍ (كَما يَقولُ بولُس). ويجبُ علينا دائمًا أن نَفهمَ مَا نَقول، وَأن نَتكلَّمَ بِوُضوحٍ إلى الله.
فعندما ذَهبَ يَسوعُ إلى البُستانِ ليُصَلِّي إلى الآبِ، لم يَتكلَّم بِلُغَةٍ سَماوِيَّةٍ. فَما الَّذي يَدفَعُكُم أنتُم إلى القِيامِ بذلك؟ فعندما تَخَاطَبَ الآبُ مَعَ الابنِ، كانَ الكَلامُ بِلُغَةٍ وَاضِحَة. وعندما وَقَفَ يَسوعُ عندَ قَبْرِ لِعازَر لكي يُقيمَهُ مِنَ المَوتِ، صَلَّى. وَقد سَمِعَ يُوحَنَّا كُلَّ كلمةٍ صَلاَّها وَدَوَّنَها بِنفسِ الطَّريقةِ الَّتي نَطَقَها بِها. وقد كانت صَلاةً وَاضحةً ومَفهومَة. وإذا دَرَستُم الأصحاحَ السَّابعَ عَشَر مِن إنجيلِ يُوحَنَّا، واستَمعتُم إلى الصَّلاةِ الخَاصَّةِ بينَ يَسوعَ والآبِ، سَتَجِدونَ أنَّها واضِحَةٌ جدًّا. وَقَد تَمَّتْ تَرْجَمَتُها بأسلوبٍ بَديعٍ إلى اللُّغةِ الإنجليزيَّةِ مِنَ اللُّغَةِ الأصليَّة.
ولكِنَّ الكُورِنثيِّينَ الجَسَدِيِّينَ، الَّذينَ أَخْشَى أنَّهُم يُشبِهونَ الكَارِزماتِيِّينَ المُعاصِرينَ، والَّذينَ كانوا يَرغبونَ في التَّظاهُرِ وَجَذْبِ انتباهِ النَّاسِ إليهِم، ويُحِبُّونَ أنفسَهُم، ويَظُنُّونَ أنَّهُم حَصَلُوا على مَوهبةِ الألسِنَةِ، كَانُوا يَستخدِمونَها للتَّباهِي بِرُوحَانِيَّتِهِم. وَقد كانوا يَقولونَ: "لَقَد بَلَغْتُ المُستَوى الرُّوحِيَّ الفُلانِيَّ ويُمكنُني الآنَ أن أتكلَّمَ إلى اللهِ الأبديِّ بِلُغتي الخَاصَّة". ولكِنِ اعلَمُوا، يا أحبَّائي، أنَّ هذهِ وَثَنِيَّةٌ صِرْفَة... وَثَنِيَّةٌ صِرْفَة. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "لَقَد أَسأتُم فَهْمَ المَعنى المَقصود. فأنتُم لا تُكَلِّمونَ النَّاسَ مِن خِلالِ المَوهبةِ الحَقيقيَّةِ، بل إنَّكُم تُكَلِّمونَ إلهًا مَا بِطريقةٍ سِرِّيَّة".
والأسرارُ الَّتي كانوا يُؤمِنونَ بها كانت أسرارًا خَفِيَّةً وَباطِنيَّةً لا يَعرِفُها إلاَّ المُتَعَمِّقون. ولا يُمكِنُكَ أن تَعرفَ تِلكَ الأسرارَ إلاَّ عندما تَدخُلُ في حَالَةِ نَشْوةٍ، وإلاَّ إذا خَرَجْتَ مِنْ جَسَدِكَ وَاتَّصلتَ بإلهِكَ. فَحينئذٍ فقط تَحصُلُ على تلكَ الأسرار. أَتَرَوْن؟ ولكِن يا أحبَّائي، هَل تَعلَمونَ شَيئًا؟ كُلُّ شَخصٍ في الكَنيسةِ قد حَصَلَ على كُلِّ ما يَلزَمُهُ أن يَعرِفَهُ. فَكُلُّ شَخصٍ في الكَنيسةِ قد حَصَلَ على كُلِّ الأسرار. أليسَ كذلك؟ فَلا تُوجَدُ أسرار. لِذا فإنَّهُ يَقول: "لَقَد أسَأتُم فَهْمَ ذلك. فالألسِنَةُ لا تَخدِمُ النَّاسَ بالطَّريقةِ الَّتي تُمارِسوها فيها. فالأمرُ لا يَتوقَّفُ على أَلسِنَتِكُم، وَلا عَلى لُغاتِكُم لأنَّهُ لا يُوجَدُ شَخصٌ وَاحِدٌ يَفهَمُ مَا تَقولون".
"وَأَمَّا [في العَددِ الثَّالِثِ] مَنْ يَتَنَبَّأُ، فَيُكَلِّمُ النَّاسَ". أَتَرَوْنَ؟ "هَذا هُوَ مَا أريدُ مِنكُم أن تَفعلوه". لأنَّهُ عِندما تُكَلِّمونَ النَّاسَ فإنَّ ثَلاثةَ أشياءٍ سَتَحدُث: بُنْيانٌ، وَوَعْظٌ، وتَعزية. فَسوفَ تَتَكَلَّمونَ بِكلمةِ اللهِ. وَهل تَعلمونَ مَا الَّذي سيَحدُث؟ سَوفَ تَحدُثُ أمورٌ في حَياتِهم. فَسوفَ يَحْدُثُ بُنْيانٌ قَبلَ كُلِّ شَيء.
ثَانيًا، سَوفَ يَتَشَجَّعونَ للقيامِ بِشيءٍ جَديد. ثَالثًا، سَوفَ يَتَعَزَّى النَّاسُ في حُزْنِهِم وَآلامِهِم. هَذا هُوَ ما أريدُ مِنكُم أن تَفعَلوه. عندما تَجتَمِعونَ، أريدُ أن أسمَعَ كَلِمَةَ اللهِ تُعلَن، لا أن تَقولوا: "باتا، باتا، باتا". فَيَنبغي أن يَسمعَ النَّاسُ كَلِمَةَ اللهِ تُعلَن.
العَددُ الرَّابع: "مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ يَبْنِي نَفْسَهُ، وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ فَيَبْنِي الْكَنِيسَة". أيُّهُما أفضَل؟ أيُّهُما أفضَل؟ ما الَّذي يُحاوِلُ بولُسُ أن يَقولَهُ؟ وما المَغزى مِنَ الأصحاحِ بِمُجملِه؟ ابْنُوا مَاذا؟ الكَنيسة. ابْنُوا الكَنيسة... ابْنُوا الكَنيسَة. فَبِناءُ نَفسِكَ ليسَ الهَدَف. اسمَعوني يا أحبَّائي: أنتُم لم تَحصُلوا على أيَّةِ مَوهبةٍ رُوحِيَّةٍ لأجلِ أنفسِكُم البَتَّة... البَتَّة. وإنْ حَصَلَ شَخصٌ على مَوهبةٍ رُوحِيَّةٍ واستَخدَمَها لِمَنفعَتِهِ الشَّخصيَّةِ يَكونُ قَد أَسَاءَ استخدامَ تِلكَ المَوهبة. لِماذا؟ لأنَّهُ حَصَلَ عَليها لأجلِ الآخرين. فَالهَدَفُ مِنها هُوَ بِناءُ الجَسَد.
وَقد تَقول: "حَسنًا! ولكِنَّ الآيَةَ تَقولُ يا جون إنَّهُ بِإمكانِكَ أن تَتكلَّمَ بِلسانٍ كَيْ تَبني نَفسك". هَذا صَحيح، ولكِنَّكَ لا تَبني الكنيسة. وَهَذا هُوَ المَعنى المَقصود. فأنتَ لا تَبني الكنيسة. وَقد تَقول: "ولكِنْ إنْ تَمَّتْ تَرجمةُ الألسِنَةِ فإنَّكَ تَبني الكَنيسة". حسنًا! في هَذِهِ الحَالَةِ، إنَّ مَوهبةَ التَّرجمةَ هِيَ الَّتي تَبني، لا مَوهبةَ الألسنَة.
فَموهبةُ الألسِنَةِ هِيَ بِلا نَفْعٍ لِبناءِ الكَنيسة. أليسَ كذلك؟ لأنَّهُ لَن يَعلمَ أحدٌ مَا الَّذي تَقولُه. وَهَذا هُوَ ما يَقولُهُ بولسُ للكورِنثِيِّين. "في ضَوْءِ كُلِّ مَا يَجري، حَتَّى في حَالِ استِخدامِ المَوهبةِ الحَقيقيَّةِ، وَحَتَّى في حَالِ وُجودِ شَخصٍ يَمْلِكُ المَوهبةَ الحَقيقيَّةَ، فإنَّ تلكَ المَوهبةَ لن تُسْهِمَ في بِناءِ أيِّ شَخصٍ في ذَاتِها، بل يَنبغي أن تُتَرجَم". هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ في نِهايةِ العَددِ الخَامِس: "إِلاَّ إِذَا تَرْجَمَ، حَتَّى تَنَالَ الْكَنِيسَةُ بُنْيَانًا".
وَهَل تَعلمونَ مَا الشَّيءُ الرَّائِع؟ عندما كانتِ المَوهبةُ الحَقيقيَّةُ تُستخدَم، وعِندما كانت تُستخدَمُ آيَةً، وعندما أرادَ اللهُ أن يَستخدِمَ المَوهبةَ الحَقيقيَّةَ واستُخدِمَتْ مِنْ قِبلِ المُؤمِنينَ هُناكَ، كانَ اللهُ يَحرِصُ دائمًا على وُجودِ شَخصٍ يُتَرجِمُ مَا يُقال لكي يَكونَ المَعنى مَفهومًا للكنيسةِ لأنَّهُ حَتَّى إنْ تَمَّ استِخدامُ المَوهبةِ الحَقيقيَّةِ دُوْنَ أنْ تَكونَ قَادِرَةً على البِناءِ، كانَ اللهُ يُعطي مَوهبةَ التَّرجمةِ كَيْ يَجْعَلَها بَنَّاءَةً لأنَّ اللهَ لا يُريدُ أن يَحدُثَ أيُّ شَيءٍ في الكَنيسةِ إلاَّ إنْ كانَ يُسْهِمُ في دَعْمِها وَبُنْيانِها. ولكِنَّ الطَّريقةَ الَّتي استَخدَمَ فيها الكورِنثيُّونَ مَوهبةَ الألسِنَةِ كانت فَوضَويَّة. وقد ارتَأَوْا أنَّ المَوهبةَ في ذاتِها يُمكِنُ أن تَبني الكنيسة. ولكنَّ هَذا غير صَحيح. وعندما يَستخدِمُ النَّاسُ الألسِنَةَ لِمَصلحتِهم الشَّخصيَّةِ فإنَّهُم يُحاوِلونَ أن يَبْنوا أنفسَهُم.
وَهَل تَعلَمونَ شَيئًا؟ هُناكَ انحِرافٌ آخر. فَمَوهِبَتُكم أُعْطِيَتْ في المَقامِ الأوَّلِ لأجلِ النَّاسِ، لا لأجلِ اللهِ. ثانيًا، لَقَدْ أُعطِيَتْ لأجلِ النَّاسِ، لا لأجلِ مَصالِحِكُم الشَّخصيَّة. أَتَرَوْنَ؟ لا لأجلِ مَصالِحِكُم الشَّخصيَّة. وَعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّ "دونالد جي" (Donald Gee)، وَهُوَ كَارِزماتِيٌّ مَشهور، يَقول: "القَصْدُ المُعلَنُ لمَوهبةِ الألسِنَةِ هُوَ تَعَبُّدِيٌّ بالدَّرجةِ الأولى. وَنَحنُ نَفْعَلُ حَسَنًا إنْ رَكَّزْنا على هذهِ الحَقيقة". ويَقولُ "لاري كريستينسون" (Larry Christenson): "المَرءُ يَتكلَّمُ بألسِنَةٍ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ في تَعَبُّداتِهِ الشَّخصيَّة. فَهَذا هُوَ أَهَمُّ استِخدامٍ وَهذهِ هِيَ أَهَمُّ قِيمَة". [نِهايةُ الاقتباس].
وكَما تَرَوْنَ، هَذا مُناقِضٌ تَمامًا لِما يَقولُهُ بولُس. فَهُوَ يَقولُ أوَّلاً: "مَوهِبَتُكُم هي ليسَت أن تَتكلَّمُوا إلى الله". ثَانِيًا: "مَوهِبَتُكُم هِيَ ليست لأجلِ مَصلَحَتِكُم الشَّخصيَّة". أَتَرَوْنَ؟ فالنُّقطةُ الجَوهريَّةُ هِيَ أنَّها لأجلِهم... أنَّها لأجلِهِم... أنَّها لأجلِهم. لِذا، إنْ كُنتُم تُحاولونَ أن تَبْنوا اللهَ فَقَد خَرَجْتُم عَنِ الخَطّ. وإنْ كُنتُم تُحاولونَ أن تَبْنوا أنفسَكُم فَقَد خَرَجتُم عَنِ الخَطّ. وَنَجِدُ مَا يُشْبِهُ السُّخريةَ هُنا: "مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ يَبْنِي نَفْسَهُ". فَكما تَعلَمونَ فإنَّ بولسَ قَد نَقَضَ للتَّوِّ مَسألةَ بُنْيانِ النَّفسِ. فَقد عَالَجَ تلكَ المَسألةِ في اعتقادي مُعالجةً حَاسِمَة.
فإنْ رَجَعتُم مَعي قَليلاً إلى الأصحاحِ الثَّامنِ سَأُريكُم قَصْدي في العَددِ العَاشِر. لَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّهُ يَتحدَّثُ هُنا عَن مَوضوعِ اللَّحمِ المُقَدَّمِ للأوثان. وَبولسُ يَقولُ: "ليسَ مِنَ الخَطأِ أن تَأكُلَ لَحمًا قُدِّمَ لِوَثَنٍ، ولكِنْ يُوجدُ مُؤمِنونَ ضُعفاءُ يَظُنُّونَ أنَّ ذلكَ خَطأ. لِذا، لا تَفعل ذلك لِئلاَّ تُعثِرَهُم". أَتَرَوْن؟ فَسوفَ تُعثِرُهُم لأنَّهُم يَشعُرونَ بأنَّ هَذا خَطأ.
لِذا فإنَّنا نَقرأُ في العَددِ العَاشِر: "لأَنَّهُ إِنْ رَآكَ أَحَدٌ يَا مَنْ لَهُ عِلْمٌ [أو: أيُّها المُؤمِنُ النَّاضِجُ أوِ الرَّاشِدُ أوِ القَوِيُّ] مُتَّكِئًا فِي هَيْكَلِ وَثَنٍ..." وَتأكُلُ لَحْمًا قُدِّمَ لِوَثَنٍ، وَتَجلِسُ هُناكَ وَتَفعلُ ذلك. "...أَفَلاَ يَتَقَوَّى ضَمِيرُهُ..." أوْ "يُبْنَى؟ وَهِيَ نَفسُ الكَلِمَةِ تَمامًا المُستخدمَة في الأصحاحِ الرَّابع عَشَر. "أَفَلاَ يَتَقَوَّى ضَمِيرُهُ إِذْ هُوَ ضَعِيفٌ، حَتَّى يَأْكُلَ مَا ذُبِحَ لِلأَوْثَانِ؟ فَيَهْلِكَ بِسَبَبِ عِلْمِكَ الأَخُ الضَّعِيفُ". بِعبارةٍ أخرى، قَد تَبْني شَخصًا بِطريقةٍ تُسْهِمُ في هَلاكِه. هَل فَهِمتُم المَعنى المَقصود؟ فَهُوَ يَستخدِمُ نَفسَ اللَّفظَة.
فَالبُنْيانُ قَد يَكونُ لِمَصلَحَةِ الشَّخصِ الآخَرِ أو ضِدَّ مَصْلَحَتِه. والمَعنى المَقصودُ هُوَ أنَّكَ إنِ استَخدمتَ المَوهبةَ لبُنيانِ الكنيسةِ فإنَّهُ استِخدامٌ جَيِّد. أمَّا إنِ استَخدمتَ المَوهبةَ لكي تَبني نَفسَكَ وَحَسْب فإنَّهُ عَمَلٌ أنانِيٌّ وَسَيِّء. فالكلمة "يَبني"... وأنا أحاولُ وَحَسْب أن أُقَدِّمَ لَكُم مَعلومةً مُفيدةً... قَد تَعني بُنْيانًا للخَيرِ أوِ الشَّرّ. لِذا، يَجِبُ عليكم أن تَحْتَكِمُوا إلى المَبادئِ الصَّحيحة. والآن، افتَحوا على الأصحاحِ العَاشِر وَلننظُر إلى العَدد 23: "«كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي». لِنَقُل إنِّي حَصلتُ على مَوهبةِ الألسِنَةِ ويُمكِنُني أن أَستَخدِمَها كَما أَشاء. "لكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوَافِقُ. «كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي»، وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تَبْنِي". تَبني مَن؟ نَقرأُ في العَدد 24: "لاَ يَطْلُبْ أَحَدٌ مَا هُوَ لِنَفْسِهِ [أو: بِناءَ نَفسِهِ]، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مَا هُوَ لِلآخَرِ [أو: بُنْيان الآخر]".
هَل تَرَوْنَ المَعنى المَقصود؟ بِعبارةٍ أخرى، كُلُّ الأشياءِ قَد تَكونُ مُلائمةً لَكَ، ولكن لا تُمارِسها لِمُجَرَّدِ أنَّها تُلائِمُكَ أنتَ، بَل مَارِسْها لأنَّها سَتُفيدُ شَخصًا آخَر. هَذهِ هِيَ الغَايَةُ مِنْ كُلِّ المَواهِبِ الرُّوحيَّة. فَهِيَ ليستَ لأجلِ اللهِ، وَهِيَ ليسَت لأجلِكَ أنتَ، بَلْ هِيَ لأجلِ الكَنيسة. لِذا، عِندما تَجتَمِعونَ، عَوَضًا عَن أن يَسعَى كُلٌّ مِنكُم إلى التَّعبيرِ بِطريقَتِهِ وبِناءِ نَفسِهِ، فإنَّ المَحبَّةَ تَفعلُ مَا يَلي إذْ نَقرأُ في رسالة كورنثوسَ الأولة 13: 5 أنَّ المَحبَّةَ: "لاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا". أَتَرَوْنَ المَعنى المَقصود؟ فَهَذا هُوَ مَا يُحاوِلُ أن يَقولَهُ.
لِذا فإنَّ المَوهبةَ لم تُعْطَ مِن أجلِ اللهِ، وَلا مِنْ أجلِ بُنْيانِ النَّفس. فالألسِنَةُ لا تَستطيعُ أن تَبني الكَنيسةَ مَعَ أنَّها قَد تُشْعِرُكَ بِشَيءٍ مِنَ الحَماسَة. فَحَتَّى إنْ حَصَلَ هَؤلاءِ النَّاسُ على المَوهبةِ الحَقيقيَّةِ واستَخدَموا المَوهبةَ الحَقيقيَّةَ بأنفسِهِم وحَصَلوا مِنْها على بُنْيانِ الذَّاتِ، فإنَّ بولسَ يَقول: "يَجِبُ أن تَعلَموا أنَّكُم أَسَأتُم استِعمالَها". فَهذا سُوْءُ استِعمال. "يَجِبُ عليكم أن تَستعمِلوها للغايَةِ الَّتي قَصَدَ اللهُ أن تُستَخدَمَ لأجلِها؛ وإلاَّ، قَد تَتَكَلَّمونَ بألسِنَةِ النَّاسِ وَالمَلائكة. ولكِنْ حيثُ إنَّكُم تَسْعَوْنَ إلى بُنْيانِ أنفسِكُم، فإنَّكُم لَسْتُم مُحِبِّين. لِذا، قَد تَصيرونَ مَاذا؟ "نُحَاسًا يَطِنُّ وَصَنْجًا يَرِنُّ".
والآن، أخيرًا في هَذا المَقطَعِ، يُلَطِّفُ بُولُسُ كَلماتِهِ القَويَّةَ بشأنِ الطَّبيعةِ الثَّانويَّةِ للألسِنَةِ وعَدَمِ نَفْعِ الألسِنَةِ للبُنْيانِ بالإقرارِ بأنَّ هُناكَ مَوهبةً حَقيقيَّةً، وبأنَّ لَها مَكانةً حَقيقيَّةً في العَددِ الخَامِس: "إِنِّي أُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَكُمْ تَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ". وَقَد تَقول: "بولُس! لِماذا قُلْتَ ذلك؟" وَلا شَكَّ في أنَّ هُناكَ وُعَّاظًا إنجيليِّينَ رَاسِخينَ يَتَمَنَّوْنَ لو أنَّ تِلكَ الآية غَير مَوجودة في الكتابِ المقدَّسِ بسببِ الكَارِزماتِيِّينَ الَّذينَ يَقولونَ: أَتَرَوْنَ أنَّهُ يَقولُ ’إِنِّي أُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَكُمْ تَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ‘".
ولكِن كَما تَرَوْنَ، يَجِبُ عَليكُم أن تَفهموا هذهِ الكلماتِ في ضَوءِ الآياتِ الكِتابيَّةِ الأخرى. فَنحنُ نَقرأُ على سَبيلِ المِثالِ في الأصحاحِ الثَّاني عَشَر والعَدد 30: "أَلَعَلَّ لِلْجَمِيعِ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ؟" وَما هُوَ الجَوابُ الضِّمنِيُّ الَّذي يَقْتَضيهِ التَّركيبُ اليُونانِيُّ لهذهِ الأسئلة؟ "لا". ونَقرأُ في العَددِ الحادي عَشَر مِنَ الأصحاحِ الثَّاني عَشَر: "وَلكِنَّ هذِهِ كُلَّهَا يَعْمَلُهَا الرُّوحُ الْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ، قَاسِمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ، كَمَا يَشَاءُ". وَقَد تَقول: "إذًا، مَا الَّذي يَقصِدُهُ بِقولِهِ: ’إنِّي أُريدُ؟ إنْ كانَ يَعلَمُ أنَّهُم لا يَستطيعونَ القيامَ بذلك؟" إنَّها مُبالَغَةٌ وَحَسْب. فمَثلاً، ارجِعُوا إلى الأصحاحِ السَّابعِ مِن رسالةِ كورنثوسَ الأولى كي أُريكُم شَيئًا مُدهِشًا.
ففي الأصحاحِ السَّابعِ والعَددِ السَّابعِ مِن رسالةِ كورِنثوسَ الأولى، يَتحدَّثُ بولسُ عَنِ الزَّواجِ هُنا ويَقولُ إنَّ الزَّواجَ شَيءٌ رَائعٌ. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَددِ السَّابع: "لأَنِّي أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ النَّاسِ كَمَا أَنَا". بِعبارةٍ أخرى: "أتَمَنَّى أن تَكونوا جَميعًا عَازِبين". والآن، هَل هَذهِ جُملةٌ حَقيقيَّةٌ أو وَصِيَّةٌ إلهيَّةٌ حَقيقيَّة؟ لا. إنَّها تَمَنِّي حُدوثُ شَيءٍ مُستحيلٍ بِقَصْدِ التَّأكيد. أليسَ كذلك؟ وَهَذا هُوَ تَمامًا مَا يَفعلُهُ بولُسُ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصحاح 14. فَهُوَ يَقول: "أنا لا أُقَلِّلُ مِن شَأنِ مَوهبةِ الألسِنَةِ، بَلْ أَتَمَنَّى لو كانت هُناكَ طَريقةٌ يَحصُلُ فيها الجَميعُ على المَوهبةِ الحَقيقيَّة. أَلَنْ يَكونَ الأمرُ رائعًا! أيْ أنْ نَحصُلَ جَميعًا على تلكَ المَوهبةِ الحَقيقيَّة؟"
ولكِنَّهُ يَعلمُ أنَّ هَذا مُنافٍ للواقِع. فَهذا لَن يَحدُث. وَهُوَ يَستخدِمُ هُنا أسلوبَ المُبالغةِ للتَّلطيفِ مِن كِلِماتِهِ القويَّةِ الَّتي أَنْكَرَ فيها تَفَوُّقَ الألسِنَةِ، وللتَّأكيدِ على أنَّهُ تُوجَدُ مَوهبةٌ حَقيقيَّة. ولكِنَّهُ يَسْتَطْرِدُ قَائِلاً: "وَلكِنْ بِالأَوْلَى أَنْ تَتَنَبَّأُوا". فَلو كَانَ الأمرُ بِيَدي لَما مَانَعْتُ في أن يَتكلَّمَ الجَميعُ بألسِنَة؛ ولكِنَّ الأروعَ مِن ذلكَ هُوَ أن يَستَخدِمَ الجَميعُ مَوهبةَ النُّبوَّة. ولكِنَّ هَذا لَن يَحدُثَ أيضًا. أليسَ كذلك؟ فَهُوَ يَقولُ وَحَسْب: لَو كَانَ الأمرُ بِيَدي لَتَمَنَّيْتُ أن يَحصُلَ الجَميعُ على تلكَ المَوهبة. "لأَنَّ مَنْ يَتَنَبَّأُ أَعْظَمُ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةٍ".
لِماذا؟ لأنَّهُ مَا لَمْ تَتِمَّ تَرجمةُ الألسِنَةِ فإنَّ الكَنيسةَ لا يُمكِنُ أنْ تُبْنَى. فَما لَمْ تُتَرْجَم، لن تَكونَ نَافِعَةً للكنيسة. والحَقيقةُ هي أنَّني سأُخبِرُكُم شَيئًا آخر. يَجِبُ على الأشخاصِ الَّذينَ يَظُنُّونَ أنَّ هُناكَ شَيئًا عَظيمًا يَحدُثُ بسببِ استخدامهِم لُغَةً خَاصَّةً في الصَّلاةِ إلى اللهِ أنْ يَعلَموا أنَّ ذلكَ لا يُفيدُهُم في شَيءٍ أيضًا لأنَّهم لا يَعلَمونَ مَا يَقولون. لِذا، لَيسَت هُناكَ عَمليَّةُ تَعَلُّمٍ تَحْدُثُ في العَقل.
لِذا فإنَّ ذلكَ كُلَّهُ هُوَ مُجَرَّدُ نَشْوَةٍ حِسِّيَّة. فَهيَ مُجَرَّدُ مَشاعِر أو عَواطِف. والمَسيحيَّةُ، يا أحبَّائي، لم تَقُمْ البَتَّة على المَشاعِر... البَتَّة. لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "هُناكَ مَوهبةٌ حَقيقيَّةٌ". وَكَما رأينا مِن خِلالِ الأصحاحِ الثَّالث عَشر والعَددِ الثامِنِ فإنَّها انْتَهَتْ. أَتَذكُرونَ ذلك؟ فالألسِنَةُ سَتَنتَهي. فإنْ حَصلتُم على المَوهبةِ الحَقيقيَّةِ فإنَّ هَذا حَسَنٌ. وَقَدْ كانَ هُناكَ قَصْدٌ مِنها كَما سَنَرى لاحقًا في هذا الأصحاحِ إذْ إنَّها أُعْطِيَتْ لتكونَ آيَةً. ولكِن إنِ اجتمعتِ الكنيسةُ مَعًا، تَنَبَّأوا ونَادُوا بكلمةِ الله".
مَا الَّذي نَفْهَمُهُ مِن ذلك؟ نَفْهَمُ شَيْئَيْن. هَل أنتُم جَاهِزون؟ أوَّلاً: عندما تَجتمعُ الكنيسةُ معًا، مَا الَّذي تَجتَمِعُ لِتَفعلَهُ؟ أنْ تَسمَعَ كَلِمَةَ الله. فَنَحنُ هُنا لِهَدَفٍ. أليسَ كذلك؟ ثَانِيًا: يَجِبُ علينا أن نَحْذَرَ وَأنْ نَمْنَعَ الأشياءَ الوَثنيَّةَ مِنَ الامتزاجِ بالحَقِّ الإلهيِّ المَوجودِ في الكنيسةِ الطَّاهرة. أليسَ كذلك؟ كَما حَدَثَ مَعَ هَؤلاء.
وهُناكَ مُلاحظةٌ صَغيرةٌ مُدهشةٌ هُنا. فَهِيَ مَوجودةٌ هُناكَ وَحَسْب. هَل تُلاحِظونَ في العَددِ الثَّاني والعَددِ الرَّابعِ (بَعدَ الكلمةِ "لِسَان") أنَّ مُتَرْجِمي تَرجمةِ المَلِك جيمس (King James) وَضَعُوا الكلمة "مَجهول" هُناك؟ هَل لاحَظتُم ذلك؟ ولكِنَّهُم لا يَضَعونَها في العَددِ الخَامِسِ بعدَ الكلمة "أَلسِنَة". هَل تَعلَمونَ لماذا؟ يَبدو أنَّهُم أَضافُوا الكلمة "مَجهول" إنْ وَرَدَتِ الكلمة "لِسان" بِصيغةِ المُفْرَد، وأنَّهُم لم يُضيفوها إنْ وَرَدَتْ بِصيغةِ الجَمْع.
وَيَرى عَدَدٌ مِن عُلَماءِ الكتابِ المقدَّسِ أنَّ السَّببَ في ذلكَ هُوَ أنَّهُ عندما استَخدَمَ بولُسُ صِيغةَ المُفردِ فإنَّهُ كَانَ يُشيرُ إلى بَرْبَرَتِهِم غيرِ المَفهومةِ والَّتي كَانَتْ كُلُّها مِن نَفسِ النَّوعِ. فَهِيَ مُجَرَّدُ لِسانٍ أو بَرْبَرَةٍ. ولكِنْ عندما يُشيرُ إلى المَوهبةِ الحَقيقيَّةِ فإنَّهُ يَستخدِمُ الكلمة "لُغَات" كَما حَدَثَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُلِ إذْ إنَّ "كُلَّ وَاحِدٍ كَانَ يَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَتِهِ". لِذا، فإنَّهُ يَقولُ في الأعداد 1-4: "إنَّ مَوهِبَتَكُم الزَّائفة خَطأ"، ولكِنَّهُ يَقولُ في العَددِ الخَامِسِ: "المَوهبةُ الحَقيقيَّةُ لا بأسَ بِها عِندَما تُتَرْجَمُ حَالاً".
لِذا يا أحبَّائي، يَجِبُ علينا أن نَتَيَقَّنَ مِن شَيئَيْن: أوَّلاً: أنَّنا نَجتَمِعُ مَعًا لكي نَسمَعَ الكلمة. ثانيًا، أنْ نَحذَر. فالشَّيطانُ لم يُغَيِّر أُسلوبَهُ الخَبيثَ البتَّة. وَهُوَ يُحاولُ دائمًا أن يَنْدَسَّ في الكَنيسة. واسمَعوني يا أحبَّائي: هُناكَ خَطَرٌ شَديدٌ في أن تَطلُبوا شَيئًا لا يُعطيهِ اللهُ لأنَّكُم بذلكَ تَفْتَحونَ البابَ على مِصْراعَيْهِ أمامَ الأشياءِ الزَّائفةِ الَّتي يُقَدِّمُها الشَّيطان. دَعونا نُصَلِّي:
يا أبانا، نَشكُرُكَ على وَقتِنا في هذا الصَّباحِ وَعلى دِراسَتِنا مَعًا لهذا النَّصّ. ونحنُ نُصَلِّي، يا رَبُّ، أن تَجِدَ هذهِ الأفكارُ طَريقَها إلى قُلوبِنا بطريقةٍ مَا، وأنْ تُعطي ثَمَرًا. ساعِدنا على أن نُحْسِنَ التَّعامُلَ مَعَ الأشخاصِ الَّذينَ يَختلِفونَ عَنَّا، وأن نُعامِلَهُم بكُلِّ مَحَبَّةٍ وَحُنُوٍّ، وأن نَنْصَحَهُم بِصِفَتِهم إخوةً كَما فَعَلَ بولُس. وَساعِدنا على أن نَتَمَسَّكَ بِما نَعلَمُ أنَّهُ صَحيحٌ، وَساعِدنا في المَقامِ الأوَّلِ على أن نَحفَظَ الكَنيسةَ طَاهرةً وأن نُرَكِّزَ على كلمةِ الله. نُعطيكَ كُلَّ المَجدِ باسمِ يَسوع. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
