Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في دَرسِ الكتابِ المقدَّسِ لهذا الصَّباح، نَعودُ مَرَّةً أخرى إلى دراسةِ رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى الَّتي صَرَفْنا في دِراسَتِنا لَها أشهُرَ عَديدة جدًّا. ونحنُ نُناقِشُ مَرَّةً أخرى كَمالاتِ المَحبَّة في الأصحاحِ الثَّالِث عَشَر مِن رسالةِ كورِنثوسَ الأولى. والتَّجاوُبُ الَّذي سَمِعتُهُ مِنَ العَديدِ مِنكُم كانَ مُفرِحًا جدًّا جدًّا. وأنا أَعلمُ أنَّ كثيرينَ مِنكُم قد تَبارَكوا حَقًّا، وأنَّ اللهَ لَمَسَ حَياتَكُم، وأنَّ هُناكَ تَجاوُبًا كبيرًا جدًّا معَ هذا الفَهمِ للمحبَّةِ بِحَسَبِ ما شَارَكَهُ الرُّوحُ القُدُسُ مَعَنا هُنا. لِذا فإنِّي مُتَحَمِّسٌ لِمُشاركةِ المَزيدِ مَعَكُم في هذا الصَّباح.

والآن، إذْ نَنظُرُ مَرَّةً أخرى إلى هذا المَقطَعِ الَّذي نَدرُسُهُ (أيْ إلى الأصحاحِ الثَّالِث عَشَر والأعداد مِن 4 إلى 7) عن كَمالاتِ المَحبَّة، أَوَدُّ أن أُقَدِّمَهُ وأتحدَّثَ عنهُ مِنَ الجَانِبِ السَّلبيِّ إنْ أَمْكَنَني ذلك. فالخطيَّةُ لَها عَواقِب. ولا أعتقدُ أنَّ أيًّا مِنَّا يُكَلِّفُ نَفسَهُ عَناءَ القَولِ إنَّهُ لا تُوجَدُ عَواقِبُ لَها. فنحنُ نَعلمُ أنَّ لها عَواقِب. ونحنُ نَعلمُ أنَّها تَترُكُ تأثيراتٍ بِحُكْمِ فَهْمِنا للكِتابِ المُقدَّسِ، وَبِحُكْمِ فَهْمِنا لِظُروفِنا الشخصيَّة. فنحنُ نُدركُ أنَّهُ عندما تَكونُ هُناكَ خَطيَّة في حَياتِنا فإنَّ هُناكَ أُمورًا تَحدُثُ نَتيجَةَ ذلك. ونحنُ نُدركُ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَتحدَّثُ عن عَواقِبِ الخطيَّة. وأعتقدُ أنَّنا نَستطيعُ أن نُصَنِّفَ عَواقِبَها في فِئَتَيْنِ واضِحَتينِ جِدًّا: الأولى هي أنَّ الخطيَّةَ تَترُكُ تَأثيرًا هائلاً في نَفسِ الرَّجُلِ أوِ المَرأةِ. فهي تُؤثِّرُ في عَلاقَتِكَ باللهِ. فالحقيقةُ هي أنَّكَ عندما تُخطِئ، أو تَعيشُ في حَالَةٍ مَنْ عَدَمِ الاعترافِ بالخطيَّة، فإنَّكَ تَتَنازَلُ عن بَرَكَتِك. فأنتَ تُخْرِجُ نَفسَكَ خَارِجَ نِطاقِ بَرَكَةِ اللهِ، وتَضَعُ نَفسَكَ في نِطاقِ فُقدانِ الفَرَحِ فَتُصابُ بِعِلَّةٍ نَفسيَّة. فهُناكَ كَرْبٌ نَفسِيٌّ يَحْدُثُ عندما يُخطِئُ المُؤمِن. ولكِنْ ثانيًا، الخطيَّةُ تَترُكُ أيضًا تأثيرًا هائلاً في الصِّحَّةِ البَدنيَّة. فالخطيَّةُ مُرتبطة بالألمِ والمَرض.

ومِنَ الأمثلةِ الجَيِّدَةِ على ذلك هو دَاوُد. ففي سِفْرِ صَموئيلَ الثَّاني والأصحاحِ الثَّاني عَشَر، نَقرأُ عن خَطيئةٍ مُريعَةٍ اقتَرَفَها. فقد زَنَى داوُدُ معَ بَثْشَبَع، ثُمَّ إنَّهُ أَوْصَى بِوَضْعِ زَوجِها في مُقدِّمَةِ الجَيشِ في المَعركةِ كي يَفقِدَ حَياتَهُ. وهذهِ في الحقيقة جَريمَةٌ لا تَقِلُّ شَناعَةً عنِ القَتل. لِذا فقد أَقْدَمَ لا فقط على الزِّنَى، بل على القَتلِ أيضًا. وبسببِ ذلك، نَجِدُ هُنا واحدًا مِن أولادِ اللهِ يَرْعَى خَطِيَّةً. وقد عَانَى لا فقط كَرْبًا نَفسيًّا وبَلِيَّةً مُريعَةً اجْتاحَتْ نَفسَهُ، ولا فقط شُعورًا بالانفصالِ عنِ اللهِ، والقلق مِن تلكَ الخطيَّةِ حينَ أدركَ أنَّهُ تَخَلَّى عنِ البَرَكَة، بل إنَّهُ عَاني أيضًا آثارًا مُدَمِّرَةً طَالَتْ صِحَّتَهُ الجسديَّة. وإنْ تَأمَّلنا قليلاً في المَزمورِ الثَّاني والثَّلاثين، سنَرى كيفَ كانَ رَدُّ فِعْلِ دَاوُد على المَرَضِ الجسديِّ الَّذي أَصابَهُ نَتيجةَ خَطيَّتِه.

ففي المَزمور 32: 2 ومَا يَليه، بل في الحَقيقة في العَددِ الأوَّلِ ومَا يَليه، يَتحدَّثُ داوُد عن خَطيَّتِه وعن رَوعَةِ أن يَتَمَكَّنَ مِنَ التَّحرُّرِ مِن تأثيرِها. وآثارُ خَطِيَّتِهِ الَّتي يَذكُرُها في العَدَدَيْنِ الثَّالثِ والرَّابِعِ تَختصُّ بالجانِبِ الجسديِّ. فهو يَقول: "لَمَّا سَكَتُّ..." [أيْ لأنِّي لم أَعتَرِف بخطيَّتي، ولم أُقِرّ بِها، ولم أُعالِجْها أمامَ اللهِ] بَلِيَتْ عِظَامِي مِنْ زَفِيرِي الْيَوْمَ كُلَّهُ". فَهُوَ يَصِفُ هُنا أَلَمًا جَسديًّا حَقيقيًّا، وعَواقِبَ جَسديَّةً إذْ كانَ يَشْعُرُ بألَمٍ في عِظامِهِ؛ وَهُوَ أَلَمٌ جَسَدِيٌّ حَادٌّ. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العددِ الرَّابِع: "لأَنَّ يَدَكَ ثَقُلَتْ عَلَيَّ نَهَارًا وَلَيْلاً. تَحَوَّلَتْ رُطُوبَتِي إِلَى يُبوسَةٍ [أوْ: "إلى يُبُوسَةِ الْقَيْظِ". فَعُصارَةُ الحَياةِ قد جَفَّتْ. فقد سَرَى المَرَضُ في دَمِه. وقد طَرَأَ تَغييرٌ على إفرازِ الغُدَدِ المُختَلِفَة. فالسَّوائِلُ الَّتي تُغَذِّي العَضَلاتُ لم تَكُن تَعمَلُ [على الأرجَحِ] كَما يَنبغي. لِذا فقد شَعَرَ بِشَدٍّ مُعَيَّنٍ في عَضَلاتِه. وهذه هي الأهميَّةُ العِبريَّةُ لِفكرةِ الرُّطوبَةِ تلك. لِذا فإنَّنا نَقرأُ هُنا عنِ التَّأثيرِ الجسديِّ الكَبيرِ والهائِلِ بسببِ خَطيَّةِ دَاوُد.

والآن، هذا يَقودُنا إلى هذه النَّتيجةِ الواضِحَةِ وَهِيَ أنَّهُ بالنِّسبةِ إلى المُؤمِنينَ أو أولادِ اللهِ فإنَّ الخَطيَّةَ تُسَبِّبُ صَدْمَةً نَفسيَّة. وَلا شَكَّ في ذلك. فَهِيَ تُحْدِثُ قَلَقًا نَفسيًّا. وهي تُحْدِثُ انفِصالاً عَاطِفِيًّا عنِ المَرساةِ الوَحيدةِ الَّتي يَتَمَسَّكُ بها المُؤمِن. وبسببِ تلكَ الصَّدمةِ النَّفسيَّةِ، قد يَحدُثُ مَرَضٌ شَديدٌ، بل ورُبَّما مَرَضٌ مُميت. فالمَركِزُ العَصَبِيُّ في الدِّماغِ هُوَ مَرْكِزٌ تَتَفَرَّعُ مِنْهُ الأليافُ (أيِ الأليافُ العَصَبِيَّةُ) إلى كُلِّ عُضْوٍ في الجَسد. وبسببِ ارتباطِها الشَّديدِ بالدِّماغِ فإنَّ الصَّدمةَ الَّتي تُصيبُ المَركِزَ العَصبيَّ في الدِّماغ قد تُحْدِثُ إشاراتٍ تُسَبِّبُ العَديدَ مِنَ الأمراضِ الجسديَّة. والحقيقةُ هي أنَّ الأطِبَّاءَ يُخبرونا أنَّ هذه الأمراضَ تَحْدُثُ عَادَةً على ثَلاثِ جَبْهاتٍ جَسديًّا: أوَّلاً هي أنَّ المَركِزَ العَصبيَّ يُحْدِثُ تَغييرًا في كَميَّةِ الدَّمِ الَّتي تَتدفَّقُ إلى عُضْوٍ مُعَيَّن؛ وهذا قد يُرْهِقُ ذلكَ العُضْوَ جِدًّا. ثانيًا، أنَّ الصَّدمةَ النَّفسيَّةَ قد تُؤثِّرُ في إفرازِ غُدَدٍ مُعَيَّنة؛ وهذا قد يُؤثِّرُ أيضًا في الوَظائفِ الجسديَّة. ثالثًا، حُدوثُ تَغييرٍ في مِقْدارِ شَدِّ عَضَلاتٍ مُعَيَّنة.

لِذا فإنَّ ما نَراهُ يَحْدُثُ نَتيجةَ الخَطيَّةِ هُوَ تأثيرٌ مُزْدَوَجٌ. فهُناكَ تَأثيرٌ رُوحِيٌّ وتأثيرٌ جَسديٌّ. فالخطيَّةُ قد تُؤثِّرُ في الجَسد فَتَجْعَلُهُ مَريضًا. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال 15: 17: "أَكْلَةٌ مِنَ الْبُقُولِ..." وهذا تَنازُلٌ كَبيرٌ جدًّا. فعندما كُنتُ صَبيًّا، لم أَقتَنِع يَومًا أنَّهُ مِنَ الجَيِّدِ أن آكُلَ خُضارًا. وما زِلتُ لستُ مُقتَنِعًا جدًّا...ولكِنْ على أيِّ حَالٍ فإنَّ دَاوُدَ [أو بالأحرى: سُليمانَ] يَقول: "أَكْلَةٌ مِنَ الْبُقُولِ حَيْثُ تَكُونُ الْمَحَبَّةُ، خَيْرٌ مِنْ ثَوْرٍ مَعْلُوفٍ وَمَعَهُ بُغْضَةٌ". بعبارةٍ أخرى، فإنَّ الثَّورَ المَعلوفَ هُوَ العِجْلُ المُسَمَّن. أيْ أنْ تأخُذَ ثَورًا، وتَضَعَهُ في زَريبَة، وتُسَمِّنَهُ للذَّبْحِ كي تَأكُلَ شَريحَةً مِنْ لَحْمِ الظَّهْرِ الشَّهيَّةِ (كَما يَقولونَ في اللُّغةِ الإنجليزيَّةِ المُعاصِرَة). فَمِنَ الأفضلَ أن تَأكُلَ صَحْنًا مِنَ القَرْنَبيطِ في جَوٍّ مُفْعَمٍ بالمَحبَّة على أن تَأكُلَ شَريحَةً مِنْ لَحْمِ الظَّهْرِ في جَوٍّ مِنَ الكَراهِيَة. بعبارة أخرى، فإنَّ القَلَقَ الشَّديدَ الَّذي تُحْدِثُهُ الخَطيَّةُ سَيُصيبُ جَسَدَكَ بالاعتِلالِ إلى حَدٍّ تَفْقِدُ فيها القُدرةَ على التَّمتُّعِ بأشْهَى وَجَباتِ الطَّعام. ومَرَّةُ أخرى، فإنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ الآثارِ البَدنيَّةِ للخطيَّة.

