Grace to You Resources
Grace to You - Resource

الرِّسالةُ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس والأصحاح الثَّالِث عَشَر. وقد عُدْنا إلى ذلكَ الأصحاحِ الرَّائعِ في دراسَتِنا عن سِماتِ المَحبَّة. وقد تَبارَكْنا جَميعًا بهذه الدِّراسة. وقد تَبارَكْتُ أنا بِصورة خاصَّة. وأنا أَعلمُ أنَّ كثيرينَ مِنكُم أخبروني أنَّهُمْ تَبارَكوا بهذا الأصحاح. وسوفَ نُتابِعُ دراسَتَنا في هذا الصَّباحِ، بِنعمةِ الرَّبِّ، إذْ نَعودُ إلى دِراسةِ الأعداد مِن 4 إلى 7 مَرَّةً أخرى. ونحنُ لن نُنهيها كُلَّها، ولكِنَّنا سَنَتقدَّمُ بِضْعَ خُطُواتٍ عن تلكَ الَّتي تَقَدَّمناها في المَرَّةِ السَّابقة.

إنَّ الأصحاحَ الثَّالِث عَشَر مِنَ الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس هو صُورة عنِ المَحبَّة. وَهُوَ صُورةٌ لِيَسوعَ المَسيحِ لأنَّهُ مَحَبَّة. وقد فَكَّرْتُ في حَقيقةِ أنَّنا نَجِدُ هُنا صُورةً للمَسيح. والشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي يُريدُهُ المَسيحُ هو أن تَزْخُرَ كَنيسَتُهُ بِنُسَخٍ كَثيرةٍ عَنْهُ. فهو يُحِبُّ أنْ يَطْبَعَ صُورَتَهُ فينا. لِذا، إذْ نَتأمَّلُ في الأصحاح 13، ولا سِيَّما في الأعداد 4-7 الَّتي تَتحدَّثُ عن سِماتِ المَحبَّة، وإذْ نَرى فيها صُورةَ المَسيح، فإنَّهُ يَنظُرُ إلينا لِيَرى إنْ كانت تلكَ الصُّورةُ قد طُبِعَتْ حَقًّا وَتَرَسَّخَتْ فينا.

وما يَفعلُهُ هُنا، أيْ ما يَفعَلُهُ الرَّسولُ بولُس، هو أنَّهُ يُبَيِّنُ للكُورِنثيِّينَ مَاهِيَّةَ المَحبَّة. وكما رَأينا في المَرَّةِ السَّابقة، فإنَّ المحبَّة شَيءٌ لا يُمكِنُنا أن نُعَرِّفَهُ فَلسفِيًّا، وَشَيءٌ لا يُمكِنُنا أن نُعَرِّفَهُ أيديولوجيًّا، بل هي شَيءٌ يُمكِنُنا فقط أن نَصِفَهُ حِيْنَ يَعمَل. فلا يُمكِنُكَ أن تُعَرِّفَ المَحبَّةَ، بل يُمكِنُكَ فقط أن تَصِفَها مِنْ جِهَةِ أعمالِها. لِذا فإنَّ كُلَّ الأفعالِ الوارِدَةِ في الأعداد 4-7 هي أفعالٌ تَصِفُ كيفَ تَعمَلُ المحبَّةُ، وليسَت صِفاتٍ تَصِفُ المَحبَّةَ مِنْ جِهَةِ تَعريفِها.

وهُنا، يُقَدِّمُ بُولُسُ إلينا أعظمَ وَصْفِ كِتابِيٍّ، وأعْمَقَ وأشمَلَ وَصْفٍ للمحبَّة كُتِبَ يَوْمًا بِوَحْيٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. وَهُوَ وَصْفٌ عَمليٌّ جدًّا وبِشِدَّة. ومعَ أنَّها صُورةٌ ليسوعَ المَسيح (وهذا يُضْفي عليها سِماتٍ أكثَرَ سُمُوًّا)، فإنَّها في الوقتِ نَفسِهِ عَرْضٌ مَصْقولٌ لما يُريدُ المَسيحُ أنْ يُنْشِئَهُ فينا في حَياتِنا اليوميَّة.

والآن، لقد عَلِمْنا أيضًا...كَفِكرة أساسيَّة أخرى...لقد عَلِمنا أنَّ بولسَ يُقَدِّمُ صُورةً للمحبَّة على النَّقيضِ مِنْ سُلوكِ الكُورِنثيِّينَ في ذلكَ الوقت. فَهُمْ عَكْسُ ذلك. وقد كانوا في حاجَةٍ إلى سَماعِ ما هي المَحَبَّة لأنَّهُم لم يَكونوا مُحِبِّين. وهذا كُلُّهُ مُقَدَّمُ كَنَقيضٍ لِما كانُوا عليه. وأخشَى أنَّهُ وَصْفٌ لِمَا نَحْنُ عليهِ في أوقاتٍ كثيرة. وما يَقولُهُ بولسُ هوَ ما يَلي: "المَحبَّة تَتَأنَّى" (ابتِداءً مِنَ العَددِ الرَّابع). فَهُوَ يَقولُ إنَّها تَتَأنَّى. ولكِنَّ ما يَعنيهِ هو أنَّ المَحَبَّة صَبورة جِدًّا ولكِنَّنا نَفْتَقِرُ جِدًّا إلى الصَّبْر.

ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "المَحَبَّةُ تَرْفُقُ"، ولكِنَّنا نَكونُ في أغلبِ الأحيانِ غيرُ مُتَرَفِّقين. "المَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ". وَهُوَ يَقولُ ذلكَ كي يُرينا أنَّهُ يَجِب علينا أنْ نُقِرَّ بأنَّنا نَغارُ في أحيانٍ كثيرة. "المَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ"، ولكِنَّنا مُتَفاخِرون. "المَحَبَّةُ لاَ تُقَبِّحُ"، ولكِنَّنا غالِبًا ما نَكونُ فَظِّينَ وغيرَ مُهَذَّبين. "المَحَبَّةُ لاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا"، ولكِنَّنا في أغلبِ الأحيانِ مُتَمَركِزونَ حَولَ أنفُسِنا. "المَحَبَّةُ لاَ تَحْتَدُّ"، ولكِنَّنا عَصَبِيِّونَ في أغلبِ الأحيان. "المَحَبَّةُ لاَ تَظُنُّ السُّوء"، ولكِنَّنا نَبحَثُ غالبًا عنِ الإهاناتِ والإساءاتِ ونُدَوِّنُها. "المَحَبَّةُ لاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ"، ولكِنَّنا نَفْرَحُ غالبًا بإخفاقِ الآخرين. "المَحَبَّةُ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ"، ولكِنَّنا غَالِبًا نَدينُ الآخَرين. فهذا هو حَقًّا النَّهْجُ الَّذي يَتَّبِعُه. فَهُوَ يَذكُرُ كُلَّ السِّماتِ الإيجابيَّةِ للمحبَّة بالمُفارقةِ معَ السَّلبيَّاتِ الَّتي لَدى مُؤمِني كورِنثوس. ولم يَكُن مُؤمِنو كورِنثوس يَختلِفونَ عَنَّا في شَيء في الجَسَد. لِذا، سَوفَ نَرى كُلَّ هذهِ التَّناقُضاتِ والأشياءِ في أنفُسِنا.

فعندَما خُلِقَ الإنسانُ، خُلِقَ على صُورةِ اللهِ. وكانتِ المَحبَّةُ مِلْكًا لَهُ. وكانت كُلُّ هذِهِ السِّماتِ لَديه. ولكِنْ عندما حَدَثَ السُّقوطُ، ضَاعَ كُلُّ ذلك. وعندما تَشَوَّهَتْ صُورةُ اللهِ، تَشَوَّهَتِ المَحبَّةُ وَصارَ الإنسانُ بِلا مَحَبَّة. فالإنسانُ الَّذي لم يُوْلَد ثانيةً هو بِلا مَحَبَّة. والمَسيحيُّ الَّذي يَسلُكُ في الجَسَد هُوَ بِلا مَحَبَّة. لِذا فإنَّ بولسَ يُبَيِّنُ بِدِقَّة ما يَنبغي أن تَكونَ عليهِ المَحبَّة. وكما رَأينا في الجُزءِ الثَّاني مِنَ الأصحاحِ (والَّذي نُسَمِّيهِ كَمالات المَحَبَّة – مِنَ العَدَد 4 إلى العَدد 7)، قُلنا إنَّ هُناكَ خَمْسَ عَشْرَةَ سِمَة للمحبَّة العَامِلَة، وابتَدأنا في التَّأمُّلِ فيها. وقد نَاقَشَ بولسُ في الأعدادِ الثَّلاثةِ الأولى أهميَّةَ المَحبَّة. وَهُوَ يُناقِشُ الآنَ كَمالاتِ المَحبَّة. وَهُوَ يَذكُرُ هذهِ السِّماتِ الخَمْسَ عَشْرَةَ للمحبَّة. وَهِيَ سِماتٌ عَمليَّة جدًّا، وبَسيطة جدًّا، ومُباشِرَة جدًّا، وضَروريَّة جدًّا للمُؤمِن.

والآن، لقد تَأمَّلنا في السِّماتِ الثَّلاثِ الأولى في المَرَّةِ السَّابقة. هل تَذكرونَ ذلك؟ فنحنُ نَقرأُ في العددِ الرَّابع: "الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى". وقد قُلنا إنَّ ذلكَ يَعني حَرفيًّا إنَّ المَحبَّةَ تَصْبِرُ على النَّاس، وإنَّها لا تَمْلِكُ رُوحَ الانتقام، وإنَّها غَفورة كُليًّا وتَمامًا. ثانيًا، لقد ذَكَرنا أنَّ المَحبَّة "تَرْفُقُ". والكلمةُ الحَرفيَّةُ هُنا تَعني: "نَافِعَة". فالمحبَّة نَافِعَة. بِعبارة أخرى، فإنَّ المَحبَّةَ تَستخدِمُ نَفسَها لمُساعدةِ الآخرين. فهذا هُوَ الرِّفْق. ثالثُا، لقد رأينا أنَّ المَحبَّةَ لا تَحْسِد. المَحَبَّة لا تَحْسِد. والحَسَدُ، كَما ذَكَرنا، نَوعان: فهُناكَ الغَيْرَة السَّطْحِيَّة بِمَعنى أنْ نَتَمَنَّى الحُصولَ على ما يَمْلِكُهُ الآخرون. وهُناكَ الحَسَدُ العَميقُ بِمَعنى أنْ نَتَمَنَّى لو أنَّهُمْ لا يَمْلِكونَ ما يَملِكون. والكَلِمَة "حَسَد" مُشتقَّة مِن كَلِمَة تَعني حَرفيًّا: "يَغلي". وَهِيَ تُشيرُ إلى حَالَةِ الغَلَيانِ الدَّاخِليِّ الَّذي يَحْدُثُ عندما تُريدُ الحُصولَ على ما لَدى الآخرينَ إلى حَدٍّ تَتَمَنَّى فيهِ لو أنَّهُم لا يَملِكونَهُ.

ونَأتي الآنَ إلى النُّقطةِ الرَّابعةِ، أو إلى السِّمَةِ التَّاليةِ للمحبَّة، وهي السِّمَةُ الَّتي سَنَبتدئُ بالتحَدُّثِ عنها في هذا الصَّباحِ وَهِيَ: "المَحَبَّة لا تَفْتَخِرُ بِنَفسِها". فَنَحْنُ نَقرأُ: "الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ" ورُبَّما كانتِ التَّرْجَمَةُ "المَحَبَّة لا تَفْتَخِرُ بِنَفسِها" أسهَلَ فَهْمًا. وسوفَ تُلاحِظونَ أنَّ هُناكَ صِفَة أُخرى تَعْقُبُ هذِهِ وَهِيَ: "وَلاَ تَنْتَفِخ". وقد تَبدو الكَلِمَتانِ مُتَماثِلتَيْن، ولكِنَّهُما ليسَتا مُتَماثِلَتَيْن. فَهُناكَ فَرْقٌ بينَهُما. فالصِّفَةُ الأولى تُشيرُ إلى المُجاهَرَةِ بالكِبرياء، وإلى التَّكَلُّمُ بكِبرياء، والتَّصَرُّفِ بكِبرياء. أمَّا الصِّفَةُ الثَّانيةُ فتُشيرُ إلى مَوقِفِ الكِبرياءِ؛ أيْ إلى الغُرورِ النَّابِعِ مِنَ الدَّاخِل. والكلمةُ المُستخدَمَةُ هُنا في الجُملة "المَحَبَّة لا تَتَفاخَر" مُشتقَّة حَرفيًّا مِن كلمة تَعني في الأصل: "يَتَبَجَّح". وهذه الكلمةُ تُشيرُ وَحَسْب إلى المُجاهَرَةِ بالكِبرياء، أو إلى التَّبَجُّحِ، أو إلى الهَواءِ السَّاخِنِ المُنْبَعِثِ مِنْ فَمِ الشَّخصِ المَغرورِ والمُتَكَبِّر.

وَالحقيقةُ هي أنَّ هذهِ الكلمة فَريدة في أنَّها لا تُستخدَمُ إلَّا في هذهِ الآية في كُلِّ العهدِ الجديد. فالمحبَّة ليسَت تَبَجُّحًا. والمَحبَّةُ لا تُجاهِرُ بإنجازاتِها الشَّخصيَّة. والمحبَّةُ لا تَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ مُتَغَطرِسٍ وَباطِلٍ لا يَرْمي إلَّا إلى تَصويري بِصورةٍ أفضلِ مِنك.

وأنتُم تَعلمونَ مَعنى أن يَكونَ الشَّخصُ مَغرورًا. ونحنُ جَميعًا مَغرورينَ إلى حَدٍّ مَا. وأنا لا أتحدَّثُ هُنا بالمَفهومِ الكِتابِيِّ فقط، بل إنِّي اختبَرْتُ هذا الأمرَ في حَياتي إذْ إنَّ الغُرورَ كانَ مُشكلةً لَديَّ. وهذهِ المُشكلةُ المُتَمَثِّلَةُ في الرَّغبةِ في التَّباهِي هي تَجربة بالنِّسبةِ إليَّ، بل إنِّي واثقٌ مِنْ أنِّي أُعاني مِنها أكثرَ مِنَ الأشخاصِ الآخرين. لِذا فإنَّ كَلامي هذا نابِعٌ مِن داخِلي ومِنَ الكِتابِ المُقدَّسِ أيضًا. وعلى أيِّ حالٍ فإنَّ الافتِخارَ هُوَ مُحَاولة جَادَّة لِجَعلِ الآخرينَ يَشعرونَ بمشاعِر سَيِّئَة تُجاهَكَ أو تُجاهَ ما لَديكَ. لِذا فإنَّهُ الوَجهُ الآخرُ للحَسَد. لاحِظوا أنَّهُ يَقولُ في العددِ الرَّابعِ: "الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ". ثُمَّ إنَّهُ يَقْلِبُ العُمْلَةَ ويَقول: "الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ". فالحَسَدُ هُوَ أنْ تَرغَبَ في الحُصولِ على ما لَدى الآخَرين. والتَّفاخُرُ هُوَ أنْ تَجعَلَ الآخَرينَ يَرغبونَ في الحُصولِ على ما لَديك.

والآن، أنتُم تَعلمونَ كيفَ يَعمَلُ هذا. فقد يَروي أحدُ الأشخاصِ قِصَّةً رائعةً عن إنجازٍ قامَ بِهِ؛ فيما أنتَ تَستَمِعُ وتَنتَظِرُ بِفارغِ الصَّبْرِ أنْ يُنهي كَلامَهُ كي تَقولَ: "إنْ كُنتَ تَظُنُّ ذلكَ شَيئًا، اسمَح لي أن أقولَ لكَ عَمَّا فَعَلتُهُ أنا". ثُمَّ تَنطَلِقُ في الكَلام. ثُمَّ إنَّ شخصًا ثالِثًا يَتكلَّمُ، ولكنَّكَ لا تَعودُ مُهتمًّا بكُلِّ ما يُقال. ولكِنَّ الفِكرةَ مِنَ الافتِخارِ هي أن تَجعلَ الآخرينَ يَشعُرونَ أنَّكَ مُتَفَوِّقٌ عليهم. وصَدِّقوني أنَّ الافتِخارَ هُوَ نَقيضُ المَحبَّةِ لأنَّ المحبَّةَ تَقولُ: "أُريدُ أنْ تَشعُرَ أنتَ بالتَّفوُّق. وأنا سَأقومُ بِدَوْرِ الخَادِم". فالمحبَّةُ لا تَتَفاخَر. والمَحبَّةُ لا تَنْفُخُ بِبوقِها عَالِيًا. ولنَتكلَّم بِصَراحة: لا أحدَ مِنَّا يُحِبُّ الأشخاصَ المُتَكَبِّرينَ لأنَّهُم يَفتقرونَ إلى المحبَّة. فكما تَعلمونَ، عندما يَكونُ هُناكَ أشَخاصٌ مُتَكَبِّرون، فإنَّكَ لا تَرغَبُ في أن تَكونَ في شَرِكَةٍ مَعَهُم، بل تُريدُ أن تُغادِر، أو تَتَمَنَّى أنْ يُغادِروا المَكان.

ويجب أن تَعلموا أنَّ مُشكلةَ الكُورِنثيِّينَ في ذلكَ الوقتِ كانت تَكْمُنُ في أنَّهُمْ كانُوا مَجموعة مِنَ الأشخاصِ المُتَكَبِّرين. وهذا صَحيحٌ تَمامًا. فَهُمْ لم يَكونوا يُراعونَ مَشاعِرَ الآخرين. وقد كانوا يَسْعَوْنَ دائمًا إلى جَذْبِ الأنظارِ إلى أنفُسِهم. وكانَ كُلُّ شخصٍ مِنهُم يَسعى إلى مَرْكِزٍ قِيادِيٍّ. ولا يُوجَدُ...بِحَسَبِ عِلْمِنا...لا يُوْجَدُ شَاهِدٌ واحِدٌ في رِسالةِ كورِنثوس بِمُجمَلِها يُشيرُ إلى أنَّهُ كانَ يُوجَدُ شَيْخٌ بَينَهُم. بل إنَّهُ لم يَكُن يُوْجَدُ في وَسْطِهِم أيُّ قادَة. وبِحَسَبِ عِلْمِنا، لم يَكُنْ هُناكَ شخصٌ واحِدٌ يَضْطَلِعُ بالمَسؤوليَّة. وأخيرًا، يَقولُ بولسُ بهذا الخُصوص: "أَلا أَخبرتُم الأنبياءَ أنْ يَفعلوا شَيئًا بهذا الخُصوص". وَحَتَّى إنَّنا لا نَعلَمُ نَوعَ التَّنظيمِ الَّذي كانَ مَوجودًا بينَهُم، ولكِنَّ الأمرَ كانَ فَوضَى عَارِمَة. واسمَحوا لي أن أُبَيِّنَ لكُم ذلك مِن خلالِ ما جاءَ في الأصحاح 14 والعَدد 26 مِن رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى: "فَمَا هُوَ إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ؟" [كَما يَقولُ] "مَتَى اجْتَمَعْتُمْ [أيْ: مَتى اجْتَمَعْتُمْ مَعًا] فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لَهُ مَزْمُورٌ، لَهُ تَعْلِيمٌ، لَهُ لِسَانٌ، لَهُ إِعْلاَنٌ، لَهُ تَرْجَمَةٌ". مَا هَذِهِ الفَوضَى؟

فإنْ كانَ الجَميعُ في هذا الصَّباحِ يَملِكونَ مَوهبةَ التَّعليمِ، وابتدأتُم فجأةً تُعَلِّمونَ إذْ يَقِفُ كُلُّ واحِدٍ مِنكُم ويَقول: "لديَّ بِضْعُ نِقاطٍ أوَدُّ أن أُوَضِّحَها"، أو: "هُناكَ نُقطَة أوَدُّ أن أَذكُرَها"، ثُمَّ إنَّ أشخاصًا آخَرينَ يُقَرِّرونَ أن يُرَنِّموا...كُلٌّ على انفِرادٍ...فَنَسْمَعُ أربعةَ أو خَمسةَ أشخاصٍ يُرَنِّمونَ كَما يَشاءُ كُلٌّ مِنهُم. ثُمَّ نَسمَعُ أشخاصًا يَتَكَلَّمونَ بِكلامٍ غيرِ مَفهوم. ثُمَّ نَسمَعُ أشخاصًا يُتَرْجِمونَ ذلكَ الكَلامَ غيرَ المَفهوم! وقد كانت هذه هي الحَالُ في كَنيسةِ كورِنثوس. وإنْ جاءَ شخصٌ غيرُ مُؤمِنٍ إلى الاجتماعِ سَيَظُنُّ أنَّهُمْ أشخاصٌ مَجانين. وَهُوَ سيكونُ مُحِقًّا في ذلك.

وكما تَعلمونَ، فإنَّنا نُواجِهُ مُشكلةً في الكنيسةِ لأنَّ أشخاصًا كثيرينَ يُحِبُّونَ أن يَفعلوا أُمورًا كثيرة. وقد اقتَرَحَ الدُّكتور "كريسويل" (Dr. Criswell) فِكرةً رائعةً. فقد قالَ إنَّ هُناكَ أشخاصًا كثيرينَ جدًّا في كَنيسَتِهِ يَرغبونَ في التَّرنيمِ مُنْفَرِدينَ، وإنَّ هُناكَ طَريقَتَيْنِ فقط للقيامِ بذلك: أنْ يَسْمَحَ لَهُم جَميعًا أنْ يُرَنِّموا على انفِرادٍ في الوقتِ نَفسِهِ، أو أنْ يُنَظِّمُوا أُمْسِيَتَيْنِ في السَّنَة لِمُشاركةِ الاختباراتِ. وفي هاتينِ الأُمسيَتَيْنِ، يُمكِنُ لِجميعِ الأشخاصِ الَّذينَ يَرغبونَ في التَّرنيمِ مُنْفَرِدينَ أنْ يَقِفوا صَفًّا واحِدًا مَساءَ يَومِ الأحد فَيَتَقَدَّمَ كُلٌّ مِنْهُم إلى الأمام ويُرَنِّمُ بَيْتًا واحدًا مِن أيِّ تَرنيمةٍ يَرغَبُ فيها إلى أنْ يُرَنِّموا جَميعًا. وَهُوَ يَقولُ إنَّهُمْ كَانوا جَميعًا يُرَنِّمونَ في مَساءِ يَوْمٍ أَحَدٍ واحد.

ولكِنْ في كنيسةِ كورِنثوس، كانَ الجَميعُ يُريدُ أنْ يَتباهَى رُوحيًّا. وكانَ كُلُّ شخصٍ مِنهُم يُريدُ أن يَفعلَ مَا يَحْلو لَهُ. لِذا فقد كانَ هُناكَ افْتِخارٌ وَرَغبَةٌ مُستمرَّةٌ في جَذْبِ أنظارِ الآخرين.

وكمَا تَعلمونَ فإنَّ الافتِخارَ يَرْمي حَقًّا إلى إيذاءِ الآخَرين. ولا أَدري إنْ كُنتُم تَعلَمونَ ذلك. ولكِنْ إنْ فَكَّرتُم في الأمر سَتُدركونَ أنَّ هذا صَحيح. فهو يَرمي إلى جَرْحٍ شَخصٍ آخر. وهو يَرمي إلى جَعْلِكَ مُتَفَوِّقًا، وجَعْلِهِم أَدنى مِنك. وَمِنَ السِّهلِ أن تَفعلَ ذلك. وكما تَعلمونَ، فإنَّكَ...أو أنا أُجَرَّبُ أحيانًا. ويجب عليَّ أن أحتَرِصَ جدًّا في هذا الأمرِ لأنَّهُ مِنَ السَّهلِ جدًّا أحيانًا عندما أتحدَّثُ إلى أشخاصٍ مُعَيَّنين، ولا سِيَّما إذا كانُوا رُعاةَ كَنائِس، أو أشخاصًا أعِزَّاءَ يَخدِمونَ الرَّبَّ بأمانَة، قد يأتي شخصٌ مِثلي أو شخصٌ حَبَاهُ اللهُ بامتيازٍ عَظيمٍ جدًّا في أن يَرْعَى كَنيسةً كَبيرةً جدًّا ومُعَقَّدَةً جِدًّا تَضُمُّ خَدَماتٍ كثيرة. وحينئذٍ فإنَّ هؤلاءِ الأشخاص المَساكين يَشعُرونَ أنَّهُم فَاشِلونَ لأنَّ هُناكَ شائِعات كثيرة اليوم تَقولُ إنَّهُ إنْ لم تَكُنِ الكنيسةُ كَبيرةً فإنَّها ليست جَيِّدة. ولا تُوجَدُ كِذبة في العالَم أكبَر مِن هذه. وما أَعنيهِ هُوَ أنَّهُ لو كانَ الأمرُ كذلك، هل تَعلمونَ ما الَّذي يُبَرهِنُ عليهِ النَّجاح؟ النَّجاح. نُقطَة. ولا شَيءَ غيرُ ذلك.

فهُناكَ أُمورٌ غير مُقَدَّسَة ولكِنَّها ضَخْمَة. فَكَما تَعلمون، قد يَقولُ شَخصٌ: "يا للرَّوعَة! لَديكُم أربعةُ آلافِ شَخصٍ في الكنيسة". هذا صَحيح، ولكنِّي كُنتُ في مُدَرَّجٍ يومَ أمس وكانَ هُناكَ نَحو اثنينِ وتِسعينَ ألفَ شَخصٍ يُشاهِدونَ أُناسًا يَلعبونَ كُرَةَ القَدم. فالضَّخامَةُ لا تَعني أيَّ شَيء. فهي لا تَعني أيَّ شيءٍ البَتَّة.

ولكِنْ مِنَ السَّهلِ جدًّا أحيانًا، عندما تَكونُ في مَوقِفٍ كهذا، أنْ تُجَرَّبَ في أنْ تَجعَلَ النَّاسَ يَشعُرونَ بأنَّهُم أَدنى مِنك. وهُناكَ نُقطة في حَياتِنا جَميعًا يُمكِنُنا فيها أن نَفعلَ ذلك لأنَّ كُلَّ شَخصٍ تَقريبًا يُحْسِنُ القِيامَ بِشيءٍ مَا على الأقلّ بإتقانٍ شَديد. وأيًّا كانَ هذا الشَّيء، سَتَعْرِفُهُ وتُغيظُ بِهِ الآخَرين. وهل تَعلَمُ ما الَّذي يَحدُث؟ هذا التَّصَرُّفُ هُوَ أنانيَّة عَمياء. إنَّها الرَّغبةُ في جَعْلِ الآخَرينَ يَغارون. وهذه خطيَّة لأنَّهُ مِنَ الخطأِ أن تَفعلَ ذلك. وهي خَطيئَة مُضاعَفَة لأنَّكَ تَجعَلُ شَخصًا آخَرَ يَغار. وتلكَ خَطيَّة. فأنتَ تُعْثِرُ أخَاكَ.

فلا يُوجَدُ مَكانٌ للتَّفاخُر. وأَذكُرُ عندما كُنتُ في السَّنةِ الأولى في كُليَّةِ اللَّاهوتِ، وكُنتُ أُحاولُ أن أُوَجِّهَ حَياتي، أَذكُرُ أنِّي قَرأتُ كِتابًا لِـ "ترمبل" (Trumbull) عن بعضِ مَبادئِ الكِرازةِ قالَ فيه...وهذا شَيءٌ لن أَنساهُ يَومًا. وقد قَرأتُ ذلكَ مَرَّةً واحدةً فقط فَرَسَخَ في ذِهني طَوالَ هذهِ السِّنين. ولكنَّهُ قالَ في ذلكَ الكِتابِ: "لقد قَطَعْتُ للهِ عَهْدًا غَيَّرَ حَياتي". لِذا، فقد أردتُ أن أَعلَمَ ما هوَ ذلكَ العَهْد. لِذا فقد تَابعتُ القِراءَةَ فَقال: "وقد كانَ عَهْدي هُوَ الآتي". فقد قال: "يا رَبّ، إنْ أعطيتَني القُوَّةَ، في كُلِّ مَرَّةٍ تُتاحُ لي فيها الفُرصة لإدارَةِ دَفَّةِ الحَديث، سيكونُ المَوضوعُ هُوَ: يَسوعُ المَسيح". "يا رَبّ، إنْ أعطيتَني القُوَّةَ، في كُلِّ مَرَّةٍ تُتاحُ لي فيها الفُرصة لإدارَةِ دَفَّةِ الحَديث، سيكونُ المَوضوعُ هُوَ: يَسوعُ المَسيح".

اسمَعوني: عندما نَفْتَحُ أنا وأنتُم أفواهَنا، يجب أنْ نَتحدَّثَ عَنْ مَنْ؟ يَسوعَ المَسيح، لا عن أنفُسِنا. وإنْ تَعَلَّمتُم أن تَفعلوا ذلك، سَتَتَجَنَّبونَ دائمًا التحدُّثَ عن أنفُسِكُم. وكما تَعلمونَ فإنَّكُم تَسمَعونَ النَّاسَ، وأنا أَسمَعُ النَّاسَ، بل وَحَتَّى أَسْمَعُ رُعاةَ كَنائِس، ومُتَكَلِّمينَ على الإذاعَةِ والتِّلفِزيون، وغَيرَهُم مِنَ الأشخاصِ المَسيحيِّينَ الَّذينَ لا يَفعلونَ شَيئًا آخَرَ سِوى التَّحَدُّثِ عن أنفُسِهم، وما فَعلوهُ، وما أَنجَزوه. وهذا أمرٌ مُخيفٌ جدًّا.

وقد قالَ "سي.إس. لويس" (C.S. Lewis)، وأعتقدُ أنَّهُ مُحِقٌّ في ذلك: "هذا أَفْظَعُ شَرٍّ. وهذهِ أفظَعُ خَطيَّة. وهي رَذيلَة فَاحِشَة. إنَّها الرَّذيلَةُ الَّتي تَنْخُرُ في أعماقِ الإنسان". فلا يوجَد مَكانٌ لها. وكما تَعلمونَ، إذا نَظرتُم إلى شَخْصِ يَسوعَ المسيحِ ستُدركونَ أنَّهُ إنْ كانَ مِنْ حَقِّ أيِّ شَخصٍ أنْ يَفْتَخِر فإنَّهُ هُوَ. ولكِنَّهُ لم يَفعل ذلكَ يَومًا. لم يَفعل ذلكَ يَومًا. وهذا مُذهِلٌ لأنَّكُم إن دَرستُم إنجيلَ يُوحَنَّا، أيِ الإنجيلَ الَّذي يُظْهِرُ لاهُوتَهُ، سَتَجدونَ أنَّهُ في مَرَّاتٍ كَثيرة يَنْسَحِبُ وَلا يَقولُ أيَّ شَيءٍ تَقريبًا. استَمِعوا إلى مَا يَقولُهُ: فَهُوَ يَقولُ في إنجيل يُوحَنَا 12: 49: "لأَنِّي لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنْ نَفْسِي". والآن، اسمَعوا ما يَقول. فَكَمْ شَخصٌ مِنَّا يَستطيعُ أن يَقولَ ذلك؟ كم شَخصٌ مِنَّا يَستطيعُ أنْ يَأتي في نِهايةِ يَومٍ واحِدٍ ويَقول: "يا رَبّ، أنا لم أتكلَّم مِن نَفسي"؟ يَجب علينا أن نَفعلَ ذلك. يجب علينا أن نَفعلَ ذلك. فلا يُوجَد حَقًّا ما يُمكِنُنا أنْ نَتحدَّثَ عنهُ...بِصَراحَة. والمَحَبَّةُ هي الوَحيدةُ الَّتي يُمكِنُها أن تُنَجِّينا مِنَ التَّفاخُرِ بمعرفَتِنا، أوِ التَّفاخُرِ بقُدرَتِنا، أوِ التَّفاخُرِ بتَعليمِنا، أوِ التَّفاخُرِ بِمَواهِبِنا، أوِ التَّفاخُرِ بأنفُسِنا بحيث نَظهَر بِمَظْهَرِ الحَمْقَى. فعندما تَنْكَشِفُ الحَقيقةُ، نَحْنُ لا شَيء. نحنُ لا شَيء.

والآن، خَلْفَ الافتِخار...لاحِظوا العَدَدَ الرَّابِعَ مَرَّةً أخرى...خَلفَ الافتِخار، هُناكَ العِلَّة الرَّئيسيَّة. فالمحبَّة لا تَتَفاخَر، وَلا تَنْتَفِخ. فالمحبَّةُ ليست مَغرورة. وقد قُلتُ لكم في المَرَّةِ السَّابقةِ إنِّي سأُذَكِّرُكُم بِـ "ماسكاني" (Mascagni)، المُؤلِّفِ المُوسيقيِّ العَظيم، الَّذي أَلَّفَ مَقطوعَةً مُوسيقيَّةً وأَهداها لِنَفسِهِ. وقد دَوَّنْتُ الإهداءَ. فهو مَكتوبٌ في دَارِ الأوبرا. وَهُوَ يَقولُ ما يَلي: "إلى نَفسي، مَعَ التَّقديرِ الشَّديد والرِّضا التَّامّ". وأريدُ أن أقولَ لَكُم إنَّ هَذا دَليلٌ على بُؤسِ النَّفسِ البَشريَّة. والأمرُ هُنا يَفوقُ ما قد يَصْدُرُ عنِ الفَمِ. فَهُناكَ التَّفاخُرُ، والكَلامُ الكَبيرُ، والتَّباهي الَّذي يَخرُجُ مِنْ فَمِكَ. ثُمَّ هُناكَ الغُرورُ العَميق. وعندما قالَ بولسُ للكُورِنثيِّينَ: "الْمَحَبَّةُ لاَ تَنْتَفِخ"، كانَ يَقولُ لَهُم، في الحَقيقةِ، إنَّهُمْ ليسوا مُحِبِّينَ لأنَّهُمْ كانوا...صَدِّقوني أنَّهُم كانوا مُنْتَفِخين. فقد كانوا يَرَوْنَ أنَّهُمْ مُتَفَوِّقونَ رُوحيًّا. فقد كانوا مُتَكَبِّرين. وَمِنَ السَّهلِ جدًّا أن تَتَبَنَّى ذلكَ المَوقِف. فقد كانوا يَشعرونَ بهذا الشُّعورِ تُجاهَ عَقيدَتِهم ظَنًّا مِنهُم أنَّهُم يَعرِفونَ كُلَّ الإجابات. وفي الأصحاحِ الرَّابعِ والعَدَد...أعتقد أنَّهُ العَدد 18...نَقرأُ: "فَانْتَفَخَ قَوْمٌ كَأَنِّي لَسْتُ آتِيًا إِلَيْكُمْ". "لماذا؟ لِماذا سيأتي بولسُ إلى هُنا؟ نحنُ مُلِمُّونَ بِكُلِّ شَيء. ونحنُ نَعلمُ كُلَّ شَيء. ولا يوجدُ شَيءٌ لَديهِ يَقولُهُ لَنا. فقد جاءَ إلينا بولُس، وجاءَ إلينا أبُلُّوس، وجاءَ إلينا صَفا، وجاءَ إلينا كُلُّ أولئكَ المُعَلِّمينَ. وما الَّذي نَحتاجُ إليه؟ لماذا؟ لا حَاجَةَ إلى أنْ يأتي إلى هُنا".

فقد كانوا مُنتَفِخينَ بسببِ مَعرفَتِهم، وكانوا مُنتَفِخينَ بِحالَتِهم الرُّوحيَّةِ المُفتَرَضة. استَمِعوا إلى ما جاءَ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعَددِ السَّادِس: "فَهذَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ حَوَّلْتُهُ تَشْبِيهًا إِلَى نَفْسِي وَإِلَى أَبُلُّوسَ مِنْ أَجْلِكُمْ". بِعبارةٍ أخرى، أنا أَستخدِمُ نَفسي وأبُلُّوس مَثَلَيْنِ تَوضيحِيَّيْن. "لِكَيْ تَتَعَلَّمُوا فِينَا [كَنَموذَجَيْنِ أو مَثَلَيْنِ تَوْضِيحِيَّيْنِ] أَنْ لاَ تَفْتَكِرُوا فَوْقَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ، كَيْ لاَ يَنْتَفِخَ أَحَدٌ لأَجْلِ الْوَاحِدِ عَلَى الآخَر". فَهُوَ يَقولُ: "يَجْدُرُ بِكُم أن تُقَيِّموا أنفُسَكُم تَقييمًا كِتابيًّا، وأنْ لا تَفتَكِروا فوقَ ما هُوَ مَكتوب، وأن تَتوقَّفوا عنِ الانتِفاخ". فقد كانوا مُنْتَفِخينَ بِشَتَّى الطُّرُق. فقد كانوا يَشعرونَ بالتَّفوُّقِ الرُّوحِيِّ، وبالتَّفوُّقِ الفِكريِّ، وبالتَّفوُّقِ الجَسديِّ، وفي كُلِّ شيء. وَهُوَ يَقولُ في العددِ السَّابع: "لأَنَّهُ مَنْ يُمَيِّزُكَ؟" مَنْ؟ الله؟ "وَأَيُّ شَيْءٍ لَكَ لَمْ تَأْخُذْهُ؟ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ، فَلِمَاذَا تَفْتَخِرُ كَأَنَّكَ لَمْ تَأْخُذْ؟" ولكِنْ بالرَّغمِ مِن حَقيقةِ أنَّهُ لا يوجد لَديكُم ما تَفتخِرونَ بِهِ، وبالرَّغمِ مِن حَقيقةِ أنَّكُم حَصَلْتُمْ على ذلكَ عَطِيَّة مِنَ الله، وبالرَّغمِ مِن حَقيقةِ أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَجعَلُكم مُختَلِفين، فإنَّكُم ما زِلتُم تُعْطُونَ أنفُسَكُم قيمَةً لا تَستَحِقُّونَها". وَهُوَ يَتكلَّمُ بِلَهجَةٍ سَاخِرَةٍ في العدد 8 فيَقول: "إِنَّكُمْ قَدْ شَبِعْتُمْ! قَدِ اسْتَغْنَيْتُمْ! مَلَكْتُمْ بِدُونِنَا!" ألستُم شيئًا؟ أنتُم مُهِمُّون!

وكما تَرَوْن، فإنَّهُ يَتكلَّمُ بلهجةٍ سَاخِرَةٍ. ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "وَلَيْتَكُمْ مَلَكْتُمْ"، أيْ: لَيْتَ ذلكَ كانَ صَحيحًا. ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "فَإِنِّي أَرَى أَنَّ اللهَ أَبْرَزَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ آخِرِينَ". وَهُوَ يَزيدُ مِنْ لَهْجَةِ السُّخريةِ فيقول: "نحنُ في الصَّفِّ الأخيرِ وأنتُم في المُقَدِّمَة". وفي العَدد 10: "نَحْنُ جُهَّالٌ...، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحُكَمَاء! نَحْنُ ضُعَفَاءُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَقْوِيَاءُ! أَنْتُمْ مُكَرَّمُونَ، وَأَمَّا نَحْنُ فَبِلاَ كَرَامَةٍ!" فَقد كانوا هُنا يَفتَخِرونَ بحالَتِهم الرُّوحيَّة المَزعومَة، ولكنَّهُم في الحقيقة كانوا يَسلُكونَ جدًّا جدًّا في الجَسَد.

انظروا إلى الأصحاحِ الخامِسِ والعَددِ الأوَّل: "يُسْمَعُ مُطْلَقًا [أيْ أنَّهُ أمْرٌ مَعروفٌ لدى الجَميع] أَنَّ بَيْنَكُمْ زِنًى!" والكلمةُ المُستخدمةُ هُنا هي نَفسُ الكلمة الَّتي اشتُقَّتْ مِنها الكلمة "إباحِيَّة" أو تُشيرُ إلى "الخطيَّة الجِنسيَّة". "يُسْمَعُ مُطْلَقًا أَنَّ بَيْنَكُمْ زِنًى! وَزِنًى هَكَذَا لاَ يُسَمَّى بَيْنَ الأُمَمِ، حَتَّى أَنْ تَكُونَ لِلإِنْسَانِ امْرَأَةُ أَبِيهِ". فَهُوَ سِفاحُ قُرْبَى. وما هُوَ مَوقِفُكُم؟ نَقرأُ في العددِ الثَّاني: "أَنْتُمْ [ماذا؟] مُنْتَفِخُونَ". فَحَتَّى إنَّكُم تَتَفاخَرونَ بإنجازاتِكُم الجِنسيَّة. الكورنثيُّونَ المُتَبَجِّحون.

انظروا إلى الأصحاحِ الثَّامِنِ والعددِ الأوَّل: "وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ مَا ذُبحَ لِلأَوْثَانِ [أو ما قُدِّمَ للأوثان]: فَنَعْلَمُ أَنَّ لِجَمِيعِنَا عِلْمًا". فنحنُ جميعًا نَفهَمُ حَقيقةَ اللَّحْمِ المُقدَّمِ للأوثان. "الْعِلْمُ يَنْفُخُ، وَلكِنَّ الْمَحَبَّةَ تَبْنِي". فقد كانوا مُنْتَفِخينَ بمَعرفَتِهم الكِتابيَّة. وقد كانوا مُنْتَفِخينَ بإنجازاتِهم الجِنسيَّة. وقد كانوا مُنْتَفِخينَ بحالَتِهم الرُّوحيَّة المَزعومَة. وقد كانوا مُنْتَفِخينَ بِالمُعِّلمينَ الَّذي كانوا يَتبَعونَهُم. وقد كانوا مَغرورينَ ومُتفاخِرينَ بمواهِبِهم الروحيَّة. وقد كانوا يَستخدِمونَها للهَيمنةِ والسَّيطرةِ على النَّاسِ الآخرين. وقد كانوا مَغرورينَ مِنَ الدَّاخِلِ؛ وَهُوَ أمرٌ كانَ يَقودُ إلى تَبَجُّحِهِم. وقد كانتِ الرَّعيَّةُ كُلُّها كذلك. ولكِنَّ المحبَّةَ لا تَنْتَفِخ. أتَعلمونَ لماذا؟ لأنَّ لِسانَ حَالِ الغُرورِ هُوَ: "أنا أَفضلُ مِنك". ولكِنَّ لِسانَ حَالِ المَحَبَّةِ هُوَ العَكس. أليسَ كذلك؟ فالغُرورُ يَقولُ: "أنا أريدُ أن يَعرِفَ الجَميعُ كُلَّ شيءٍ عَنِّي". وأمَّا المَحبَّةُ فتَقول: "أتَمَنَّى أن أعرِفَ كُلَّ شَيءٍ عَنكُم".

كانَ "وليام كيري" (William Carey) واحدًا مِن أعظمِ المُرْسَلينَ الَّذينَ عَاشوا على الأرض. وكانَ واحدًا مِن أعظمِ اللُّغَوِيِّينَ الَّذينَ عَرَفَهُم العالَمُ المَسيحِيُّ وغيرُ المَسيحِيِّ. وقد تَرجَمَ "وليام كيري" أجزاءً مِنَ الكتابِ المقدَّسِ إلى ما لا يَقِلُّ عن 34 لُغَة مُختلفة. وقد ابتدأَ "وليام كيري" حَياتَهُ إسْكافِيًّا، أو خَرَّازًا، أو مُصْلِحَ أحذية. وعندما ذَهبَ إلى الهِندِ مُرْسَلاً، قُوْبِلَ بالاحتقارِ حالاً مِنَ الجَميعِ لأنَّ الهِندَ بَقِيَت على مَرِّ قُرونٍ طَويلة نِظامًا طَبَقِيًّا مُغلَقًا جدًّا جدًّا. لِذا فهو لم يَلْقَ أيَّ احْتِرامٍ على الإطلاق. وذاتَ مَرَّة، كانَ هُناكَ حَفْلُ عَشاء. وكانَ هُناكَ شخصٌ مَزْهُوٌّ بنفسِه. وأنا أَسمعُ أنَّ ذلكَ يَحدُثُ غالبًا في حَفلاتِ العَشاء. وعلى أيِّ حالٍ، في حَفْلِ العَشاءِ ذاكَ تَحديدًا، كانَ هُناكَ شخصٌ مُتَكَبِّرٌ أرادَ أن يُهينَ "كيري" بسببِ مَكانَةِ كاري المُتدنِّية. ولكي يَسمَعَ الجَميعُ ذلك، قال: "أعتقد يا سَيِّد كيري أنَّكَ كُنتَ تَعمَلُ ذاتَ يَومٍ صَانِعَ أحذية؟" فأجابَ وليام كيري: "لا يا سَيِّدي، لم أكُن أَصْنَعُ الأحذية، بل كُنتُ فقط أُصْلِحُ الأحذية". فهو لم يَشَأ حَتَّى أنْ يَدَّعي أنَّهُ كانَ يَصنَعُ الأحذية إنْ كانَ يُصْلِحها فقط. وقد قالَ أحدُ الأشخاصِ إنَّ الشَّاحِناتِ الفَارِغَة تُصْدِرُ أعلى ضَجيج.

وَسِفْرُ الأمثالِ يُخبِرُنا...وأنا لا أُريدُ حَتَّى أنْ أَدْخُلَ في مُناقشةِ هذهِ الأمورِ بِعُمْق، ولكِنَّ سِفْرَ الأمثالِ يُخبرُنا الكَثيرَ عنِ الكِبرياءِ والتَّفاخُرِ وكُلِّ هذهِ الأمور. واسمَحوا لي أن أقرأَ لكم بَعْضَ مَا جاءَ فيه. ولا حَاجَةَ إلى أنْ تَفتَحوا على هذهِ الآيات. ولكِنَّ الآيَة أمثال 8: 13 تَقول: "مَخَافَةُ الرَّبِّ بُغْضُ الشَّرِّ. الْكِبْرِيَاءَ وَالتَّعَظُّمَ". فهذهِ هي الأشياءُ الَّتي يُبغِضُها الرَّبُّ. ونَقرأُ في سِفْرِ الأمثال 11: 2: "تَأتِي الكِبْرِيَاءُ فَيَأتِي الهَوَانُ". ونَقرأُ في أمثال 13: 10: "اَلْخِصَامُ إِنَّمَا يَصِيرُ بِالْكِبْرِيَاءِ". وهذا صَحيحٌ تمامًا. فكُلُّ ما تَفعلُهُ الكِبرياءُ هو أنَّها تُحْدِثُ خِصامًا. وكُلُّ ما تَفعلُهُ هو أنَّها تُثيرُ المُشاجَرات. فهذا هُوَ كُلُّ ما تَفعَلُه. فالتَّواضُعُ لا يُوَلِّدُ خِصامًا. والأشخاصُ المُتَواضِعونَ لا يَملِكونَ شَيئًا يُخاصِمونَ الآخَرينَ عليه. فَهُمْ يُعْطون. أمَّا المُتَكَبِّرونَ فيُخاصِمونَ الآخرينَ ويَبتدئونَ الشِّجار. ونَقرأُ في سِفْر الأمثال 16: 18: "قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوح". وهذا يَعني وَحَسْب أنَّ الأشخاصَ المُتكَبِّرينَ هُمْ دائمًا الأكثَر جَهْلاً لأنَّ كِبرياءَهُم وعَجرَفَتَهُم تَجعَلُهم لا يَفهمونَ ما يَنتظِرُهم. ونَقرأُ في سِفْر الأمثال 29: 23: "كِبْرِيَاءُ الإِنْسَانِ تَضَعُهُ". كِبْرِيَاءُ الإِنْسَانِ تَضَعُهُ.

ويجب أن تَعلموا أنَّ المَحبَّةَ ليسَت كَبيرةَ الرَّأسِ، بل إنَّ المَحبَّةَ كَبيرةَ القَلبِ. أتَرَوْن؟ فعندما جَاءَ يُوحَنَّا المَعمَدان، كانَ هُوَ البَطَل، وكانَ هُوَ النَّبيُّ العَظيمُ. وعندما كانَ في البَرِّيَّةِ كانتِ الجُموعُ تأتي إليهِ يَومًا بعدَ يومٍ...حُشودٌ مِنهُم. وقد وَقَفَ يَومًا ونَظَرَ إلى يَسوعَ المَسيحَ وقال: "يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ [وَمَاذا؟] وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ". أيْ: "كُلَّما سَارَعْتُم في نِسيانِ يُوحَنَّا المَعمَدان، أَحْبَبْتُ ذلكَ أكثر".

والآن، ما الَّذي تَرَوْنَهُ مِنْ خِلالِ كُلِّ ما ذَكرناه؟ أنتُمْ تَرَوْنَ أنَّ المحبَّةَ هي الرَّجاءُ الوَحيدُ لأهلِ كورِنثوس. وهي رَجاؤُنا الوَحيدُ أيضًا. المحبَّةُ الَّتي تَتَفَوَّقُ على الفَصاحَةِ، وعلى المَعرفةِ الرُّوحِيَّةِ، وعلى المَعرفةِ، وعلى الإيمانِ، وعلى الإحسانِ، وعلى الاستِشهادِ. المَحَبَّةُ الَّتي تَتأنَّى وتَرفُق. المحبَّةُ الَّتي هي القُوّةُ الوحيدةُ في العالَم الَّتي تَستطيعُ أن تُنَجِّينا مِنَ الاختِيالِ والغُرورِ وَمِنَ الوُقوعِ في فَخِّ الحَسَد. فالمحبَّةُ لا تَحْسِدُ (كَما يَقولُ بولُس). والمحبَّةُ لا تَنْتَفِخ.

سادِسًا، دَعونا نَنتَقِل إلى صِفَةٍ أخرى: المحبَّةُ "لاَ تُقَبِّح". المَحَبَّةُ لاَ تُقَبِّحُ. وهذهِ نُقطة عَمليَّة جدًّا. فالفِعلُ المُستخدَمُ هُنا يَعني أنَّها لا تَتَصَرَّفُ تَصَرُّفًا غيرَ لائِقٍ، أو تَصَرُّفًا سَيِّئًا، أو تَصَرُّفًا وَقِحًا. وقد تَقول: "يبدو الأمرُ بَسيطًا جدًّا. هل تَعني أنَّ كُلَّ ذلكَ مُقْتَرِنٌ بالأغابي (agape)، أيْ بفكرةِ المحبَّةِ الإلهيَّة؟" أجل. اسمَعوني: إنَّ عَدَمَ اللِّياقَةِ والتَّصرُّفاتِ الوَقِحَة تَقولُ الآتي: "أنا لا أُحِبُّكَ لأنِّي لا أُبالي البَتَّة بتأثيرِ ذلكَ فيكَ. فأنا سأفعَلُ ما أَشاء سَواءٌ أَحْبَبْتَ ذلكَ أَمْ لا".

عندما كُنتُ صَبِيًّا صَغيرًا، كانت أُمِّي تَقولُ لي...كانت تَقولُ لي دائمًا: "لا تُصْدِر صَوْتًا عندما تَشْرَبُ الحِساء". وقد كُنتُ أقولُ في نَفسي: "مَنْ يُبالي إنْ كُنتُ أُصْدِرُ صَوْتًا عندما أَشرَبُ الحِساء؟" وفي إحدى المَرَّاتِ، أَكلتُ معَ شخصٍ يُصْدِرُ صَوْتًا عندما يَتَناوَلُ الحِساء فلم أستَمتِع بِطَعامي لأنَّهُ كانَ يُصْدِرُ ذلكَ الصَّوت المُزعِج. وقد أدركتُ أنَّ عَدَمَ شُربِ الحِساءِ بهذهِ الطَّريقةِ ليسَ مُرتَبِطًا فقط بِحِفاظي على نَظافَةِ مَلابِسي، بل مُرتَبِطٌ أيضًا بِمِقدارِ استِمتاعِ الآخرينَ بِوَقتِهم في أثناءِ تَناوُلِهم الطَّعام. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ ذلكَ الشَّيءَ الصَّغيرَ يَعني: "انظُر! إنَّ سَعادَتَكَ تَعنيني. وأنا أريدُ أن أفعلَ ما يَجعَلُكَ سَعيدًا".

هل تَعلمونَ شَيئًا؟ لقد تَعَرَّفْتُ إلى شَخصينِ تَزَوَّجا ثُمَّ فَسَخا زَواجَهُما لأنَّ الزَّوجَ كانَ وَقِحًا في تَصَرُّفاتِهِ معَ زَوجَتِه. وهذا أغرَبُ شَيءٍ يُمكِنُكم أن تَسمعوا عنه. وهل تَعلمونَ شيئًا؟ لقد ذَهَبَتِ الزَّوجةُ إلى المَحكمةِ وقالت...وهذا شَيءٌ يَصْعُبُ على المَرءِ حَتَّى أن يَقولَهُ...ولكِنْ لا يُوْجَدُ خِيارٌ أمامي سِوى أن أقولَ ذلك: لقد كانَ يَتَجَشَّأُ طَوالَ الوقت. وقد تَقولونَ إنَّ هذهِ مُزْحَة، ولكنَّها ليست مُزحَة. فقد كُنتُ أعرِفهُما. وقد قالَ القاضي...الحقيقةُ هي أنَّ القاضي سَمَحَ بِفَسْخِ زَواجِهِما على أساسِ أنَّهُ مِنَ الواضحِ أنَّ الزَّوجَ لم يَكُن يُحِبُّ زَوجَتَهُ؛ وإلَّا لَكانَ قد رَاعَى مَشاعِرَها أكثرَ مِن ذلك ولم يَستمرَّ في التَّجَشُّؤ طَوالَ الوقت. وقد حَصَلَتْ بالفِعل على قَرارٍ بالطَّلاق. لِذا، إنْ كُنتَ تَبحَثُ عن حُجَّةٍ لِفَسْخِ زَواجِكَ، هذه هي الطَّريقة: ابدأ بالتَّجَشُّؤ.

والفِكرةُ هي أنَّ ذلكَ الزَّوجَ كانَ يَتصرَّفُ بطريقة غير لَبِقَة. فالإنسانُ، سَواءٌ أكانَ رَجُلاً أمِ امرأةً، الإنسانُ الَّذي لا يَستطيعُ أن يَضْبُطَ نَفسَهُ ويُراعي مَشاعِرَ الآخرينَ فإنَّهُ يَكونُ فَظًّا، وغَريبًا، ومُتَعَجْرِفًا، وأنانيًّا جدًّا. ولا يُوجَد وَصْفٌ أفضلُ مِن هذا لأهلِ كورِنثوس. فقد كانوا فَظِّينَ جدًّا. فعلى سَبيلِ المِثالِ، كانوا يأتونَ إلى وَليمةِ المَحبَّةِ ويأكُلونَ كُلَّ الطَّعامِ حَتَّى قبلَ أنْ يأتي الفُقَراءُ إلى الوَليمة. فقد كانوا أنانِيِّينَ جدًّا. وقد كانوا شَرِهينَ في تَناوُلِ الطَّعامِ في وَلائِمِ المَحبَّة. وكانَ سُلوكُهُم في مَائدةِ الرَّبِّ سَيِّئًا جدًّا إذْ كانوا يَشْرَبونَ خَمْرَ المائدةِ حَتَّى الثَّمالة. وكانتِ النِّساءُ قد تَعَدَّيْنَ على حُدودِ الأنوثَةِ أمامَ اللهِ، وَنَزَعْنَ غِطاءَ الرَّأسِ، واغْتَصَبْنَ دَوْرَ الرَّجُلِ في الكنيسة. وَهُوَ يَقول: "أنتُم لا تَتَصَرَّفونَ بِلِياقَة". وقد بَلَغَ سُلوكُ الكورِنثيِّينَ غيرُ المُنضَبِط، والوَقِح، وثَرثَرَتُهم حَدًّا صَارَ فيهِ مُناقِضًا للمحبَّة. فقد كانَ الجَميعُ يَصيحونَ، وكانَ الجَميعُ يَتكلَّمونَ، وكانَ الجَميعُ يُحاولونَ أن يَكونوا بارِزينَ، ولم يَكُن أيٌّ مِنهُم يُراعي الآخَرين. وعندما تَفعلونَ ذلك، لا تَكونُ هُناكَ مَحبَّة. فالمحبَّة لا تَتصرَّفُ بوقاحَة لأنَّ المحبَّة تُفَكِّرُ دائمًا في كيفيَّةِ تأثيرِ التَّصَرُّفِ على الآخرين.

وقد كانَ رَبُّنا الحَبيبُ قُدوةً رائعةً في القيامِ بذلك. وأودُّ وَحَسْب أن أُذَكِّرَكُم بحادثةٍ واحدةٍ في حَياتِه. انظُروا إلى إنجيل لُوقا والأصحاحِ السَّابع. وهذه حَادِثَة رائعة. وَهُوَ مَوقِفٌ حَمَى فيهِ يَسوعُ سَيِّدَةً مِنَ الوَقاحَة. إنجيل لوقا 7: 36: "وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ". فقد طَلَبَ رَجُلٌ فَرِّيسيٌّ اسمُهُ سِمْعان مِنْ يَسوعَ أنْ يَأكُلَ في بَيتِه. وكانَ هُناكَ أشخاصٌ آخرونَ أيضًا في بَيتِهِ. فَذَهَبَ يَسوع. "فَدَخَلَ بَيْتَ الْفَرِّيسِيِّ وَاتَّكَأَ. وَإِذَا امْرَأَةٌ فِي الْمَدِينَةِ كَانَتْ خَاطِئَةً". وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّها كانت تَمْتَهِنُ الزِّنَى. "إِذْ عَلِمَتْ أَنَّهُ مُتَّكِئٌ فِي بَيْتِ الْفَرِّيسِيِّ، جَاءَتْ بِقَارُورَةِ طِيبٍ". وَهُوَ طِيْبٌ غَالي الثَّمَن جدًّا. فقد جاءت إلى البيتِ الَّذي كانَ يَأكُلُ فيه. ولا بُدَّ أنَّ المَوقِفَ كانَ مُدهِشًا. "وَوَقَفَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ بَاكِيَةً، وَابْتَدَأَتْ تَبُلُّ قَدَمَيْهِ بِالدُّمُوعِ، وَكَانَتْ تَمْسَحُهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا، وَتُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ وَتَدْهَنُهُمَا بِالطِّيبِ".

وأريدُ أن أقولَ لَكُم إنَّ هذا الموقِفَ جَميلٌ. أليسَ كذلك؟ فنحنُ نَرى هُنا امرأةً زانيةً تَبكي وتَمسَحُ قَدَمَيْ يَسوعَ وتَدْهَنْهُما بالطِّيب. "فَلَمَّا رَأَى الْفَرِّيسِيُّ الَّذِي دَعَاهُ ذلِكَ، تَكَلَّمَ فِي نَفْسِهِ قِائِلاً". فقد دَارَ حِوارٌ في ذِهنِهِ وخَاطَبَ نَفسَهُ قائلاً: "لَوْ كَانَ هذَا نَبِيًّا...". فَهُوَ لم يَكُنْ يَعْلَمُ بَعْد مَنْ هُوَ يَسوع. "لَوْ كَانَ هذَا نَبِيًّا لَعَلِمَ مَنْ هذِهِ الامَرْأَةُ الَّتِي تَلْمِسُهُ وَمَا هِيَ! إِنَّهَا خَاطِئَةٌ". بِعبارة أخرى، لو كانَ هذا الرَّجُلُ نَبِيًّا حَقًّا لَما سَمَحَ بِحدوثِ ذلك. "فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ". أليسَ هذا الموقِفُ رائعًا؟ فهو لم يَفْتَحْ فَمَهُ، ولكِنَّ يَسوعَ أجابَهُ على الفِكرةِ الَّتي خَطَرَتْ بِبالِه: "يَا سِمْعَانُ، عِنْدِي شَيْءٌ أَقُولُهُ لَكَ". فَقَالَ: "قُلْ، يَا مُعَلِّمُ". وَهذا يُرينا أنَّهُ مُراءٍ. فَهُوَ لم يَكُنْ قد قَرَّرَ بَعْد في ذِهْنِهِ أنَّ يَسوعَ مُعَلِّم.

فَقال: "كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ. عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِئَةِ دِينَارٍ وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا. فَقُلْ: أَيُّهُمَا يَكُونُ أَكْثَرَ حُبًّا لَهُ؟» فَأَجَابَ سِمْعَانُ وَقَالَ: ’أَظُنُّ الَّذِي سَامَحَهُ بِالأَكْثَرِ‘. فَقَالَ لَهُ: ’بِالصَّوَابِ حَكَمْتَ‘". ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَرْأَةِ وَقَالَ لِسِمْعَانَ". فقد أَشارَ إلى تلكَ المَرأةِ وقالَ لِسِمعان: ’أَتَنْظُرُ هذِهِ الْمَرْأَةَ؟ إِنِّي دَخَلْتُ بَيْتَكَ، وَمَاءً لأَجْلِ رِجْلَيَّ لَمْ تُعْطِ. وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ غَسَلَتْ رِجْلَيَّ بِالدُّمُوعِ وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا. قُبْلَةً لَمْ تُقَبِّلْنِي، وَأَمَّا هِيَ فَمُنْذُ دَخَلْتُ لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَقْبِيلِ رِجْلَيَّ. بِزَيْتٍ لَمْ تَدْهُنْ رَأْسِي، وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ دَهَنَتْ بِالطِّيبِ رِجْلَيَّ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَقُولُ لَكَ: قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا الْكَثِيرَةُ، لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيرًا. وَالَّذِي يُغْفَرُ لَهُ قَلِيلٌ يُحِبُّ قَلِيلاً‘".

وَيا لَهُ مِنْ كَلامٍ يَحْمِلُ مَعاني سَاخِرَة! "ثُمَّ قَالَ لَهَا: ’مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ‘. فَابْتَدَأَ الْمُتَّكِئُونَ مَعَهُ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: ’مَنْ هذَا الَّذِي يَغْفِرُ خَطَايَا أَيْضًا؟‘ فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: ’إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ‘".

ما الَّذي تُعَلِّمُهُ القِصَّة؟ إنَّها تُرينا وَحَسْب شَيئًا بَسيطًا جدًّا. فنحنُ هُنا أمامَ امرأةٍ دَخَلَتْ بيتَ فَرِّيسيٍّ. وأوَّلُ رَدِّ فِعْلٍ لذلكَ الفِرِّيسيِّ كانَ وَقِحًا، ومُتَعَجْرِفًا، ومُحتَقِرًا لتلكَ المرأة: "ما الَّذي تَفعلينَهُ هُنا أيَّتُها المرأةُ القَذِرَة، والآثِمَة، والخاطئة؟ اخرُجي خارِجًا!" وقد حَمَى يَسوعُ تلكَ المرأةِ مِنَ احتقارِ الفَرِّيسيِّ، وعَجْرَفَتِهِ، وَوَقاحَتِهِ، ولا مُبالاتِهِ. وقد أَحَبَّ يَسوعُ تلكَ المَرأةِ، وغَفَرَ لَها، وفَداها. وقد كانَ "باركلي" على صَوابٍ حينَ تَرْجَمَ هذهِ الكلماتِ على النَّحوِ التَّالي: "المَحَبَّةُ لا تَتَصَرَّفُ بِوقاحَة". فالمحبَّة مُفْعَمَة باللِّياقَة. والمَحَبَّة لا تَكونُ أبدًا وَقِحَة. والأمرُ لا يَتوقَّفُ على أَلَّا تَكونَ وَقِحًا معَ غَيرِ المُؤمِنينَ فقط، بل إنَّ المحبَّةَ لا تَتَواقَحُ أبدًا حَتَّى معَ غيرِ المُؤمِنين. وقد رأيتُ مُؤمِنينَ لا يُدَخِّنونَ، ويَتَصرَّفونَ بِوَقاحَةٍ شديدة معَ أشخاصٍ غيرِ مُؤمِنينَ يُدَخِّنونَ حَتَّى إنَّهُمْ لم يَحْظَوْا أبدًا بفُرصةِ مُشاركةِ أيِّ شَيءٍ مَعَهُم عنِ المَسيح.

وكما تَعلمون، قد نَبلُغُ نُقطَةً نَفهَمُ فيها كُلَّ العَقيدةِ، ونَعرِفُ فيها كُلَّ الإجاباتِ، ونَصيرُ فيها مُتَحَجِّرينَ لاهُوتِيِّينَ، ونَفقِدُ نِعْمَتَنا، ونَفْقِدُ سِحْرَنا معَ النَّاسِ الَّذينَ لم يَبلُغوا المَكانَ الَّذي بَلَغناهُ نَحْن. وهذا ليسَ شَيئًا صَائِبًا. فقد نُغْلِقُ قُلوبَنا أمامَ العَالَمِ كُلِّهِ، باستثنائِنا نحنُ الأربعة والأشخاصِ العَزيزينَ على قُلوبِنا: "أغلِقُوا البابَ. فقط نحنُ الأربعة، ولا أحدَ سِوانا". ولكِنَّ هَذا لا يَنْطَوي على أيِّ نِعمَة، ولا يَنْطَوي على أيِّ لُطْفٍ، بل هُوَ وَقاحَة وَحَسْب. وكما تَعلمون، فإنَّ واحدًا مِنَ الأشياءِ الَّتي أُوْمِنُ بأنَّ المسيحيَّةَ تُضْطَرُّ إلى دَفْعِ ثَمَنِها هو الوَقاحَةُ الصِّرْفَة معَ غيرِ المُؤمِنين. فنحنُ غالبًا ما نَكونُ وَقِحينَ جدًّا وَحَسْب، ولا نُراعي مَشاعِرَ الآخَرين.

وقد سَمِعْتُ واعِظًا في الأسبوعِ الماضي عندما كُنتُ في البيت...فقدِ استمعتُ إلى كُلِّ الكَنائسِ المُتَلْفَزَةِ في الأسبوعِ المَاضي. وقد كانَ هذا الرَّجُلُ يَعِظُ عِظَةً عن غيرِ المُؤمِنينَ مُستخدِمًا كلماتٍ مُهينةً وجَارِحَةً جدًّا وغير كِتابيَّة بالمَرَّة. وقد نَعَتَهُمْ بأوصَافٍ لا تَنْطَبِق عليهم أصلاً. وقد قُلتُ في نَفسي: "لم أسمَع يَومًا رَجُلاً وَقِحًا مَعَ غيرِ المُؤمِنينَ أكثرَ مِن هذا الرَّجُل". فقد كانَ يُشبِهُ الفَرِّيسيَّ الَّذي أرادَ أنْ يُمْسِكَ تلكَ المرأة في إنجيل لوقا وأنْ يَطْرَحَها خَارِجَ الباب. ولكِنَّ يَسوعَ لم يَفعل هذا. أليسَ كذلك؟ فالمحبَّةُ ليسَت وَقِحَة. وأفضَلُ مَكانٍ للقيامِ بذلكَ هُوَ البيت – عندما تَبتدئٌ بمُمارسةِ ذلك.

والحقيقةُ هي أنَّ المحبَّةَ تَستطيعُ أن تُنَجِّينا مِنْ فَخِّ الحَسَدِ الشَّنيعِ ومِنَ الافتِخارِ البَاطِلِ السَّخيف. والمحبَّةُ تَستطيعُ أن تُنَجِّينا مِنَ المَيلِ الدَّاخليِّ إلى الانتِفاخِ جدًّا ظَنًّا مِنَّا بأنَّنا مُهِمِّين إلى الحَدِّ الَّذي نَصيرُ فيهِ فَظِّينَ معَ جَميعِ الأشخاصِ الآخرين، وَمِنَ المَيْلِ إلى التَّصَرُّفِ بِدونِ نَعمَةٍ مِنْ خِلالِ الازدِراءِ بالآخرينَ وبِمشاعِرِ الآخَرين.

سابِعًا...فسوفَ أَذكُرُ لَكُم هذهِ الصِّفَة: "المَحَبَّةُ لاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا". ورُبَّما كانَ هُذا هُوَ المِفتاحُ لِكُلِّ شَيء. فالمَحبَّةُ لا تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا. وهذه الصِّفَةُ هي نَقيضُ الأنانيَّة. فهي لا تَهْتَمُّ بأمورِها الخاصَّة، بل إنَّ المحبَّةَ تَهتمُّ بالأمورِ المُختصَّةِ بالآخرين. وقد قالَ المُفَسِّرُ العَظيم "لينسكي" (Lenski): "عَالِجْ أَنَانِيَّتَكَ فَتَكونُ قد أَعَدْتَ زِراعَةَ جَنَّةِ عَدْن". وَهُوَ مُحِقٌّ.

وأودُّ أن أقولَ إنَّ وَصْفَ المَحَبَّةِ القائِل إنَّ المَحَبَّةَ "لا تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا" يُشْبِهُ العَيْنَيْن. فَهُما عَيْنانِ غيرُ أنانِيَّتَيْن. فَنوافِذُ النَّفسِ تُظْهِرُ أنَّ النَّفسَ ليسَت أنانيَّة. وقد كانَ الكورِنثيُّونَ أنانيِّين. فقد كانوا أنانيِّينَ جدًّا. فقد كانوا أنانِيِّينَ في مَواهِبِهمِ الروحيَّة. وهل تَعلَمونَ شَيئًا، الحَقيقةُ هي أنَّكُم إذا نَظرتُم إلى الأصحاح 14 والعَددِ الرَّابع، فإنَّهُ يَتحدَّثُ إليهِم عنِ استخدامِهم لموهبةِ الألسِنَةِ فيقول: "مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ يَبْنِي نَفْسَهُ". وَهُوَ يَقولُ في العدد 12: "اطْلُبُوا لأَجْلِ بُنْيَانِ الْكَنِيسَةِ أَنْ تَزْدَادُوا"، لا لأجلِ أنفُسِكُم. فَحَتَّى في مَجالِ المَواهِبِ الروحيَّةِ، وَهُوَ شَيءٌ كانَ جَيِّدًا، كانُوا يُشَوِّهونَ ذلكَ مِنْ أجلِ القيامِ بشيءٍ أنانيٍّ. فَعِوَضًا عن أن يَستخدِموا مَواهِبَهُم لأجلِ الآخرين، كانوا يَستخدِمونَ مَواهِبَهُم لأجلِ تَحقيقِ مَصالِحِهم الشخصيَّة. ولكِنَّ المَحبَّةَ بَريئَةٌ مِن ذلك. فالمحبَّةُ لا تَطْلُبُ مَا لِنَفسِها.

هُناكَ قِصَّة مُدهِشَة سَرَدَها "فُلتون أورسلر" (Fulton Oursler) قبلَ سَنوات عَديدة. فقد قالَ إنَّ سَائقًا يَرتدي زِيًّا رَسميًّا قَادَ سَيَّارةً إلى المَقبَرة. وكانَ هُناكَ خَادِمٌ يَهتَمُّ بأمورِ المَقبَرَة. وقد خَرَجَ لِيَنظُرَ مَنْ في تلكَ السيَّارة، معَ أنَّهُ لم يَكُنْ يُمَيِّزُ بينهَا، ولكنَّهُ خَرَجَ ليَنظُرَ مَنْ جاء. فخَرَجَ السَّائقُ مِنَ السيَّارةِ وقالَ للخادِم: "إنَّ السيِّدة الَّتي مَعي مَريضة جِدًّا ولا تَقْدِرُ أن تَمشي. هل يُمْكِنُكَ أنْ تَأتي مَعي؟" وكانِتِ المرأةُ الَّتي تَنتظرُ في السيَّارة ضَعيفَةً ومُسِنَّةً وتَعْجَزُ عَيناها الغَائِرَتانِ عن إخفاءِ ألمٍ عَميقٍ مَضَى عليهِ وقتٌ طَويل. قالتِ المرأةُ بصوتٍ وَاهِنٍ: "أنا السيِّدة فُلانَة. لقد كُنتُ كُلَّ أسبوعٍ طَوالَ السَّنَتَيْنِ الماضِيَتَيْن، كُنتُ أُرسِلُ إليكَ خَمسة دولارات بالبَريد". أجابَ الرَّجُلُ قائلاً: "آه، أَجَلْ، ثَمَنَ الزُّهور". قالت بِرِقَّة: "أجل، كي تَضَعَها على قَبْرِ زَوجي الحَبيب. ولكنِّي جِئتُ اليومَ لأنَّ الأطبَّاءَ أَخبروني أنِّي سأعيشُ بِضعةَ أسابيع فقط، وأنِّي لن أعيشَ بعدَ ذلك. ولا يُوجَدُ شَيءٌ أعيشُ لأجلِه بأيِّ حال. لِذا، فقد أردتُ أن آتي لإلقاءِ نَظرةٍ أخيرةٍ على القَبر".

نَظَرَ الخادِمُ إليها بِتَرَدُّدٍ [كَما يَقولُ أورسلر]، ثُمَّ ابتسَمَ قليلاً وقال: "أتَعلمينَ يا سَيِّدتي أنِّي آسِفٌ لأنَّكِ استمرَّيْتِ في إرسالِ المالِ لأجلِ الزُّهور". "آسِف؟" "أجل! لأنَّ الزُّهورَ لا تَعيشُ إلَّا وقتًا قصيرًا. ولا أحدَ يَراها بأيِّ حَال". قالت: "هل تُدرِكُ مَا تَقول؟" "أجل، أنا أُدرِكُ ذلك. والحَقيقةُ هي أنِّي أَنتَمي إلى مُجتَمَعٍ زائِرٍ. ففي المُستشفياتِ الحُكوميَّةِ، ومُستشفياتِ الأمراضِ العَقليَّةِ، والأماكِنِ المُشابِهَةِ، يُحِبُّ الأشخاصُ المُقيمونَ هُناكَ الأزهارَ حُبًّا شَديدًا، ويُمكِنُهم أن يَرَوْها وأن يَشُمُّوها يا سَيِّدتي. فهُناكَ أُناسٌ أحياء في تلكَ الأماكِن". جَلَسَتِ المرأةُ في صَمْتٍ قليلاً ثُمَّ أَشارَتْ إلى السَّائِقِ، مِنْ دُوْنِ أنْ تَنْطِقَ بكلمة، أنْ يُغادِر.

وبعدَ بِضعةِ أشهُر، دُهِشَ الخادِمُ حينَ رأى السَّيَّارَةَ نَفسَها تَعود. وقد دُهِشَ أكثَر عندما أدركَ أنَّ المَرأةَ نَفسَها هي الَّتي تَقودُ السيَّارةَ في هذهِ المَرَّة. قالت والابتسامَةُ الوَدودَةُ تَعلو وَجهَها: "أنا آخُذُ الزُّهورَ إلى النَّاسِ بِنَفسي في المُستشفياتِ. أنتَ مُحِقٌّ. فَهذا يُدْخِلُ السُّرورَ إلى نُفوسِهم، ويَجعَلُني أنا أيضًا مَسرورة. والأطِبَّاءُ لا يَعرِفونَ ما الَّذي جَعَلَني بِصِحَّة جَيِّدة، ولكنِّي أَعلَمُ السَّبب. فقد صَارَ هُناكَ أشخاصٌ آخرونَ أعيشُ لأجلِهم".

وأعتقدُ أنَّ يَسوعَ كانَ يَقولُ شَيئًا عن ذلك حينَ قَال: "اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ [ماذا؟] أَثْقَالَ بَعْضٍ". أيْ: عِيشوا لأجلِ الآخرين. وقد فَعَلَ يَسوعُ ذلك: "كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ [ماذا؟] لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِين".

فالمحبَّةُ لاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، بل هِيَ تَطلُبُ دائمًا ما للآخرين. وهذا هو المِفتاحُ لفِكرةِ المَحبَّةِ بأسرِها. فهي عَديمةُ الأنانِيَّة. فيجب أن تَتَأنَّوْا على النَّاسِ، وأنْ تَرفُقوا بِهم، وألَّا تَغاروا مِنَ النَّاسِ، وألَّا تَغضَبوا مِنَ النَّاسِ، وألَّا تَتَضايَقوا مِنَ النَّاسِ، وألَّا تَحْتَدُّوا مَعَ النَّاسِ. ويجب أن تَتَسامَحوا معَ النَّاسِ، وأن تَكونوا أَسْخِياءَ جدًّا معَ النَّاسِ. ويجب أن تَكونوا لُطَفاءَ جدًّا معَ النَّاسِ. ولا يَجوزُ أن تَكونوا فَظِّينَ معَ النَّاسِ. وكُلُّ ذلكَ يَعني ألَّا تَكونوا أنانِيِّينَ.

واسمَحوا لي أن أَذكُرَ لَكُم آخِرَ صِفَةٍ لهذا اليوم. الصِّفَةُ الثَّامِنَة، وهي شَيءٌ ذَكَرْتُهُ للتَّوّ: "المَحَبَّةُ لاَ تَحْتَدُّ". المَحَبَّةُ لا تَحْتَدُّ. وهذه تَرجمةٌ للكلمةِ اليونانيَّةِ الَّتي اشْتُقَّتْ مِنْها الكلمةُ الإنجليزيَّة "باروكسيزم" (paroxysm) ومَعناها: "الهَيَجانُ المُفاجِئ". فالمحبَّةُ لا تَحْتَدُّ. هلِ احْتَدَّيْتَ يَوْمًا؟ المَحَبَّةُ لا تَهْتاجُ. والمحبَّةُ لا تَسعى يَومًا إلى الشِّجار. وقد تَقول: "ولكِنْ مَهلاً! ماذا عنِ الغَضَبِ المُقَدَّس؟" لا بأسَ في ذلك. فإنْ كُنتَ تُطَهِّرُ الهَيكَلَ، افعَل ذلك. فلا بأس. وما أعنيهِ هُوَ أنِّي مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّ مارتن لوثر كانَ غاضِبًا قليلاً عندما عَلَّقَ اعتِراضاتِهِ على بَابِ الكَنيسةِ في "وِتنبرغ" (Wittenberg). وأنا أوافِقُهُ الرَّأيَ في ذلك. وكما تَعلمونَ، لا يُمكِنُكم أن تَسلُكوا في الحَياةِ المسيحيَّةِ بِدونِ القَليلِ مِنَ الغَضَب. فلا بُدَّ أنْ تَغضَبَ مِنَ الشَّيطان. ولا بُدَّ أنْ تَغضَبَ مِنَ الجَسَد. ولا بُدَّ أنْ تَغضَبَ مِن أيِّ شَيءٍ يُدَنِّسُ كلمةَ اللهِ والحَقَّ الإلهيَّ. أليسَ كذلك؟ وهذا غَضَبٌ لا بأسَ بِهِ. فهذا غَضَبٌ مُقَدَّس. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ كُلَّ شخصٍ مُؤمِنٍ ينبغي أن يَشعُرُ بذلك.

وقد كُنَّا نَتحدَّثُ عن ذلكَ عندما كُنتُ في كُليَّة دالاس للَّاهوت. فقد كُنتُ أَقولُ لمَجموعةٍ مِنَ الطَّلبة إنَّ الدُّكتور "روبنسون" (Dr. Robinson) كانَ قد أخبرني (وأنا أُوافِقُهُ الرَّأيَ) أنَّهُ لم يَلْتَقِ يَومًا خادِمًا أو واعِظًا جَيِّدًا في حَياتِهِ لا يَمْلِكُ رُوْحَ المُنافَسَةِ، ولا يَخوضُ دَائِمًا مَعركةً. وقد قُلتُ لَهُ: "ما الَّذي تَعنيهِ بذلك؟" وقد حَدَثَ هذا قبلَ أنْ أُوافِقَهُ الرَّأيَ. فقالَ لي ما يَلي. وقد تَحَدَّثنا عن ذلكَ ووافَقْتُهُ الرَّأيَ. وسوفَ أَستخدِمُ نَفسي مَثَلاً تَوضيحيًّا. فأنا أملِكُ رُوْحَ المُنافَسَةِ جِدًّا. فأنا أُحِبُّ أن أفوزَ، ولا أُحِبُّ أنْ أَخسَر. وأنا كذلكَ دائمًا. وقد صَرَفْتُ وقتًا طويلاً مِنْ حَياتي في الخَسارَة، ولكنِّي لم أُحِبَّ ذلكَ يومًا. فأنا أُحِبُّ أن أفوز. فأنا أَمْلِكُ رُوحَ المُنافَسَة. وهو يَقول: "الواعِظُ الَّذي لا يَمْلِكُ رُوحَ المُنافسةِ لن يَكونَ واعِظًا جَيِّدًا لكلمةِ اللهِ أسبوعًا تِلوَ الآخرِ تِلوَ الآخَر". وكما تَعلمونَ، لا بُدَّ أنْ يَتَعَثَّرَ الكَلبُ الأعمى بِعَظْمَةٍ بينَ الحينِ والآخر. وبينَ الحينِ والآخر، قد يَعِظُ أيُّ شخصٍ عِظَةً أو عِظَتَيْنِ جَيِّدَتَيْن بِحُكْمِ قَانونِ المُتَوَسِّطات. فلا بُدَّ أنْ تَجِدَ شَيئًا صَحيحًا يَقولُهُ بينَ الحينِ والآخر. ولكِنْ لكي تَكونَ واعِظًا جَيِّدًا أسبوعًا تِلْوَ الآخَرِ، تِلْوَ الآخَرِ، تِلْوَ الآخَرِ، تِلْوَ الآخَرِ، لا بُدَّ أنْ تَكونَ مُحارِبًا. ولا بُدَّ أنْ تَمْتَلِكَ رُوْحَ المُنافَسَة. وما أعنيه هو: يجب أن تُحارِبَ السَّاعَة، ويجب أن تُحارِبَ جَهْلَكَ الشَّخصيَّ، ويجب أن تُحارِبَ الصُّعوباتِ المَوجودَةِ في النَّصِّ، ويجب عليكَ أن تُحارِبَ الأشخاصَ الَّذينَ يَرغبونَ في خَلْطِ أولويَّاتِك، ويجب عليكَ أن تُحارِبَ كَسَلَكَ الشَّخصيَّ، ويجب عليكَ أن تُحارِبَ خَطيَّتَكَ الشخصيَّة. وما أعنيه هو أنَّها حَرْبٌ. اسمَعوني: إنَّ يَوْمَ النُّصرَةِ هُوَ يومُ الأحد. وهل تَريدونَ أن تَعلموا لماذا أشعُرُ بالحَماسَة؟ لأنَّ المَعركةَ انْتَهَتْ، يا أصدقائي، وقد استَغرقني الأمرُ وقتًا طَويلاً لإعدادِ هذهِ العِظَة. لِذا، أنا لا أُقَلِّلُ...أنا لا أُقَلِّلُ مِن شأنِ حَقيقةِ أنَّهُ توجدُ في الحياةِ المَسيحيَّةِ حَاجَة إلى الغَضَبِ مِن أمورٍ مُعَيَّنة، وَالتَّحَمُّسِ قليلاً مِنْ أجلِ إتمامِ مَشيئةِ اللهِ. ولكِنَّ ما يَتحدَّثُ عنهُ هُنا هو أنَّ المحبَّةَ لا تَغْضَبُ مِنَ الأشخاصِ الآخرين. فالمحبَّةُ لا تَغْضَبُ مِنَ الأشخاصِ الآخرين، ولا تَحْتَدُّ.

في المَرَّةِ القادمةِ الَّتي تَحْتَدُّ فيها في البيت وتَغضَب، تَذَكَّر ما يَلي: إنَّ السَّبَبَ في غَضَبِكَ هو أنَّكَ لا تُحِبُّ الشَّخصَ الَّذي تَغْضَبُ مِنه. فعندما تَغضَب، وتَقولُ كَلامًا لم يَكُنْ يَجْدُرُ بِكَ أن تَقولَهُ، وتَجرَحُ ذلكَ الشَّخصَ، يَكونُ السَّببُ في جَرْحِكُ لَهُ هو أنَّكَ أردتَ أن تَجرَحَهُ. وهل تَعلمُ شيئًا؟ لقد قَرَّرْتَ قائلاً: "أريدُ أن أفعلَ ما أُريد، وأريدُ أن أفعلَ مَا أشاء. وإن لم تَفعل هذا الأمرَ بالطَّريقةِ الَّتي أريدُها، سوفَ أَجرَحُك". وكما تَرى، فأنتَ تَقولُ كَلامًا لا يُمْكِنُ أنْ يُنْسَى يَومًا. فَهُوَ كَلامٌ يَتْرُكُ نُدوبًا. وأنتَ تَفعلُ أمورًا تُؤذي وتَجرَح. ولكِنَّ المحبَّةَ تَحْتَمِلُ كُلَّ الجِراح. والمحبَّةُ تَقبَلُ كُلَّ الجِراح. والمحبَّةُ تَحتَمِلُ كُلَّ شَيءٍ مِن دونِ أنْ تَحْتَدَّ ومِن دونِ أن تَغْضَب؛ إلَّا إذا كانت تُدافِعُ عنِ اللهِ. ولكِنْ عندما يَختصُّ الأمرُ بالذَّاتِ، فإنَّها تَحْتَمِلُ ذلك.

وما الَّذي يَحدُثُ عندما يَغْضَبُ الزَّوجُ وَيَصُبُّ غَضَبَهُ على زَوجَتِهِ؟ أوْ يَلْكُمُها حَقًّا؟ فهذا يَحدُث. هل يُحِبُّها؟ لا، لا، إنَّهُ لا يُحِبُّها. بل هو يُبالي أكثر بنفسِهِ وذاتِهِ أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخر. وإنْ لم تَفعَل ما يُريد فإنَّهُ يَثورُ في وَجْهِها. وإنْ فَعَلَ أحدُ أولادِكَ شيئًا لا تُحِبُّهُ، مَا الَّذي سَيَحدُثُ لذلكَ الطِّفل الصَّغير الضَّعيف عندما يُضْرَبُ؟ وما الَّذي يَحدُثُ لذلكَ الطِّفل عندما يُطْرَحُ أرضًا وَيَرْتَطِمُ رأسُهُ بالجِدارِ لأنَّهُ فَعَلَ شيئًا تَخَطَّى فيهِ الحُدودَ الَّتي رَسَمْتَها أنتَ؟ إنَّ هذا غَضَب. والغَضَبُ هو عَكْسُ المَحبَّة لأنَّ لِسانَ حَالِ الغضَب هو: "أنا أُبالي بنفسي كثيرًا حَتّى إنَّكَ إذا فَعلتَ شَيئًا لا أُحِبُّهُ سَأُعاقِبُكَ عليه".

وليسَ مِنَ السَّهلِ أن تَتَحَكَّمَ في غَضَبِك. ولكِنِ اسمَحوا لي أن أقولَ لكم إنّهُ ما لم يَتعلَّم المُؤمِنُ أن يَتحكَّمَ في غَضَبِه، لن يَختبِرَ يَومًا المحبَّةَ الحَقيقيَّة. فقد تَقولُ لشريكِ الحياةِ إنَّكَ تُحِبُّهُ طَوالَ الوقتِ، ولكِنْ إنْ كانَ كُلُّ ما تَفعلُهُ هو أنَّكَ تَغضَبَ عليه، سيكونُ مِنَ الصَّعبِ عليهِ أن يَقتَنِعَ بذلك؛ بل مِنَ الصَّعبِ جدًّا. وقد تَقولُ لأولادِكَ إنَّكَ تُحِبُّهُم، ولكِنْ إنْ كانَ كُلُّ ما تَفعلُهُ هو أنَّكَ تَصرُخُ عليهم، وتَثورُ عليهم، وتَنزَعِجُ مِنهُم، فإنَّهُم سيَشعرونَ باليأسِ بسببِ عَجْزِهِمْ عنِ القيامِ بأيِّ شَيءٍ يُرضيكَ، وبسببِ أنَّكَ لَا تُشارِكُهُم أفراحَهُم، بل تُصِرُّ على أن تَبقَى عَبوسًا لِمُجَرَّدِ أنَّكِ تُريدُ أن تَكونَ مُختَلِفًا عنِ البقيَّة. ولكِنَّ المحبَّةَ هي العِلاجُ الوَحيدُ للغَضَبِ لأنَّ الغَضَبَ [في المُحَصِّلَةِ النِّهائيَّةِ] هُوَ ببساطة: أنانيَّة.

"لقد كانَتْ لِـ "جوناثان إدواردز" (Jonathan Edwards)، وسوفَ أَختِمُ بهذه القصَّة، وَهُوَ الرَّئيسُ الثَّالِثُ لجامعة برينستون (Princeton)، وواحدٌ مِن أعظمِ الوُعَّاظِ في التَّاريخ، كانَتْ لَهُ ابنَة لا تُحْسِنُ السَّيطرةَ على أعصابِها. وقد وَقَعَ شابٌّ في حُبِّ ابنَتِه. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّ الشَّابَّ لم يَكُن يَعلَمُ عَنْ ذلكَ الأمرِ على الأرجَح لأنَّهُ، كما تَعلمونَ، عندما يَقَعُ المَرءُ في الحُبِّ فإنَّ العَلاقَةَ كُلَّها تَكونُ قُلوبًا وزُهور. وعلى أيِّ حالٍ، فقد أحَبَّها ذلكَ الشَّابُّ وطَلَبَ يَدَها للزَّواج إذْ جاءَ وقالَ: "دكتور إدواردز! أريدُ أن أتزوَّجَ ابنَتَكَ". وَجاءَ جَوابُ جوناثان إدواردز مُفاجئًا وحاسِمًا: "لا يُمكِنُكَ أن تَتزوَّجَ مِنها". قالَ الشَّابُّ: "ولكنِّي أُحِبُّها". أجابَ أدواردز: "لا يُمْكِنُكَ أن تَتزوَّجَها". أجابَ الشَّابُّ: "ولكنَّها تُحِبُّني". "لا يُمكِنُكَ أن تَتزوَّجَها". قال: "لماذا؟" "لأنَّها لا تَستَحِقُّك". قال: "ولكِنَّها مُؤمِنَة! أليسَ كذلك؟" قالَ إدواردز: "أجل، ولكِنَّ نِعمةَ اللهِ قد تَتَعايَشُ معَ أشخاصٍ لا يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ آخر أن يَتعايَشَ مَعَهُم".

وهذا يُشبِهُ السيِّدَةَ الَّتي قالت: "أنا أفقِدُ أعصابي، ولكنِّي أهدأُ بعدَ بِضْعِ دَقائق". وكذلكَ هي حَالُ القُنبلةُ الذَّرِّيَّة.

ويُمكِنُنا أن نَقولَ الكثيرَ عَمَّا يَفْعَلُهُ الغَضَبُ لتدميرِك، ولكنَّ النُّقطةَ الَّتي يُريدُ بولسُ أن يُبَيِّنَها هي [ببساطة] ما يَلي: الغَضَبُ ليسَ مَحَبَّة. اسأل نَفسَكَ: أنتَ مُؤمِنٌ، ومَحَبَّةُ اللهِ قدِ انسَكَبَتْ في قَلبِكَ، ويَسوعُ هو المَحبَّةُ المُتَجَسِّدَة، وبولسُ واحِدٌ مِنْ نَماذِجِ المحبَّة. هل تَتْبَعُ هذهِ النَّماذِجَ أَم أنَّكَ مَسيحيٌّ على غِرارِ أهلِ كورِنثوس وتَرى نَفسَكَ على النَّقيضِ مِن كُلِّ هذهِ الصِّفات؟ دَعونا نُصَلِّي:

نَشكُرُكَ، يا أبانا، مَرَّةً أخرى في هذا الصَّباحِ على كَلِمَتِكَ لنا، وعلى كلِمَتِكَ لي مَرَّةً أخرى. فما يَزالُ لَديَّ شَوْطٌ طَويلٌ أقطَعُهُ بخصوصِ هذا الأمر. وأنا أسألُكَ أن تُعينَني كي أكونَ كَما تُريدُ مِنِّي أن أكون، وكي أُعامِلَ زَوجَتي وعائلتي وأصدقائي والنَّاسَ وجيراني غيرَ المُخَلَّصينَ بالطَّريقةِ الَّتي يَنبغي أنْ أُعامِلَهُم بها، وبالطَّريقةِ الَّتي كانَ يَسوعُ سيُعامِلُهم بها، أيْ بمحبَّة كاملة وعدمِ أنانيَّة. وأنا أُصَلِّي هذا أيضًا لأجلِ جَميعِ أفرادِ الرَّعيَّةِ الأحبَّاء. أشكُرُكَ على جَميعِ الأشخاصِ الَّذينَ حَضَروا في هذا الصَّباح. سُدَّ حَاجاتِهم، يا رَبُّ، بتلكَ الطَّريقةِ الفَريدَةِ الَّتي تَفعَلُها دائمًا. باسْمِ يَسوع. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize