افتَحُوا كِتابَكُم المُقدَّسَ على الأصحاحِ الثَّالِث عَشَر مِن رسالة كورِنثوس الأولى. رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 13. ونحنُ نُتابِعُ تَأمُّلَنا في الأصحاحِ الثَّالِث عَشَر في أثناءِ دراسَتِنا لمُجمَلِ الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس. وسوفَ نَتطرَّقُ إلى عَدَدٍ مِنَ الحَقائقِ الرَّئيسيَّةِ جدًّا والمُهمَّة جدًّا في مَعْرِضِ حَديثِنا عن مَوضوعِ المَحبَّة.
ولا أعتقدُ أنَّ أحدًا يَستطيعُ أن يُجادِلَ بخصوصِ حقيقةِ أنَّ أعظمَ شَيءٍ في العَالَمِ، وأَسمى شَيءٍ في الحَياةِ هو المَحبَّة. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاح 13 والعَدد 13: "وَلكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ الْمَحَبَّةُ". ونَقرأُ في رِسالة بُطرس الأولى والأصحاحِ الرَّابعِ: "وَلكِنْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، لِتَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً". وعندما يُريدُ...عندما يُريدُ الكتابُ المقدَّسُ أن يُعَرِّفَ اللهَ، أو عندما يُريدُ اللهُ أن يُعَرِّفَ بنفسِهِ فإنَّهُ يَقولُ عن نَفسِه: "اللهُ" [ماذا؟] مَحَبَّة. فالمَحبَّة هي أوضَحُ تَعريف. والمَحبَّة هي التَّشخيصُ لِطبيعَةِ الله.
ونَقرأُ في رسالة رُومية والأصحاح 13: "الْمَحَبَّةُ هِيَ تَكْمِيلُ النَّامُوس". فالمَحبَّةُ هي ذُروةُ كُلِّ شَيء. والمَحبَّةُ هي المُكَوِّنُ الأساسيُّ في الحياةِ مِنْ جِهَةِ جَعْلِ الحَياةِ مُنْسَجِمَةً معَ شَخصِ الله. ومِنَ المُؤسِفِ أن نَقولَ إنَّهُ بالرَّغمِ مِنَ الحاجَةِ المُلِحَّةِ للمحبَّة، وبالرَّغمِ مِن أهميَّتِها القُصوى، وبالرَّغمِ مِن أنَّها إلهيَّة، فإنَّها مَفقودَة في أغلبِ الأحيانِ في وَسْطِ شَعبِ اللهِ؛ أيِ الكنيسة. ونَجِدُ مَثَلاً على ذلكَ مِنْ خِلالِ الكنيسةِ في مَدينة كُورِنثوس. فمعَ أنَّها كانت كَنيسة تَزْخُرُ بِكُلِّ أنواعِ المواهِبِ الرُّوحيَّةِ، وَتَضُمُّ مَجموعةً رائعةً مِنَ المُعَلِّمينَ مِن أمثالِ بولُسَ وأَبُلُّسَ وآخَرين، وتُقَدِّمُ أَفضلَ تَعليمٍ، وتَمْتَلِكُ فَهْمًا رائعًا للعَقيدة، ومَكانًا رائعًا لمُشاركةِ الإنجيلِ معَ الخُطاةِ في مَدينةٍ استراتيجيَّة؛ بالرَّغمِ مِن وُجودِ كُلِّ تلكَ المَزايا لدى أهلِ كورِنثوسَ فإنَّ بُولُسَ يَقولُ إنَّهُمْ صِفْرٌ في الأصحاح 13 لأنّهُ يَقولُ إنَّ المَحَبَّةَ مَفقودَة. وأيُّ شَيءٍ تَنْقُصُهُ المَحَبَّة مُحَصِّلَتُهُ صِفْر.
لِذا فإنَّ الرَّسولَ بُولسَ يُبَيِّن لَهُم هُنا الأهميَّةَ العَظيمةَ والمُلِحَّة للمَحبَّةِ؛ وهي شَيءٌ كانَ، ويا للأسَف، مَفقودًا في وَسْطِ جَماعَةِ المُؤمِنين. وكما تَعلمونَ، يجب عليكم أن تُفَكِّروا أيضًا في أنَّهُ بالرَّغمِ مِن أهميَّةِ المحبَّة، مِنَ العَجيبِ جدًّا أنَّ الكنيسةَ لاقَتْ صُعوبَةً جَمَّةً في اختبارِ المَحبَّة الحقيقيَّة. والكلمة المُستخدَمة في كُلِّ هذا الأصحاحِ بِمَعنى المَحَبَّة هي: "أغابي" (agape). ونحنُ نَفتَرِضُ أنَّ هذهِ هي الكلمة الأقوى، والكلمة الأبرَز، والكلمة الأسمَى، والكلمة الأكثَر تَعبيرًا عن هذا الشَّيءِ تَحديدًا. لِذا فإنَّها الكلمة المُستخدَمة هُنا.
فهُناكَ تَعريفات عَديدة للمَحبَّة. وهُناكَ أشخاص كثيرونَ أَلَّفوا كُتُبًا عنِ المحبَّة. ويُمكنكم أن تَجِدوا كُتُبًا عنِ المحبَّة في كُلِّ قَرْن. وهُناكَ أَغانٍ عنِ المحبَّة. وهُناكَ أشعارٌ عنِ المَحبَّة. وهُناكَ نِقاشاتٌ عنِ المحبَّة. ولكِنْ بعدَ أنْ تَنْتَهوا مِنَ كُلِّ الكَلامِ عنها، ومِنْ قِراءةِ كُلِّ الكُتُبِ عنها، ومِنْ غِناءِ كُلِّ الأغاني عنها، ومِنْ سَماعِ كُلِّ شَيءٍ عنها فإنَّكُم لم تَسمعوا شَيئًا إلى أن تَقرأوا ما جاءَ في رسالة كورِنثوس الأولى 13: 4-7 لأنَّنا نَجِدُ هُنا أَكْمَلَ وَصْفٍ للمحبَّة كُتِبَ يَوْمًا. والسَّببُ في أنِّي أقولُ ذلكَ هو أنَّ هذا هو تَعريفُ اللهِ الشَّخصيِّ للمحبَّة. وَهُوَ أكثَرُ مِنْ تَعريفٍ. فَهُوَ وَصْفٌ.
والحَقيقةُ هي أنَّكُم إذا نَظَرتُم نَظرةً اصْطِلاحِيَّةً بَحْتَةً إلى هذهِ الكلمة، ستَجِدونَ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ لا يُعَرِّفُ المَحَبَّة في أيِّ مَوضِع. فَهُوَ لا يُعَرِّفُ المَحَبَّة في أيِّ مَوضِع. فَهُوَ لا يُعَرِّفُ المَحَبَّةَ كَشيءٍ مُجَرَّد، ولا كمَواقِف، ولا كمَشاعِر، ولا كأيديولوجيَّة. فَهُوَ لا يُعَرِّفُ المَحَبَّة، بل يَصِفُ المَحَبَّةَ وَحَسْب بأنَّها عَامِلَة لأنَّ المحبَّةَ ليسَت شيئًا مُجَرَّدًا، ولأنَّ المَحبَّةَ ليسَت شُعورًا، ولأنَّ المَحبَّةَ ليسَت حَتَّى مَوقِفًا؛ بَل إنَّ المَحَبَّةَ فِعْل. فالمحبَّة فِعْل. ولتَدعيمِ ذلك، أوَدُّ أن أقولَ لَكُم شَيئًا لن تَعرِفوهُ إلاَّ إذا كُنتُم تَعرِفونَ اللُّغةَ اليونانيَّة. فَفي الأعداد مِن 4 إلى 7، عندما تَنظرونَ إلى التَّرجمةِ الإنجليزيَّةِ لهذا النَّصِّ فإنَّها تَقول: "المَحَبَّةُ مُتَأنِّيَة"، أو "المَحَبَّةُ مُتَرَفِّقَة"، أو المَحَبَّة كَذا، أو المَحَبَّة ليسَت كَذا. وما تَقرأونَهُ عَادَةً في التَّرجماتِ الإنجليزيَّةِ هُوَ صِفات. أمَّا في اللُّغةِ اليونانيَّة فَلا تُوجَدُ صِفاتٌ هُنا، بل إنَّها جَميعُها أفعال. والأفعالُ تَصِفُ مَاذا؟ أعمالاً.
فالمَحبَّةُ ليسَت شَيئًا تَصِفونَهُ بِصِّفاتٍ، بل إنَّ المَحَبَّةَ شَيءٌ تَصِفونَهُ بأفعالٍ لأنَّ المَحَبَّةَ مَوصُوفة فَقَط وليسَت مُعَرَّفة. فالمحبَّة تَكونُ مَحَبَّةً فقط عندما تَعمل. وهذه هي الطَّريقةُ الَّتي تُذْكَرُ فيها في كَلمةِ الله. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ لا يُعَرِّفُ أبدًا المَحبَّة، بَلْ يَصِفُها وَحَسْب. والوَصفُ هُنا رائعٌ جدًّا. ففي كُلٍّ مِنَ الكَمالاتِ الخَمْسَةَ عَشَرَ للمحبَّة في الأعداد مِن 4 إلى 7 (إذْ إنَّ هُناكَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الكَمالاتِ المُختَلِفَة للمحبَّة في هذا الوَصْفِ)، في كُلِّ واحِدٍ مِنها، هُناكَ فِعْلٌ عَامِلٌ.
وكانَ الكورِنثيُّونَ قد أَخْفَقوا تَمامًا لأنَّهُ بالرَّغْمِ مِنْ كُلِّ أنشِطَتِهِم الكثيرة، لم تَكُن هُناكَ مَحبَّة. لِذا فإنَّ بولسَ يَتوقَّفُ كي يُريهم أربعةَ أمورٍ عنِ المَحبَّة: أهميَّةَ المَحبَّة (في الأعدادِ الثَّلاثةِ الأولى). هل تَذكرونَ ذلك؟ أهميَّةَ المَحَبَّة. ثانيًا، كَمالاتِ المَحَبَّة، أو إنْ شِئْتُم: سِماتِ المَحَبَّة (في الأعداد 4-7). ثالثًا، دَيمومَة المَحبَّة (في الأعداد 8-12)، وأخيرًا، يُلَخِّصُ بُولُسُ ذلكَ مِنْ خِلالِ تلكَ العِبارةِ العَظيمةِ عن تَفَوُّقِ المَحَبَّة.
والآن، يُريدُ بولُسُ مِنهُم أن يَفهموا أنَّ المحبَّةَ حَقيقة ضَروريَّة. فالمحبَّة شيءٌ يَصيرونَ بِدونِهِ صِفْرًا: "نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ". وَهُمْ لَيْسوا شَيئًا بِدونِها. لِذا، بعدَ أن يَتحدَّثَ عن أهميَّةِ المَحبَّةِ في الأعداد 1-3 بالقَول: "لا يَهُمُّ إن كُنْتُم تَتكلَّمونَ بألسِنَةٍ، أو حَتَّى بألسِنَةِ المَلائكةِ. فأنتُم مُجَرَّدُ ضَجيج. ولا يَهُمُّ إنْ كانت لَديكُم مَوهِبَةُ النُّبوَّةِ أو إنْ كانت لَديكُم كُلُّ المَعرفةِ وكُلُّ الحِكمةِ وكُلُّ الإيمانِ. ولا يَهُمُّ إنْ كُنتُم تُضَحُّونَ بأنفُسِكُم شُهداءَ. ولا يَهُمُّ إنْ كُنتُم تَبيعونَ كُلَّ شَيءٍ لَديكُم وتُعطونَ الفُقراءَ. فإنْ لم تَكُن لديكُم مَحَبَّة فإنَّكُم لستُم شَيئًا". لا شَيءَ البَتَّة. فهذه هي أهميَّةُ المَحبَّة. فهي تَقومُ بالدَّورِ البارِزِ في كُلِّ سُلوكٍ مَسيحيٍّ. وحينَ تَكونُ مَفقودَةً، لا يَعودُ السُّلوكُ مَسيحيًّا.
والآن، يَنتقِلُ بولُس إلى وَصْفِ المَحبَّةِ لأنَّهُم كانوا يَقولون: "إنْ كانتِ المَحبَّةُ مُهِمَّةً إلى هذا الحَدِّ، ولا يُمكِنُنا أن نَفعلَ أيَّ شَيءٍ بِدونِ مَحَبَّة، ولا يُمكِنُنا أن نَقومَ بأيِّ خِدمةٍ مِن دونِ مَحبَّة، وأنَّنا مُجَرَّدُ ضَجيج بِدونِ المَحبَّة، ولا يُمْكِنُنا أن نَكونَ شَيئًا بِدونِ المَحبَّة، أَلا أخبرتَنا ما هي المَحبَّة؟ فإنْ كانَ يَنبغي أنْ نُحِبَّ، أخبرِنا كيف". لِذا فإنَّهُ يَقول: "هذهِ هي المَحَبَّة".
انظُروا مَعي إلى العَددِ الرَّابِع واستَمِعوا إلى وَصْفِهِ: "الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّوء، وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ".
والآن، هَذا وَصْفٌ للمَحبَّة. فأنتُم لم تَرَوْا أيَّ شَيءٍ مُجَرَّد. وأنتُم لم تَرَوْا أيَّ شَيءٍ حَقًّا يَختصُّ بأيِّ أيديولوجيَّة، بل رأيتُم فقط أشياءً تَختصُّ بالسُّلوك. فما تَجِدونَهُ هُنا هو في الحَقيقَةِ أشبَهُ بالقولِ إنَّ المحبَّة نُوْرٌ...شُعاعُ نُورٍ، وأنَّ شُعاعَ النُّورِ هذا يَمُرُّ في مَنْشُورٍ. والمَنشورُ يُفَرِّقُ شُعاعَ النُّورِ الواحِدِ إلى ألوانِهِ. وهذا هُوَ تَمامًا ما يَحدُثُ هُنا. فالرَّسولُ بولسُ يَأخُذُ فِكرةَ المحبَّة ويُمَرِّرُها في المَنْشورِ فَتَنْتَشِرُ في كُلِّ نَاحِيَة وتُعطي خَمْسَةَ عَشَرَ لَونًا مُختلفًا. وهذهِ الألوانُ الخَمسَةُ عَشَر جَميعًا تَصِفُ الكَمالاتِ الَّتي تُكَوِّنُ حَقيقةَ المَحبَّة. فهذا هُوَ نِطاقُ المَحبَّة. المَحَبَّةُ العَامِلَة.
وسوفَ تَرَوْنَ هذهِ الكَمالاتِ الخَمسةَ عَشَر...وبالمُناسَبَة، سوفَ نَتأمَّلُ فيها في الأسابيعِ القليلةِ القَادِمَة لأنَّهُ لا يَجوزُ لَنا أنْ نَتَعَجَّلَ في دراسةِ هذهِ الأمور إنْ كانت أهَمّ شَيءٍ في كُلِّ العالَم. وهذا هو أهَمُّ شَيءٍ في الكنيسة. لِذا، يجب علينا أن نَصرِفَ وَقتًا كافِيًا في التَّأمُّلِ في تَفَرُّدِ كُلٍّ مِنها. وحينَ نَنظُرُ إليها في الأسابيعِ القَليلةِ القادِمَة، سَتَرَوْنَ، كَما أرجو، حَقًّا مُغَيِّرًا لِحَياتِكُم. فسوفَ تَرَوْنَ فِكرةً حَياتِيَّةً بأسرِها مُتَجَسِّدَةً في فِكرةِ المَحبَّةِ هذِهِ يَنبغي أنْ تَجعَلَكُم وأن تَجعلني نَتصرَّفُ بطريقة مُختلِفَة عن تلكَ الَّتي نَتصرَّفُ بها الآن. وقد أثَّرَ ذلكَ فِيَّ أعمَق تأثيرٍ مُنذُ الآن...في هذا الأسبوع. وما أرجوهُ هو أن يَكونَ لَها تأثيرٌ أعظَم.
ويجب أن تَعلموا أنَّ الشَّيءَ المُذهِلَ بخصوصِ هذا الأمرِ، وأنَّ الشَّيءَ الَّذي أَثَّرَ فِيَّ بعدَ أنْ صَرَفْتُ في دراسةِ رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى وقتًا طَويلاً، وبعدَ أن مَضى على تَعليمِها لَكُم أشهُرَ عَديدة وعَديدة وعَديدة حَتَّى الآن، أنِّي اكتَشَفْتُ أنَّ هُناكَ أوساخًا كَثيرةً في حَياتي. أليسَ كذلك؟ بعِبارة أخرى، أنتَ تُخفِقُ هُنا، وتُخفِقُ هُنا، وتَمُرُّ بموقِفٍ بَشِعٍ هُنا، وتَفعلُ أمرًا ليسَ جَيِّدًا هُناكَ، ولا تُحْسِنُ التَّصَرُّفَ في هذا الأمرِ، وتَشعُرُ كما لو أنَّكَ تَتَمَرَّغُ في الوَحْلِ مُنذُ نَحْوِ سَنَة. ثُمَّ إنِّي فَكَّرتُ عندما بَلَغْتُ هذهِ النُّقطةَ تَحديدًا أنَّ هذا الأصحاحَ يُشبِهُ الزَّهرَة. فالأصحاحُ الثَّالِث عَشَر يُشبِهُ الزَّهرةَ الَّتي تَفْرِضُ جَمالَها بالرَّغمِ مِنَ الأترِبَة. ففجأةً، تَأتي إلى الأصحاحِ الثَّالِث عَشَر فَيُزْهِرُ شَيءٌ مَا مِنْ وَسْطِ تُرابِ المَوقِفِ في كُورِنثوس. وإذْ تَنظُرُ إلى هذا الأصحاحِ نَظرةً فاحِصَةً تَرى أمجادَهُ وجَمالَهُ، ولا سِيَّما في الأعداد 4-7. فهو يَفْتَحُ وَحَسْب أُفُقًا رائعًا أمامَكُم.
والآن، إنَّ الأمورَ المَذكورةَ هُنا هي ليست أُمورًا يَعْسُرُ عليكُم أن تَفهَموها، بل هي أُمورٌ لا نُطَبِّقُها أنا وأنتُم. وأنا لا أُريدُ وَحَسْب أن أقولَ لكُم ما تَعنيه هذهِ الآيات. فيُمكِنُكم أن تَقرأوا هذا النَّصَّ بأنفُسِكُم. وهُناكَ تَرجَماتٌ وتَفاسير كثيرة لَهُ. ولكِنِّي أَريدُ أن أُساعِدَكُم على أنْ تَرَوْا طَريقَةَ تَطبيقِ هذا الأمر. والآن، قد لا نَتمكَّنُ مِنَ القيامِ بذلكَ اليوم، ولكنَّنا سنَفعلُ ذلكَ شَيئًا فَشيئًا. وحينَ نَصِلُ إلى الخُلاصَةِ في العَدَدِ السَّابعِ في الأسبوعِ القادِمِ أوِ الَّذي يَليه، سنَرْبِطُ الأشياءَ مَعًا. لِذا، أريدُ مِنكُم أن تُرَكِّزوا جَيِّدًا.
فَلا يَهُمُّ إنْ قَيَّمْتُم هذه العِظَة. والحقيقةُ هي أنَّ ذلكَ لم يَكُن مُهِمًّا يَومًا...بِصَراحَة. ولكِنْ لا يَهُمُّ الآنَ تَحديدًا أن تُقَيِّموا العِظَةَ وتَقولوا: "حسنًا! إنَّ نُقْطَتَهُ الفَرعيَّةَ الأولى، أوِ النُّقطة 1ب، لم تَكُن قويَّة جدًّا"، أو "أنا لم أَفهمِ النُّقطةَ الثَّانية"، وَهَلُمَّ جَرَّا. أو: "يَبدو أنَّهُ غَير مُنَظَّم" أو: "إنَّهُ لم يُقَدِّم مَثَلاً تَوضيحيًّا جَيِّدًا"، أو: "لم يَكُنِ التَّطبيقُ ناجِحًا". لِذا، لا يَهُمُّ أن تُحَلِّلوا ذلك. ولا يَهُمُّ حَتَّى أنْ تَقولوا: "لقد كانتِ العِظَةُ رائعةً. لقد كانت بَديعَةً وَحَسْب. وقد أَحْبَبْتُها حَقًّا". فهذا غيرُ مُهِمٍّ أيضًا. ولكِنَّ الشَّيءَ المُهِمَّ هو أن تُقَيِّموا حَياتَكُم في ضَوْءِ سِماتِ المَحَبَّةِ وأنْ تَفحَصوا أنفُسَكُم. فهذا هُوَ المُهِمُّ. ولا يوجد شيءٌ آخرُ مُهِمٌّ.
فَلا يَهُمُّ أنْ تُحِبُّوا العِظَةَ أو أَلَّا تُحِبُّوها. ولا يَهُمُّ إنْ كانتِ المَعلوماتُ جَديدةً أَم قَديمةً. ولا يَهُمُّ إنْ كانتِ العِظَةُ مُمِلَّةً أو كانت حَماسِيَّةً. ولكِنَّ المُهِمَّ فقط هو أن تُراعي النَّزاهَةَ والصِّدْقَ، وأنْ تُقَيِّمَ حَياتَكَ في ضَوْءِ هذهِ المَبادِئِ، وأنْ تَقول: "أنا أُطَبِّقُ ذلك" أو: "أنا لا أُطَبِّقُ ذلك". فهذا هو الشَّيءُ الوَحيدُ المُهِمُّ. وهذا هُوَ شُعوري تُجاهَ ذلك.
والرَّسولُ بولسُ يَذكُرُ خَمسةَ عَشَرَ مِنْ كَمالاتِ المَحَبَّةِ. وَهُوَ لا يَذكُرُها بأيِّ تَرتيبٍ مَنطقيٍّ مُعَيَّن، بل تَقريبًا وَفْقًا لترتيبِ التَّبايُناتِ الَّتي يَراها مِنْ خِلالِ الفَوضَى الموجودةِ في كنيسةِ كورِنثوس. فَهُوَ يَبتدئُ، على سَبيلِ المِثالِ، بالقَول: "الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى" أو المَحَبَّة تَصْبِرُ طَويلاً. وهَذِهِ مُجَرَّدُ صَفْعَةٍ مُوَجَّهَةٍ إلى الكُورِنثِيِّينَ الَّذينَ كانوا يَفتقرونَ تَمامًا إلى الصَّبْرِ والتَّسامُح. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "المَحَبَّةُ تَرْفُقُ". ولكنَّهُم كانوا يَفعلونَ كُلَّ شَيءٍ آخر ويَفتقِرونَ إلى المَحبَّة. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ". ولكنَّهُم كانوا غَيورينَ وحَسودين. اقرأوا الأصحاحَ الثَّالثَ. فالجُزءُ الأوَّلُ كُلُّهُ مِنْ هذا الأصحاح يَتحدَّثُ عن حَسَدِهم. وكما تَرَوْنَ، فإنَّهُ يُريهم ذلكَ بصَراحَةٍ وَصِدْقٍ قائلاً: "هذهِ هِيَ المحبَّة، وهذهِ هي حَقيقَتُكم. افحَصُوا أنفُسَكُم. واعلَموا أنَّهُ بِحَسَبِ ما هُوَ ظَاهِرٌ الآنَ، لا أهميَّة لِما تَفعلونَهُ لأنَّهُ لا تُوجدُ لديكُم أيُّ مَحبَّة. ولكي تَعلَموا لماذا لا تُوجدُ أيُّ مَحبَّة، سَأصِفُها لَكُم كي تَفحَصُوا حَياتَكُم في ضَوْءِها". وهذا هو الشَّيءُ الوَحيدُ المُهِمُّ كما سَنرى مِنْ دِراسةِ النَّصّ.
وبالمُناسَبة، أوَدُّ أن أُضيفَ ما يَلي: أنَّهُ عندما كانَ بولسُ يَرسِمُ هذهِ اللَّوحَةَ عنِ المحبَّةِ، أعتقدُ أنَّ يَسوعَ كانَ يَجلِسُ أمامَهُ لِيَرسِمَهُ. فهذهِ الأوصافُ تُجَسِّدُهُ. فيُمكِنُنا أنْ نَرْجِعَ بِكُلِّ مَبدإٍ مِن هذهِ المَبادئِ إلى الأناجيلِ وَنَرى أنَّها تَنْطَبِقُ على المَسيحِ لأنَّ هذهِ هي الطَّريقةُ الَّتي يَصِفُ اللهُ بها المَحَبَّة. واللهُ مَحَبَّة. والمَسيحُ هُوَ الله.
لِنَنظُر إلى الصِّفَةِ الأولى. ولن تَجِدوا هُنا أيَّ وَصْفٍ عَميقٍ جدًّا. فأنا مُتيقِّنٌ مِن أنَّكُم تَعرِفونَها، ولكنِ انظُروا إليها نَظرةً جَديدة. فالمحبَّة [كما جَاءَ ابتداءً مِنَ العددِ الرَّابع] "الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى". المَحَبَّةُ صَبورَة. وهذهِ تَرجمة للكلمة اليونانيَّة القَديمة "ماكروثوميئو" (makrothumeo) أو "ماكروثوميا" (makrothumia). وهي كلمة تُستخدَمُ المَرَّةَ تِلو المَرَّةِ تِلوَ المَرَّةِ تِلوَ المَرَّةِ في العهدِ الجديد. وَهِيَ تَصِفُ...اسمَعوني...إنَّها تَصِفُ الصَّبْرَ في التَّعامُلِ معَ النَّاس. فهي ليست كلمةً تَصِفُ الصَّبرَ على الأحوالِ أوِ الأحداث، بل تَصِفُ الصَّبْرَ على النَّاس. فهي القُدرةُ على تَحَمُّلِ أن يُخطِئَ النَّاسُ إليكَ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّةِ تِلوَ المَرَّةِ، وتكونُ لديكَ القُدرةُ على الانتقامِ، ولكنَّكَ لا تُفَكِّرُ في ذلكَ. فهذا هو مَعناها. وقد قالَ يُوحَنَّا فَمُ الذَّهَب، وَهُوَ أحَدُ آباءِ الكَنيسةِ البَاكِرَة: "إنَّها الكلمةُ الَّتي تُستخدَمُ لِوصفِ الإنسانِ الَّذي يُسَيءُ الآخرونَ إليهِ، ويَمتلكُ القُدرةَ على الانتقامِ لنفسِهِ بِسُهولَة، ولكنَّهُ لا يُمْكِنُ أن يَفعلَ ذلك". فهذه هي الكلمة. فهو رُوْحُ عَدَمِ الانتقام. وهي كلمة تَصِفُ الشَّخصَ الَّذي لا يَغْضَبُ البَتَّة.
وكما تَعلمونَ، مِنَ المُدهِشِ أن نُفَكِّرَ في ذلك؛ ولكنَّها فِكرة مَسيحيَّة بَحْتَة. فقد تَقول: "ما الَّذي تَعنيهِ بذلك؟" أعني أنَّهُ في العالَمِ اليُونانِيِّ، على الأقَلِّ في تلكَ المِنطَقة، لم تَكُنِ تِلكَ فَضيلة على الإطلاق، بل كانت تُعَدُّ عَلامَةَ ضَعْفٍ. والحقيقةُ هي أنَّ أرسطو قالَ إنَّ أَسمَى فَضيلة يُونانيَّة هي أن تَرفُضَ احتمالَ أيِّ إهانَةٍ أو إساءةٍ، وأن تَكونُ مُستعدًّا للرَّدِّ على أيِّ إساءَة. وكما تَرَوْنَ، كانت تلكَ فَضيلة. فسوفَ تَكونُ شَخصًا عَظيمًا إنْ رَدَدْتَ الإساءةَ إلى أعدائِكَ. فإنِ انتقَمْتُ لِنفسِكَ حَقًّا، وإنْ كُنتَ مُمتلئًا نَقمةً، فإنَّكَ تُظْهِرُ أنَّكَ إنسانٌ قَويٌّ: "اسمَع يا هَذا، لن تفْلِتَ بِفِعلَتِكَ هَذِه". ونحنُ نَعلَمُ هذا الأسلوب. فنحنُ نُطْلِقُ صِفَةَ الأبطالِ على الأشخاصِ الَّذينَ يَنتقمونَ لأنفُسهِم. فنحنُ نَقول: "كانَ هُناكَ شَخصٌ سَيِّئ. وقد قالَ لَهُ أنْ يَنْصَرِفَ مِن هُنا. وقد كانَ ذلكَ الشَّخصُ يَستحقُّ ذلك". فنحنُ نُفَكِّرُ في أنَّ تلكَ شَجاعَة. ونحنُ نُفَكِّرُ بهذهِ الطَّريقةِ في الأشخاصِ الَّذينَ يُدافِعونَ عن حُقوقِهم ويَجعلونَ الآخرينَ يَندَمون. ثُمَّ إنَّنا نَبتدئُ في سَرْدِ قِصَصِنا البُطوليَّة: "أَذكُرُ أنِّي عندما التقيتُ ذلكَ الشَّخص أنِّي قُلتُ لَهُ كذا وكَذا". فهذه بُطولَةٌ في نَظَرِنا. ولكِنْ في نَظَرِ اللهِ، إنَّها النَّقيضُ التَّامُّ للمَحبَّة. فالمحبَّةُ لا تَنتَقِم.
وهذا مَفْهومٌ جَديدٌ بالنِّسبةِ إلى اليُونانِيِّين. فالمَسيحيُّ شخصٌ مُحِبٌّ. لِذا فإنَّ المَسيحيَّ شخصٌ تُوَجَّهُ إليهِ الإساءةُ والإهانَةُ والأذِيَّةُ، ويَملِكُ القُدرةَ على الانتقامِ لنفسِهِ، ولكنَّهُ لا يَفعلُ ذلك. فهو لا يَفعلُ ذلك. والكلمة تَعني حَرفيًّا: "طُوْلُ الأنَاةِ". طُولُ الأناةِ. فَهُوَ طَويلُ الرُّوح. ويُمكِنُكم أن تَدرُسوا كُلَّ العهدِ الجديدِ، وأن تَدرُسوا هذه الكلمةَ المَرَّةَ تِلو الأخرى لأنَّها تَرِدُ مَرَّاتٍ كثيرة. وقد قالَ بولُسُ إنَّها كانت سِمَةً مِن سِماتِ قَلبِهِ هُوَ شَخصيًّا (في رسالة كورِنثوس الثَّانية 6: 6). وقد قالَ إنَّها ينبغي أن تَكونَ صِفَةً في كُلِّ مُؤمِن (في رسالة أفسُس 4: 2) إذْ إنَّهُ يَنبغي لكُلِّ شخصٍ أن يَتَّصِفَ بالتَّوَاضُعِ وَالوَدَاعَةِ وَطُوْلِ الأَنَاةِ. وقد قالَ بولسُ إنَّها واحِدة مِنْ ثَمَرِ الرُّوحِ. أليسَ كذلك؟
والآن، إذا أردتُم قُدوَةً تَحْتَذونَ بِها، ليسَ مِنَ الصَّعبِ عليكم أن تَجدوا واحِدةً. فاللهُ طَويلُ الأناةِ. فنحنُ نَقرأُ في رسالة رُومية 2: 4 أنَّ الشَّخصَ الَّذي يَرفُضُ نِعمةَ اللهِ هو في الحَقيقةِ...وهذه طَريقة بَسيطة لِقَولِ ذلك..."يَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ". فالشَّخصُ الَّذي يُديرُ ظَهْرَهُ دائمًا للهِ هو شَخصٌ يَسْتَهينُ بصَبْرِ اللهِ، وطُولِ أناتِهِ. فاللهُ طَويلُ الأناةِ.
وفي رسالة بُطرس الثَّانية والأصحاحِ الثَّالث، نَقرأُ أنَّ اللهَ "يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ [يَفعلَ ماذا؟] "أنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ". لِذا، إنْ كُنتُم تَبحثونَ عن شخصٍ طَويلِ الأناةِ، إنَّهُ اللهُ. وقد تَقول: "ولكِنْ مِنَ الصَّعبِ أن أتمثَّلَ في حَياتي باللهِ. فهو شَيءٌ مُجَرَّدٌ جدًّا". حسنًا. وماذا عنِ المَسيح؟ فعندما كانَ الرَّبُّ يَسوعُ المَسيحُ مُعَلَّقًا على الصَّليبِ، وبعدَ أنِ احْتَمَلَ كُلَّ ما احتَمَلَهُ، لم يَقُلْ في حَقِّ مَنْ قَتلوهُ سِوى الكلماتِ التَّالية: "يَا أَبَتَاهُ" [ماذا؟] "اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ". ثُمَّ إنَّ هُناكَ قُدوةً أخرى. فقد تَقول: "مِنَ الصَّعبِ عَليَّ أنْ أَقتَدي بيسوعَ أيضًا". حسنًا، ما رأيُكَ في أنْ تُجَرِّبَ الاقتِداءَ باستفانوس؟ فهو إنسانٌ أَرْضِيٌّ تمامًا. ففي الأصحاحِ السَّابِعِ مِنْ سِفْرِ أعمالِ الرُّسُلِ والعَدد 60، كانَ استفانوس يَتلقَّى الحِجارَةَ الَّتي يَرجُمونَهُ بها ويقول: "يَا رَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ". وَإِذْ قَالَ هذَا رَقَدَ. فقد كانَ طَويلَ الأناةِ، ولم يَسْعَ إلى الانتقامِ، أوْ إلى رَدِّ الإساءةِ بِمِثلِها. ولم يَكُن مُرَّ النَّفسِ، ولا يُضْمِرُ عَداوَةً، ولا يَرُدُّ الصَّاعَ صَاعَيْن.
وهل يُمكِنُكم أن تَتخيَّلوا كيفَ ستكونُ الكنيسةُ إنْ فَعَلَ جَميعُ المُؤمِنينَ ذلك؟ أيْ إنْ لم يَنتَقِم أيُّ شخصٍ لنفسِه؟ وهل يُمكنكَ أن تَتخيَّلَ كيفَ سيكونُ بَيتُك؟ فإنْ حَدَثَ في بيتِكَ أنَّ زَوجَتَكَ فَعلت شيئًا لا تُحِبُّهُ فقُلتَ بِصَمْتٍ: "سوفَ أُريها! سأُريها إنْ كانت ستَسمَعُ كَلِمَةً أُخرى مِنِّي. وسأُريها إنْ كانت ستَشتري ذلكَ الفُستانَ الجَديد! وسوفَ أتأخَّرُ على العَشاءِ اللَّيلة حَتَّى يَبرُدَ الطَّعام. أجل!" إنَّهُ رُوْحُ الانتقام. ولكِنَّ هذه ليست مَحَبَّة. أليسَ كذلك؟ فالمحبَّة يُمكِنُها أن تَحْتَمِلَ الإساءةَ تِلوَ الإساءةِ تِلوَ الإساءةِ مِن دونِ أن تَسعى إلى الانتقام. فهذا هو وَصْفُ المَحبَّة.
هُناكَ شَخصٌ يُدعَى "روبرت إنغيرسول" (Robert Ingersoll)، وَهُوَ مُلْحِدٌ ذَكيٌّ جدًّا (إنْ كانَ يَجوزُ لَنا أنْ نَصِفَ أيَّ مُلْحِدٍ بأنَّهُ ذَكِيٌّ). وقد عاشَ في القَرنِ الماضي. وقد تَوَقَّفَ، كما اعتادَ أن يَفعلَ، في مُنتصفِ واحدةٍ مِن مُحاضَراتِهِ الَّتي يُنْكِرُ فيها الله، ونَزَعَ ساعَتَهُ مِنْ يَدِهِ ورَفَعَها أمامَ جُمهورِهِ وقال: "سوفَ أُعطي اللهَ خَمسَ دَقائِق كي يُميتَني على الأشياءِ الَّتي قُلتُها". فقد كانَ مُعتادًا على السُّخريةِ بهذهِ الطَّريقةِ مِنَ اللهِ. وهو لم يَمُت. وقد سَرَدَ أحدُ الأشخاصِ هذهِ الحادثةِ على المُؤمِنِ العَظيمِ "ثيودور باركر" (Theodore Parker)، فابتسمَ "باركر" وقالَ ما يَلي: "وهل ظَنَّ هذا الرَّجُلُ أنَّهُ يَستطيعُ أنْ يَستَنْزِفَ صَبْرَ اللهِ الأبديِّ في خَمْسِ دَقائق؟"
فاللهُ طَويلُ الأناةِ. أليسَ كذلك؟ وألا تَفرحونَ بذلك؟ فلو لم يَكُن كذلك، لَكُنتُم قد زُلْتُم مِنَ الوُجودِ قبلَ وَقتٍ طويل. وكذلكَ أنا. فالنَّاسُ يَقولون: "ولكنَّ فُلانًا أساءَ إليَّ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّة". أجل! ولكِنَّ اللهَ يَستطيعُ أن يَقولَ ذلكَ أيضًا. أليسَ كذلك؟ فَكِّروا في بَني إسرائيل...في تَاريخِ بَني إسرائيل...في سِجِلِّ المحبَّةِ الصَّبورةِ الَّتي مَارَسَها اللهُ معَ شَعبٍ مُتمرِّدٍ، وعَاصٍ، وخاطِئ، وغيرِ وَفِيِّ. وقد تَقول: "أجل". أجل! ولكِن قبلَ أن تَقولوا ذلكَ بصوتِ عَالٍ، يَبدو ذلكَ شَبيهَا بسيرَتي الذَّاتيَّة أيضًا. فلو أنَّ اللهَ لم يَكُن طَويلَ الأناةِ لكُنَّا قد هَلَكْنا قبلَ وقتٍ طويل. ولكِنَّ اللهَ طَويلُ الأناةِ. وهذه سِمَة قويَّة للمحبَّة.
وكما تَعلمونَ، عندما تَتعامَلونَ معَ أشخاصٍ صَبورينَ فإنَّ ذلكَ يَترُكُ تأثيرًا هائلاً فيكُم، ولا سِيَّما عندما لا يَكونُ هُناكَ انتِقامٌ. وهُناكَ قِصَّة عن ذلكَ تَختصُّ بِـ "أبراهام لِنكِن" (Abraham Lincoln). فقد كانَ لِـ "أبراهام لِنكِن" أصدقاءٌ كُثُر ومَجموعة مِنَ الأعداء. وكانَ هُناكَ رَجُلُ صَارَ يُجاهِرُ بِعداوَتِهِ لَهُ اسْمُهُ "ستانتون" (Stanton). ولعَلَّ بَعضًا مِمَّنْ دَرَسوا التَّاريخَ مِنكُم يَذكرونَهُ. فقد كانَ "ستانتون" يَحْتَقِرُ "لِنْكِن". والحقيقةُ أنَّهُ كانَ يُلَقِّبُهُ في المَطبوعاتِ بالمُهَرِّجِ الوَضيعِ الحَقير. وذاتِ مَرَّة، نَعَتَهُ بأنَّهُ غوريلا أصليَّة، وإنَّهُ مِنَ السُّخْفِ أنْ يَذهبَ النَّاسُ إلى إفريقيا في مُحاولةِ جاهدةٍ للعُثورِ على غوريلا في حين أنَّهُ بمقدورهم أن يَعثروا على واحدة بسهولة في "سبرينغفيلد" (Springfield) بولاية "إلينوي" (Illinois). فقد كانَ شَديدَ المَرارَةِ مِنْ نَحْوِ "لِنكِن". ولكِنَّ "لِنكِن" لم يَرُدَّ عليهِ يَومًا، ولم يَقُل يَومًا كَلمةً ضِدَّه. ثُمَّ حانَ الوقتُ لاختيارِ وَزيرٍ للحَربيَّة لِحُكومة الولاياتِ المُتَّحِدَة. فما كانَ مِنْ "لِنكِن" إلَّا أنِ اختارَ "ستانتون". وقد سألَهُ أحَدُ الأشخاصِ: "لماذا؟" فأجابَ: "لأنَّهُ أفضلُ رَجُل".
مَرَّتِ السَّنواتُ وقالَ كَاتِبُ السِّيرةِ الذَّاتيَّة ما يَلي: "في اللَّيلةِ الَّتي أَنْهَتْ فيها رَصاصَةُ الاغتيالِ حَياةَ لِنكِن، في تلكَ الغُرفةِ الصَّغيرةِ الَّتي حُمِلَ إليها جَسَدُ الرَّئيس، وَقَفَ ستانتون نَفسُهُ، ونَظَرَ إلى وَجْهِ لِنْكِن الصَّامِت بِكُلِّ صَلابَتِهِ، وقالَ والدُّموعُ تَنْهَمِرُ مِنْ عَينيهِ الكلماتِ التَّالية: "هُنا يَرْقُدُ أعظَمُ حَاكِمٍ بَشَرِيٍّ عَرَفَهُ العَالَم". فمعَ أنَّهُ لم يَقبَل يَومًا آراءَ "لِنْكِن" السِّياسيَّةَ، فإنَّهُ لم يَتمكَّن مِن مُقاومةِ طُوْلِ أناتِه. وهو لم يَتمكَّن مِن مُقاومةِ رُوْحِ عَدَمِ الانتقامِ عندَ هذا الرَّجُل. وهُناكَ أُغنيةٌ تَقول: "يَقْتُلُها بِرِقَّةٍ بِسَبَبِ لُطفِهِ". إنَّهُ الصَّبْر.
والمَحبَّةُ تَغفِرُ "إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ" عندما يَتلقَّى الإنسانُ إساءَةً. وَهذا يَقودُنا إلى الصِّفَةِ الثَّانيةِ وَهِيَ: الرِّفْق. وهذا هوَ الجانِبُ الآخَر. استَمِعوا إلى ما يَلي الآن: طُوْلُ الأناةِ تَحتَمِلُ إساءاتِ الآخرينَ، والرِّفْقُ يَرُدُّ لهم ذلكَ بأعمالٍ صَالِحَةٍ فقط. فَطولُ الأناةِ تقول: "سوفَ أحْتَمِلُ أيَّ شَيءٍ مِن أعدائي". واللُّطفُ يَقولُ: "سوفَ أُقَدِّمُ أيَّ شَيءٍ [إلى مَنْ؟] إلى أعدائي كي أَسُدَّ حاجَتَهُم". فهذا هو لُبُّ الأمرِ. فاللُّطفُ هو الجانبُ الآخرُ وَحَسْب. والكلمة اليونانيَّة هي: "مُفيد". أيْ: "سوفَ أفعلُ أيَّ شَيءٍ يُفيدُ عَدُوِّي، وأيَّ شَيءٍ قَد يُفيدُ الشَّخصَ الآخَر. وسوفَ أعيشُ حَياتي لِمَنفعةِ الآخرين". فهذا هو ما يَقولُهُ. فالمحبَّةُ تُدرِكُ أهميَّةَ استخِدامِ ذاتِها لأجلِ الآخرين. والمحبَّة مُفيدة للأشخاصِ الآخرين. فهي ليسَت شيئًا مُجَرَّدًا. وهي ليسَت صِفَة، بل هي مُمارَسَةُ اللُّطْفِ. وَهِيَ مُمارَسَةُ السَّخاءِ. وَهِيَ الفِعلُ الَّذي تَقومُ بِهِ لأجلِ شخصٍ آخر يَحتاجُ إلى ذلك.
وعندما نَقرأُ أنَّ المَحَبَّةَ تَرْفُقُ فإنَّ الآيةَ لا تَتحدَّثُ عنِ المَوقِفِ الحُلْوِ، بل تَتحدَّثُ عنْ عَمَلٍ مُفيدٍ لشخصٍ آخر. فالمحبَّةُ تَبْذُلُ نَفسَها لأجلِ مُساعدةِ شخصٍ مَا، حَتَّى لو كانَ عَدُوًّا. فعندما قالَ يَسوعُ: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ"، لم يَقُل: "اشعُروا بمشاعِرَ طَيِّبَة مِنْ نَحْوِهِم". بل كانَ يَقولُ بِبَساطَة: "اعمَلوا أعمالاً جَيِّدةً لأجلِ أعدائِكُم". وقد كانَ "لِنكِن" يَفهَمُ رُوحَ المحبَّة. أليسَ كذلك؟
وبولُسُ لا يُصَوِّرُ المَحبَّةَ هُنا في بيئة مِثاليَّة بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال. فهذه ليسَت مَجموعة رائعة مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ يَشعرونَ بمشاعِر دافئة وصَداقة رائعة، بل هُمْ أشخاصٌ قُساةٌ في كنيسةِ كورِنثوس. وَهُوَ يَقول: "في البيئةِ الصَّعبةِ للكنيسةِ الخاطئةِ والأنانيَّةِ، وفي البيئةِ الصَّعبةِ للعالَمِ الشرِّيرِ الَّذي يَترُكُ آثارًا سَلبيَّةً في المحبَّة، هذهِ هي البيئةُ الَّتي تُشْرِقُ فيها المحبَّةُ الحَقيقيَّةُ بِكُلِّ مَعنى الكلمة".
والآن، مَرَّةً أُخرى: هل نَرى أيَّ نَماذِجَ على رِفْقِ المَحَبَّةِ، أو على المَحبَّةِ الَّتي تَفعَلُ الخَيرَ للآخرين؟ اللهُ بِكُلِّ تأكيد. أليسَ كذلك؟ اللهُ بِكُلِّ تأكيد. وهذا واضِحٌ مِن خلالِ رِسالة رُومية 2: 4 الَّتي قَرأتُها لكم قبلَ قَليل عن صَلاحِ اللهِ وَلُطْفِ اللهِ مِنْ نَحْوِنا. فاللهُ يَفعلُ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّةِ أمورًا نَافِعَةً حَتَّى لأعدائِهِ. أليسَ كذلك؟ وكما تَعلمونَ، في الرِّسالَةِ إلى تِيطُس، هُناكَ آية تَقولُ ما يَلي في الأصحاحِ الثَّالِثِ مِنَ رِسالةِ تيطُس والعَدَدِ الرَّابِع: "وَلكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ ". فاللهُ لَطيفٌ. واللهُ يَفعَلُ أُمورًا لَطيفَةً.
ونَقرأُ في رِسالةِ بُطرسَ الأولى 2: 3: "إِنْ كُنْتُمْ قَدْ ذُقْتُمْ أَنَّ الرَّبَّ صَالِحٌ". والكلمة "صَالِحٌ" هي نَفسُ الكلمة. فاللهُ صَالِحٌ وَحَسْب. وَهُوَ لا يَفعَلُ سِوى الصَّلاح. وَهُوَ يَفعلُ أمورًا نَافِعَةً. وَهُوَ يَفعلُ أُمورًا تُساعِدُ النَّاسَ.
ثُمَّ هُناكَ الرَّبُّ يَسوعُ. وأنا أُحِبُّ ما جَاءَ في إنجيل مَتَّى 11: 30. فقد قالَ يَسوعُ: "اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي...لأَنَّ نِيرِي [ماذا؟] هَيِّنٌ". والكلمة "هَيِّنٌ" في اللُّغةِ اليونانيَّةِ هي نَفسُ الكلمة المُتَرجَمَة "تَرْفُق" في رِسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 13. فيسوعُ يَقولُ بِبساطَة: "تَعالَوْا إليَّ فأُظهِرُ لَكُمْ اللُّطْفَ". وهي فِكرة رائعة. وهذه هي النِّعمةُ الَّتي تَقدِرُ أنْ تَشفي جِراحَ العالَم. وهذه هي النِّعمةُ الَّتي تَقدِرُ أنْ تَشفي الجِراحَ في عائِلَتِك.
واسمَحوا لي أن أسألَكُم، أيُّها الآباءُ والأُمَّهاتُ: هل أنتُم لُطَفاءَ بَعضُكُم تُجاهَ بَعضٍ؟ وما أعنيه هو: هل أنتُم لُطَفاء حَقًّا؟ فهل أوَّلُ شَيءٍ تُفَكِّرونَ بِهِ هُوَ: "ماذا يَسَعُني أن أفعلَ لِنَفْعِ شَريكِ حَياتي، ولِمُساعَدَتِهِ، ولِخَيرِهِ؟" أو: "ماذا يَسَعُني أن أفعلَ لشريكِ حَياتي بعدَ أن أغاظَني؟" أو: "كيفَ يُمكِنُني أن أرُدَّ غَضَبَهُ بِلُطف؟" أو "كيفَ يُمكِنُني أن أرُدَّ إساءَتَهُ بشيءٍ مُفيدٍ ونافِعٍ يَحتاجُ إليه؟"
واسمَحوا لي أن أطرَحَ عليكُم السُّؤالَ التَّالي أيُّها الآباءُ والأُمَّهات هل أنتُم لُطَفاءَ تُجاهَ أولادِكُم؟ وهل يَشعُرُ أولادُكُم بِرِقَّتِكُم؟ وهل تُضَحُّونَ مِنْ أجلِ القيامِ بأمورٍ مُعَيَّنة لأجلِهم؟ وأنا لا أَعني بذلكَ أنْ تُفْسِدوهُم بِسببِ لُطفِكُم، بل أعني أن تَفعَلوا أمورًا لَطيفَةً تُجاهَهُم. فهل تَسيرونَ الميلَ الآخَرَ أَم أنَّكُم لا تُكَلِّفونَ أنفُسَكُم العَناء؟ وهل أنتُم مُستعدِّونَ للقيامِ ببِضعِ تَضحياتٍ لِمُساعَدَتِهم؟ فكما تَعلمونَ، إنَّ هذهِ الأمورَ عَمليَّة حَقًّا في مَنزِلِنا. "شِئتَ أَمْ أَبَيْتَ يا أبي، سَاعِدني في واجِباتي المَدرسَّة". فهذا هو ما يَحْدُثُ في بَيتِنا. فابني يَقولُ لي: "أبي، أَلا ساعَدتَني في الدِّراسةِ للامتحان؟" وَمِنَ اللُّطفِ أن أفعلَ هذا. أليسَ كذلك؟ لأجلِهِ. فَهذِهِ هِيُ خُلاصَةُ الأمر. وهذا هُوَ لُبُّ الموضوع. فالمحبَّة تَرْفُق. وهي تَشفي الجُروح. وهي تَنتَظِرُ بِصَبْر. وهي تَحتَمِلُ كُلَّ شَيء. وهي لا تَرُدُّ الإساءَةَ بِمِثلِها، بل تَرَدُّ الإساءةَ بالإحسان.
فالمحبَّةُ تُشبِهُ رَجُلَيْنِ التَقَيا في طَريقٍ ضَيِّقٍ يُحيطُ بِهِ جَبَلٌ مِنَ اليَسارِ وجُرْفٌ مِنَ اليَمين. والطَّريقُ ضَيِّقٌ جدًّا. فكيفَ سَيَعبُرُ كِلاهُما في اتِّجاهَيْنِ مُتقابِلَيْن؟ إنَّهُ صِدامٌ! وقد حاوَلَ كُلٌّ مِنهُما أنْ يَتَخَطَّى الآخَرَ وَيَعْبُر، ولكِنَّ تلكَ المُحاولة لم تُفْلِح. راحَ كُلٌّ مِنهُما يَحُكُّ رأسَهُ. ثُمَّ إنَّ أحدَهُما لم يَقُل شَيئًا، بل انطَرَحَ أرضًا وَسَمَحَ للآخَرِ أن يَدوسَ عليهِ ويَعْبُرَ مِن فَوقِه. وهذه هي المَحبَّة لأنَّ المحبَّةَ تَجعَلُكَ لا تُبالي إنْ عَبَرَ الآخَرونَ فَوقَكَ مَا دَامَ ذلكَ يُفيدُ شَخصًا آخر. وهذا هُوَ الرُّوحُ الَّذي كانَ بُولُسُ يَسْعَى إلى تَحقيقِهِ في كنيسةِ كورِنثوس. فهو يَقول: "إنْ خَدَمْتُم وَحَسْب بِطريقةٍ خالِيَةٍ مِنَ الانتقامِ، وبطريقةٍ مُفْعَمَةٍ بالتَّضحيةِ بالذَّاتِ، وبِدونِ أن تَرُدُّوا الإساءَةَ بالإساءَةِ، بل باللُّطفِ وَحَسْب، حينئذٍ، ستَعني مَواهِبُكُمُ الرُّوحيَّةُ شَيئًا".
ثُمَّ نَأتي إلى الصِّفَةِ الثَّالثةِ في هذا المَقطَعِ الجَميلِ عنِ المحبَّة. لاحِظُوا العَدَدَ الرَّابعَ مَرَّةً أخرى: "الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ". فالحَسَدُ شَيءٌ سَيِّئٌ. وهُناكَ كَلِمَة أخرى تُشيرُ إلى الحَسَد، وهي تَبتدئُ بِحَرْفِ "الغَيْن". ما هي؟ الغَيْرَة. وهُناكَ نَوعانِ مِنَ الحَسَد. وقد فَكَّرْتُ مَلِيًّا في ذلك. فهُناكَ نَوعانِ رَئيسيَّان مِنَ الغَيْرَة. الأوَّلى هي غَيْرَة سَطْحِيَّة. والثَّانية غَيْرَة عَميقَة، وغائِرَة، وعَفِنَة، وذاتُ رائِحَةٍ نَتِنَة. والحَقيقةُ هي أنَّ شِكسبير يُسَمِّي الحَسَدَ "المَرَضُ الأخضَر". فهذا هُوَ أَصْلُ الكَلِمَة. وقد وَصَفَ سُليمانُ الحَسَدَ بأنَّهُ "نَخْرُ العِظامِ". وهُناكَ مَثَلٌ لاتينيٌّ قَديمٌ يَقولُ إنَّ الحَسَدَ عَدُوُّ الشَّرَف. وهُناكَ شَخصٌ آخرُ اختارَ أنْ يُسَمِّي الحَسَدَ: "بَلِيَّة الحَمْقَى". الحَسَد. ولكِنْ يَوجَدُ نَوعانِ مِنَ الحَسَد:
فالغَيرَةُ السَّطحيَّةُ تَقولُ: "أُريدُ الحُصولَ على مَا لَديكَ". "كم كُنْتُ أَتمنَّى أنْ أَحصُلَ على ذلك!"، أو "لِماذا أَمْلِكُ هذهِ السَّيَّارةَ القَديمة في حينِ أنَّهُ يَملِكُ سَيَّارةً حَديثَة؟" فَكما تَعلمونَ، أنا أنظُرُ إلى جَاري وأقول: "ما الَّذي يَجري؟ فأنا أَقودُ سَيَّارَةً قَديمَةً مِنْ نَوْع "كورد" (Cord) صُنِعَتْ في سَنة 1932. ما الَّذي يَجري؟" بعبارة أخرى، لِماذا أحصُلُ على الأشياءِ السَّيِّئَة؟ وكيفَ يَستطيعُ أنْ يَشتري سَيَّارَةً كهذه؟ فَهُوَ لا يَجْني مَالاً أكثرَ مِنِّي! والنَّاسُ يَرَوْنَني أقودُ سَيَّارَتي في الحَيِّ ولا يَعتقدونَ أنِّي نَاجِحٌ. وإنْ قُمْتُ بإصلاحِها وَطِلائِها، سيَعلَمونَ أنِّي أُحاوِلُ أن أَبدو نَاجِحًا!" أليسَ كذلك؟ إنَّها الغَيْرَة. "أنا أريدُ أن أحصُلَ على ما لَديه". ولكِنَّ هذا ليسَ أعمَق مُستوى. فالمُستوى الأعمَقُ يَقول: "أتمنَّى لو أنَّهُ لم يَحصُل على ذلك". أليسَ كذلك؟ ففي البِداية، تُريدُ مَا لَديهِ. ثُمَّ إنَّكَ تَمْتَعِضُ مِن حُصولِهِ عليه. وقد قالَ "باركلاي" (Barclay): "في ذِهنِهِ، هذه حَقارة حَتَّى نُخاعِ العَظم". فهذه غَيْرَة عَميقة لأنَّها لا تَقتَصِرُ على أنَّكَ تُريدُ ما لَدى الآخرين، بل إنَّكَ لا تُريدُ حَتَّى أن يَحصُلوا عليه. والقيامُ بذلكَ سَهْل.
فَمِنَ السَّهلِ أن تَشعُرَ بالغَيْرَة. اسمَعوني! فقد يُعطيني شَخص شَريطًا ويَقول: "جون! لديَّ هذا الشَّريطُ الرَّائِع. يجب عليكَ أن تَسمَعَ هذا الواعِظَ. إنَّهُ رائِعٌ". وأنا أَضَعُهُ هُناكَ وأقول: "آه، إنَّهُ ليسَ سَيِّئًا، ولكنِّي سَمِعْتُ وُعَّاظًا أفضَلَ مِنه". عَجَبًا! إنَّها الأنا القَديمَة. أَتَرَوْن؟ وإنْ كانَ جَيِّدًا حَقًّا، سيكونُ مِنَ الصَّعبِ عليَّ أن أتعامَلَ مَعَ الموقِف. أتَرَوْن؟ فهُناكَ وُعَّاظٌ كثيرونَ أفضلَ مِنِّي، ولكنِّي لا أَشتري أَشْرِطَةَ عِظاتِهم. فلا يُمكِنُني أن أحتَمِلَ ذلك. كَلَّا، إنَّ هذا ليسَ صَحيحًا تَمامًا. وأريدُ مِنكُم أن تَعلموا ذلك.
ولكِنَّكُم تَفهمونَ المَبدأ، وتَفهمونَ الشَّيءَ الَّذي أتحدَّثُ عنه. فَمِنَ الصَّعبِ جِدًّا أن تَفْرَحَ عندما يَتفوَّقُ شخصٌ عليكَ في الشَّيءِ الَّذي تَقومُ به. وأَذكُرُ عندما كُنتُ رِياضيًّا كَمْ كانَ مِنَ الصَّعبِ أن أُنافِسَ شخصًا أَعلمُ أنَّهُ أفضل مِنِّي. فأنتَ تَتَمَنَّى أن يَكسِرَ سَاقَهُ، أو تَقول: "لِماذا تَزَوَّجَ أَبوهُ تلكَ المرأةَ وأنْجَبا هذا الطِّفلَ البَارِع جدًّا؟" أو: "لِماذا لم يُصَبْ بِشَلَلِ الأطفالِ عندما كانَ صَغيرًا أو شَيئًا مِن هذا القَبيل؟" حَقًّا! فقد تَخطُرُ بِبالِكَ أفكارٌ غَريبَة. فَهُوَ ليسَ شَيئًا لا نَفْهَمُهُ حينَ نَتحدَّثُ عنِ الغَيْرَة، بل إنَّنا نَفهَمُهُ.
والكَلِمَة الأصليَّة تَعني حَرفيًّا في اللُّغَةِ اليونانيَّةِ: "يَغلي". فهي تُشيرُ إلى الغَلَيانِ الدَّاخِلِيِّ، والغَيْظِ، والسَّخَطِ بسببِ نَجاحِ شَخصٍ مَا، أو بسببِ جَمالِ شخصٍ مَا. وهذا هو تَمامًا ما كانَ أهلُ كورِنثوسَ يَفعلونَهُ. انظُروا إلى الأصحاحِ الثَّاني عَشَر والعَدد 31. هل تَذكرونَ هذهِ الآية؟ وهي بِصيغةِ الأمرِ في التَّرجمةِ الإنجليزيَّة. فقد تَرجَموها بَصيغةِ الأَمْر: "وَلكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الْحُسْنَى". وهل تَذكرونَ أنِّي بَيَّنْتُ لَكُم أنَّ هذِهِ يُمكِنُ أن تُتَرْجَمَ بصيغةِ الإثبات؟ وأنَّهُ مِنَ الأفضلِ أن تُتَرْجَمَ هكذا: "ولكِنَّكُم تَجِدُّونَ في طَلَبِ المَواهِبِ المُبَهْرَجَةِ"؟
وهل تُريدونَ أن تَسمَعوا شَيئًا مُدهشًا يُؤيِّدُ ذلكَ الرَّأيَ الَّذي قَدَّمتُهُ لكم؟ إنَّ الكلمة المُتَرجَمة "جِدُّوا" في العَدد 31 والكلمة المُتَرجَمة "تَحسِد" في العَددِ الرَّابعِ مِنَ الأصحاح 13 هي نَفسُ الكلمة تَمامًا. فهي نَفسُ الكلمة تَمامًا في اللُّغة اليونانيَّة. لِذا فإنِّي أَميلُ إلى صِيغَةِ النَّفْيِ في تَرجَمَةِ العَدد 31. فَهُوَ لا يَقولُ: "جِدُّوا لِمَواهِبَ مُعَيَّنة"، بل يَقولُ: "المُشكلةُ ل َديكُم هي أنَّكُمْ تَغيرونَ مِنْ مَواهِبَ مُعَيَّنَة". فهي نَفسُ الفِكرَة. فقد كانوا حَسُودين. وإنْ كُنتُم تَشُكُّونَ في ذلك، يُمكنكم أن تَنظُروا إلى الأصحاحِ الثَّالثِ مِن رسالةِ كورِنثوسَ الأولى والعَدَدِ الثَّالثِ إذْ نَقرأُ: "لأَنَّكُمْ بَعْدُ جَسَدِيُّونَ. فَإِنَّهُ إِذْ فِيكُمْ حَسَدٌ". فأنتُم تَحْسِدون (كورِنثوس الأولى 3: 3). فهُناكَ حَسَدٌ وَخِصامٌ. وأنتُم تُعانونَ بسببِ ما وَصَفَهُ سُليمانُ في سِفْرِ الأمثال 14: 30 بأنَّهُ "نَخْرُ العِظَام".
ولكِنَّ المحبَّةَ لا تَحْسِد. فعندما تَرى المَحَبَّةُ شَخصًا ناجِحًا، وعندما تَرى المحبَّةُ شخصًا يَحْظَى بالشَّعبيَّة، وعندما تَرى المحبَّةُ شخصًا ذَا نُفوذٍ أوْ غِنَى أو جَمالٍ أو مَوهبةٍ فإنَّ المَحبَّةَ تَفرَحُ لأجلِهِ وتَفرَح. وأنا أُفَكِّرُ دائمًا في رِسالةِ فيلبِّي والأصحاحِ الأوَّل. فَعَقلي يَذهبُ حالاً إلى ذلكَ المَقطَعِ لأنَّ بولسَ هُنا كانَ مَسْجونًا، ولكنَّهُ يَكتُبُ قائِلاً: "أجَل، أنا في السِّجْن". وَهُوَ يَقولُ: "هُناكَ شُبَّانٌ كارِزونَ يأتونَ، والنَّاسُ يَقبَلونَهُم. وهُناكَ فِئَة مِن هؤلاءِ الكِارِزينَ الشَّبابِ يَقولونَ: ’إنَّ السَّببَ في وُجودِ بولسَ في السِّجْنِ هو أنَّ الِقطارَ فَاتَهُ، وأنَّهُ عَتيقُ الطِّرازِ، وأنَّهُ أَفْسَدَ خِدمَتَهُ، وأنَّهُ لم يَعُدْ نَافِعًا لخِدمةِ الرَّبِّ. لِذا فقد وَضَعَهُ الرَّبُّ على الرَّفّ‘". وَهُوَ يَقولُ: "أجل، هُناكَ مَنْ يُنادونَ بالمَسيحِ عَنْ تَحَزُّبٍ، ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يُضِيفُونَ إِلَى وُثُقِي ضِيقًا". بعبارة أخرى، لا يَكفي أنَّني في السِّجْنِ، بل إنَّهُم يُريدونَ أن يَجْعَلوا آلامي أكثَرَ إيلامًا".
"وَما هُوَ رَدِّي عَليهم؟ هل أَغارُ لأنَّهُمْ في بُؤرَةِ الضَّوْءِ؟ وهل أَغارُ لأنَّهُم الجِيلُ الجَديدُ مِنَ الكَارِزين؟ وهل أَغارُ لأنَّهُم يَفعلونَ ما كُنتُ أفعَلُهُ، ولكنَّهُم يَحصُلونَ على كُلِّ الزُّهورِ والتَّصفيق؟ كَلَّا". وَهُوَ يَقولُ: "غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلَّةٍ أَمْ بِحَقّ يُنَادَى بِالْمَسِيحِ، وَبِهذَا أَنَا أَفْرَحُ". وكما تَرَوْنَ، هذا هو الرُّوحُ الَّذي لِسانُ حَالِهِ هُوَ: "أنا لا أَحْسِدُ أُناسًا يَفعلونَ ما أفعَل، حَتَّى لو كانوا يَفعلونَ ذلكَ أفضلَ مِنِّي، وحَتَّى لو حَصَلوا على مَديحٍ أكثرَ مِنِّي". فالمحبَّةُ تَفْرَحُ وَحَسْب بِنَجاحِهم وَنَفْعِهم.
وكما تَرَوْنَ، فإنَّ نَقيضَ المَحَبَّةِ هُنا (أيِ الغَيْرَة) هي شَيءٌ مُدَمِّرٌ جدًّا. وإنْ رَجُعْتُم إلى الوراءِ ستُدركونَ أنِّي ابتدأتُ دَرْسَ كِتابٍ صَغيرٍ عن هذا الموضوعِ في هذا الأسبوعِ ثُمَّ تَوقَّفْتُ بعدَ بِضْعِ دَقائِق لأنِّي أَدركتُ أنَّ تلكَ الدِّراسَةَ ستَستَغرِقُ شَهرًا كَامِلاً. ولكنِّي كُنتُ أُحاوِلُ أن أُبَيِّنَ الخَطايا المُقتَرِنَة بالغَيرَة. لِذا فقدِ ابتدأتُ بأوِّلِ خَطيَّة. وهل تَعلمونَ ما هي؟ الغَيْرَة. فالشَّيطانُ يَقولُ لِحَوَّاء؟ "أَلا تُريدينَ أن تَصيري مِثلَ..." [مَنْ؟] "...الله؟" "بَلى، أُريد ذلكَ بِكُلِّ تأكيد. فَلِماذا يَكونُ آدَمُ مِثلَهُ وأنا لا؟ أريدُ أن أكونَ مِثلَ الله". وقد دَفَعَتِ الغَيْرَةُ حَوَّاءَ إلى اقترافِ الخطيَّةِ فَسَقَطَ الجِنسُ البَشريُّ.
والخَطيَّةُ التَّاليةُ الَّتي تَرَوْنَها في الكتابِ المقدَّسِ بعدَ تلكَ هي القَتل. فقد قَتَلَ قَايينُ أخاهُ هَابيل لأنَّهُ كانَ ماذا؟ غَيورًا. فقد كانَ غَيورًا لأنَّ اللهَ قَبِلَ ذَبيحَتَهُ (أيْ ذَبيحَةَ هَابيل) ولم يَقْبَل تَقْدِمَتَهُ هُوَ. وبعدَ قَليل، تَقرأونَ عَنْ مَجموعةٍ مِنَ الإخوة. وقد كانَ هُناكَ أَخٌ مُعَيَّنٌ بَينَهُم اسمُهُ "يُوسُف". وقد بَاعوهُ عَبْدًا لأنَّهُمْ كانوا يَغارونَ مِنه. وقد فَكَّرْتُ آنَذاكَ في أنَّ هذهِ السِّلسلةَ سَتَطول. فأنا مَا زِلْتُ في سِفْرِ التَّكوين. ثُمَّ إنِّي فَكَّرتُ في العهدِ الجديدِ وفَكَّرْتُ في مَثَلٍ تَوضيحيٍّ واحدٍ فقط. ويُمكِنُني أن أُقَدِّمَ لَكُم عَشَراتِ الأمثِلَة. فقد عادَ الابْنُ الضَّالُّ إلى البيت فَذَبَحَ الأبُ العِجْلَ المَسَمَّنَ، ووَضَعَ خَاتَمًا في إصْبَعِهِ، وأَلْبَسَهُ ثَوْبًا، وأقامَ لَهُ وَليمَةً. ونَقرأُ عنِ الأخِ الأكبَر: "فَغَضِبَ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَدْخُلَ". لِماذا؟ بسببِ الغَيرَة.
ونَقرأُ في سِفْرِ الأمثال 27: 4: "اَلْغَضَبُ قَسَاوَةٌ وَالسَّخَطُ جُرَافٌ، وَمَنْ يَقِفُ قُدَّامَ الْحَسَد؟" فالحَسَدُ كَراهِيَةٌ لا عِلاجَ لَها. والحَسَدُ يُدَمِّرُ دَاخِلَ الإنسان.
وقد كانَ لَدى يَعقوب ما يَقولُهُ عنِ الغَيْرَةِ والحَسَد. وَهاتانِ كَلِمتانِ مُرادِفتانِ إحداهُما للأُخرى...على الأقَلِّ في ذِهني. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ يَعقوب 3: 14: "وَلكِنْ إِنْ كَانَ لَكُمْ غَيْرَةٌ مُرَّةٌ وَتَحَزُّبٌ فِي قُلُوبِكُمْ، فَلاَ تَفْتَخِرُوا". فإنْ كانَ لَكُم مَرارَةٌ وَحَسَدٌ وتَحَزُّبٌ في قُلوبِكُم، لا يُوجَد ما تَفتَخِرونَ بِه. وَهُوَ يَقولُ: "لَيْسَتْ هذِهِ الْحِكْمَةُ نَازِلَةً مِنْ فَوْقُ، بَلْ هِيَ أَرْضِيَّةٌ نَفْسَانِيَّةٌ شَيْطَانِيَّةٌ". شَيطانِيَّة. "لأَنَّهُ حَيْثُ الْغَيْرَةُ وَالتَّحَزُّبُ..." [في العدد 16] "لأَنَّهُ حَيْثُ الْغَيْرَةُ وَالتَّحَزُّبُ، هُنَاكَ التَّشْوِيشُ وَكُلُّ أَمْرٍ رَدِيءٍ". وقد فَكَّرْتُ في نَفسي قائلاً: "ها هي الخُلاصَةُ، يا أحبَّائي: كُلُّ أمْرٍ رَديءٍ يَنْبُعُ مِنَ الحَسَدِ والغَيرَة".
فَمِنَ الصَّعبِ أنْ تَتَغَلَّبَ على هَذِهِ المَشاعِر. أليسَ كذلك؟ فعندما يَحصُلُ شَخصٌ في مَكانِ عَمَلِكَ على تَرقيةٍ وأنتَ لا، وعندما يَفعلُ الشَّخصُ المُجاوِر لكَ شَيئًا أفضلَ مِنكَ...وأريدُ أن أقولَ لكم إنِّي اختَبَرْتُ ذلكَ في المَدرسة. فأنتَ تَجتَهِدُ كَثيرًا، ولكِنَّ جَميعَ الطَّلبةِ الآخرينَ يَحصُلونَ على عَلاماتٍ أفضلَ مِنكَ! وأنتَ تَشعُرُ بالغَيْرَة. وهذا يَسري على كُلِّ جانِبٍ مِنْ جَوانِبِ الحَياة. ولكِنَّ الشَّيءَ الوَحيدَ الَّذي يَستطيعُ أن يَتغلَّبَ على هذهِ المَشاعِر هو المَحبَّة.
وأنا أُبايِنُ بينَ المَحَبَّةِ وَالحَسَدِ بالطَّريقةِ التَّالية: كانَ هُناكَ مَلِكٌ اسمُهُ شَاوُل. وكانَ لِشاوُل ابْنٌ اسمُهُ يُونَاثان. حسنًا؟ والآن، لقد كانَ شَاوُلُ مَلِكًا؛ أيْ شَيئًا عَظيمًا. ورُبَّما كانَ يُونَاثانُ هُوَ وَريثُ العَرش. ثُمَّ جَاءَ مُرَنِّمٌ عِبرانِيٌّ أشقَرُ الشَّعرِ اسمُهُ داوُد. وَهُوَ لم يَكُن مُرَنِّمًا وَحَسْب، بل كانَ قد قَتَلَ أَسَدًا، وقَتَلَ شخصًا عِملاقًا، وكانَ شَخصًا وَسيمًا، وفَصيحًا، وشاعِرًا، ومُوسيقيًّا مُبْدِعًا، ومَوهوبًا في مَجالاتٍ عديدة. ولكِنَّ شاوُلَ كانَ يَقولُ: "لَيتَهُ لم يَتَمَتَّع بهذهِ الشَّعبيَّة! لا أُطيقُ كُلَّ هذِهِ المَواهِب! فَهُوَ مُجَرَّدُ شخصٍ واحِد!" وَهَلْ تَعلمونَ ماذا حَدَث؟ لقد أَبغَضَ شاوُلُ داوُد. أليسَ كذلك؟ فقد أَبغَضَهُ. فقد أبغَضهُ بسببِ قُدُراتِهِ، وأبغَضَهُ بِسَبَبِ خَطَرِ أَنْ يَؤولَ العَرْشُ إلى داوُد. لِذا فقد قامَ شاوُلُ، في لَحْظَةِ غَضَب، بِرَمْيِ رُمْحِهِ على دَاوُد وحَاوَلَ أنْ يُصيبَهُ. أليسَ كذلك؟
ولكِنْ كانَ يُوجَدُ شَخصٌ آخر في العائلة وَهُوَ يُونَاثان. وكانَ يُونَاثانُ هُوَ وَلِيُّ العَهْدِ المُرْتَقَب. ونحنُ لا نَعرِفُ أيَّ شَيءٍ تَحديدًا عن يُوناثان. صحيحٌ أنَّنا نَعلَمُ أنَّهُ كانَ يُتْقِنُ إطلاقَ السِّهامِ، ولكِنَّ هذا هُوَ كُلُّ ما نَعرِفُهُ عنهُ. فنحنُ لا نَعرِفُ أيَّ شَيءٍ عن قُدُراتِهِ الموسيقيَّةِ، أو عن فَصاحَتِهِ، أو أيَّ شيءٍ آخَر عنه. ولكِنْ أتَعلمونَ شَيئًا؟ نَجِدُ شَيئًا واحِدًا في الكتابِ المقدَّسِ وَهُوَ أنَّ يُوناثانَ لم يَغَرْ يَوْمًا مِنْ داوُد. وقد تَقول: "ولكنَّهُ لم يَكُنْ لَديهِ ما يَخْسَرُهُ مِثلَ شَاوُل". بَلَى، كانَ لَديه. فيجب أن تَتذكَّروا أنَّهُ كانَ يُمْكِنُ أنْ يَصيرَ مَلِكًا هُوَ أيضًا. فَرُبَّما كانَ العَرْشُ سَيَصيرُ مِنْ نَصيبِهِ. ولكِنْ هل تَعلمونَ ماذا يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ عن يُوناثان؟ نَقرأُ في سِفْرِ صَموئيلَ الأوَّل 20: 17...استَمِعوا إلى ما جاءَ في هذا العَدد إذْ نَقرأُ أنَّهُ أَحَبَّ دَاوُدَ كَما كانَ يُحِبُّ نَفْسَهُ".
والآن، ما الَّذي صَنَعَ الفَرْقَ بينَ شاوُل ويُوناثان؟ المَحبَّة. فقد كانَ شاوُلُ يَغارُ، وأمَّا يُوناثانُ فَلا. لأنَّ يُوناثان كَانَ مُحِبًّا. والمحبَّةُ لا تَحْسِد. فالحَسَدُ كَراهِيَةٌ لا دَواءَ لَها.
لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُخبِرُنا أنَّهُ لا يُوجدُ مَكانٌ في حياةِ المُؤمِنِ لذلك...البَتَّة. ولكِنَّ الشَّيطانَ سيُحاوِلُ أنْ يُثيرَ غَيْرَتَنا. وهذا دَهاءٌ مِنْه. فأنتُم لا تَظُنُّونَ أنَّ الغَيْرَةَ شَيءٌ سَيِّئٌ جدًّا، ولكنَّها نَخْرٌ في العِظام. وأنا أُحارِبُها. ونحنُ جَميعًا نُحارِبُها. فنحنُ نَنظُرُ إلى الخَطايا الخارجيَّةِ الظَّاهرةِ والواضحةِ، ولكِنَّ خَطيَّةَ الغَيْرَةِ تلكَ يُمْكِنُ أنْ تَنْخُرَ نَخْرًا وتُفْسِدَ القَلبَ. فقد تَغارُ مِن مَلابِسِ شَخصٍ آخر، أو مِن شَكلِه، أو مِن عَمَلِه، أو مِن عُذوبَةِ صَوتِهِ، أو مِن أيِّ شيءٍ آخر.
وإليكُم هذا المَثَل التَّوضيحيّ: سَرَدَ "أوسكار وايلد" (Oscar Wilde) ذاتَ يَومٍ قِصَّةً. وهي ليست قِصَّةً حَقيقيَّة، بل إنَّها مِنْ بَناتِ أفكارِه. ولكنَّها تُوَضِّحُ المَعنى المَقصود. فقد قالَ إنَّ الشَّيطانَ كانَ يَعْبُرُ الصَّحراءَ اللِّيبيَّة. وفي أثناءِ مُرورِهِ بِها التَقى مَجموعةً كبيرةً مِن أعوانِهِ الشَّياطينِ يَعملونَ جاهِدينَ على إعثارِ نَاسِكٍ. وكانَ هذا النَّاسِكُ قِدِّيسًا. فقد كانَ مُفْرَزًا مِنَ الكنيسةِ، وكانَ قد نَذَرَ نَذرًا، وكانَ نَاسِكًا تَقِيًّا جدًّا. لِذا فقد كانَ يَعيشُ في وَسْطِ الصَّحراءِ اللِّيبيَّة. وقد رَفَضَ كُلَّ مُغْرِياتِ العَالَمِ، وحَمَلَ صَليبَهُ، وذَهَبَ إلى الصَّحراء. وكانَ هؤلاءِ الشَّياطينُ يُحاولونَ جاهِدينَ أن يُعثِروهُ، ويُحاولونَ جاهِدينَ أن يُوقِعوا هذا النَّاسِكَ العَجوزَ في التَّجرِبَة. وكانوا يَعمَلونَ على ذلكَ بِكُلِّ ما أُوْتُوا مِنْ دَهاء. ثُمَّ جَاءَ الشَّيطانُ. ويَقولُ "وايلد" ما يَلي: "لقد قَاوَمَ الرَّجُلُ القِدِّيسُ بِثَباتٍ كُلَّ مُحاولاتِهم. فَهُمْ لم يَنجَحوا، ولم يَتمكَّنوا مِن إيقاعِهِ في الخطيَّة. وأخيرًا، بعدَ أن شَاهَدَ الشَّيطانُ إخفاقَهُم وأَبْدَى امْتِعاضَهُ مِنْهُم، هَمَسَ إليهِمْ قائلاً: "ما تَفعلونَهُ بِدائيٌّ جدًّا. أَمهِلوني لَحظةً فقط". ثُمَّ إنَّ الشَّيطانَ هَمَسَ في أُذُنِ الرَّجُلِ التَّقِيِّ قائِلاً: "لقد تَمَّ تَعيينُ أخيكَ أُسقُفًا على الإسكندريَّة!" ويقولُ "وايلد" إنَّ غَيْرَةً شَديدةً سَرَتْ في أَوْصالِ ذلكَ النَّاسِكِ وظَهَرَتْ مَلامِحُها على وَجْهِهِ. فقالَ الشَّيطانُ: "هذا هو الأسلوبُ الَّذي أُوْصي بِهِ".
هل فَهِمتُم المَعنى المَقصود؟ فَالشَّياطينُ قد لا تَتمكَّنُ مِن إغوائِنا بِفِعْلِ أُمورٍ مُعَيَّنة، ولكنَّها قد تَنْجَحُ في جَعْلِنا نَفعلُ شيئًا آخر. وإثارَةُ غَيْرَتِنا هو أُسلوبٌ فَعَّال. فلا توجد طريقة أفضَل مِن هذهِ لإيقاعِ الإنسانِ في التَّجرِبَة. فيَكفي أنْ تَجْعَلَ شَخصًا أَقَلَّ مِنهُ شَأنًا، أو مِنْ نَفسِ مُستواه، يُحَقِّقُ نَجاحًا أكثَرَ مِنْه. وحينئذٍ، انظُر إلى ما سيَحدُثُ لَهُ.
يُحْكَى أنَّ مُؤلِّفَيْنِ مُوسيقيَّيْنِ عَظيمَيْنِ للسِّيمفونيَّاتِ وَهُما "توسكانيني" (Toscanini) و "ماسكاني" (Mascagni) كانا يَعيشانِ في إيطاليا. وكانَ الجَميعُ يَعلَمُ أنَّ "ماسكاني" (إنْ كُنتُم قد قَرأتُم عنهُ يَومًا) يَمتلِكُ شَخصيَّةً مُريعَةً. فَهُوَ مُتَكَبِّرٌ، ومُنْتَفِخٌ، وشخصٌ لا يُطاق. وسوفَ أُخبِرُكم في الأسبوعِ القادِمِ عن شَيءٍ فَعَلَهُ. فقد أَهْدى واحدةً مِن مَقطوعاتِهِ المُوسيقيَّةِ لِنَفسِه. فَهُوَ شخصٌ مُريعٌ حَقًّا. وقد قالَ إنَّهُ يُهْديها لِنَفسِهِ "بِتَقديرٍ شَديد". وعلى أيِّ حال، كانَ "ماسكاني" يَمْقُتُ "توسكانيني" لأنَّهُ لم يَكُن هُناكَ أحدٌ مِثلَ "توسكانيني". فَتُوسكانيني هو "توسكانيني". أليسَ كذلك؟ وكانَ هُناكَ مَهرَجانٌ...مَهرجانٌ مُوسيقيٌّ في مِيلان (Milan) بإيطاليا لإكرامِ المُؤلِّفِ الموسيقيِّ "فيردي" (Verdi). وكانتِ اللَّجنةُ المَسؤولةُ عن تَنظيمِ المَهرجانِ تُناقِشُ ما إذا كانت سَتُوْكِلُ المَسؤوليَّةَ إلى "توسكانيني" أو "ماسكاني" لقيادةِ الأوركسترا. وكانَ "ماسكاني" يَغارُ جدًّا مِن "توسكانيني". وكانَ ذلكَ واضحًا جدًّا. وكانَ الجميعُ يَعلَمُ ذلكَ حَتَّى إنَّهُ لم يَكُن يُحاوِلُ إخفاءَ غَيْرَتِه. لِذا فقد قال: "سوفَ أقودُ الأوركسترا بِشَرْطٍ واحِد: أنْ تَدفعوا لي مَبلغًا أكبرَ مِنَ الَّذي ستَدفعوهُ لتوسكانيني". وافقتِ الإدارةُ. وفي خِتامِ المَهرَجان، حَصَلَ ماسكاني على أَجْرِهِ: ليرة واحدة. فقد كانَ "توسكانيني" يَقودُ الأوركسترا مَجَّانًا. وهكذا فقد جَعَلَ ماسكاني مِن نَفسِهِ أُضحُوكَةً.
ولكِنَّ الشَّخصَ المُحِبَّ يَفرَحُ بِتَفَوُّقِ الآخرين. أَتَرَوْنَ ذلك؟ فَالشَّخصَ المُحِبَّ يَفرَحُ بِتَفَوُّقِ الآخرين، وبِجَمالِ الآخرينَ، وبازدهارِ الآخرينَ، وبِنَجاحِ الآخرين، وبمواهِبِ الآخرينَ مِنْ دُونِ أنْ يُضْمِرَ أيَّ غَيْرَة.
وأنا أَنظُرُ إلى يَسوعَ فأرى ذلكَ مَرَّةً أخرى. فأنا أَرى لُطْفَهُ. أليسَ كذلك؟ هل تَرَوْنَ لُطْفَهُ حينَ يُساعِدُ امرأةً خاطئةً ويُظْهِرُ مَحَبَّتَهُ لَها؟ وهل تَرَوْنَهُ يَتألَّمُ وَيَقولُ على الصَّليبِ: "اغْفِرْ لَهُم"؟ وهل تَرَوْنَ أنَّهُ لم يَكُنْ يُضْمِرُ أيَّ غَيْرَةٍ حينَ قَالَ: "أَنَا لَسْتُ أَطْلُبُ مَجْدِي، بل..." [ماذا؟] "...بَلْ مَجْدَ الَّذي أَرسَلَني". وقد قال: "كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأتِ لِيُخْدَمَ بَلْ..." [ماذا؟] "...بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ".
فالمَحبَّةُ تَتَأنَّى. والمَحَبَّةُ تَقومُ بأعمالِ الإحْسان. والمَحبَّةُ لا تَحْسِدُ البَتَّة. وهذهِ هي البِدايَةُ وَحَسْب. دَعونا نُصَلِّي:
مِنَ المُنْعِشِ حَقًّا، يا أبانا، أن نُقَيِّمَ حَياتَنا في ضَوْءِ هذهِ الصِّفاتِ الرَّائعةِ للمحبَّةِ وأنْ نَرى رَوْعَتَها. ولكِنْ في الوقتِ نَفسِهِ، مِنَ المُحْبِطِ إلى حَدٍّ مَا أنْ نَرى مِقدارَ بُعْدِنا عن هذهِ الصِّفاتِ، وكيفَ أنَّنا نُكافِحُ كي نَرى بُرْهانًا واحدًا فقط على وُجودِها في حَياتِنا. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ، يا رَبُّ، مِنَ المُعَزِّي مَرَّةً أخرى أنْ نَعلَمَ أنَّكَ أعطيتَنا مَحَبَّتَكَ وَرُوحَكَ كي نَمْتَلِكَ القُدرةَ على تَطْبيقِ هذِهِ الحَقائِق. وهذا هُوَ شَوْقُ قُلوبِنا: أنْ يَتَمَجَّدَ المَسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