لِذا فإنَّ بُولُسَ يَكتُبُ إلى الكُورِنثيِّينَ ويَقولُ لهم أنْ يُحِبُّوا، ويَقولُ لَهُم أنَّ المحبَّةَ هي الشَّيءُ الَّذي هُمْ بِحاجةٍ إليه، وأنَّها ليست مُهِمَّة فقط لِشِفاءِ النَّفسِ، بل إنَّها تَتْرُكُ بِلا أَدنى شَكٍّ تأثيرًا عَظيمًا في الجَسَد. واسمَحوا لي أن أُبَيِّنَ لكُم سَبَبَ قَولِهِ لهذا الكَلام. انظُروا إلى الأصحاحِ الحادي عَشَر مِن رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى. ففي الأصحاحِ الحادي عَشَر والعَدد 29، حينَ يَتحدَّثُ عنِ الطَّريقةِ الَّتي كانوا يَشتركونَ فيها في مَائِدَةِ الرَّبِّ، والتي كانت بِكُلِّ تأكيدٍ طَريقة خاطئة، يَقولُ بولُسُ في الأصحاح 11 والعَدد 29: "لأَنَّ الَّذِي يَأكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاقٍ [أو بِغَيْرِ استِحْقاقٍ] يَأكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً [أو تَأديبًا] لِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ". بِعبارةٍ أخرى، إنْ أكلتَ بهذهِ الطَّريقةِ فإنَّكَ ستُؤدَّب. "مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُون". فقد كانُوا يُصابونَ بالاعتلالِ، والمَرَضِ الشَّديدِ، وكانوا يَموتون.

والآن، إنَّ هذا لا يَعني بالضَّرورة...لا أظُنُّ أنَّ الفِكرَةَ هُنا هي أنَّهُ عندما يَفعلُ أُناسٌ ذلكَ فإنَّ اللهَ سَيَنزِلُ ويَعمَلُ بطريقةٍ خارقةٍ للطَّبيعةِ ومُعجِزِيَّةٍ على قَتلِهم أو إِصابَتِهم بطريقةٍ خارقةٍ للطَّبيعةِ بالأمراض. ولكِنَّ ما يَحدُثُ هُنا هو أنَّهُ كانَتْ تُوجَدُ في كَنيسةِ كورِنثوس مَجموعة كبيرة مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ يَعيشونَ في الخَطيَّة. والخطيَّةُ لَها عَواقِب جَسديَّة. لِذا، عندما يَقولُ لَهُمُ الرَّسولُ بولسُ في الأصحاحِ الثَّالِث عَشَر: "أحِبُّوا بَعضُكُم بَعضًا"، فإنَّهُ لا يَقولُ بِبَساطَة إنَّ هذهِ المَسألةَ تُؤثِّرُ في النَّفسِ فَقَط، بل يَقولُ إنَّ هذهِ المَسألةَ تُؤثِّرُ في الجسدِ أيضًا. فَمِنْ أجلِ الصِحَّةِ العَامَّةِ لرعيَّتِكُم، ومِن أجلِ صِحَّتِكُم الجسديَّة، ومِن أجلِ الصِّحَّةِ في كُلِّ هذهِ الجَوانِب، يجب عليكم أن تُحِبُّوا.

والآن تَذَكَّروا...وهذه هي النُّقطة الرئيسيَّة الَّتي أريدُ أن أستخدِمَها لِرَبْطِ ما قُلتُهُ للتَّوّ بالأشياءِ الَّتي سأقولُها...تَذَكَّروا أنَّ كُلَّ خَطِيَّة هي انْتِهاكٌ للمَحَبَّة...كُلُّ خَطيَّة...كُلُّ خَطيَّة. لِذا فإنَّهُ يَقولُ ببساطَة: "أنتُم تُخطِئون. لِذا فإنَّكُم مَرْضَى رُوحيًّا. وَلِذا فإنَّكُم مَرضَى جَسديًّا. وإليكُم الحَلّ: أَحِبُّوا فَتَزولُ كُلُّ هذهِ الأمراض". وقد تَقولون: "ما الَّذي تَعنيه، يا جُون، بالقولِ إنَّ المحبَّةَ تُزيلُ كُلَّ خَطيَّة؟" انظُروا إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح 22...إنجيل مَتَّى والأصحاح 22، والعَدد 34: "أَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ فَلَمَّا سَمِعُوا أَنَّهُ أَبْكَمَ الصَّدُّوقِيِّينَ اجْتَمَعُوا مَعًا". فقد كانوا يُحاولونَ دائمًا أن يُبَرْهِنوا أنَّهُم أفضلُ مِنَ الصَّدُّوقِيِّين. وقد حَسِبوا أنَّهُ إنْ كانَ يَسوعُ قد أَفْحَمَ الصَّدُّقويِّينَ فإنَّهُمْ سَيتدخَّلونَ وَيُفْحِمونَ يَسوعَ فَيَصيرونَ أصحابَ اليَدِ العُليا في المُجتمَع. لِذا فقد جاءوا وأوكَلوا لشخصٍ نَاموسِيٍّ مَهَمَّةَ أنْ يَطرَحَ على يَسوعَ سُؤالاً: "يَا مُعَلِّمُ، أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوسِ؟" أيْ أهَمُّ وَصيَّة؟

ولا شَكَّ في أنَّهُمْ كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُ يَنبغي للمَرءِ أنْ يَحفَظَ النَّاموسَ كي يَنالَ الخَلاص، ولكنَّهُمْ كانُوا أَذكياءَ بِما يَكفي لإدراكِ أنَّهُ إنْ كانَ الأمرُ كذلكَ فإنَّهُ لا يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ أن يَنالَ الخَلاصَ لأنَّهُ لا يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ أن يَحفظَ النَّاموس. لِذا فقدِ ارتأَوْا، أو على أقَلِّ تَقديرٍ، ارتأى بَعْضٌ مِنهُم، أنَّكَ إنْ نَجَحْتَ في العُثورِ على وَصِيَّةٍ واحِدَةٍ عَظيمةٍ، وَنَجَحْتَ في حِفْظِ تلكَ الوَصيَّةِ الواحِدة، سَتَكونُ على ما يُرام. لِذا فقد كانوا يَقولونَ ببساطَة: "ما هي تلكَ الوَصيَّةُ الوَاحِدَة؟" وقد قالَ يَسوعُ: "إنَّها الوَصِيَّةُ التَّالية: [وما هي الكلمةُ الأولى؟] "تُحِبُّ". وَنَجِدُ هُنا فِكْرَةَ المَحَبَّةِ فيما يَخُصُّ هذا النَّاموس: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ".

والآن، اسمَعوني: إنْ كُنتَ تُحِبُّ الرَّبَّ إلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلبِكَ، ونَفسِكَ وفِكرِكَ وقُدرَتِك، وإنْ كُنتَ تُحِبُّ قَريبَكَ كَنَفسِكَ، لن تُخطِئَ يَومًا لأنَّكَ لن تَفعلَ شَيئًا يُسيءُ إلى اللهِ، ولن تَفعلَ شَيئًا يُسيءُ إلى قَريبِكَ. فهذا كَفيلٌ بِعِلاجِ تلكَ المَسألة. لِذا فإنَّ المَحبَّةَ تُحَقِّقُ كُلَّ ذلك.

وفي رِسالةِ رُومية والأصحاح 13، نَجِدُ كَلامًا مَألوفًا في العددِ الثَّامِن. فهو يَقولُ: "أحِبُّوا بَعضُكُم بعضًا. لأَنَّ مَنْ أَحَبَّ غَيْرَهُ فَقَدْ أَكْمَلَ النَّامُوسَ. لأَنَّ «لاَ تَزْنِ، لاَ تَقْتُلْ، لاَ تَسْرِقْ، لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ، لاَ تَشْتَهِ»، وَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةً أُخْرَى، هِيَ مَجْمُوعَةٌ فِي هذِهِ الْكَلِمَةِ: «أَنْ تُحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ». اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَصْنَعُ شَرًّا لِلْقَرِيبِ، فَالْمَحَبَّةُ هِيَ تَكْمِيلُ النَّامُوس". فأنتَ لستَ بِحَاجَةٍ إلى وَصيَّةٍ تَقول: "لا تَقتُل قَريبَك" إنْ كُنتَ تُحِبُّ قَريبَكَ. وَلن تَكونَ بِحَاجَةٍ إلى وَصيَّةٍ تَقول: "لا تَشْتَهِ" إنْ كُنتَ تُحِبُّ الشَّخصَ الَّذي يَمتَلِكُ الشَّيءَ الَّذي لا تَمْتَلِكُهُ أنتَ. لِذا، كَما تَرَوْنَ، فإنَّ كِلا هَذَيْنِ المَقْطَعَيْنِ يَقولان مَا يَلي: "مِنْ أجلِ تَبسيطِ الحَياةِ بأسرِها، أَحِبُّوا اللهَ، وأَحِبُّوا جِيرانَكُم. وحينئذٍ، لا حَاجَةَ إلى القَلَقِ بشأنِ أيِّ شيءٍ آخر".

والآن، لقد كانَ الكُورنِثيُّونَ جَميعًا عَديمي المَحبَّة. وكما فَعَلَ داوُد، لقدِ اختاروا أنْ يُسيئوا بَعضُهُم إلى بعض. فقد كانوا عَديمي المَحبَّة. وقد كانَ انعِدامُ مَحَبَّتِهِم، في الحقيقة، هُوَ العامِلُ المُشتَرَكُ في كُلِّ خَطيَّة. فمثلاً، لقد ابتدأنا بدراسةِ الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس، وابتدأنا نَقرأُ عنِ الخِلافاتِ والخُصوماتِ بينهم. والسَّببُ في أنَّهُم كانوا يَتَخاصَمونَ بعضُهم معَ بَعضٍ هُوَ انعِدامُ المَحبَّة. وقد كانوا يَتَحَزَّبونَ بسببِ أمورٍ فَلسفيَّة. وقد تَحَزَّبوا إلى مَجموعاتٍ رُوحيَّة صغيرة بسببِ وُجودِ مُعَلِّمينَ بَشريِّينَ مُختَلِفين. وقد صَارَ هُناكَ انشِقاقٌ وتَوَتُّرٌ، وصارتْ هُناكَ جَسَدِيَّةٌ وخُصوماتٌ وانقساماتٌ لأنَّهُم كانوا عَديمي المَحبَّة. ويُمكِنُنا أنْ نَرى دَليلاً أقوى على انعِدامِ مَحبَّتِهم مِن خلالِ حَقيقةِ أنَّهُم كانوا يَفعلونَ أُمورًا لا أخلاقيَّةً، وكانوا يُخطِئونَ جِنسيًّا بَعضُهم إلى بَعض. ويُمكِنُنا أن نَرى انعِدامَ مَحبَّتِهم مِن خلالِ كِبريائِهم البَشِعَة وغُرورِهم الَّذي يَتحدَّثُ عنهُ بولسُ في الأصحاحِ الرَّابعِ حينَ يَقولُ أنتُم بَعيدونُ كُلَّ البُعْدِ عنِ الخُدَّامِ الحَقيقيِّينَ لأنَّكُمْ تَظُنُّونَ أنفُسَكُم أشخاصًا عَظيمين. فقد كانُوا يُحِبُّونَ أنفُسَهُم أكثرَ مِمَّا يُحِبُّونَ اللهَ أوِ الآخَرين.

ويُمكِنُنا أن نَرى انعِدامَ مَحَبَّتِهم مِن خلالِ الدَّعاوَى القَضائيَّة. فقد كانوا يُقاضونَ دائِمًا بَعضُهُم بَعضًا. والسَّببُ في قِيامِهم بذلكَ هو أنَّهُم كانوا عَديمي المَحبَّة. والسَّببُ في أنَّهُمْ كَانُوا يَتَخاصَمونَ كَثيرًا في مَنازِلِهم [في الأصحاحِ السَّابِعِ] هو أنَّهُم كانُوا يَفتَقِرونَ إلى المَحبَّة. والسَّببُ في أنَّهُم كانوا يُعْثِرونَ الإخوةَ الأضعَفَ مِنهُم في الأصحاحات 8-10 هُوَ ببساطَة: انعِدامُ المَحبَّة. والسَّببُ في أنَّهُمْ كانُوا يُسيئونَ إلى مَائدةِ الرَّبِّ هُوَ أنَّهُمْ كانوا لا يُبالونَ بالمحبَّة، ولا يُبالونَ بالمَائِدَة وَلا بالشَّرِكَة بَعضُهُم معَ بَعض، وأنَّهُمْ كانوا لا يُبالونَ باللهِ وابنِهِ. والسَّببُ في أنَّهُمْ كانوا يَأكُلونَ وَيَشربونَ بِشَراهَة في وَلائِمِ المَحبَّة هو أنَّهُم لم يَكونوا يُحِبُّونَ بَعضُهُم بعضًا مَحَبَّةً تَدفَعُهم إلى تَرْكِ بعضِ الطَّعامِ للأشخاصِ الَّذينَ لا يَملِكونَ أيَّ شَيء.

وكما تَرَوْن، فإنَّ عَدَمَ المحبَّة كانَ يَنْخُرُ في صَميمِ كُلِّ خَطيَّة مُنْفَرِدَة يُقْدِمونَ عليها. لِذا، عندما يَأتي بولسُ إلى هذا المَوضِعِ فإنَّهُ يَقولُ في الحقيقةِ إنَّ المحبَّةَ هي الحَلُّ لِكُلِّ مُشكلة. فهي سَتَجْعَلُكُمْ أصِحَّاءَ رُوحيًّا، وستَجعلُكم أصِحَّاءَ جَسديًّا. ويُمكنُني أن أَعِدَكُم [وَهذا شَيءٌ مِنَ المُدهشِ جدًّا أن يُقال]، ولكِنْ إنْ كانت حَياتُكُم مُفْعَمَةً بالمحبَّة، ستَكونونَ أصِحَّاءَ رُوحيًّا. وما لم يَكُن لَدى اللهِ قَصْدٌ مُحَدَّدٌ جدًّا جدًّا مِنْ مَرَضِك، فإنَّ الوَعْدَ هو أنَّكَ ستَتمتَّعُ بالصِّحَّةِ الجسديَّة. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَدعونا إلى المحبَّة المَرَّة تِلوَ المَرَّة تِلو المَرَّة. فلا تُوجَد مَسيحيَّة بِدونِ مَحبَّة. ولا تُوجَد كنيسة بِدونِ مَحبَّة. ولا تُوجَد خِدمة بِدونِ مَحبَّة.

والآيةُ تيموثاوس الأولى 1: 5 هي آية يَنبغي لنا أن نَتذكَّرَها. وهي تَقولُ ما يَلي: "وَأَمَّا غَايَةُ الْوَصِيَّةِ...". بِعبارةٍ أخرى، فإنَّ السَّببَ أوِ الهَدَفَ أوِ الغَايَةَ مِنَ الوَصِيَّة، أو مَا تَرمي إليهِ الوَصيَّة: "وَأَمَّا غَايَةُ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ". تيموثاوس الأولى 1: 5: "وَأَمَّا غَايَةُ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ". فاللهُ يُحاوِلُ أنْ يَجْعَلَنا نُحِبّ.

ونَقرأُ في رِسالة كورِنثوس الأولى 16: 14، وسوفَ نَدرُسُ هذهِ الآية في المُستقبَل في أثناءِ دِراسَتِنا لهذهِ الرِّسالة، ولكِنَّها تَقولُ ما يَلي: "لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّةٍ". لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّةٍ. فالعقيدةُ السَّليمةُ ليست بَديلاً عنِ المحبَّة. والنَّشاطُ والخِدمةُ ليسا بَديلينِ عنِ المحبَّة. والعاطِفَةُ الانتقائيَّةُ (أيِ الانجذابُ إلى أشخاصٍ مُعَيَّنين) ليست بَديلاً عنِ المحبَّةِ الواسِعَةِ النِّطاق. وعَدَمُ النُّضْجِ والجَهلُ ليسَا بَديلينِ وليسَا عُذرًا لعدمِ المحبَّة. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ تسالونيكي الأولى 4: 9 أنَّكم لَستُم في حَاجَةٍ إلى مَنْ يُعَلِّمُكم عنِ المَحَبَّةِ لأَنَّ اللهَ عَلَّمَكُم أَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. ونَقرأُ في رِسالةِ رُومية 5: 5 أنَّ اللهَ سَكَبَ مَحبَّتَهُ في قُلوبِكُم.

فاللهُ يُريدُ أن يَكونَ المُؤمِنونَ سُعَداء. واللهُ يُريدُ أن يَتمتَّعَ المُؤمِنونَ بِصِحَّة نَفسيَّةٍ جَيِّدة. واللهُ يُريدُ مِنكُم أن تَعلَموا مَعنى أن تَنالوا البَرَكَةَ وَألَّا تَختَبِروا تأديبَهُ، حَتَّى مِنْ جِهَةِ الأمراضِ الجسديَّةِ النَّاجِمَةِ عن صَدْمَةِ الخَطيَّةِ الطَّوعيَّة. والمِفتاحُ الحقيقيُّ لهذا كُلِّه هو أن تَتعلَّموا أن تُحِبُّوا. فهذه هي الحَقيقةُ الَّتي لا غِنَى عَنها في حَياةِ المُؤمِن. فاللهُ مَحبَّة. وإنْ كُنَّا نُريدُ أنْ يَرى العَالَمُ أنَّ اللهَ يَسْكُنُ فينا، فإنَّ ذلكَ سَيَحدُثُ عندما نَكونُ نَحنُ مَحَبَّة أيضًا.

والآن، مِنَ المُهِمِّ جدًّا أن نُحِبَّ حَتَّى إنَّ العهدَ الجديدَ يَستمرُّ في تَذكيرِنا بذلك. فعلى سَبيلِ المِثال، نَقرأُ في رِسالة كولوسي 3: 14: "الْبَسُوا الْمَحَبَّةَ". ونَقرأُ في رِسالة كورِنثوس الأولى 14: 1: "اِتْبَعُوا الْمَحَبَّةَ". ونَقرأُ في رِسالة فيلبِّي 1: 9: "ازدادُوا في المَحبَّة". ونَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 13: 1: "اثبُتوا في المَحَبَّة". ونَقرأُ في رِسالة تسالونيكي الأولى 3: 12: "انْمُوا فِي الْمَحَبَّة". ونَقرأُ في رِسالة بُطرس الأولى 4: 8: "لِتَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً". ونَقرأُ في رِسالة فيلبِّي 2: 2: "وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ". ونَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 10: 24: "وَلْنُلاَحِظْ بَعْضُنَا بَعْضًا لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْمَحَبَّة". ونَقرأُ في رِسالة كورِنثوس الثَّانية 8: 8: "كُونوا مُخْلِصينَ في المَحبَّة". وَهَلُمَّ جَرَّا. فالمحبَّةُ هي دائمًا ذُروَةُ الحَياة. وهي ذُروةُ صِحَّةِ المُؤمِن. فالمُؤمِنُ المُعافَى، والسَّعيدُ، والإيجابيُّ، والمُتَحَمِّسُ، والنَّافِعُ هو المُؤمِنُ المُحِبُّ.

وقد تَقول: "هذا رائع يا جون، ولكِن كيفَ تَعمل؟ كيفَ تَعمَلُ المحبَّة؟" حسنًا! انظُروا إلى هذِهِ الآياتِ مَرَّةً أخرى (رِسالة كورِنثوسَ الأولى 13: 4-7) ودَعونا نَرى ذلك. وقد حَاولتُ أن أُبَيِّنَ طَوالَ الوقتِ أنَّ المحبَّةَ ليست عَاطِفَةً. وأرجو أن تَكونوا قد فَهِمتُم ذلك. فالمَحبَّةُ فِعْل. وَهُوَ يُرينا هُنا المَحبَّةَ العَامِلَة، والتَّعبيرَ العَمليَّ عنِ المحبَّة. وقد دَرَسنا أوَّلَ إحدى عَشْرَةَ سِمَة. وسوفَ نَدرُسُ السِّماتِ الأربعَ البَاقية في هذا الصَّباح، وهي تَتَحَدَّثُ عن كَمالِ المَحبَّة. ففي الآياتِ الثَّلاثِ الأولى، نَقرأُ عن أهميَّةِ المَحبَّة. ونَقرأُ في الأعداد 4-7 عن كَمالاتِ المَحبَّةِ. ونَقرأُ في الأعداد 8-12 عن دَيمومَةِ المَحبَّة. ونَقرأُ في العَدد 13 عن تَفَوُّقِ المَحبَّة. وسوفَ نَتحدَّثُ عنِ الجَانِبَيْنِ الأخيرَيْنِ في المُستقبَل.

والآن، هل تَذَكَّرونَ أوَّلَ إحدى عَشْرَةَ سِمَة تَصِفُ المحبَّة؟ فإنْ أردنا أن نُحِبَّ، يجب علينا أن نَعلَمَ مَعنى أن نُحِبَّ. واسمَحوا لي أن أَذكُرَها لَكُم بإيجازٍ شَديد. فنحنُ نَقرأُ في العددِ الرَّابع: "الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى". وقد رأينا أنَّ ذلكَ يَعني أنَّ المحبَّةَ صَبورة على النَّاس. "المَحبَّة تَرْفُق". وهذا يَعني أنَّها مُفيدة للآخرين، وأنَّ أعظَمَ امتيازٍ فيها هو أنْ تَخدِم. ورُبَّما كانت هاتانِ السِّمَتانِ هُما العُنوانُ، وأنَّ بَقِيَّةَ السِّماتِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ هي عَناوينٌ فَرعيَّةٌ للمحبَّة. ثالثًا: "الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ". فهي لا تَغار. وهي لا تَرغَبُ في أيِّ شَيءٍ سِوى العَطاء. "الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ"، أيْ أنَّها ليست مُتَفاخِرَة. فهي لا تَتَبَجَّحُ دائمًا كي تَجعَلَ الآخَرينَ يَشعرونَ بالدُّونِيَّة. "المَحبَّةُ لاَ تَنْتَفِخُ". وهذا يَعني أنَّها لا تُبالِغُ مِنَ الدَّاخِلِ في وَصْفِ نَفسِها. سادسًا: "المَحبَّةُ لاَ تُقَبِّحُ". فهي لا تَتصرَّفُ بأنانيَّةٍ في سُلوكِها، بل إنَّها تُراعي مَا يُؤدِّي إلى سَعادَةِ الآخرين.

"المَحبَّةُ لاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا". وهذا هُوَ المِفتاحُ لكُلِّ المَقطَع. فالمحبَّةُ ليست أنانيَّة البَتَّة، بل هي على العَكسِ تَمامًا مِنَ التَّركيزِ على الذَّات. ثامِنًا: "المَحبَّةُ لاَ تَحْتَدُّ". وهذا يَعني أنَّ المحبَّةَ لا تَنْزَعِج، ولا تَتَضايَق، ولا تَغضَب. تاسِعًا: "المَحبَّةُ لاَ تَظُنُّ السُّوءَ". وقد رأينا أنَّ هذه العِبارةَ هي عِبارَة مُحاسَبيَّة. فالمحبَّةُ لا تَحْتَفِظُ بِسِجلَّاتٍ للإساءاتِ الَّتي اقْتُرِفَتْ بِحَقِّها، بل إنَّها تَغفِرُ وَتَنسَى. وهي لا تَحْتَفِظُ بذِكرياتٍ للإساءات. عاشِرًا: المحبَّةُ لاَ تَفْرَحُ..." وَقَدْ وَصَلْنا إلى العَددِ السَّادِسَ الآن. "المحبَّةُ لا تَفْرَحُ بِالإِثْمِ [أوِ الشَّرِّ]". فالمحبَّةُ لا تُسَرُّ البَتَّة في سَماعِ أو تَكرارِ شَيءٍ شِرِّير. وهي لا تَفرَحُ البَتَّة بالخطيَّة سَواءٌ أَكانَتْ خَطيئةً شَخصيَّة أَمْ خَطيئةً اقتَرَفَها أيُّ شخصٍ آخر لأنَّ الخطيَّةَ تَجرَحُ اللهَ، وتَجرَحُ [بِكُلِّ تأكيدٍ] الشَّخصَ الَّذي اقتَرَفَها، وتَجرَحُ الأشخاصَ الَّذينَ اقتُرِفَتْ بِحَقِّهِم. السِّمَةُ الحادية عَشْرَة [في نِهايةِ العَددِ السَّادِس]: "المَحبَّةُ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ". فالمحبَّةُ تَفرَحُ عندما يُعاشُ الحَقُّ. والمَحبَّةُ تَفرَحُ عندما يُعَلَّمُ الحَقُّ.

حسنًا! هذه هي السِّماتُ الإحدى عَشْرَةَ الَّتي تَحَدَّثنا عنها. والآن، نَأتي إلى التَّصعيدِ في العددِ السَّابِع. انظُروا إليه. فهذه هي السِّماتُ الأربعُ الأخيرةُ للمحبَّة. وكأنَّ بولسَ يُحَلِّقُ الآنَ ويَذكُرُ هَذِهِ. وكأنَّها حَقًّا تُلَخِّصُ السِّماتِ الأخرى أيضًا إذْ يَتَحَدَّثُ بأسلوبٍ تَصْعيديٍّ عن تَعريفِ المحبَّة: "المَحبَّةُ تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ". ثُمَّ إنَّهُ يَخْتِمُ ذلكَ بالقول: "اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا".

والآن، لِنَنظُر إلى هذهِ السِّماتِ الأربعِ في العددِ السَّابع. وَهُوَ يَستخدِمُ هُنا أسلوبَ الغُلُوِّ، أيْ أنَّها عِباراتٌ مَذكورة بأسلوبٍ مُفْعَمٍ بالمُبالَغَة. المحبَّةُ تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ...كُلَّ شَيء...كُلَّ شَيء...كُلَّ شَيء. أربعَ مَرَّاتٍ. ويجب علينا أن نَفهمَ أنَّهُ عندما يَقولُ "كُلَّ شَيء" فإنَّهُ لا يَعني "كُلَّ شَيءٍ" بالمَعنى الشُّمولِيّ. فيجب على المحبَّةِ [بِكُلِّ تأكيد] أنْ تُحْسِنَ التَّمييز. ويجب علينا أن نَمْتَحِنَ الأَرْوَاحَ لِنَرى إنْ كانتْ مِنَ الله. فنحنُ لا نُصَدِّقُ إبليسَ. أليسَ كذلك؟ فالعِبارةُ "كُلَّ شَيءٍ" لا تَعني كُلَّ الأشياءِ بالمَعنى العَامِّ والكُليِّ والشُّمولِيِّ، بل تَعني كُلَّ شَيءٍ في إطارِ الحُدودِ الكِتابيَّةِ السَّليمةِ، وفي حُدودِ التَّمييزِ المَسيحيِّ السَّليم، وفي حُدودِ المَنطِقِ المَسيحيِّ السَّليم؛ أيْ كُلَّ شَيءٍ في الإطارِ الإلهيِّ.

وهَذِهِ السِّماتُ الأربعُ تَصاعُدِيَّة إذْ نَصْعَدُ مِنْ واحِدَةٍ إلى الَّتي تَليها. ورُبَّما كانت هذهِ السِّماتُ الأربعُ مُرتبطةً معًا أكثرَ مِن أيٍّ مِنَ السِّماتِ الإحدى عَشْرَةَ السَّابقة. فهي تَقْتَرِنُ حَقًّا مَعًا. والآن، راقِبوا ذلكَ في أثناءِ تَأمُّلِنا فيها. ولننظُر إلى السِّمَةِ الأولى. وهذه هي السِّمَةُ الثَّانية عَشْرَة مِنَ السِّماتِ الخمسَ عَشْرَةَ: "المَحبَّةُ تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ". وهذه جُملة رائعة. وأريدُ مِنكُم أن تَرَوْا عُمْقَها. فهي حَقٌّ مَجيد. وبالرَّغمِ مِن أنَّ الكلمةَ "تَحْتَمِل" تُسْتَخْدَمُ في العَديدِ مِنْ ظِلالِ المَعاني في العهدِ الجديد، فإنَّها تَعني بِصورة رئيسيَّة: "تَسْتُرُ بِصَمْت". تَسْتُرُ بِصَمْت. أوْ إنْ أردتُم كلمةً واحدةً: "تُخفي". تُخْفي. فهذا هُوَ مَعناها الرَّئيسيّ. فهي لا تَعني أنَّ المحبَّةَ تَقْبَلُ أيَّ شَيءٍ بالمُطلَق، ولا أنَّ المحبَّةَ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَخَفَّ بها لأنَّها عَديمَةُ الكَرامَة، بل إنَّ ما تَعنيه هو أنَّ المَحبَّةَ تُبْدي الاستعدادَ [مِنْ مُنْطَلَقِ احتِرامِها وَتَقديرِها واهتِمامِها الحَقيقيِّ بالقيمةِ الحقيقيَّةِ للشَّخصِ الآخر] أنَّها تُبدي الاستعدادَ لِفِعْلِ أيِّ شَيءٍ تَقدِرُ عليهِ كي تَسْتُرَ وتُخْفي خَطيَّةَ ذلكَ الشَّخص. فالمحبَّةُ الحقيقيَّة تَتردَّدُ في نَشْرِ الفَضائِحِ أمامَ أيِّ شخص. وعندما نَقرأُ أنَّ المحبَّةَ "تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ"، فإنَّ ذلكَ لا يَعني أن تَقولَ: "آه، سوفَ أَحتَمِلُ ذلكَ الموقِفِ وقتًا أطولَ قليلاً"، ولا أن تَقولَ: "سوفَ أحتَمِلُ هذهِ التَّجرِبَة"، بل تَعني أنَّها مُستَعِدَّة لِسَتْرِ القَباحَةِ في حَياةِ الآخرين.

وكما تَعلمونَ، يُمكِنُكم أن تَرَوْا حَقيقةَ السُّلوكِ البَشريِّ الاعتياديِّ مِنْ خِلالِ النَّظَرِ إلى أنفُسِكُم وأولادِكُم. فَمِنَ الطَّبيعيِّ أنْ يَدْفَعنا فَسادُنا إلى فَضْحِ خَطايا الآخَرين. ولا شَكَّ في ذلك. اذهَبوا إلى أكْشاكِ بيعِ الصُّحُفِ وانظُروا إلى أحدثِ المَجلَّات: "اعتِرافاتٌ حَقيقيَّة"..."أسرارُ السيِّد فُلان"..."الزَّواجُ السِّرِّيُّ لِفُلان وفُلانَة". وانظُروا إلى كُلِّ الكُتُب. وأنا أقولُ لكم إنَّ في المَكْتَباتِ كَمًّا هائِلاً مِنَ الكُتُبِ الَّتي تَفْضَحُ أُمورًا كثيرة. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ فَسادَنا يَدفَعُنا دائمًا إلى البحثِ عن فَضائِحَ في حَياةِ الآخرينَ لأنَّ ذلكَ يَمْنَحُنا شُعورًا بالبِرِّ الذَّاتيِّ...دائمًا.

وأولادُكُم مَثَلٌ تَوضيحيٌّ جَيِّدٌ على ذلك...وأولادي أيضًا...كي تُدْرِكُوا وَحَسْب أنَّنا وأنتُم مُتَشابِهون. فَهُم يَأتونَ إلى العَالَمِ وَهُمْ فَاسِدون. وواحِدٌ مِنَ المَظاهِرِ الأولى لِفَسادِهِم هُوَ أنَّهُم يَتوقونَ جِدًّا إلى الوِشايَةِ بإخوَتِهم وأخواتِهم. وهذا شَيءٌ يَنبغي أن تُؤدِّبوهُم عليه. فإنْ جاءَ أحدُ أولادِنا وقال: "هل تَعلمونَ ماذا يَفعلُ مَات (Matt)؟" فإنِّي أَقولُ لَهُ: "لا أدري ماذا يَفعلُ مَات (Matt)، وهذا أمرٌ لا يَهُمُّني". وهذه واحدة مِنَ الطُّرُقِ للتَّعامُلِ معَ ذلك. ثُمَّ إنَّهُ بعدَ أن يَذهَب فإنِّي أذهبُ لأرى ماذا يَفعلُ مَات (Matt).

وقد يَنزِلُ أحَدُهُم دَرَجَ البيتِ ويقول: "إنَّ فُلانًا يَقفِزُ على السَّرير". وكما تَعلمونَ، إنَّ هذهِ الوِشايَةَ هي أمرٌ يَفعَلُهُ كُلُّ الأطفال. لماذا؟ لأنَّ فَسادَ الإنسانِ يَدْفَعُهُ دائمًا إلى مُحاولةِ فَضْحِ خَطايا الآخرينَ كَيْ يَشعُرَ هُوَ باحتِرامِهِ لِذاتِهِ، وبِرِّهِ الذَّاتيِّ، وكَيْ يَبدو صَالِحًا في نَظَرِك. وهذا أمرٌ مُحزِنٌ، ولكِنْ يُوجَدُ أشخاصٌ لا يَتوقَّفونَ عنِ القيامِ بذلك. فهُناكَ أُناسٌ كثيرونَ يَصرِفونَ حَياتَهُم بأسرِها في الوِشايَة. وكما تَعلمونَ، فإنِّي أعْتَرِضُ دائِمًا على الأشخاصِ الَّذينَ يَتزوَّجونَ وكُلُّ ما يَفعلونَهُ هُوَ التحدُّثُ عن أخطاءِ وإخفاقاتِ وخَطايا شَريكِ حَياتِهم. فأنا أَشُكُّ في أنَّهُم يَفهمونَ مَعنى المحبَّةِ لأنَّ المحبَّةَ تَسْتُرُ أخطاءَ الآخرين. فهذا هو مَعنى هذهِ الكلمة.

ولم يَكُن أهلُ كُورِنثوس يَعلمونَ مَعنى ذلك. فَقد كانوا يَفْضَحونَ أيَّ شَخص. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ السَّادِسِ أنَّهُ إنْ أَساءَ أحَدُهُم إلى الآخر، كانوا يَجُرُّونَهُ إلى المَحكمةِ ويُقاضونَهُ عَلَنًا أمامَ قَاضٍ وَثَنِيٍّ. ولكِنَّ المَحبَّةَ تَسْتُرُ بِلُطْفٍ أخطاءَ الآخَرينَ وَضَعَفاتِهم وخَطاياهُم.

وفي رِسالةِ بُطرسَ الأولى 4: 8، يُعَبِّرُ بُطرُسُ عن ذلكَ بالطَّريقةِ التَّاليةِ الجَميلةِ إذْ يَقول: "الْمَحَبَّة تَسْتُرُ [مَاذا؟] كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا". فالمحبَّةُ مُلاءَة كَبيرة تَطيرُ في الهَواءِ وَتَطرَحُ نَفسَها على أخطاءِ النَّاسِ وَلا تَفْضَحُهُم. ونحنُ نَقرأُ في سِفْرِ الأمثال 10: 12: "اَلْبُغْضَةُ تُهَيِّجُ خُصُومَاتٍ، وَالْمَحَبَّةُ تَسْتُرُ كُلَّ الذُّنُوب". هل لاحَظتُم كم مِنَ السَّهلِ أن تَتَجاهَلوا أخطاءَ الأشخاصِ الَّذينَ تُحِبُّونَهُم؟ فَكِّر في أكثر شخصٍ تُحِبُّهُ. فإنْ فَعلَ شَيئًا خاطئًا، ستَقول: "إنَهُ شَخصٌ ذُو صِّفاتٍ حَسَنة كَثيرة. والجَميعُ يُخطِئُ في نِهايَةِ المَطاف". والآن، فَكِّر في الشَّخصٍ الَّذي لا تُحِبُّهُ. ولكِنْ لا تُطِلِ التَّفكيرَ لأنَّ ذلكَ خَطيَّة. أو تَخَيَّل أنَّكَ لا تُحِبَّ شخصًا مَا...فهذا أفضَل. فإن فَعَلَ شَيئًا خاطئًا سَتُحِبُّ ذلك لأنَّكَ كُنتَ تَتَمَنَّى ذلك حَقًّا. ولكِنَّ المحبَّةَ تَتَغاضَى عن خَطايا الشَّخصِ الَّذي تُحِبُّهُ. أمَّا الشَّخصُ الَّذي لا تُحِبُّهُ فإنَّها تَفْضَحُ خَطاياهُم. أَتَرَوْن؟ صَحيحٌ أنَّ المحبَّةَ تُحَذِّر. أجل. وصَحيحٌ أنَّ المحبَّةَ تَنْصَحُ، وأنَّ المَحبَّةَ تُوَبِّخُ، وأنَّ المَحبَّةَ تُؤدِّب؛ ولكِنَّ المحبَّةَ تَسْتُرُ وَلا تَفْضَح.

وهذه سِمَة رائعة للمحبَّة. وسوفَ أُقدِّمُ لَكُم مَثَلاً تَوضيحيًّا على ذلك...وهو أفضَلُ مَثَلٍ تَوضيحيٍّ قد يَخْطُرُ بِبالي: صَليبُ يَسوعَ المسيح. فالمحبَّةُ تَتَّسِمُ بالفِداء. فكما تَعلمونَ، لقد أحَبَّنا اللهُ. فاللهُ لم يَجلِس في السَّماءِ بِأقانيمِهِ الثَّلاثَةِ ويَقول: "إنَّ البَشَرَ خُطاةٌ. ما رَأيُكُم أيُّها المَلائِكَةُ فيهِم؟" "أَجَل، ولا سِيَّما ذاكَ الَّذي يُدعَى ماك آرثر. فهو سَيِّئ". فَهُمْ لا يَتحدَّثونَ عَنَّا مِنَ الأزَل إلى الأبد. فنحنُ لَسنا مَوضوعَ نَميمَةٍ تَجري في السَّماء. أليسَ مِنَ الجَيِّدِ أن نَعلَمَ ذلك؟ فاللهُ يَسْتُرُ خَطايانا. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ اللهَ لا يَفْضَحُ خَطايانا، بل هُوَ يَعْمَلُ دَائِمًا على سَتْرِها. فَعِوَضًا عن أن يُبْدي اللهُ امْتِعاضَهُ البَارَّ ويَتحدَّثُ مَعَ الأُقنومَيْنِ الآخَرَيْنِ والمَلائكةِ عن خَطايا البَشَر، فإنَّهُ جَاءَ لِيُصْلَبَ، ويَستُرَ خَطايا البَشَر، ويَحمِلَ خَطاياهُم في جَسَدِه.

والآن، اسمَحوا لي أن أقولَ شَيئًا عنِ المَحبَّة: المَحبَّةُ تَسْتُرُ الخطيَّةَ لأنَّ المَحبَّةَ تَحْوي عُنصُرًا فِدائيًّا. فالمحبَّةُ تَسعى دائمًا إلى الفِداء. والمَحبَّةُ تُريدُ أن تَفدي، وتُريدُ أن تَشتري. فالمحبَّةُ ليست نَاقِدَةً، وليست دَيَّانَةً، بل إنَّ المَحبَّةَ تُريدُ أن تَفدينا.

استَمِعوا إلى هذهِ الكلمات: "لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا...وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ" (سِفْرُ إشَعْياء والأصحاح 53). هذه هي المَحبَّة. والآن، اسمَحوا لي أن أقولَ لَكُم شَيئًا: المحبَّةُ تَفْعَلُ أكثَرَ مِنَ السَّتْر. فالمحبَّةُ تَتَعاطَفُ جِدًّا حَتَّى إنَّها تَشْعُرُ بالألم. فالمحبَّةُ تَحْتَمِلُ حَقًّا الألم. فالمحبَّةُ تَحتَمِلُها. فالمحبَّةُ تَشعُرُ بالألمِ عندما يُخطئٌ أخٌ أو أُختٌ. فإنْ كُنتُ أُحِبُّ ذلكَ الشَّخص، سوفَ أتألَّم. ولن أرغَبَ في فَضْحِهِ. فأنا سَأُبدي الاستعدادَ لاحتِمالِ الألم. ثُمَّ إنَّ المحبَّةَ تَفْدي وتَغفِر. فالصِّفَةُ الفِدائيَّةُ للمحبَّة تُبدي استعَدادَها لأخذِ غِطاءٍ وَطَرْحِهِ على الخطيَّة، وللشُّعورِ بألمِ تلكَ الخطيَّة. وهي تُبدي استعدادَها للقيامِ بخُطوةٍ ثالثة إذْ إنَّها مُستعدَّة لاحتمالِ عَاقبةِ تلكَ الخطيَّة. فالمحبَّةُ الحَقيقيَّةُ تَفعلُ ذلك. فعلى الصَّليب، لم يَكتَفي اللهُ بِطَرْحِ غِطاءٍ على الخطيَّة، ولم يَكتفي بالتَّعاطُفِ مَعَها، بل فَعَلَ ماذا؟ لقد حَمَلَ خَطايانا في جَسَدِه. فالمحبَّةُ الحقيقيَّة لا تُسارِعُ إلى انتِقادِ الآخَرينَ، أوْ فَضْحِهِم، أوِ الفَرَحِ بِمَصائِبِهم، أوْ إدانَتِهم؛ بل إنَّها تَطرَحُ غِطاءً على الخطيَّة، وتَحْمِلُ عِبئَها، وحَتَّى إنَّها تَحْتَمِلُ التَّأنيبَ عليها، وَحَتَّى إنَّها تَقبَلُ العِقابَ عَنها.

في عَهْدِ كرومويل (Cromwell)، تَمَّتْ إدانَةُ جُنديٍّ وحُكِمَ عليهِ بالإعدام. وكانَ مَوْعِدُ تَنفيذِ حُكْمِ الإعدامِ هُوَ عندَ قَرْعِ جَرَسِ حَظْرِ التَّجَوُّل. وكانَ ذلكَ الجُنديُّ قد خَطَبَ فَتاةً شَابَّةً جَميلةً ويَنوي الزَّواجَ مِنها. وقد تَوَسَّلَتِ الفَتاةُ إلى القاضي. وقد تَوَسَّلَتْ بِدُموعٍ إلى كرومويل كي يَعْفو عنهُ؛ ولكِنَّ كُلَّ تَوَسُّلاتِها ضَاعَتْ هَباءً. وقد اتُّخِذَتْ كُلُّ الإجراءاتِ لتنفيذِ حُكْمِ الإعدام. انتظرتِ المَدينةُ سَماعَ جَرَسِ حَظْرِ التَّجَوُّل. أمسَكَ المُوظَّفُ المَسؤولُ العَجوزُ والأصَمُّ الحَبْلَ، كَما كانَ يَفعَلُ طَوالَ سَنَواتٍ، وسَحَبَهُ وسَحَبَهُ وسَحَبَهُ مِنْ دُوْنِ أنْ يَدري ما حَدَث، ولكنَّ الجَرَسَ لم يُصدِر صَوتًا. فقد تَسَلَّقَتِ الفَتاةُ إلى أعلى البُرْجِ، ومَدَّتْ يَدَها، وأمْسَكَتْ بِلِسانِ الجَرَسِ الضَّخْمِ وَتَعَلَّقَتْ بِهِ بالرَّغمِ مِنَ الخَطَرِ المُحْدِقِ بحياتِها. وعندما شَدَّ المُوظَّفُ الحَبلَ ارْتَطَمَتْ هِيَ بِجِدارِ الجَرَس فَلَمْ يُصْدِر الجَرَسُ أيَّ صَوْت. وأخيرًا، تَوَقَّفَ الجَرَسُ عنِ التَّأرجُح. وقد تَمَكَّنَتِ الفَتاةُ مِنَ الرُّجوعِ إلى الحَافَةِ وَنَزَلَتْ. وقد نَزَلَتْ وَهِيَ مُجروحَةٌ وتَنزِفُ. وكانَ كرومويل يَنتَظِر، وكانَ الجَميعُ يَنتَظِر في مَوقِعِ تَنفيذِ حُكْمِ الإعدام. وقد أرادَ أن يَعلَمَ لماذا لم يُقرَع الجَرَس.

جاءتِ الفَتاةُ وأطْلَعَتْهُ على ما حَدَث. وقد كَتَبَ أحدُ الشُّعَراءِ عن تلكَ القصَّةِ كي تَبقَى خَالِدَةً مَدى الحَياة. وإليكُم ما كَتَبَهُ: "عندَ قَدَمَيْهِ رَوَتْ قِصَّتَها، وأَرَتْهُ يَدَيها المَجروحَتَيْنِ والمُمَزَّقَتَيْن. وكانَ وَجْهُها الجَميلُ الحُلْوُ ما يَزالُ مُرْهَقًا مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ الَّذي تَعَرَّضَتْ لَهُ. وقد لَمَسَتْ قَلبَهُ فَتَحَنَّنَ فَجأةً، واغْرَوْرَقَتْ عَيْناهُ بالدُّموع. فقالَ كرومويل: ’اذْهَبا أيُّها الحَبيبانِ وَعِيشا حَياتَكُما. فَجَرَسُ حَظْرِ التَّجَوُّلِ لن يُقْرَعَ اللَّيلَة‘".

نَجِدُ هُنا شخصًا أَبْدَى الاستعدادَ لِفِعلِ أيِّ شَيءٍ لأجلِ المحبَّة. فقد طَرَحَتِ المحبَّةُ غِطاءً فوقَ الخطيَّة، وتَعاطَفَتْ معَ الخطيَّة، واحتَملتِ العِقابَ عنِ الخطيَّة...عن خَطيَّةِ شخصٍ آخر. فهذه هي المحبَّةُ الَّتي تَفدي الآخرين. وهذه دائمًا وأبدًا صِفَةُ المحبَّة. فالمحبَّةُ تَحْجُبُ خَطايا الآخرين، وتَتعاطَفُ معَ خَطايا الآخرين، وتَتألَّمُ لأجلِ خَطايا الآخرينَ إنْ أَمْكَنَها ذلك.

وإلى أيِّ مَدَىً يُمكِنُكَ أن تَحتَمِلَ الألمَ كي تَسْتُرَ خَطيَّةَ شخصٍ آخر؟ هذا سُؤالٌ مَنطقيٌّ. فهل يَجوزُ لنا حَقًّا أنْ نَسْتُرَ شُرورَ الآخرين؟ المحبَّةُ تَفعل ذلك؟ فالمحبَّةُ تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيء. وهُناكَ سِمَة أخرى لَها. دَعونا نَصْعَدُ قَليلاً. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاح 13 والعَدد 7: فالمحبَّةُ لا تَكتَفي فقط باحتِمالِ كُلَّ شَيْءٍ، بل إنَّ المحبَّةَ تَفعَلُ ماذا أيضًا؟ "تُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ". وهذا شَيءٌ عَظيم. فالمحبَّةُ تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيء، ثُمَّ إنَّ المحبَّةَ تُصَدِّقُ كُلَّ شَيء. فَعِوَضًا عنِ الشَّكِّ، وعِوَضًا عنِ التَّشَوُّقِ لِتَوبيخِ الخَاطئ، وعِوَضًا عن أن تَقولَ: "مِنَ المُرَجَّحِ أنَّهُ حَصَلَ تَمامًا على ما يَستَحِقُّهُ. ويجب أن تَكونَ العَاقِبَةُ هَكذا"، أو: "لَقَدْ تَمادَى كثيرًا. والآن، مِنَ المُرَجَّحِ أنَّهُ لن يَتغيَّر"، فإنَّ المحبَّةَ تُصَدِّقُ أفضَلَ مَا لَدى الآخرين. فهي تَرى الخَطأَ، وتَرى الضَّعفَ، وتَطْرَحُ غِطاءً مِنَ الصَّمْتِ على الضَّعفِ، وتَكْتُمُ الخطيَّةَ، ثُمَّ إنَّها تُصَدِّقُ الأفضَل.

فالمحبَّةُ لا تَعيشُ حَياتَها وَهِيَ تَسْخَرُ مِنَ الآخرين. والمحبَّةُ لا تَعيشُ حَياتَها وَهِيَ تَشُكُّ ولا تُصَدِّقُ أيَّ شخصٍ أو أيَّ شَيءٍ، ولا تَعيشُ في شَكٍّ دَائِمٍ حَتَّى إنَّها تَقولُ في كُلِّ مَرَّةٍ يَفعَلُ فيها أحدُ الأشخاصِ شَيئًا خاطئًا: "هذا يُثْبِتُ كَلامي. فَهُوَ شَخصٌ فَاسِدٌ قبلَ كُلِّ شَيء". المَحبَّةُ لا تَسْخَرُ مِنَ الآخرينَ ولا تَشُكُّ فيهم، بل إنَّ المحبَّةَ تُصَدِّقُ دائمًا الأفضَل. ويُمكِنُكم أنْ تَرَوْا هذا، بِصورة خاصَّة، في قَلبِ الأُمّ. فأحيانًا، يَبتَعِدُ ابنُها أوِ ابنَتُها عنِ الرَّبِّ. فقد كُنَّا في "أوهايو" (Ohio) معَ مَجموعةٍ مِنَ الأحبَّاءِ الَّذينَ تَعَرَّفنا إليهم ودَعونا إلى هذا المُؤتَمر. وكانَ الأبُ والأُمُّ يُخبرانا عنِ ابنتِهما الَّتي ابتعدتْ عنِ الرَّبِّ، والتي تَسَبَّبَتْ في كَسْرِ قَلبيهِما. وقد كانا يُدركان خَطاياها، ويُدركان أخطاءَها، ويُدركان كُلَّ المَشاكِل؛ ولكنَّهُما طَرَحا غِطاءً مِنَ المَحبَّةِ فوقَها بسببِ مَحَبَّتِهِما الشَّديدة لَها. وقد قَالا: "سَوفَ تَعود. نحنُ نُؤمِنُ بِكُلِّ قُلوبِنا أنَّها سَتعودُ إلى الرَّبّ".

وهل تَعلمان لماذا كانا يُصَدِّقان ذلك؟ بسببِ حُبِّهِما لَها، ولأنَّ المحبَّةَ لا بُدَّ أن تُصَدِّقَ ذلك. ولا بُدَّ أن تُصَدِّقَ المَحبَّةُ ذلك لأنَّ المحبَّةَ تُبالي كَثيرًا ولا تُمانِعُ في تَصديقِ ذلك. ومَا تُريدُهُ المحبَّةُ بِشِدَّة يَصيرُ إيمانًا. أَتَرَوْن؟ فتلكَ الأُمُّ وذلكَ الأبُ يَرغبانِ بِشِدَّة في عَودةِ ابنَتِهما، وَهُما يُحِبَّانِ ابنَتَهُما كثيرًا حَتَّى إنَّ رَغْبَتَهُما صَارَتْ إيمانًا. فالمحبَّةُ تَفْعَلُ هَذا. أَتَرَوْن؟ ولكِنْ عندما يُخطئُ شخصٌ مَا فَتَقول: "هذا مُقَزِّز. وهَذا يَكشِفُ شَخصيَّتَهُ الحَقيقيَّة"، فإنَّكَ تُبَرهِنُ على أنَّكَ لا تُحِبُّ ذلكَ الشَّخص لأنَّ المحبَّةَ لا تَفعلُ ذلك. وهُناكَ زَوجَةٌ لِشخصٍ مَضى عليهِ 25 سنة أو 30 سنة مِن دُونِ أن يَأتي إلى المَسيح، ولكنَّها تَقولُ دائمًا: "سوفَ يأتي ذاتَ يَومٍ". وهل تَعلمونَ عندما تَقولُ ذلك، ما الَّذي أُدْرِكُهُ؟ أنَّها تُحِبُّهُ. ومَحَبَّتُها لَهُ تَجعَلُها تَتَمَنَّى أنْ يَأتي إلى المسيح. وأُمنِيَتُها قويَّة جدًّا حَتَى إنَّها تَصيرُ إيمانًا بأنَّهُ سيأتي إلى المَسيح.

أجل، المحبَّةُ تَرى الخطأَ، والمحبَّةُ تَرى الضَّعفَ، والمحبَّةُ تُوَبِّخُ الخطأَ، والمحبَّةُ تُعالِجُ الخَطأَ، ولكنَّها لا تَفْضَحُهُ. فالمحبَّةُ تَطْرَحُ غِطاءً فوقَ الخطيَّة. وإنْ أردتَ أنْ تَكونَ مُخْطِئًا في الحُكْمِ على شَخصٍ آخر، اعْمَلْ مَعروفًا معَ نَفسِكَ، ومعَ الرَّبِّ، ومعَ الجَميعِ، وَكُنْ مُخْطِئًا في أنَّكَ أَحْبَبْتَهُ. بعبارة أخرى، كُنْ مُخطِئًا في أنَّكَ وَثَقْتَ فيهِ أكثرَ مِمَّا يَنبغي، وأنَّكَ صَدَّقْتَهُ. فواحِدٌ مِنَ الأمورِ الَّتي نُحاوِلُ أنْ نُرَسِّخَها في خِدمَتِنا هُنا هو حَقيقةُ أنَّ جَميعَ العَامِلينَ والمُوظَّفينَ والشُّيوخُ والجَميعَ يُفَكِّرونَ بطريقةٍ واحدةٍ: أنَّنا نُؤمِنُ بِكُم. فنحنُ نُؤمِنُ بتكريسِكُم التَّامِّ للمسيح. ونحنُ نُؤمِنُ باجتِهادِكُم. ونحنُ نُؤمِنُ أنَّكُم أفضلُ الأشخاص. وعلى ذلكَ الأساس، نحنُ نَثِقُ بِكُم. وإنْ لم يُبَرْهِنْ أحَدَكُم أنَّهُ جَديرٌ بتلكَ الثِّقة بينَ الحينِ والآخر، لا بأسَ في ذلك. فنحنُ نُفَضِّلُ أن نَكونَ مُخطِئينَ في حُبِّنا الشَّديدِ لَكُم. وهذا يَضْمَنُ الصِّحَّةَ والسَّعادَة. وفي أغلبِ الأوقات، هذا يَجْعَلُ النَّاسَ يَرغبونَ في تَقديمِ أفضَلِ مَا لَديهم.

ولكِنَّ الكُورِنثيِّينَ كانوا يَتوقونَ إلى الشَّكِّ، والسُّخريةِ، وتَصديقِ الأمورِ السيِّئَة، وافتِراضِ أنَّ لا أحدَ يَقولُ الحَقيقة. وَهُمْ يُشبِهونَ أصدقاءَ أيُّوب: "نحنُ نَعلَمُ ما هي مُشكِلَتُكَ يا أيُّوب. أنتَ شِرِّير. أنتَ شخصٌ فَاسِدٌ يا أيُّوب. اعتَرِف بالحَقيقة. اعتَرِف بِها. فهذا هو السَّببُ في أنَّكَ تُواجِهُ كُلَّ تلكَ المَشاكِل". وقدِ احْتَمَلَ أيُّوبُ كُلَّ تِلكَ الثَّرثرةِ أكثرَ مِن أيِّ شخصٍ آخر. وكانَ يَعلَمُ في قَلبِهِ أنَّهُ ليسَ شِرِّيرًا. وأخيرًا، هُناكَ جُملة...أعتقد أنَّها في الأصحاح 21 والعَدد 27...تَقول: "هُوَذَا قَدْ عَلِمْتُ أَفْكَارَكُمْ وَالنِّيَّاتِ الَّتِي بِهَا تَظْلِمُونَنِي". فَهُوَ يَقولُ: "أتَعلمونَ شَيئًا؟ لقد مَلَلْتُ مِنْكُم أيُّها الأصدقاء. فكُلُّ ما تَفعلونَهُ هو أنَّكُمْ تَفْتَكِرونَ بي بأفكارٍ شِرِّيرة". وما الَّذي يُبَرهِنُ عليهِ ذلك؟ أنَّهُم لم يَكونوا يُحِبُّونَهُ لأنَّهُم لو كانوا يُحِبُّونَهُ لَقالوا: "ولكِنَّهُ رَجُلٌ بَارٌّ. صَحيحٌ أنَّهُ رُبَّما أخطأَ في أمرٍ أو أمرَيْن، ورُبَّما اقتَرَفَ خَطيئةً مَا، ولكنَّهُ صَالِحٌ. وهُناكَ شَيءٌ قَابِلٌ للفِداءِ فيه. لا أدري لماذا تَألَّمَ هَكذا!" ولكِنَّهُم لم يَفْتَكِروا بهذهِ الأفكار.

انظُروا إلى هذهِ الآية في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ التَّاسِع. فهل تُريدونَ أن تَعرِفوا كيفَ كانَتْ مَشاعِرُ الفَرِّيسيّينَ تُجاهَ يَسوع؟ رُبَّما كانَ هَذا أوضَحُ دَليلٍ يُمْكِن العُثورُ عليه. فقد التَقى يَسوعُ رَجُلاً مَفْلُوجًا في إنجيلِ مَتَّى والأصحاحِ التَّاسِعِ، ورأى أنَّهُ كانَ مُؤمِنًا عَظيمًا، فقالَ لَهُ: "ثِقْ يَا بُنَيَّ. مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ". فقد مَنَحَهُ الخَلاصَ. وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ شَفاهُ جَسديًّا أيضًا. "وَإِذَا قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ قَدْ قَالُوا فِي أَنْفُسِهِمْ: «هذَا يُجَدِّفُ!»" والآن، هذا أمرٌ مُدهِش! فقد شَفى يَسوعُ رَجُلاً وقالَ لَهُ: "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ". ولكِنَّهُمْ قالوا في أنفُسِهِم...لا بِصَوْتٍ عَالٍ: "هَذَا يُجَدِّفُ!" ولِماذا قالوا ذلك؟ لأنَّهُمْ كانوا قد قَرَّرُوا مُسَبَّقًا أنَّ يَسوعَ شِرِّير. وقد تَقول: "وَهَلْ مِنَ الشَّرِّ أنْ تَغْفِرَ الخَطايا؟" لا. "وهَلْ مِنَ الشَّرِّ أنْ تَشفي المَرْضَى؟" لا. ولكنَّهُمْ كانوا قد قَرَّرُوا سَلَفًا أنَّهُ كانَ شِرِّيرًا. لِذا، أيًّا كانَ الشَّيءُ الَّذي يَفعَلُهُ فإنَّهُ شِرِّير. فقد كانوا عَيَّابينَ وَمُشَكِّكين. وأنا أُحِبُّ الآيةَ الَّتي تَلي ذلك: "فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ، فَقَالَ: «لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِالشَّرِّ فِي قُلُوبِكُمْ؟" ولا بُدَّ أنَّ ذلكَ صَعَقَهُم. فَهُمْ لم يَقولوا شَيئًا، ولكِنَّهُ جَاوَبَهُم على أفكارِهم. وَهُوَ يَقول: "لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِالشَّرِّ فِي قُلُوبِكُمْ؟" وقد كانت هذه هي إدانَةُ الكَتَبَة.

فقد كانَ مَوقِفُهُم شِرّيرًا مِن يَسوع. وهذا دَليلٌ قَاطِعٌ على أنَّهُم لم يَكونوا يُحِبُّونَهُ لأنَّهُم لو كانوا يُحِبُّونَهُ لافتَكروا فيهِ بأفكارٍ طَيِّبَة. فعندما تُحِبُّ شخصًا، فإنَّكَ تُفَكِّرُ فيهِ بأفضلَ الأفكار. وحَتَّى عندما يُخطِئُ فإنَّكَ تُفَكِّرُ فيهِ أفضلَ الأفكار. وأنا أقولُ لزوجَتي المَرَّةَ تِلو المَرَّة: "حَبيبَتي، أنا أَعلَمُ أنَّ أولادَنا سيَكبُرونَ ويَصيرونَ رائعين. وأنا أَعلمُ أنَّ أولادَنا سيَكبُرونَ ويَصيرونَ مُمتازين. وأنا أُصَدِّقُ أنَّهُم سيكونونَ أفضلَ أولادٍ عندما يَصيرونَ رَاشِدين". وهل تَعلمونَ لماذا أُفَكِّرُ في ذلك؟ يجب عليَّ أن أُفَكِّرَ في ذلك. وأنا أُصَدِّقُ ذلك. وأنا أُصَدِّقُ ذلكَ لأنِّي أَتَمَنَّى ذلك. وأنا أتمنَّى ذلكَ لأنِّي أُحِبُّهُم. فهكذا تَعمَلُ المَحبَّة.

ولكِنْ كَما تَرَوْنَ، في حَالِ وُجودِ كَراهِيَةٍ كهذه، حَتَّى عندما عَجِزوا عَنِ العُثورِ على عَيْبٍ فيه، استمرُّوا في البحثِ عن عُيوبٍ لأنَّهُم كانُوا يَكرَهونَهُ. فإنْ أَبغَضْتَ شَخصًا مَا ستَبْتَدِئُ في البَحثِ عن عُيوبِهِ. وإن أَحببتَ شخصًا ما ستَبتدئُ في سَتْرِ عُيوبِه. فهذا هو الفَرق. فالمحبَّةُ هي مَلاذُ الثِّقَةِ للأشخاصِ الَّذينَ يُعانونَ مِنْ شَكِّ الجَميعِ فيهم. لِذا فإنَّ المَحبَّةَ تُصَدِّق. وحَالَما يُقَرِّرُ الإنسانُ أنَّ يُحِبَّ هَكذا، فإنَّ المَحبَّةَ سَتَدْفَعُهُ إلى القِيامِ بِما جَاءَ في رِسالة غَلاطيَّة 6: 1. فالمحبَّةُ تُسارِعُ إلى رَدِّ الأخِ الَّذي يَسقُط.

ولِتَقديمِ مَثَلٍ تَوضيحيٍّ عنِ المَحبَّة، فَكِّروا وَحَسْب في يَسوعَ والتَّلاميذ. فَهُمْ لم يَكونوا أشخاصً مُمَيَّزينَ...بِصَراحَة. فالأشخاصُ المَعروفونَ أكثرَ مِن غَيرِهم في العهدِ الجديدِ (أيْ: بُطرُس ويَعقوب ويُوحَنَّا) كانُوا خُطاةً. فبُطرُس كانَ شَخصًا مَشهورًا بِعَدَمِ إيمانِهِ، وكانَ يَسقُطُ دائمًا على وَجهِه. ويَعقوبُ ويُوحَنَّا كانا مَغرورَيْنِ ولَديهِم رُوحيَّة زائِفَة نَوعًا مَا. وقد أَرْسَلا أُمَّهُما كي تَسألَ إنْ كانَ بالإمكانِ أنْ يَجْلِسا في مَكانِ الصَّدارَةِ في المَلكوت. أمَّا بقيَّةُ التَّلاميذِ فلا نَعرِفُ شَيئًا عنهُم لِنَقولَهُ. ولكنَّهُمْ كانُوا خُطاةً أيضًا. وقد كانَ بِمَقدور يَسوعَ أن يَحُكَّ رأسَهُ ويَقول: "يا أَبَتاه، لا أدري ماذا أقولُ لَكَ! ولكِنَّ هذه الفِكرة بِأسرِها لن تَنجَح. فأنا لديَّ اثنا عَشَرَ شخصًا فَاشِلاً. وإنْ كُنْتَ تَظُنُّ أنِّي سَأعودُ إلى السَّماءِ وأترُكُ كُلَّ شَيءٍ بينَ أيديهم، سَأفعلُ ذلك. ولكِنَّ الأمرَ مُرعِبٌ قَليلاً!"

ولكِنْ أتَعلمونَ شيئًا؟ لقد كانَ يَسوعُ يَعلَمُ خَطايا التَّلاميذِ أكثرَ مِن أيِّ شخصٍ آخر. وبالرَّغمِ مِن ذلك، كانَ يُؤمِنُ بِأفضَلِ ما في كُلِّ واحِدٍ مِنهُم. أليسَ كذلك؟ وقد قال: "يُمكِنُهم أن يَفعلوا ذلك". وقد أَوْكَلَ إليهم المَهمَّةَ وأرسَلَهُم إلى العالَمِ كي يُتَمِّموها. وقد تَمَّموها. وهل تَعلمونَ ما الشَّيءُ الَّذي أُفَكِّرُ فيه؟ أعتقدُ أنَّكَ تُخْرِجُ أفضَلَ مَا في النَّاسِ الذينَ تُؤمِنُ بِهِمْ أكثرَ مِن غَيرِهم. وقد آمَنَ يَسوعُ بِهم إيمانًا عَظيمًا ووَضَعَ خُطَّتَهُ على ذلكَ الأساس فَنَفَّذوها. وقد تَقول: "ولكِنْ يا جون، مَا الَّذي سيَحدُثُ إنْ سَتَرْتَ خَطاياهُم، وإنْ قُلتَ إنَّكَ سَتُفَكِّرُ فيهم تَفكيرًا طَيِّبًا، وإنَّ المَحبَّةَ تَفدي الآخرينَ، وإنَّ الأمرَ سَيَنْجَح، وإنَّهُم سَيَعودونَ إلى الطَّريقِ القَويمِ، وإنَّكَ تُؤمِنُ بذلك، ولكنَّهُمْ لم يَفعلوا؟ فسوفَ تَجِدُ أنَّ إيمانَكَ قدِ ابتدأَ يَخْبُو، وأنَّكَ سَتَقولُ: "لقد ظَنَنْتُ أنَّهُمْ سَيَعودون. وقد تَقولُ عن ابنِكَ الضَّالِّ أوِ ابنَتِكَ الضَّالَّةِ: "لقد ظَنَنْتُ أنَّهُ سيَعودُ، ولكِنِّي أَنتَظِرُ مُنذُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنة!" أو ماذا لو قَالَتْ زَوجَةٌ عن زَوجِها: "لقد ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيَعودُ إلى الطَّريقِ القَويم، ولكنِّي لم أَعُدْ أعرِفُ شَيئًا. ولا أَدري إنْ كَانَ بِمَقدوري أن أُوْمِنَ بأيِّ شَيءٍ بعدَ الآن". في هذهِ الحالَةِ، ماذا يُمْكِنُ للمحبَّةِ أن تَفعل؟

إنَّ السِّمَةَ الثَّالثةَ المَذكورةَ في العددِ السَّابِعِ هِيَ: "المَحَبَّةُ [ماذا؟] تَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ". فالمحبَّةُ هي الخَيطُ الطَّويلُ، أوِ الحَبْلُ الطَّويلُ الَّذي لا يَنْقَطِعُ بِهِم. فهو طَويلٌ. فيجب عليكَ أن تَقولُ: "مَا دَامَتْ نِعمَةُ اللهِ عَامِلَةً، فإنَّ الفَشَلَ البشريَّ لن يَكونَ يَومًا نِهائيًّا". والشَّيءُ الَّذي أَرجِعُ إليهِ دائِمًا هُوَ الوَعْدُ التَّالي: "هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى الرَّبِّ شَيْءٌ؟"

وَهَذا يُعيدُني بِضْعَ سِنين إلى الوَراء. فَهُناكَ أشخاصٌ مَارَسْنَا التَّأديبَ بِحَقِّهِم في هذهِ الكنيسة لأنَّهُمْ كانوا غَارِقينَ في الخطيَّةِ فَذَهَبوا. وقد كانَتْ هُناكَ رَغبة عَميقة في قَلبي بسببِ مَحَبَّتي لهم أنْ أَسْتُرَ خَطاياهُم وأَلَّا أتحدَّثَ عَنها وألَّا أُناقِشَها أوْ أذكُرَها إلَّا مَعَ الأشخاصِ الَّذينَ يُصَلُّونَ لأجلِهم. وقد كانت هُناكَ رَغبة عَميقة في قَلبي تَجْعَلُني أُوْمِنُ بأنَّ شَيئًا قد يَتغيَّر، وبأنَّهُمْ سَيَرجِعون، وبأنَّهُمْ سَيَعودون. وقد آمَنْتُ بذلكَ يَوْمًا بعدَ يَوْم. وأعتقد أنَّ هُناكَ حَالاتٍ تَراجَعَ فيها إيماني وَصارَ صَغيرًا جدًّا. وهَل تَعلمونَ ماذا أفعلُ الآن؟ أنا أَرْجو ذلك. أنا أرجو ذلك. فكأنَّهُمْ مَرْبوطونَ بِحَبْلٍ طَويل. وبينَ الحينِ والآخر أشعُرُ بِشَدِّ الحَبْلِ في قَلبي فأُصَلِّي لأجلِهم. فأنا أَرجو، ولا أَكُفُّ عنِ الرَّجاء.

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ المحبَّةَ مُتفائِلَة...إن كَانَ بِمَقدورِنا أنْ نَلْعَبَ بالكَلِمات...إنَّها مُتفائِلة وَلا تَيأَس. فهي لا تَكُفُّ عنِ الرَّجاء. فهي تَدْفَعُكَ إلى القَول: "إنَّ اللهَ هُوَ الله. وهو يَستطيعُ أن يَفعلَ ذلك. ويجب عليَّ أنْ أرجو ذلك". فالمحبَّةُ تَرفُضُ أن تَنظُرَ إلى الفَشَلِ كشيءٍ نِهائيّ. فاللهُ لم يَكُن يَقبَلُ ذلكَ مِنْ بَني إسرائيل. ويَسوعُ لم يَكُن يَقبَلُ ذلكَ مِنْ بُطرَس. وبُولسُ لم يَكُن يَقبَلُ ذلكَ مِن أهلِ كورِنثوس: "لن أَقبَلَ الإخفاقَ كنتيجة نِهائيَّة". وهُناكَ زَوجاتٌ مُحِبَّاتٌ كَثيراتٌ يَتَمَسَّكْنَ بأزواجِهِنَّ لا لِسَبَبٍ آخَرَ سِوى حَبْلَ الرَّجاءِ ذاك. وهُناكَ آباءٌ وأُمَّهاتٌ كَثيرونَ لا يَيأسونَ مِن أولادِهم. وهُناكَ أصدقاءٌ كَثيرونَ لا يَيأسونَ مِن أصدقائِهم، بل يَتمسَّكونَ وَحَسْب بالرَّجاء. فعندما يَتَضاءَلُ إيمانُكَ كُلُّه، عليكَ أن تَتمَسَّكَ بالرَّجاء. ولكِنْ أتَعلمونَ شَيئًا؟ وهذه نُقطة مُدهشة. فأحيانًا، قد نُصْدِرُ أَسْوأَ الأحكامِ في وَقْتٍ مِنَ الأوقاتِ ظَنًّا مِنَّا أنَّها الأفضَل. ولكِنْ لا تَفْقِدوا رَجاءَكُم. فالمحبَّةُ لا تَفعل ذلك. وقد تَقول: "لقد فَقَدْتُ إيماني بِهم تَمامًا. فَقَدْ أفَسَدوا الأمرَ تَمامًا. ولا يُوْجَد أَمَل وَلا رَجاء. أنا أستَسلِم". إنَّ المحبَّةَ لا تَستَسلِم.

فهذا يُشبِهُ زِيارَةَ إحدى القُرَى الواقِعَةِ أسفَلَ جَبَل "ماترهورن" (Matterhorn) في سويسرا وَسَماعَ النَّاسِ يَقولون: "هَذا أروَعُ مَشْهَدٍ. يجب أن تَرَى جَبَلَ مَاترهورن في يَوْمٍ مُشمِس". لِذا فإنَّكَ تَذهبُ إلى هُناكَ ولكنَّكَ لا تَرى سِوى الضَّباب. وحينئذٍ فإنَّكَ تَجلِسُ على الأرضِ وتَقول: "إنَّهُم كَاذِبون. لا وُجودَ لِجَبَل ماترهورن. فقد أتيتُ إلى هُنا ولا يُوجَد جَبَل ماترهورن". وأنتَ تَظُنُّ في تلكَ اللَّحظةِ الضَّبابيَّةِ أنَّكَ أَصْدَرْتَ أفضَلَ حُكْمٍ على المَوقِف. ولكِنَّ المَحبَّةَ لا تَفعلُ ذلك. فعندما يَتَشَوَّشُ الإيمانُ ويَكْسوهُ الضَّباب، فإنَّ المحبَّةَ تَبقى مُتَمَسِّكَةً بالرَّجاء. وعندما يَسلِبُ الشَّكُّ واليأسُ الإيمانَ، فإنَّ المحبَّةَ تَبقى مُتَمَسِّكَةً بالرَّجاء.

هُناكَ كَلبٌ في مَطارٍ في مَدينةٍ كبيرة. وَقد مَضَى على وُجودِهِ هُناكَ أكثر مِنْ خَمْسِ سَنوات. وقد أَخبرني أحدُ الأشخاصِ هذهِ القصَّة في هذا الأسبوع. فقد كانَ صَاحِبُ الكَلبِ مُسافِرًا إلى مَكانٍ مَا وَمَعهُ كَلبُهُ، ولكِنَّ صَاحِبَ الكَلبِ صَعِدَ إلى الطَّائرةِ مِن دُونِهِ. وَهُوَ يَنْتَظِرُ هُناكَ مُنذُ خَمسِ سَنوات. فهو يَنتظِرُ في الزَّاويةِ نَفسِها. والنَّاسُ في المَطارِ يُقَدِّمونَ لَهُ الماءَ والطَّعامَ كُلَّ يوم. وَهُوَ يَعيشُ على الرَّجاء. فإنْ كانت مَحَبَّةُ كَلْبٍ لِصَاحِبِه هَكذا (أيًّا كانت طَبيعةُ تلكَ المحبَّة)، وإنْ كانَ تَعَلُّقُ كَلْبٍ بصاحِبِهِ يَجْعَلُهُ يَتمسَّكُ بهذا الرَّجاءِ بأمانَة، مِنَ المؤكَّدِ أنَّ المحبَّةَ تَستطيعُ أن تَفعلَ ذلكَ فينا إنْ كُنَّا مُحِبِّينَ حَقًّا. فالمحبَّةُ، كَما تَرَوْنَ، لا تَتَراجَعُ، ولا تَستَسلِمُ، ولا تنَهَزِمُ عندَ حُدوثِ أوَّلِ غَلطَة، أو عندَ اقترافِ أوَّلِ خَطيَّة. بل إنَّ المحبَّةَ تَنتَظِرُ وَتَنتَظِر. وهُناكَ وُعودٌ كَافِيَة في الكتابِ المقدَّسِ تَجْعَلُ الرَّجاءَ فَعَّالاً.

وقد تَقول: "ولكِنْ يا جون، إنِ احتَملتَ كُلَّ شَيءٍ، وصَدَّقْتَ كُلَّ شَيءٍ، ورَجَوْتَ كُلَّ شَيءٍ، وَسَمَحْتَ للحَبْلِ أنْ يَمْتَدَّ أكثر فأكثَر فأكثَر فأكثر، ثُمَّ فَقَدْتَ رَجاءَكَ. ماذا سَيحدُثُ حينئذٍ؟" حَسَنًا، حينئذٍ، نأتي إلى السِّمَةِ الأخيرةِ في العددِ السَّابع إذْ نَقرأ: "المَحبَّةُ تَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ". فإنِ احْتَمَلَتِ المَحَبَّةُ، وصَدَّقَتْ، ورَجَتْ، وما زَالَتْ يَائسةً، فإنَّها تَبقى ثابِتَةً في مَكانِها لأنَّ الآيةَ الَّتي تَلي ذلكَ تَقول: "اَلْمَحَبَّةُ [مَاذا؟] لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا". وهذا يُلَخِّصُ الأمرَ. فهي لا تَموت. ولا يُمكِنُكَ أنْ تَقتُلَها. والكلمةُ المُستخدَمةُ هُنا في العِبارة "المَحبَّة تَصبِر" (في العددِ السَّابعِ)، وهي السِّمَةَ الخامِسَةَ عَشْرَةَ في اللَّائحةِ، هي مُصْطَلَحٌ عَسكَرِيٌّ. وهي تُشيرُ إلى وَضْعِ الجُنديِّ في وَسْطِ المَعركةِ في مَوقِفٍ عَنيفٍ جدًّا. فالآيَةُ لا تَعني أنَّ المحبَّةَ تَستطيعُ أن تَصْبِرَ على بعضِ المُضايَقاتِ الصَّغيرة. كَلاَّ، كَلاَّ! بل إنَّها تَعني أنَّ المحبَّةَ تَبقى ثَابِتَةً في مَكانِها في وَجْهِ المُقاومةِ الهائلةِ؛ ولكنَّها تَبقَى مُحِبَّة.

فقد كانَ استفانوس مَطروحًا أرضًا، وَكانت حَياتُهُ تسْحَقُ تحتَ الحِجارةِ، ولكنَّهُ قَالَ: "يَا رَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ". فقد أرادَ أنْ يَسْتُرَ خَطايا شَعبِهِ. وقد صَدَّقَ، وَتَمَسَّكَ بالرَّجاء. وقد كَرَزَ على رَجاءِ أنْ يُصغي البَعضُ إليه. وقد كانَ يَرجو أنْ يَأتي هَؤلاءِ إلى المَسيح. وعندما نَفَدَ إيمانُهُ، وَنَفَدَ رَجاؤُهُ، كانَ كُلُّ ما تَبَقَّى لَديهِ هو الصَّبْر. وقد سَحَقوه. وَفيما كانوا يُزْهِقونَ حَياتَهُ، كانَ [بِبَساطَةٍ] يَصْبِرُ. أليسَ كذلك؟ لأنَّهُ كانَ يُحِبُّهُم. لِذا فقد قال: "لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّة، يا أَبَتاه".

ويَسوعُ...عندما كانَ يَسوعُ على الصَّليب، احْتَمَلَهُم وَسَتَرَ خَطاياهُم، وصَدَّقَ، وكانَ يَعلمُ أنَّ هُناكَ...أنَّ هُناكَ أشخاصًا سيُؤمِنون. وقدِ احتَمَلَ حَتَّى النِّهاية بالرَّغمِ مِن أنَّهُم بَصَقُوا عليهِ فَقال: "يَا أَبَتَاهُ" ماذا؟ "اغْفِرْ لَهُمْ". وكَما تَرَوْنَ، فإنَّ المحبَّةَ لا تَموتُ أبدًا. فلا يُمكِنُكَ أن تَقتُلَها. فهي لا تَسْقُط أبدًا. فَحَتَّى عندما تَستمرُّ في إظهارِ المَحبَّةِ لذلكَ الابْنِ الرَّافِضِ سَنَةً بعدَ سَنة بَعدَ سَنة، ولا تَحصُل بالمُقابِلِ إلَّا على الكَراهِيَةِ والمَرارةِ والرَّفضِ، فإنَّكَ لا تَتوقَّفُ أبدًا عنِ المحبَّة، بل تَصْبِر. فهذه هي النَّغَماتُ المُتَصاعِدَةُ للمحبَّة. فالمحبَّةُ تَحْتَمِلُ كُلَّ آلامٍ وجُروح. فهذا هو ما قَالَهُ بولسُ في هذهِ الآية. وهي تَحتَمِلُ الخَطايا وَخَيْباتِ الأمل. وهي تَسْتُرُها بغِطاءٍ مِنَ الصَّمْت. ثُمَّ إنَّها تَشعُرُ بالتَّعاطُفِ. ثُمَّ إنَّها مَحَبَّة فَادِيَة. ثُمَّ إنَّها تَحْتَمِلُ الألَمَ إنِ استَطاعَت. وبعدَ أنْ تَحْتَمِل وَتُصَدِّقُ فإنَّ المَحبَّةُ تُصَدِّقُ أفضَلَ مَا في الآخَرين، بل أفضَلَ الأفضَلَ عَنهُم. فهي لا تَتَهَكَّمُ، ولا تَشُكُّ بالرَّغمِ مِنَ الطَّريقةِ الَّتي جُرِحَتْ بِها.

وعندما يَتعرَّضُ تَصديقُ المَحبَّةِ إلى الخِيانَة، فإنَّ المَحبَّةَ تَلجَأُ إلى الرَّجاءِ لأنَّ اللهَ ما يَزالُ هُوَ الله، ولأنَّهُ ما يَزالُ المُهيمِن، ولأنَّهُ يَستطيعُ أن يَفعلَ أيَّ شَيء. وَحَتَّى عندما يَتَضاءَلُ كُلُّ الرَّجاء ويَبدو أنَّ كُلَّ أَمَلٍ قَدْ ضَاع، فإنَّ المَحبَّةَ تَصْبِر. فهي تَصبِرُ على أَشَدِّ الإساءاتِ (الَّتي تَبدو أنَّها نِهايَةُ المَطافِ) بِثِقَةٍ مُنْتَصِرة في أنَّ اللهَ الَّذي يُعطي أولادَهُ سَلامًا ما يَزالُ على العَرش. وَكَما تَرَوْنَ، فإنَّ المَحبَّةَ لا تُهْزَم. فهي تُبالي كَثيرًا جدًّا حَتَّى إنَّها لا تَستَسلِم. وهي تَهْتَمُّ إلى أَقصى حَدٍّ مُمكِن. وهي تَحْتَمِلُ أنْ يُبْصَقَ عليها وتَقول: "اغفِر لَهُم". فهذهِ هي المَحبَّة.

ولكِنْ مِنَ المُؤسِفِ أنَّهُ لم تَكُن تُوْجَدُ في كنيسةِ كورِنثوس أيُّ مَحَبَّة. فقد كانوا يُشبِهونَ الكَنيسةَ الَّتي تَحَدَّثَ عنها "رينهولد نيبور" (Reinhold Niebuhr) عندما قالَ إنَّ الكنيسةَ هي مِثلُ فُلْكِ نُوْح. فلَولا العاصِفَةُ في الخَارِج، لما احْتَمَلْنا الرَّائِحَةَ النَّتِنَةَ في الدَّاخِل. وهذهِ الحالُ تُشبِهُ أهلَ كورِنثوس، ولكِنَّها ليستِ الحالَ الَّتي أرادَها اللهُ. فهو يُريدُ مِنَّا أنْ نَتَّصِفَ بالمحبَّة. وهو يُريدُ مِنَ الكنيسةِ أن تَكونَ مُجتَمَعًا مُحِبًّا. وهو يُريدُ أن يَرى هذهِ الصِّفاتِ تُمارَس عَمليًّا.

وقد تَقول: "جون! أنا أَعلمُ الآنَ أنَّ المَحبَّةَ مُهمَّة. فهي مُهمَّة بسببِ حَقيقةِ أنَّها تَمْنَحُ صِحَّةً رُوحيَّةً وصِحَّةً جَسديَّة. وهي مُهمَّة لأنَّها تَعْكِسُ صُورةَ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ الَّذي يَنبغي أنْ نَقتَدي بِه. وأنا أُدرِكُ مَاهِيَّتَها الآن، وأُدرِكُ ما تَفعَلُهُ وكيفَ تَتصرَّف، ولكِنْ كيفَ يُمكِنُني أن أُطَبِّقَها في حَياتي؟ أيْ كيفَ يُمكِنُني أن أَبتدئَ في مُمارسةِ ذلكَ في حياتي؟" اسمَحوا لي أن أَذكُرَ لَكُم خَمْسَة أُمور. وسوفَ أَختِمُ بِها. وسوفَ أكْتَفي بِذِكْرِها فقط. فهذه هي المِفاتيحُ الخَمسَةُ للمحبَّة. والآن، إنِ طَبَّقْتُمْ هذهِ الأمور، سَتَختبرونَ هذهِ المحبَّة:

أوَّلاً، أَدرِكُوا أنَّها وَصِيَّة. أدرِكوا أنَّها وَصيَّة. أدرِكوا أنَّ المحبَّةَ وَصيَّة، وأنَّها ليست شَيئًا يُمكِنُكم أن تَنْتَقوهُ وَتَختاروهُ، وأنَّها ليسَت خِيارًا. أدرِكوا أنَّها وَصِيَّة مِنَ اللهِ بأن تُحِبُّوا. لِذا فإنَّنا لا نَتعامَلُ معَ شَيءٍ مِزاجِيٍّ هُنا، بل نَتعامَلُ معَ شَيءٍ مَفْروغٍ مِنْه. رُومية 13: 8-10. فهي شَيءٌ مَفروغٌ مِنه. فاللهُ يُوصيكُم بأنْ تُحِبُّوا.

ثانيًا، أَدرِكوا أنَّكُمْ تَمْلِكونَ القُدرةَ على ذلك. أَدرِكوا أنَّكُمْ تَمْلِكونَ القُدرةَ على ذلك. رُومية 5: 5: "لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا". فهي ليست وَصيَّةً وَحَسْب، بل إنَّها وَصيَّة يُمكِنُ تَطبيقُها لأنَّكُم تَمْلِكونَ القُدرةَ على ذلك.

ثالثًا، أَدرِكوا أنَّها النَّموذَجُ المِثاليُّ. أَدرِكوا أنَّها النَّموذَجُ المِثاليُّ، والرَّئيسيُّ، والحَدُّ الأدنى، والبَشريُّ، والمَسيحيُّ. فنحنُ نَقرأُ في رسالة يُوحنَّا الأولى 4: 7-10 أنَّ اللهَ مَحَبَّة، وأنَّهُ يَنبغي لنا أن نَتَمَثَّلَ بِه. فهي النَّموذَجُ المِثاليُّ. لِذا، أَدرِكوا أنَّها وَصِيَّة، وأنَّها شَيءٌ مُمْكِنُ التَّطبيق، وأنَّها النَّموذَجُ المِثاليُّ.

رابِعًا، أَدرِكوا أنَّها عَمَلُ الرُّوحِ كَيْ لا تُحاوِلوا أنْ تَحصُروها في شَكلٍ مُحَدَّد. غَلاطِيَّة 5: 22: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّة". لِذا، أَدرِكوا أنَّها عَمَلُ الرُّوح.

والآن، عندما تُدرِكُ حَقًّا الأمورَ الأساسيَّةَ وَتُدرِكُ أنَّها وَصيَّة، يجب عليكَ أن تَتَعَهَّدَ قائلاً: "حسنًا يا رَبُّ! إنَّها وَصيَّة. وأنا أَتَعَهَّدُ بأنْ أُحِبَّ". ارْكَعْ على رُكْبَتَيْكَ في وَقتٍ مَا اليومَ وَقُل: "يا رَبُّ، أنا أَتعهَّدُ بأنْ أُحِبَّ". ثانيًا: "يا رَبُّ، أنا أُقِرُّ بأنِّي أملِكُ القُدرةَ على أن أُحِبَّ". "يا رَبُّ، أنا أُقِرُّ بأنَّ النَّموذَجَ المِثاليَّ هُوَ أنْ أُحِبَّ". وَ "يا رَبُّ، أنا أُقِرُّ بأنِّي أستَطيعُ أن أُحِبَّ بطريقةٍ طبيعيَّة لِتَتميمِ الوَصِيَّةِ بقوَّةِ الرُّوحِ فَقط".

ثُمَّ نَأتي إلى المِفتاحِ الخامِسِ وَهُوَ: طَبِّقوا. أجل! طَبِّقوا. فهل تَعلمونَ أنَّ يَسوعَ نَفسَهُ تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ كَما يَقولُ الكتابُ المقدَّس؟ طَبِّقوا. ابتدِئ مِنْ بَيتِكَ، وَضَعْ كُلَّ هذهِ السِّماتِ الخَمسَ عَشْرَةَ مَوْضِعَ التَّطبيق. وحينئذٍ، سَيَنظُرُ العالَمُ إلينا وَيَقولونَ ما يُريدُ مِنهُمُ اللهُ أن يَقولوه: "ما أَروَعَ مَحَبَّتَهُم بَعضُهُم لبَعض!" وهذا سَيُمَجِّدُ المَسيح. دَعُونا نُصَلِّي:

يا أبانا، نَشكُرُكَ مَرَّةً أخرى في هذا الصَّباحِ على مَحَبَّتِكَ لَنا. ونحنُ نُصَلِّي أنْ يُحِبَّ بَعضُنا بَعضًا بطريقة مُشابِهَة لِمَحَبَّتِكَ لَنا. وإنْ كانَ هُناكَ أيُّ شخصٍ هُنا لم يَختَبِر مَحبَّتَكَ لأنَّهُ لا يَعرِفُ الابْنَ، ليتَ اليومَ يَكونُ اليومَ الَّذي يَأتي فيهِ إليكَ. وإنْ كانَ يُوجَدُ مُؤمِنونَ هُنا لا يُحِبُّونَ كَما يَنبغي أن يُحِبُّوا، لَيتَهُم يَتَعَهَّدونَ بأنْ يُحِبُّوا لأنَّهُم يَستطيعونَ القيامَ بذلك، ولأنَّهُ النَّموذَجُ المِثاليُّ بقوَّةِ الرُّوح. ولَيتَهُم يَبتَدِئونَ مُنذُ اليوم في تَطبيقِ ذلك. ولَيتَ البقيَّةَ مِنَّا تَستمرُّ في تَطبيقِ ذلكَ يَوميًّا لكي نَخْتَبِرَ مِلْءَ البَرَكَة، ولكي نَخْتَبِرَ النُّصرَةَ على الخَطيَّةِ لأنَّ المَحبَّةَ تَسْتُرُ الخطيَّة، ولكي نَعيشَ هكذا ونُعطي كُلَّ المَجْدِ لَك. ونحنُ نَشكُرُكَ على وَقتِنا مَعًا في هذا اليوم باسمِ المَسيحِ الَّذي نُحِبُّهُ، والَّذي يُحِبُّنا، والذي بِسَبَبِهِ يُحِبُّ بَعضُنا بَعضًا. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize