رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح الحادي عشر. وسوف نَتأمَّل في هذا الصَّباح في الأعداد مِن 17 إلى 34. رسالة كورنثوس الأولى 11: 17-34. وهذا جزء مُهمٌّ جدًّا في العهد الجديد لأنَّه يتحدَّث عن الاحتفال بمائدة الربِّ. فهو يَختصُّ بالشَّركة. فالأشخاص الَّذينَ مَضى على إيمانهم وقتٌ كافٍ، أو يَأتون إلى الكنيسة منذ زَمن يُدركون الأهميَّة الَّتي تُوليها الكنيسة لِفَريضَتَيْن مُحَدَّدَتَيْن: الأولى هي المعموديَّة، والثانية هي مائدة الربّ أو الشَّركة. والسَّبب في أنَّنا نُولي أهميَّة كبيرة لهاتَيْن الفَريضَتَيْن هو أنَّهما أمران أَوصانا الرَّبُّ نَفسُه أن نَفعلهما. فهما فَريضتان للكنيسة. وكلٌّ منهما أُعطيت بأمرٍ ووصيَّة ونموذج مِن ربِّنا يسوعَ المسيح. لذا فإنَّنا نُولي أهميَّة كبيرة للمعموديَّة، وأهميَّة كبيرة لمائدة الرَّبّ. والحقيقة هي أنَّني أشعر حقًّا بمشاعر قويَّة تُجاه هاتين الفَريضتين لأنَّ مُمارستهما تَدُلُّ على الطَّاعة حتَّى إنَّني أعتقد أنَّه ينبغي للمؤمن أن يَشُكَّ في طاعته الشَّخصيَّة إن لم يكن مُطيعًا في هَذَيْن الجانبَيْن.
أحيانًا، قد نجد صعوبة في معرفة ما يريد اللهُ مِنَّا وفي إطاعتنا له. ولكن لا توجد صعوبة في مُمارسة هَاتَيْن الفَريضَتَيْن لأنَّ الربَّ يقول: "اعتمدوا، وتَذكَّروا مَوتي مِن خلال مُمارسة عشاء الرَّبّ". وأرجو أنَّنا نفعل ذلك في حياتنا؛ لا فقط عندما نَجتمع معًا للقيام بذلك هنا، بل أيضًا مِن خلال دراستنا للكتاب المقدَّس، ومِن خلال مجموعات الشَّركة، وفي بيوتنا، ومع عائلاتنا، ومع أصدقائنا، وفي المجموعات الَّتي نشترك معها ونَلتقيها. فهذا جزء مُهمٌّ مِن الاختبار المسيحيّ. ولا يجوز أن يكون عُنصرًا مفقودًا، ولا أن يَكونَ مُهمَلاً. ولا يجوز أن تُمارَس هذه الفريضة في عُجالة في نهاية خدمة يوم الأحد أيضًا. ولا يجوز أن يكون طَقْسًا رَسميًّا، بل يجب أن يكون جُزءًا لا يَتجزَّأ مِن حياة المؤمن. وأودُّ أن أُشجِّعكم في هذا الجانب.
وسوف نَتشجَّع، في اعتقادي، في أثناء تأمُّلنا في الأعداد مِن 17 إلى 37 في هذا الأسبوع والأسبوع القادم بكلِّ تأكيد، وفي أثناء مُناقشتنا لما يقوله بولس. واسمحوا لي أن أُقدِّم لكم خلفيَّة صغيرة لكي تَعلموا أين نحن فيما يَختصُّ بهذا المقطع. نحن ندرس رسالة كورنثوس الأولى. وقد كُنَّا ندرس التَّعَدِّيات الَّتي حدثت في الكنيسة في كورنثوس. وفي واحدٍ مِن تلك التَّعدِّيات، وهو تَعَدٍّ كبير وجَسيم حقًّا، كان الأمر يَختصُّ بمائدة الربّ. فقد جَعلوا مائدةَ الرَّبِّ... سَواء صَدَّقتُم ذلك أَم لم تُصَدِّقوه... لقد جعلوها وَليمةً يأكلونَ فيها بشراهة ويَسكرون. وهذه هي المُشكلة الَّتي يَكتُب بولس لمُعالجتها في الأصحاح 11 والأعداد 17-34 ... في نهاية الأصحاح. فهو مُنزعج جدًّا جدًّا، ويَستخدم عبارات قويَّة جدًّا لتقويم ما كانوا يَفعلونه. وهو يقول في الحقيقة إنَّ الأمر خطير جدًّا حتَّى إنَّ الله تَحَرَّكَ في الرَّعيَّة وأَماتَ العديدَ مِن أعضائها. والحقيقة هي أنَّ اللهَ عاقبهم بالموت بسبب ما فعلوه بمائدة الربّ. فهو أمر جَسيم جدًّا. وهو يقول إنَّ أشخاصًا منهم مرضوا، وإنَّ أشخاصًا منهم أصابهم الضُّعف. لذا، يَجدر بكم أن تحرصوا على فعل شيء بهذا الشَّأن.
وبسبب أهميَّة هذا الموضوع، يجب علينا أن نَفهم شيئًا عن عشاء الرَّبّ. لِذا، لنرجع في التَّاريخ قليلاً. ففي اللَّيلة الَّتي سَبَقتْ مَوتَ ربِّنا يسوعَ المسيح، اجتمعَ الربُّ بتلاميذه في العِليَّة ليأكلوا وجبةَ الفِصح. ووَفقًا للتَّاريخ، كان اليهود يَجتمعون في تلك الفترة المُحَدَّدة مِن التَّاريخ ليأكلوا الفصح. وكان الفصح وجبة خاصَّة وضعها الله احتفالاً بتحرير بني إسرائيل مِن مِصر. ولعَلَّكم تَذكرون أنَّ بني إسرائيل كانوا مُستعبدين في مِصر مُدَّةً تزيد عن 400 سنة. وقد قَرَّر اللهُ أخيرًا أن يُحرِّرَهم ويأتي بهم إلى أرض كَنعان الَّتي ستصيرُ أرضًا لهم... أرض المَوعِد. وقد ابتدأ في تَخليصهم مِن خلال مجموعة مِن الضَّرَبات المُصَمَّمة لإرخاء قَبضة فِرعون عليهم كي يَسمح لهم بالمغادرة. وأخيرًا، عندما حدثت الضَّرْبة الأخيرة المُتَمَثِّلة في مَوتِ الأبكار في كلِّ أرض مصر، قال فرعون: "خُذ شَعبكَ واخرجوا". وكانت الطَّريقة الوحيدة الَّتي يستطيع بنو إسرائيل مِن خلالها أن يَنْجوا مِن ملاك الموت الَّذي كان مُزمِعًا أن يَقتُل كلَّ بِكْرٍ في كلِّ بيت هي أن يَذبحوا حَمَلاً، وأن يَأخذوا دَمَ الحَمَل ويَجعلونه على القائمَتَيْن والعَتَبَة العُليا في البيوت، وأن يأكلوا الحَمَلَ مع خُبْزٍ فَطيرٍ، وأشياء أخرى، وبِضع أعشاب في وجبة الفِصْح هذه. لذا فقد أكلوا وجبةً وقَدَّموا ذبيحةً لله، ووضعوا الدَّمَ على الباب فَعَبَرَ الملاك. وقد كان هذا هو المِفتاحُ لتحرير بني إسرائيل مِن مِصر.
وعندما يُريد الإسرائيليُّون، أو عندما يريد اليهود أن يَرجعوا بذاكرتهم إلى الوراء ويَتذكَّروا اللهَ وتخليصَه لهم، أي أن يَتذكَّروا اللهَ بصفته مُخلِّصًا، وأن يَتذكَّروا اللهَ بصفته فاديًا، فإنَّهم يتذكرَّون دائمًا اللهَ الَّذي خَلَّصَهم مِن العبوديَّة في مِصر. وقد وَضَعَ اللهُ الفِصْحَ ليكون احتفالاً سنويًّا وتَذكارًا. وَهُوَ ما يزال كذلك حتَّى اليوم: الفِصْح اليَهوديّ. فما يزال اليهودُ اليوم يَتذكَّرون ذلك كنُقطة اتِّصال مع الله المُخلِّص؛ وهذا أمر مأساويٌّ لأنَّه يجب عليهم أن يَروا الصَّليبَ في هذه الرِّحلة إلى الوراء؛ ولكنَّهم يُفَوِّتونَهُ تَمامًا.
ولكن في تلك اللَّيلة الَّتي سَبَقت موت يسوع، بينما كان التَّلاميذ يأكلون وجبة الفِصْح، في إطار ذلك العيد القديم الَّذي كان يُقامُ تَذكارًا لفداء الله لإسرائيل مِن العبوديَّة في مصر، أخذ يسوعُ تلك الوجبة وجَعلَها وجبةً جديدة. فقد أخذ كأسًا مِن وجبة الفصح، وأخذ خُبزًا مِن وجبة الفِصح وأَحْدَثَ نَقلةً هائلةً حين قال: "هذه الكأس هي دمي، وهذا الخُبز هو جسدي. وهذا شيء جديد تَصنعونه لِذِكري". والآن، عندما ننظر إلى نُقطة الفداء العظيمة في التَّاريخ، نحن لا ننظر إلى مِصر، بل ننظر إلى الجُلجُثة. فنحن لا نَنظر إلى الدَّمِ المَرشوش على قوائم الأبواب وعَتَباته، بل نَنظر إلى الدَّم الَّذي سُفِكَ على الصَّليب. فهذه هي نُقطة التَّواصُل مع قُدرة الله الفادية والمُخلِّصة. وهذا هو ما كان يسوعُ يَفعَلُه في تلك اللَّيلة قبل موته. فقد كان يُغَيِّر عيدَ الفِصح ويَجعَلُه شَرِكَة.
لِذا، بالنِّسبة إلى المؤمن المسيحيّ فإنَّ الفِصْحَ ليس مُهمًّا. صحيحٌ أنَّه مِن المهمِّ أن ندرس عنه وأن نَفهمه، وما إلى ذلك؛ ولكن بالنِّسبة إلينا فإنَّ مائدةَ الرَّبِّ هي الذِّكرى الَّتي أَسَّسَها المسيحُ نفسُه. ونحن لم نَعُد ننظر الآن إلى رموز الفداء في مصر، بل ننظر إلى المَرموز إليه في الفداء؛ أي إلى مَنْ تَحَقَّقَ فيه الفداء في شخص الرَّبِّ يسوعَ المسيح عندما مات على الصَّليب، وسَفَكَ دمَهُ، وطَهَّرَنا مِن خطايانا.
في إنجيل مَرقُس 14: 22، نَرى لمحةً صغيرةً مِمَّا كان يفعَلُهُ رَبُّنا. فالآية مَرقُس 14: 22 تقول ما يلي: "وَفِيمَا هُمْ يَأكُلُون". وماذا كانوا يأكلون؟ لقد كانوا يأكلون وجبة الفِصْحِ وَفقًا للتَّقليد اليهوديّ المُعتاد. "وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ، أَخَذَ يَسُوعُ خُبْزًا وَبَارَكَ وَكَسَّرَ، وَأَعْطَاهُمْ وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا، هذَا هُوَ جَسَدِي»". والآن، لقد رأينا حقيقة أنَّه لم يكن يعني أنَّ هذا هو جسده بالمعنى الحَرفيِّ، بل أنَّه رمز. "ثُمَّ أَخَذَ الكَأسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ، فَشَرِبُوا مِنْهَا كُلُّهُمْ. وَقَالَ لَهُمْ: «هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيد..." [أي: الميثاق الجديد]. فهذا يوم جديد. وهذا فَجْر جديد. فنحن لا نرجع إلى الذِّكريات والرُّموز القديمة والعهد القديم، بل إنَّ هذا العهد هو شيء جديد. فهذا هو الميثاق الجديد أو العهد الجديد. فالمعنى واحد. "...الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لاَ أَشْرَبُ بَعْدُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ جَدِيدًا فِي مَلَكُوتِ الله»".
والآن، إنَّ هذا الكلام مُدَوَّن في إنجيل مَتَّى، ومَرقُس، ولوقا، وهناك تَلميح إليه في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 13. وقد عَلَّقَ عليه بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورِنثوس والأصحاح 11. لذا، في كلِّ الأناجيل الأربعة، نجد إشارة إلى ذلك المساء وذلك العشاء الأخير في العِليَّة عندما أخذَ يسوعُ وجبة الفِصح وجَعَلَها شَرِكة. والآن، لقد صار ذلك هو الاحتفالُ المُعتاد في حياة الكنيسة الباكرة. ولأنَّ المسيحَ يُريد أن يكون الصَّليب هو النُّقطة المَركزيَّة في تأسيس هذا العشاء، فقد أَعطى الكنيسة طريقةً تُتيح لهم باستمرار أن يَتذكَّروا موتَه. وهذا هو تمامًا ما فَعلتهُ الكنيسة الباكرة.
وسوف يساعدنا الأصحاح الثَّاني مِن سِفْر أعمالِ الرُّسُل في رؤية ذلك. لاحظوا العَدَدَيْن 41 و42 مِن سِفْر أعمالِ الرُّسُل والأصحاح الثَّاني. فنحن نَقرأ في سِفْر أعمالِ الرُّسُل 2: 41: "فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا...". وقد حدث ذلك تَجاوُبًا مع رسالة بُطرس الَّتي قَدَّمها في يوم الخمسين. "...وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ..." - أي أنَّهم انضمُّوا إلى الأشخاص الَّذين كانوا قد آمنوا مِن قَبْل بالمسيح – "...نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ". وكانت هذه هي ولادة الكنيسة. "وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى..." أربعة أشياء. فهناك أربعة أشياء احتفلت بها الكنيسة الباكرة بحياتها: أوَلاً، "تَعْلِيم الرُّسُل"؛ أي التَّعليم واللاَّهوت والتَّعليم الَّذي تَلَقَّاه الرُّسُل إعلانًا مِن الله. و"الشَّرِكَة"؛ أي الخدمة والقيام بالواجبات والمسؤوليَّات المُلقاة على عَاتِق المؤمنين في إطار المُجتمع المسيحيّ. و"كَسْر الخُبْز". وأنا أعتقد أنَّ ذلك هو خُطوة مُتقدِّمة حتَّى عن الشَّركة، وأنَّه يَشمل عشاءَ الرَّبِّ لأنَّه في اللَّيلة الَّتي تَعَرَّضَ فيها يسوعُ للخِيانة، "أخذَ خُبزًا... [وماذا؟] وكَسَّرَ، وقال..". وكَسْرُ الخُبز يَضُمُّ [في اعتقادي] عشاءَ الرَّبِّ؛ مع أنَّه أَوسَعُ نِطاقًا مِن ذلك كما سأشرح بعد قليل. وأخيرًا، "الصَّلَوَات". فهذه هي الأبعادُ الأربعة في حياة الكنيسة الباكرة: التَّعليم، والخدمة، والشَّركة مع الربِّ الحيِّ الَّذي مات لأجلهم، والصَّلاة.
وهذه الأشياءُ يُلَمَّحُ إليها تَلميحًا في العدد 46: "وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ". ومِن الواضح أنَّهم كانوا يَجتمعون هناك للتَّعليم (أو تَعليم الرُّسُل) على الأرجح. "وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ الْخُبْزَ فِي الْبُيُوتِ، كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ بِابْتِهَاجٍ وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ". والفِكرة هنا [مَرَّةً أخرى] هي أنَّكم تَكسِرون الخبزَ، وتَشتركونَ فيما بينكم، وتُصَلُّونَ أيضًا.
لِذا، في حياة الكنيسة ... لاحظوا أنَّهم كانوا يُواظبون كلَّ يوم على كسر الخُبز. ووَفقًا لقناعتي (أنا وعددٌ كبيرٌ مِن عُلماء الكتاب المقدَّس والمؤرِّخين في هذه الفترة)، فإنَّ الكنيسةَ الباكرة كانت تَحتفل بمائدة الربِّ بصورة دائمة. والحقيقة، لا ينبغي أن نَتعجَّب إن كانوا يَحتفلون بمائدة الربِّ في كلِّ وجبةٍ يأكلونها – في خِتامِ تلك الوجبة. فهذا ليس أمرًا مُستحيلاً، بل ربَّما كان هذا هو الاحتمال الأكبر. والعبارة "كَسْر الخُبْز" المذكورة في العدد 42 لها مَعنى تاريخيّ يَختلف عن موت المسيح. فهي عبارة تُشير إلى عادة فِلسطينيَّة في الاشتراك في وجبة طعام. فقد كان مِن المُعتاد في تلك الأيَّام أن يَجتمع النَّاس للشَّركة حول مائدة مُستديرة. وَهذا ما يزال يحدث حتَّى اليوم. وكان مِن المألوف في تلك الفترة أن يأتي النَّاسُ ويأكلوا معًا.
والآن، عندما يَدعو أحدٌ أشخاصًا إلى العشاء، أنتُم تَعلمون كيف يَجري الأمر. فأنتم تضعون الطَّعام على الطَّاولة فيبقى في مكانه بعض الوقت. ثُمَّ يَنظر الجميع بعضُهم إلى بعض بانتظار إشارة البدء. وأنت تحاول أن تَفهم ما إذا كانَ المُضيفونَ يُصَلُّون في هذا البيت، أو ما إذا كانوا لا يُصَلُّون، أو ما إذا كان ينبغي لنا أن نُمسك بعضُنا بأيدي بعض ونُرَنِّم تَرنيمةَ شُكر، أو ما إذا كُنَّا سنجلس أو نقف، أو ما الَّذي يَجعلنا نَبتدئ في الأكل! أَتَرَوْن؟ فكيف سنبتدئ هذا الأمر؟ فقد تكون الزَّوجة في المطبخ! فهل يُصَلُّون بحضور الزَّوجة أو في غيابها؟ وما أعنيه هو: ما هو الإجراءُ المُتَّبَع؟ لذا فإنَّنا نَبقى جالسين إلى أن يَبتدئُ الأمر.
ولكن مِن الواضح جدًّا ما كان يحدث في تلك الفترة الزمنيَّة. فقد كان المُضيفُ يَجلس، ويأخذ رغيفَ خُبز، ويَكسره فيَبتدئ الجميع بالأكل. فقد كانت تلك هي علامة البَدء. لذا فقد صار كَسْرُ الخُبز مُرادفًا لوجبة الشَّركة. ولكن عدا عن ذلك، مِن الواضح لأغلبيَّة المؤرِّخين الَّذينَ حَلَّلوا الكنيسة الباكرة في سِفْر أعمال الرُّسُل أنَّ هذا الحَدَثَ اشتملَ على كسر الخُبز الَّذي قام به يسوع في الشَّركة. لذا، عندما أكلوا وجبة الشَّركة، دخلوا مباشرةً بعد وجبة الشَّركة في مائدة الربِّ أو عشاءِ الربّ.
ويُمكننا أن نَرى ذلك يحدث في أثناء قراءتنا لسفر أعمال الرُّسُل. وفي النِّهاية، صارت وجبة الشَّركة تلك تُعرَف بوليمة المَحبَّة، وصارت تُعرف بالآغابيه، أو رُبَّما سَمِعَها بعضٌ منكم تُنطَق "أَغابيه". وكانت هذه هي وليمة المحبَّة، أو الوجبة المشتركة، أو الوجبة الَّتي كانت الكنيسة الأولى تَجتمع لأكلها قبل الاشتراكِ في مائدةِ الرَّبّ.
ويبدو أنَّهم كانوا في الأيَّام الباكرة يَفعلون ذلك كلَّ يوم. فقد كانوا يَشتركون في كلِّ مكان وفي كلِّ وقت. والآن، تَذكَّروا ما يلي: أنَّه في الوقت الَّذي وَعَظَ فيه بُطرس في يوم الخمسين (الَّذي كان جُزءًا مِن الاحتفال الكبير بعيد الفِصح أيضًا في تلك الفترة الطَّويلة بأسرها مِن الاحتفالات في إسرائيل) كان هناك حُجَّاجٌ كثيرون يأتون إلى المدينة ويعيشون مع عائلات يهوديَّة أخرى. فقد كان ذلك جزءًا مِن الثَّقافة. وعندما كان كثيرٌ مِن هؤلاء الحُجَّاجِ يَخلُصون، لم يكونوا يرغبون في العودة. لذا فقد كانوا يَبقون في المُجتمع. وعندما كانوا يَبقون في المُجتمع، كان ينبغي للمؤمنين المسيحيِّين أن يَعتنوا بهم. لِذا فإنَّنا نقرأ في الأصحاح الثَّاني والعدد 44 أنَّ كلَّ شيءٍ عندهم كان مُشتركًا، وأنَّهم كانوا يَبيعون أملاكَهُم ومُقتنياتهم ويُعطون ذلك المال للأشخاص المُحتاجين لأنَّه كان يوجد عدد كبير مِن الأشخاص الَّذينَ جاءوا إلى المدينة وينبغي سَدُّ حاجاتهم لأنَّه لم يكن لديهم مَصْدَرُ رِزْق. كذلك، في اللَّحظة الَّتي تأسَّست فيها الكنيسة، نالَ العَبيدُ الخلاص. وصارت هناك أُخُوَّة مُشتركة بين العبدِ والغَنِيّ. وكانت حاجاتُ العبيدِ آنذاك تُسَدُّ مِن قبل الأغنياء القادرين على سَدِّ حاجاتهم. وكانت هناك شركة جميلة بينهم. فقد كانوا يأكلون في بيوت مختلفة، وابتدأوا يَشتركون في حياتهم. وكان جُزءٌ مِن ذلك يَشمل الاحتفال بكسر الخُبز والاحتفال بِذِكرى مائدةِ رَبِّنا.
ويمكننا أن نَرى هذا الأمر يَتطوَّر أكثر إن تابعنا قراءة سِفْر أعمال الرُّسُل. فمثلاً... ويمكننا أن ننظر إلى أشياء عديدة مُختلفة.... ولكن لننظر إلى الأصحاح 20 والعدد 7. فقد جاء بولس إلى مدينة تَرُوَاس. "وَفِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ إِذْ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِيَكْسِرُوا خُبْزًا...". ويبدو أنَّهم كانوا في هذا الوقت قد اتَّفقوا على الاجتماعِ مَرَّةً واحدةً في الأسبوع وأنَّهم كانوا يَكسرون الخُبْزَ مَرَّةً واحدةً في الأسبوع. وقد تقول: "ولكن يا جون، ما معنى العبارة ’ليكسِروا خُبزًا‘ هنا؟" أعتقد أنَّ المسألة هنا مَرَّةً أخرى هي أن يَكسِروا الخُبزَ كي يَحتفلوا بعشاءِ الرَّبِّ أو بموتِ المسيح؛ أي أنَّهم كانوا يَفعلون ذلك لِذِكْرِه. ولكن فَضلاً عن الذِّكرى، نقرأ في العدد 11: "ثُمَّ صَعِدَ وَكَسَّرَ خُبْزًا وَأَكَلَ وَتَكَلَّمَ كَثِيرًا". والإشارة في ذلك العدد هي أنَّهم كانوا ما زالوا يأكلون، وأنَّه كانت ما تزال هناك وجبة مُشتركة.
والآن لِنَعُد مَرَّةً أخرى إلى العدد 7. وسوف تَرون أنَّ بولس وَعَظ بهم. وقد صار هذا نَمَطًا سائدًا في الكنيسة الباكرة. فقد كانت الكنيسة تَجتمع معًا في أوَّل يوم في الأسبوع. فقد كانوا يأكلون وجبةً مُشتركة، تَعْقُبُها مائدةُ الرَّبِّ، ثُمَّ تَعْقُبُ ذلك عِظة. وقد صار ذلك هو النَّمَط المُتعارَف عليه. وبمرور الوقت، بَقي الأمر كذلك بالنِّسبة إلينا. والحقيقة هي أنَّه حتَّى في يومنا هذا، هناك كنائس تَجتمع معًا في كلِّ يوم أحد، ويَكسِرون الخُبز، ثُمَّ يَسمعون عظةً. ولكنَّ وليمة المحبَّة اختَفَت منذُ وقتٍ طويل تَدريجيًّا. ولم تكن وليمةُ المحبَّة شيئًا أَسَّسَهُ رَبُّنا، ولم تكن شيئًا أَسَّسَهُ الرُّسُل، بل كانت شيئًا مُستمدًّا مِن الثَّقافة. لذا فإنَّها لم تَستمرّ. فالعادة القديمة القائمة على ربط عشاء الربِّ بالوجبة العاديَّة في كلِّ يوم ابتدأت بالاختفاء تدريجيًّا. فلم يَكُن المؤمنون يفعلون ذلك في كلِّ وجبة. ثُمَّ إنَّهم صاروا يَفعلون ذلك مع الوجبة المشتركة مَرَّةً في الأسبوع. ولكنَّ ذلك اختفى أيضًا.
وقد تقول: "لماذا ربطوا تلك الأمور معًا؟" أعتقد أنَّ هناك أسبابًا عديدة جَعلت الكنيسة الباكرة تَربط مائدةَ الرَّبِّ بالوجبة المُشتركة. ويَرجع واحدٌ مِن هذه الأسباب إلى أنَّ الرَّبَّ يسوع قَرَنَ عشاءَ الربِّ بوليمة الفِصح؛ فصار ذلك عُرْفًا. فقد أكل الربُّ يسوع وجبةً مع تلاميذه ثُمَّ أَسَّسَ مائدةَ الربِّ. لذا فقد قالوا: يبدو أنَّ هذا هو النَّمَطُ الَّذي ينبغي أن نَتَبَنَّاه.
فَضلاً عن ذلك، كان اليهودُ يَقرنون الفصح دائمًا، بكلِّ تأكيد، بتلك الوليمة. وكانَ مِن السَّهل على المسيحيِّ مِن أصلٍ يَهوديٍّ أن يَقرِنَ الأمرين معًا أيضًا. ولكن رُبَّما كان المسيحيُّ مِن أصْلٍ أُمَمِيٍّ ينظر إلى تُراثِه ويقول: "عندما نَذهب إلى الهيكل ونُقدِّمُ شيئًا لربِّنا، يُمكننا أن نأكُلَ وجبةً أيضًا". وكانت هناك أعياد كثيرة. والحقيقة هي أنَّهم كانوا مُعتادين على الاشتراك في شيءٍ يُسَمَّى "إيرانوس" (eranos)؛ وهي وجبات طَعام مُشتركة أو وليمة يَشترك فيها الأُمم قبل أن يَعبدوا إلهًا مِن آلهتهم. لِذا، كان هذا الأمر جُزءًا مِن الثَّقافة في كُلٍّ مِن الثَّقافة اليهوديَّة والأُمميَّة. والكنيسة الباكرة لم تَتَخَلَّ عن تلك العادة، بل كانوا يجتمعون معًا ويأكلون وجبةً مُشتركة تُعرَف بوليمة المحبَّة أو الآغابيه. وكانَ يَعقُبُها عشاءُ الرَّبّ.
ولكن اسمحوا لي أن أُضيف بأنَّ هذه الأمور جميعها ليست مَذكورة في الكتاب المقدَّس. فيمكنك أن تَحتفل بمائدة الرَّبِّ بعد أن تَتناول أيَّ وجبةٍ ترغب فيها في بيتك دون أن تُخالِفَ النَّمطَ الكِتابيّ. أو يمكنك أن تَحتفل بمائدة الربِّ ووليمة المحبَّة إن أردتَ القيام بذلك. أو يمكنك أن تأكُل وجبةً مُعيَّنة إذ تَدعو أشخاصًا آخرين لتلك الغاية وذلك القَصد. أو يمكنك أن تَحتفل بها في الكنيسة مِن دون وليمة المحبَّة، أو أيًّا كان. فالمُهمُّ هو أن تفعل ذلك. والغاية هي أن تُطيع ما يقولُه الربُّ وأن تُمارس هذا الامتياز الرَّائع وتَنتهز هذه الفُرصة الرَّائعة للشَّركة حول الصَّليب. وأودُّ أن أقول إنَّ هناك عائلات قد تَختبر تغييرًا جَذريًّا إن خَصَّصَتْ وقتًا قصيرًا للقيام بهذا الأمر.
والآن في كورنثوس ... وأعتقد أنَّ كورنثوس هي نموذج لمجموعة مِن الأشخاص الَّذينَ أَسهموا في اختفاء وليمة المحبَّة. ففي كورنثوس، كانوا يَجتمعون معًا على هذا الأساس. فقد كانوا يَتناولون وجبة عشاء كبيرة أوَّلاً، ثُمَّ يَشتركون في عشاء الربّ. ولكنَّهم جَعلوا ذلك كارثة حقيقيَّة وجَرَّدوا ذلك العَشاء مِن أيِّ مَعنى جميلٍ مُرتبط به. والحقيقة هي أنَّهم جَعلوه شبيهًا جدًّا بما اعتادوا عليه في ولائمهم الوثنيَّة. فقد صارت تلك الولائم فُرَصًا للسُّكر، والشَّراهة، والمُمارسات الأنانيَّة. ثُمَّ إنَّهم كانوا يَتبعونَ تلك الوليمة بمائدة الربِّ فأثاروا بذلك اشمِئزازِ الرَّبّ. فقد اشمئزَّ الرَّبُّ جدًّا مِن تصرُّفاتهم حتَّى إنَّه قَرَّرَ أنَّ الطريقة الوحيدة للتَّعامُل مع ذلك هي أن يَجعل عددًا مِن مؤمني كورنثوس مَرضى. لذا فقد جَعل بعضًا منهم يَمرضون. وقد مَرِض بعضٌ منهم بشدَّة حتَّى إنَّهم ماتوا. فقد استاءَ اللهُ جدًّا منهم. فعندما كانوا يأتون إلى مائدة الرَّبِّ، كانوا يأتون بروحٍ نجسٍ وفاسدٍ جدًّا حتَّى إنَّها صارت فُرصةً للسُّخرية والتَّجديف على الصَّليب. لِذا فإنَّ الله لم يَحتمل ذلك.
والحقيقة هي أنَّنا نجد أنَّ الأغنياء كانوا يُحضرون الطَّعام. وكان يُفترض بوليمة المحبَّة أن تكون مُشتركة، وأن تكون وَجبة يَشترك الجميع في إعدادها، وأن تكون رمزًا لمشاركة الطَّعام، ورمزًا لمشاركة كلِّ شيء في المجتمع المسيحيّ. وصَدِّقوني أنَّه كان ينبغي أن تكون كذلك. فقد حَطَّمَت المسيحيَّة حواجز كثيرة، ولكنَّهم ابتدأوا ببناء تلك الحواجز مِن جديد بعد مُرور عشرين سنة فقط على صُعود يسوع. ولكنَّهم كانوا يَجتمعون معًا، وكان الأغنياء يُسرعون بالمجيءِ ويَأتون إلى هناك في وقتٍ مُبكر ويأكلون كلَّ الطَّعام الَّذي أحضروه قبل أن يأتي الفُقراء. وعندما كان الفُقراء يأتون، كان الأغنياء يقولون: "نحن آسفون جدًّا! لقد نَفَدَ كُلُّ الطَّعام!" لِذا فقد كان هناك أشخاص يأكلون بشراهة، وأشخاص يعودون إلى بيوتهم جِياعًا!
والحقيقة هي أنَّكم إذا نَظرتم إلى رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح 11، أعتقد في العدد 33، ستجدون مِن خلال ما يقوله بولس أنَّ هذا هو تماما ما كان يحدث: "إِذًا يَا إِخْوَتِي، حِينَ تَجْتَمِعُونَ لِلأَكْلِ، انْتَظِرُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا". فلا يمكنكم أن تَصنعوا وليمةً إلاَّ إذا انتظرتم حضور أشخاصٍ يُشاركونكم طَعامَكم. أمَّا إن كنتَ جائعًا، كما يقول في العدد 34، وإن كان كُلُّ ما يَعنيك هو أن تُتْخِمَ نفسَك، يجب عليك أن تبقى في البيت. فليسَ هذا هو القصد مِن الوليمة. ومِن المؤكَّد أنَّك لست بحاجة إلى الأكل هناك. ومِن المؤكَّد أنَّك لا تستطيع أن تقول: "لقد كنتُ جائعًا وحسب". فهذا هُراء. فإن كنت جائعًا، امكُث في البيت. فالوليمة هي مكانٌ للمُشاركة.
لِذا فقد كان يوجد في كورنثوس أشخاص أغنياء وأشخاص فُقراء؛ أي أشخاص يمكنهم أن يُحضروا الكثير وأشخاص لا يُمكنهم إحضار أيِّ شيء. ومِن الواضح أنَّ العبد كان يأكل وجبة جيِّدة واحدة فقط في الأسبوع وهي وليمة المحبَّة. ولكنَّ تلك الوليمة لم تكن تَجري كما ينبغي. فالأغنياء لم يكونوا يَشتركون مع الفُقراء، بل كانوا يأكلون في مجموعات حَصريَّة صغيرة. وكانوا يُسرعون في الأكل حَتَّى إنَّه لم يكن يَبقى طعام عندما يأتي الفُقراء. وكانت النَّتيجة هي أنَّ تلك المُناسبة الاجتماعيَّة الَّتي كان ينبغي أن تُلغي الفوارق بين النَّاس صارت تَبني حواجز عالية بينهم. وعندما كانوا يَذهبون إلى مائدة الرَّبِّ، كانوا يَجتمعون حول مائدة الرَّبِّ بطريقة دَنِسَة كُلُّها تَجديف. فقد كان مِن الهُزْءِ أن يَحتفلوا بشركة الصَّليب في حين أنَّهم كانوا يَفعلون كلَّ ما في وُسعهم مِن أجل بناء الحواجز بينهم وبين الآخرين الَّذينَ يُحبُّهم اللهُ ذات المحبَّة.
لذا فإنَّ بولس يَكتب هذا الجزءَ لتقويم إساءاتهم. وهو يُوبِّخهم بشدَّة حقًّا. لِنَنظر إلى العدد 17 كتمهيدٍ أساسيٍّ لهذا المقطع. ونحن لن نَتمكَّن مِن الانتهاء مِنهُ اليوم. لذا، سوف نأخذ جُزءًا صغيرًا منه هنا: "وَلكِنَّنِي إِذْ أُوصِي بِهذَا، لَسْتُ أَمْدَحُ كَوْنَكُمْ تَجْتَمِعُونَ". ففي الأصحاح الحادي عشر والعدد الثَّاني، كانت هناك بضعة أشياء يمكنه أن يَمدحهم عليها. فقد مَدَحهم لأنَّهم على أقلِّ تقدير طَرحوا عليه أسئلةً وحافظوا على التَّعاليم الَّتي تَسَلَّموها منه. أمَّا هنا فهو يقول: "لا يمكنني أن أمدحكم على هذا الأمر" – "لَسْتُ أَمْدَحُ كَوْنَكُمْ تَجْتَمِعُونَ لَيْسَ لِلأَفْضَلِ، بَلْ لِلأَرْدَإِ".
وكأنَّه يقول لهم: "إنَّ ذهابَكُم إلى الكنيسة هو أسوأ شيء تَفعلونه". فَكِّروا في ذلك. فهذا مُدهش. فهو يقول: "انظروا! إِذْ أُوصِي بِهذَا". وَهُوَ يَستخدم الكلمة "بارانغيلون" (parangellon) ومعناها: "يُوصِي". "أنا لا أُقدِّمُ لكم اقتراحات، بل أُوصيكم. والآن، لديَّ بضعة أمور أوصيكم بها. وأنا لن أَمدحكم في أيٍّ منها. لذا، لِنَضع تلك الأمور خَلفَنا. عندما تَجتمعون فإنَّكم لا تَجتمعون للأفضل، بل للأردأ. لِذا فإنَّ بقاءَكُم في البيت أفضل مِن اجتماعكم معًا". وهذه مُشكلة عويصة! فعوضًا عن أن تكون عبادتُكم مُفيدة وبانِيَة، فإنَّها هَدَّامة. لذا، مِن الأفضل أن تَمكثوا في بيوتكم.
ومع أنَّ المَرءَ يَكرَهُ التَّفكير في ذلك، فإنَّني مُتيقِّنٌ مِن أنَّ هذا يَحدث في الكنائس، بل رُبَّما في عددٍ مِن الكنائس الَّتي تعرفونها. فقد يكون مِن الأفضل أَلاَّ يأتي أحد... مِن الأفضل جدًّا لأنَّه إمَّا أنَّهم لن يسمعوا الحقَّ الَّذي يُقَدَّم هناك، وإمَّا أنَّهم سيذهبون إلى هناك ويجدون تعارُضًا كبيرًا بين الرَّعيَّة والشَّخص الواقف على المِنبَر. وربَّما تكون هناك خصومات ومُشاجرات ونِزاعات. وكلُّ ما يحدث عندما تَذهب إلى الكنيسة هو أنَّكَ تُفاقِم مَشاعِرَ العَداوة لديك. هل وَجدتَ نفسكَ يومًا في موقفٍ كهذا؟ هل ابتدأتَ تَرى كلَّ الأشخاص الَّذينَ لا تَتَّفق معهم؟ إنَّهُ ليس وقتًا مُمتعًا البتَّة.
وفي الكنيسة في كورنثوس، كان أسوأُ شيء يمكنهم القيام به في حياتهم الروحيَّة هو أن يَجتمعوا معًا! وقد تقول إنَّ ذلك صَادِم في ضَوء ما جاء في عبرانيِّين 10. أجل: "غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا". فيجب عليكم أن تَفعلوا ذلك، كما يقول، كي تُحَرِّضوا بعضُكم بعضًا على المحبَّة والأعمال الحسنة. ولكنَّ كلَّ ما كانوا يَفعلونه هو أنَّهم كانوا يُحرِّضون بعضُهم بعضًا على الغضب والأنانيَّة. تَخَيَّلوا ما يمكن أن يَحدث في الكنيسة عندما تَجتمع الرَّعيَّة معًا لأجل الأسوأ! فهي مُشكلة حقيقيَّة. فقد احتقروا وليمة المحبَّة وجَعلوها انغماسًا في الأنانيَّة والشَّراهة والسُّكر والأكل، وأَقحَموا عشاءَ الرَّبِّ في نهايتها. وقد أدَّى ذلك إلى جَرح مشاعر الإخوة الفقراء. فقد جَعلوا عشاءَ الرَّبِّ وليمةً لإشباع جوعهم. وقد تَمَّ التَّعامُل مع عُنْصُرَيِّ المائدة تُعامُلاً خَالٍ مِنَ الوَقار. وبولس يقول: سوف أُقَوِّمُ هذا السُّلوك. لذا فإنَّ العدد 17 هو تَوبيخٌ عامّ.
وأودُّ أن أقول ما يلي أيضًا كي تُفَكِّروا فيه. فالعدد 17 يَحوي توبيخًا يَستمرُّ إلى الأصحاح 12 والعدد 14 عن سوءِ استخدام المواهب الروحيَّة. وسوف نَتحدَّث عن ذلك حالما نَنتهي مِن هذا المَقطَع. إذًا، هذانِ هُما الشَّيئان اللَّذان يُوبِّخهم عليهما في اجتماعهم: سوء استخدام المائدة، وسوء استخدام المواهب الروحيَّة. ولكنَّه يَتحدَّث هنا عن المائدة تحديدًا. والآن، سوف تَجدون في المُخَطَّط الَّذي بين أيديكم ثلاث نِقاط. وسوف نَكتفي بالتحدُّث عن نُقطة واحدة فقط في هذا الصَّباح. وسوف نَتحدَّث عن النُّقطتين الثَّانية والثَّالثة في المَرَّة القادمة.
أوَّلاً، يَتحدَّث بولس عن تشويه صورة عشاءِ الرَّبّ. وقد قَدَّمتُ لكم خَلفيَّة صغيرة عن ذلك. فنحن نقرأ في الأعداد 18-22 عن تشويه صورة عشاء الرَّبّ. العدد 18: "لأَنِّي أَوَّلاً حِينَ تَجْتَمِعُونَ فِي الْكَنِيسَة...". والكلمة "كنيسة" ("إكليسيا" – “ekklesia)) لا تَستخدم البتَّة في العهد الجديد للإشارة إلى مَبنى ... البتَّة، بل إنَّها تُستخدم دائمًا للإشارة إلى جماعة مؤمنين سواءٌ كانوا أحياء أو أموات أو على نِطاقِ العالَمِ أو على نِطاقٍ مَحَلِّيٍّ. فهي تُشير دائمًا إلى المؤمنين. فالكنيسة عُضْوٌ حَيٌّ. لذا، حين تَجتمعون في الكنيسة... حين تجتمعون بصفتكم مؤمنين: "أَسْمَعُ ["مِرارًا وتَكرارًا" - وَفقًا للنَّصِّ اليونانيِّ] أَنَّ بَيْنَكُمُ انْشِقَاقَاتٍ، وَأُصَدِّقُ بَعْضَ التَّصْدِيق".
والكلمة "انشقاقات" هي كلمة مُدهشة. فهي تُشير بصورة أساسيَّة إلى الاختلاف في الرَّأي. وأريد منكم أن تَفهموا مَعنى هذه الكلمة لأنِّي أعتقد أنَّنا نَرى بُعدًا آخر مِن الحياة الفَوضويَّة في كنيسة كورنثوس. فهي تُشير بصورة أساسيَّة إلى الاختلاف في الرَّأي. فمثلاً، في إنجيل يوحنَّا 7: 43 وإنجيل يوحنَّا 9: 16، يقول يوحنَّا عن يسوع: "فَحَدَثَ انْشِقَاقٌ فِي الْجَمْعِ لِسَبَبِهِ". والمعنى المقصود في هاتين الحادثتين هو أنَّ أشخاصًا قالوا إنَّ يسوع هو الله، وأنَّ أشخاصًا آخرين قالوا إنَّ يسوع ليس هو الله. ويوحنَّا يُعَلِّق بأنَّه حدث انشقاق أو انقسام بين النَّاس. وما يَعنيه بذلك هو أنَّه حدث اختلاف في الرَّأي. فهو اختلافٌ في الرَّأي حول شيءٍ ما.
لذا فإنَّه يقول: عندما تَجتمعون معًا، أَسمع باستمرار أنَّ هناك اختلافات في الرَّأي بينكم. فحين تَجتمع الكنيسة، عوضًا عن أن تَتَّحدوا معًا وتَكونوا في شركة، فإنَّ كلَّ ما تفعلونه هو الجِدال... الجِدال. وهذا يُضيفُ بُعدًا آخر إلى الحالة الفوضويَّة في كنيستهم. فقد كانوا قد قَسموا الكنيسة في مُناسبتين أُخريين على الأقلّ. فقد رَسَمَ الأغنياءُ والفُقراء خَطًّا كبيرًا بينهم فصاروا غُرباء بعضُهم عن بعض. لذا فقد انشقُّوا على ذلك الأساس؛ وهو انشقاقٌ اجتماعيٌّ. وقد انشقُّوا لاهوتيًّا: "أَنَا لِبُولُسَ، وَأَنَا لأَبُلُّوسَ، وَأَنَا لِصَفَا، وَأَنَا لِلْمَسِيح". فقد كان لكلٍّ منهم رأي. ويمكنكم أن تقرأوا عن ذلك في الأصحاح الأوَّل والأصحاح الثَّالث. فقد كانوا يَتحزَّبون في أحزاب لاهوتيَّة صغيرة. والأمر المُدهش في ذلك هو أنَّ الجماعات المختلفة لم تكن تَختلف لاهوتيًّا، بل كانت تَختلف فقط حول الشَّخصيَّات.
لِذا، نجد هنا أنَّه كانت توجد انشقاقات تحدث بسبب الشَّخصيَّة وتَصنع انشقاقًا بين الجميع. وكانت توجد انشقاقات طَبَقِيَّة بين الأغنياء والفقراء. والآن، نجد هنا أنَّه في خِضَمِّ الأحاديث الأسبوعيَّة [أسبوعًا تلو الآخر] وفي خِضَمِّ التَّفاعُلات الدَّاخليَّة في حياة الكنيسة، كان يوجد شِقاقات دائمة حول الاختلافات في الآراء حول كلِّ شيء.
وهذا أمر يَبعثُ حَقًّا على الحُزن. لِذا فإنَّنا نقرأ في بداية هذه الرِّسالة (وتَحديدًا في رسالة كورنثوس الأولى 1: 10) أنَّ بولس يقول: "وَلكِنَّنِي أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَقُولُوا جَمِيعُكُمْ قَوْلاً وَاحِدًا، وَلاَ يَكُونَ بَيْنَكُمُ انْشِقَاقَاتٌ، بَلْ كُونُوا كَامِلِينَ فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ". فيجب عليكم أن تَتَّفقوا على فَهمٍ واحد، ورأيٍ واحد، وموقفٍ واحد، وأن تقولوا الشَّيءَ نفسَه. ولكنَّكم تَجتمعون وتَختصمون على كلِّ شيء!
وقد تقول: "ما الَّذي يَجعل الكنيسة تَختصم هكذا؟ ما الَّذي يَجعل الكنيسة تَنقسم إلى أحزاب عديدة؟" سوف أقول لكم ما الَّذي يُؤدِّي إلى ذلك: لقد ذَكرَ بولس ذلك بأوضح صورة مُمكنة. "وَأَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ، بَلْ [كماذا؟] كَجَسَدِيِّينَ". "أَفَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ؟" "فَإِنَّهُ إِذْ فِيكُمْ حَسَدٌ وَخِصَامٌ وَانْشِقَاقٌ، أَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ؟" فالشَّيء الَّذي يُؤدِّي إلى ذلك هو الجسديَّة؛ أي السُّلوك بالجسد والقيام بما تُمليه علينا أذهانُنا عِوَضًا عن أن نَسلك بالرُّوح ونَفعل ما يقوله الله. فهذا يؤدِّي إلى الانشقاق.
إنَّ أكثر شيءٍ مُخيف في الكنيسة في اعتقادي هو الانشقاق. وهذا هو ما كان يَدور في ذهن بولس. وقد كانوا مُنْشَقِّين بكلِّ طريقةٍ تَتخيَّلونها. فالأمر لا يَقتصر على الأشياء الَّتي نقرأ عنها في الأصحاحين الأوَّل والثَّالث، ولا على الفجوة الاجتماعيَّة بين الأغنياء والفُقراء، بل إنَّهم كانوا يَتحَّزبون في أحزاب صغيرة ويَنقسمون ويَختلفون في كلِّ شيء. فقد كان يوجد بينهم روح انشقاق يُفسِدُ كلَّ شيء. وكانت مشكلةُ انعدامٍ الوَحدة تَنتشر كانتشارِ النَّارِ في الهَشيم. فقد كانت مُنتشرة على نِطاقٍ واسع في كنيسة كورِنثوس. وقد امتدَّ الأمر إلى مائدة الرَّبّ. فعندما كانوا يَجلسون لتناول الوجبة المشتركة، وعندما كانوا يجلسون للاشتراك معًا في أمور الحياة المُألوفة، كان مِن الواضح جدًّا أنَّهم مُنقسمون حتَّى إنَّ ذلك كان يؤدي إلى الاستخفاف بكلِّ شيء. وبولس يقول: أنا أُصَدِّق ذلك بعض التَّصديق. وكيف تُصَدِّق ذلك بعض التَّصديق فقط؟ لأنَّني سمعتُ ذلك مَرَّات كثيرة، ولكنِّي مُتيقِّن مِن أنَّ هناك مُبالغة إلى حَدٍّ ما. وأريد منكم أن تَعلموا أنَّني لستُ ساذَجًا تمامًا.
وهو يَقول المزيد في العدد 19. وهذه جُملة مُدهشة حَقًّا. فهو يقول: "أنا أُصَدِّق هذا للسَّبب التَّالي": "لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَكُمْ بِدَعٌ أَيْضًا، لِيَكُونَ الْمُزَكَّوْنَ ظَاهِرِينَ بَيْنَكُمْ". ويا لها مِن جُملة غريبة يا أحبَّائي! هل سَمعتم ما قالَهُ؟ إنَّه يقول إنَّ السَّببَ الَّذي يَدعوني إلى تَصديق وجود انشقاقات بينكم هو أنَّه لا بُدَّ أن يكون هناك انشقاقات بينكم ليكون المُزَكَّوْنَ ظاهرينَ بينكم. وقد تقول: "هل يقول إنَّه لا بُدَّ مِن وجود بِدَع في الكنيسة؟" أجل. وما مَعنى الكلمة "بِدْعَة"؟ مِن دواعي سُروري أنَّكم طَرحتُم هذا السُّؤال لأنَّ هذا مُهمٌّ جدًّا. فالكلمة "بِدْعَة" لا تعني تمامًا ما جَعلناها تَعنيه اليوم. فالكلمة "بِدعة" اشتُقَّت في الأصل مِن جَذْر يُرَكِّز على فكرة الاختيار ... الاختيار. فهي تعني ببساطة: الاختيار الَّذي تقوم به مجموعة تَتبنَّى رأيًا مُعيَّنًا. وسوف أقول لكم كيف تَفهمونها: إنَّها تُترجَم مِرارًا وتَكرارًا في الأناجيل بالكلمة "شِيْعَة". وهي مجموعة مِن الأشخاص الَّذينَ يَتَبَنَّوْنَ رأيًا مُعيَّنًا. وليس بالضَّرورة أن يكون ذلك الرَّأيُ رديئًا، ولا أن يكون حَسنًا، بل إنَّها تُستخدَم بالمعنى المُحايد (كما هي الحال في أعمال الرُّسُل 24) إذْ إنَّها تُشيرُ إلى شِيْعَة النَّاصِرِيِّين. لِذا فإنَّها ليست كلمة سَيِّئة بالضَّرورة. ولكنَّها تُستخدم في رسالة غلاطيَّة 5: 20 إذ إنَّها تُشير إلى أنَّ واحدًا مِن أعمال الجسد هو "آيريسيس" (hairesis) أي: "البِدعة". ولكنَّها تَعني أيضًا الاختلافات في الرَّأي. وهي بهذا المفهوم تُشير إلى الشِّقاق الأنانيّ، وتُشير إلى التَّحَزُّب الأنانيّ. وهذه هي الطَّريقة الَّتي استُخدمَت فيها هنا.
لا بُدَّ أن تكون هناك خصومات [إن جاز القول]. أو لا بُدَّ أن يكون هناك انشقاق في الكنيسة. ولا بُدَّ أن تكون هناك مشاكل في الكنيسة. ولا بُدَّ أن تكون هناك اختلافات في الآراء في الكنيسة. وقد تقول: "لماذا؟ فقد قلتَ في الأصحاح الأوَّل والعدد 10 إنَّه يجب علينا أن نَتخلَّص منها كُلَّها. وأنتَ تقول الآن إنَّه لا بُدَّ أن تكون تلك الاختلافات موجودة! هل تعني أنَّك تبحث عن أشخاصٍ تتلخَّص خِدمتُهم في إحداث الانشقاقات؟ إن كنتَ تعني ذلك، لديَّ أسماء كثيرة أقترحُها عليك يُمكنهم أن يُبدعوا في هذا المِضمار. ولكن ما الَّذي يَعنيه بولس هنا؟" لا! إنَّه يقول إنَّه لا بُدَّ أن يحدث ذلك "لِيَكُونَ الْمُزَكَّوْنَ ظَاهِرِينَ بَيْنَكُمْ".
والآن، مَهلاً مِن فضلكم! يقول بولس: "أعتقد أنَّ السَّبب في وجود تلك الجماعات هو أنَّها ضروريَّة. والآن، لاحظوا العبارة "لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ". وهي تَرجمة للكلمة "ديه" (dei) – "ديه" في اللُّغة اليونانيَّة. وهي كلمة تَعني أنَّ ذلك ضَروريّ. "مِنَ الضَّروريّ". ثُمَّ تأتي تَرجمة الكلمة "بِدَع". لِذا فإنَّها تُترجَم كالتَّالي: "مِن الضَّروريّ أن توجد بِدَعٌ بينَكُم". فهذا هو معنى تلك الكلمة الصَّغيرة: "مِن الضَّروريّ". وهي تُستخدم المَرَّة تلو المرَّة تلو المرَّة في العهد الجديد. وهي أداة شائعة ومفيدة جدًّا جدًّا جدًّا. وهي تُشير في كثيرٍ من استخداماتها إلى شيءٍ ضروريٍّ بِحُكْمِ مشيئة الله. فهي تُستخدَم للإشارة إلى شيء ضَروريّ بِحُكْمِ مشيئةِ الله. فمثلاً، لا بُدَّ أنَّ يسوعَ يتألَّم (أليسَ كذلك؟) وأن يموتَ ويقومَ ثانيةً. لا بُدَّ أن أذهبَ إلى أورُشليم. فيمكنكم أن تعثروا على تلك الأداة الصَّغيرة المَرَّة تِلو المرَّة تِلو المرَّة بالاقتران بشيءٍ كان لا بُدَّ ليسوع أن يفعله لأنَّه مشيئة الله.
ونجدُ هنا الشَّيءَ نفسَه. "لا بُدَّ أن يكون هذا" لماذا؟ لأنَّ الله يَفعل شيئًا يتطلَّب ذلك. وما الَّذي يَفعله؟ إنَّه يُزَكِّي أشخاصًا ويَجعلهم ظاهرين بينكم. كيف؟ لأنَّه عندما تَحدثُ المشاكل وتَحدث الانشِقاقات، ستَعرفون سريعًا مَن هُم الأشخاص الصَّالحون – الـ "دوكيموي" (dokimoi)؛ أو المُزَكَّوْنَ، أو الَّذينَ اجتازوا الامتحان، أو الذَّهب الَّذي خَرَجَ مِن النَّارِ مُمحَّصًا. فلا بُدَّ مِن وجودِ الشَّرِّ لظهور الخير.
فلن تتمكَّنوا مِن معرفة صانِعي السَّلام في كنيستكم إلاَّ إن كان هناك مَن يَحتاج إلى صُنع السَّلام معه. أليس كذلك؟ ولا يمكنكم أن تعرفوا مَن هُم الأشخاص الَّذينَ يُظهرون المحبَّة في الكنيسة ما لم تَعرفوا كيف يَتعاملون مع الأشخاص الَّذين لا يُظهرونها. وكما تَرون، فإنَّ الانشِقاقَ والخِصامَ والصِّدامَ هو الَّذي يَجعل القادةَ الحقيقيِّينَ، أوِ الأشخاصَ الصَّالحين حقًّا، أوِ الأشخاصَ الَّذينَ يَسلكون في الرُّوح يَبرزون ويَظهرون أمام الجميع. فالمشاكل تُسهم في إظهار الشَّخصيَّة، وتُسهم أيضًا في إظهار النُّضج الرُّوحيِّ. والـ "دوكيموي" (dokimoi) هُم الأشخاص الَّذينَ يَصمُدون ويُقدِّمون الدَّليل على السُّلوك في الرُّوح في المواقف العصيبة.
فعلى سبيل المثال، في رسالة تسالونيكي الأولى 2: 4، نقرأُ عن أولئك الـ "دوكيموي"؛ وهي كلمة يونانيَّة تَعني "نَالَ التَّزكية" أو "نالَ الاستحسانَ" أو "نالَ المَدْح". فالآية تقول: "بَلْ كَمَا اسْتُحْسِنَّا [حَرفيًّا] مِنَ اللهِ...". فهذه هي الفِكرة هُنا إن لم تَكُن التَّرجمة تقولُ ذلك. "بَلْ كَمَا اسْتُحْسِنَّا مِنَ اللهِ..." [إيْ نِلْنا التَّزكية أو الاستحسان أو المَدح مِن الله] "...أَنْ نُؤْتَمَنَ عَلَى الإِنْجِيل". والآن، اسمعوني: يقولُ بولس هنا: "سوف أقول لكم شيئًا عن المُزَكَّوْن: إنَّهم الأشخاص الَّذينَ يأتمنهم المسيحُ على الخدمة". فواحد مِن الأشياء الَّتي نفعلها في الكنيسة بصفتنا شُيوخًا وقادةً هو أنَّنا نَهتمُّ بالبحث عن الأشخاص المُلائمين الَّذينَ نريد منهم أن يَخدموا. فنحن بحاجة إلى شخصٍ هنا وإلى شخصٍ هناك، أو نُريد أن نَرى مَنِ الأشخاص الَّذينَ يُحَرِّكُهم اللهُ حقًّا لكي يَخدموا الربَّ. ونحن نريد أن نَرى مَن هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يَلمَسُ اللهُ قُلوبَهم حقًّا. لذا، مِن المهمِّ جدًّا أن يكون هؤلاءِ الأشخاصُ الَّذينَ سيَخدِمونَ مُزَكَّوْن. وواحدة مِن الطَّرائق الواضحة جدًّا الَّتي يَظهَرُ فيها هؤلاءِ الأشخاصُ للعِيان هي مِن خلال طريقة مُعالجتهم للتَّحدِّيات الَّتي تَظهر في جسد المسيح؛ أي الطَّريقة الَّتي يُعالجون فيها النِّزاعات، والطَّريقة الَّتي يُعالجون فيها المشاكل، والطَّريقة الَّتي يُعالجون فيها الخلافات، والطَّريقة الَّتي يُعالجون فيها الاختلافات. فمِن شأن ذلك أن يُظهِر للجسد المُزَكَّوْن أو مَن نَالوا الاستحسان. فَهُمُ الأشخاص المُناسبون للخدمة الخاصَّة.
وأنا أُوْمِنُ، يا أحبَّائي، بكلِّ قلبي أنَّ واحدًا مِن الأسباب الَّتي تَجعل أُناسًا يَتركون الخدمات الفعَّالة لأجل المسيح، ويتركون خدمات رعويَّة وخدمات إرساليَّة في حقول الخدمة هو أنَّهم عندما يَخضعون لفحص التَّحدِّيات، وعندما يَخضعون لفحص الاختلافِ في الرَّأي فإنَّهم يَعجزون عن التَّعامُل معها حسب الرُّوح. لذا فإنَّهم لا يَبلُغونَ يومًا المُستوى الَّذي يَأتمنهم اللهُ فيه على الإنجيل. لذا فإنَّ المُزَكَّوْنَ يَظهرون في أوقاتِ الشِّدَّة. ففي الأوقات العصيبة يَتَمَحَّصُ الذَّهبُ في النَّار. أتَرَوْن؟ لذا فإنَّ الله يقول إنَّ ذلك سيحدث في الكنيسة لأنَّها واحدة مِن الطَّرائق الَّتي تَجعلكم تَرَوْن مِن خلالها الأشخاص الَّذينَ يَصلحون للقيادة والخدمة.
وأعتقد أنَّ بولس (حَتَّى في حياته الشخصيَّة) كان يَفهم أنَّ هذا الشَّيء نِعمة مِن الله. فهو ليس شيئًا حصل عليه بجدارته، بل إنَّ اللهَ هو الَّذي زَكَّاه بنعمته. وفي رسالة يعقوب والأصحاح الأوَّل... أعتقد أنَّه أمرٌ مُدهش... فنحن نقرأ في رسالة يعقوب 1: 12: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ، لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى..." فإحدى الطَّرائق الأخرى الَّتي ترون فيها الشَّخصَ المُزَكَّى هي أنَّه شخص يَحتمل التَّجربة ويَخرج منها مُنتصرًا. فقد تَنظر حَولك وتقول: "مَن هُم القِدِّيسونَ المُزَكَّوْن؟" إنَّهم الأشخاص الَّذينَ يَحتملون النِّزاع. وَهُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يَحتملون التَّجربة. وَهُمُ الأشخاصُ الَّذينَ سيَنالونَ عندما يُجَرَّبونَ "إكليلَ الحياة" الَّذِي يَمنَحُهُ الربُّ، الدَّيَّانُ العادِل. والآن، يمكنكم أن تروا أنَّ هؤلاءِ هُم المُزَكَّوْن.
وأودُّ أن أُضيف أنَّ المُزَكَّون هُم المؤمنون الحقيقيُّون، وأنَّهم الحِنطة في وسط الزَّوان. ونَقرأ في رسالة يوحنَّا الأولى 2: 19: "مِنَّا خَرَجُوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا. لكِنْ لِيُظْهَرُوا أَنَّهُمْ لَيْسُوا جَمِيعُهُمْ مِنَّا". فالمشاكل دَفَعت أُناسًا إلى المُغادرة. لذا فقد قال النَّاس: "هؤلاءِ هُم الزَّوان، وهؤلاءِ هُم الحِنطة".
أَذكُرُ عندما جئتُ إلى كنيسة النعمة (Grace Church) أنَّ واحدًا من الأشياء الأولى الَّتي واجهناها هو موقف مُزعج جدًّا. ومِن خلال هذا الموقف المُزعج جدًّا، تَركت عائلتان الكنيسة؛ وَهُما عائلتان أَحدَثَتا مشاكل كثيرة طَوال الوقت. ولكن في هذه الحالة الَّتي ما زلتُ أَذكُرُها تحديدًا بخصوص العائلتين اللَّتين تَرَكتا الكنيسة، كان مِن الواضح تمامًا بعد ذلك أنَّهما لم تكونا مُؤمنتَيْن أصلاً. فَهُما لم تُزَكَّيَا بأبسط المعاني. وَهُما لم تكونا حَتَّى مُخَلَّصَتَيْن. والنِّزاعُ الَّذي حَدث جَعل ذلك واضحًا لنا. وقد كانت حادثةً مُطَهِّرَةً. ولا شَكَّ في أنَّ الكنيسة الَّتي تَخضع لعمليَّة التَّطهير ستختبر انشقاقًا، وأنَّها ستُجَرَّب لكي يَظهر الأشخاص المُزَكَّونَ فيها لكي يَظهر للجميع مَن هُمُ القادة، أو مَن هُمُ الأشخاص الَّذينَ بَرهنوا على أنَّهم مؤهَّلونَ روحيًّا ومَسؤولون روحيًّا.
ونَقرأ في الرِّسالة إلى تيطُس 3: 10 أنَّه إن وجدتَ شخصًا صاحِبَ هَرطقة، أَنذرهُ، ثُمَّ أَنذرهُ ثانيةً. فإن لم يُصْغِ إلى هذين الإنذارَيْن، اعرض عنهُ لأجل طَهارة الكنيسة. فطهارةُ الكنيسة على المِحَكّ. لذا فإنَّه يقول إنَّ الشِّقاقات والخطايا لا بُدَّ أن تَحدث في الكنيسة. لِذا، ينبغي أن تَستعدُّوا جيِّدًا لها لأنَّها ستحدث. وقد تقول: "حسنًا، لقد عَرَفتُ خِدمتي. سوف أفعل ذلك. سوف أحاول أن أساعد القادة على النُّموِّ مِن خلال إحداث الكثير مِن المَتاعب. بعبارة أخرى، حيث إنَّه لا بُدَّ مِن حدوث المشاكل، أنا مُستعدٌّ للتَّضحية".
أودُّ أن أُسارع إلى قول شيءٍ لكم قد يساعدكم في هذا الإطار. فأنا لا أريد منكم أن تَفعلوا ذلك مِن دون التَّفكير مَليًّا في ذلك. والسَّببُ في أنِّي أقول ذلك هو أنَّك قد تُوقِع نفسك في ورطة لأنَّنا نقرأ في إنجيل مَتَّى 18: 7 ما يلي... استمعوا وحسب إلى ما جاء في هذا العَدد. فهو يقول: "وَيْلٌ" – وهي كلمة تَعِدُ بالعَذاب. "وَيْلٌ لِلْعَالَمِ مِنَ الْعَثَرَاتِ!" ثُمَّ اسمعوا ما يقول: "فَلاَ بُدَّ أَنْ تَأتِيَ الْعَثَرَاتُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي بِهِ تَأتِي الْعَثْرَةُ!" هل فَهمتم ذلك؟ وقد تقول: "أعتقد أنِّي فَهمتُ ذلك". حسنًا، استمعوا مَرَّةً أخرى إلى ما جاء في إنجيل لوقا والأصحاح 17 كي تَفهموا ذلك تمامًا. إنجيل لوقا 17: 1: "وَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ أَنْ تَأتِيَ الْعَثَرَاتُ". يا رِفاق، يجب أن تَستَعِدُّوا للعَثرات. "وَلكِنْ وَيْلٌ لِلَّذِي تَأتِي بِوَاسِطَتِهِ! خَيْرٌ لَهُ لَوْ طُوِّقَ عُنُقُهُ بِحَجَرِ رَحىً وَطُرِحَ فِي الْبَحْر". هل تسمعون ذلك؟ والآن، قد يُعَجِّل ذلك في وَضْعِ نهاية لخدمتك في ذلك النِّطاق.
لا بُدَّ مِن حدوث ذلك، ولكن لا تَكُن الشَّخص الَّذي يَفعل ذلك. فالكنيسة ليست مكانًا تُثير فيه المتاعب. اترك الأمر للربّ. فمِن أجل تَكميل القدِّيسين، نحن نُعَلِّم الكلمة. والرُّوحُ القُدُس هو الَّذي يَسمَح بالتَّجارب. حسنًا؟ لذا، اترك الربَّ يَهتمَّ بكيفيَّة حدوث ذلك.
والآن، يقولُ بولس: لقد أدَّت تَصَرُّفاتُكم إلى إفسادِ كلِّ شيء: فقد أَدَّت انشِقاقاتكم، ومُجادلاتكم، واختلافات الآراء بينكم، والفوارق الاجتماعيَّة واللاَّهوتيَّة بينكم إلى تَشويه الصُّورة حتَّى إنَّه يقول في العدد 20: "فَحِينَ تَجْتَمِعُونَ مَعًا لَيْسَ هُوَ لأَكْلِ عَشَاءِ الرَّبِّ". وعندما تأتي العبارة "أوك إيستن" (ouk estin) في حالة المَصدر في اللُّغة اليونانيَّة فإنَّها تُترجَم: "مِن المُستحيل". قد تَظُنُّون أنَّ هذا هو عشاءُ الرَّبِّ، ولكنِّي أريد أن أقول لكم شيئًا: ما تأكلونه ليس عشاء الرَّبّ. فقد تَشربون كأسًا وتُردِّدون بضع كلمات، وقد تأكلون قطعة خُبز وتُردِّدون بضع كلمات؛ ولكنَّ ذلك ليس عشاء الرَّبّ.
فَمِنَ المُستحيل أن تَشتركوا في عشاء الرَّبّ حين تملكون قلوبًا كهذه. فهذا غير مُمكن... لأنَّه يقول في العدد 21: "لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَسْبِقُ فَيَأْخُذُ عَشَاءَ نَفْسِهِ فِي الأَكْل". فما هو نوع الشَّركة الَّتي تَذهب فيها وتجلس في زاوية وتأكل طعامك بمفردك؟ هذه أنانيَّة! "فَالْوَاحِدُ يَجُوعُ..." – فالشَّخص الفقير لا يستطيع الحصول على أيِّ شيء. "...وَالآخَرُ يَسْكَرُ". فهناك أمور مُتناقضة كانت تحدث هناك. فقد كان الأغنياء يَسكرون في حين لم يكن الفقراء يحصلون على شيء. هل تُسَمُّون هذه وليمة محبَّة؟ هل تُسَمُّون هذا عشاء الرَّبّ؟ هل تُسَمُّون هذه شركة في حين أنَّكم تأتون إلى تلك الشَّركة بهذا الموقف إذ إنَّكم تُبغضون بعضُكم بعضًا، وتَتشاجرون بعضُكم مع بعض، وتُعادونَ بعضُكم بعضًا؟ كيف يُمكنكم أن تَحتفلوا بالوَحدة المُشتركة بين القدِّيسين؟ وكيف تفعلون ما ذَكَرَهُ في الأصحاح 10 والعدد 16؟ وكيف تكون هذه شركة دَم أو شركة جسد؟ كيف تكونون ذلك الخُبز الواحد أو الجسد الواحد كما جاء في العدد 17؟ وكيف تَحتفلون بأنَّكم عائلة تتألَّف مِن خُبزٍ واحد؟ لقد أَفسدتُم ذلك. فلا يوجد مكان لهذه السُّلوكيَّات.
ثُمَّ إنَّ بولسَ يقول بنبرةٍ لا تَخلو مِن إحباطٍ كما لو أنَّه يَبحث عن سببٍ لقيامهم بذلك، يَقولُ في العدد 22: "ماذا؟ ... ماذا عَسايَ أن أُفَكِّر؟ ما تَعليلُ ذلك؟ "هل السَّببُ هو أنَّه ليست لَكُمْ بُيُوتٌ لِتَأكُلُوا فِيهَا وَتَشْرَبُوا؟" بعبارة أخرى، هل تَذرَعون الشَّوارع ذهابًا وإيابًا ولا تَجدون مكانًا آخر تأكلون فيه سِوى هذا المكان حتَّى إنَّكم تأتون إلى هنا وتأكلونَ بشراهة؟ هل هذا هو السَّبب؟ أليس لديكم بيت يمكنكم أن تذهبوا إليه حين تجوعون لتأكلوا أو تَشربوا؟ هل جَعلتم وجبة الشَّركة فُرصةً للشَّراهة والسُّكر لأنَّه ليس لكم بيت يمكنكم أن تأكلوا وتشربوا فيه؟ هل هذا هو السَّبب؟ أم رُبَّما لا يَرجِعُ السَّبب إلى أنَّه ليس لديكم بيت، بل إلى إنَّكم تَستهينون بكنيسة الله؟ فربَّما تَكمُن مُشكلتكم في أنَّكم تَكرهون الكنيسة وتَسْعَوْنَ إلى تدميرها. فربَّما ترغبونَ في أخذِ الأشياء الَّتي اشتراها يسوع بدمه الثَّمين وتَشويهِها. هل هذا هو ما تريدون أن تَفعلوه؟
وما أكثر ما فَكَّرتُ في ذلك عندما أُفكِّر في شخص يحاول أن يَفعل شيئًا يُحدثُ خِصامًا في الكنيسة. هل كراهيَّتُكُم للكنيسة هي السَّببُ في قيامكم بذلك؟ هل هذه هي طريقتكم في القول: "يا رَبّ، أريد منك وحسب أن تَعلم أنَّهُ كما أنَّكَ أَعطيتَ نَفسَكَ الحقَّ في بِناءِ الكنيسة، فإنَّني أَعطيتُ نفسي الحَقَّ في هَدْمِها"؟ هل هذا هو السَّبب في قيامكم بذلك؟ فعندما تَزرعون بُذور الخِلافِ أو الانشقاق، كما يقول بولس: هل هذا هو ما يَدور في ذِهنكم؟ أو رُبَّما تريدون أن تُخْجِلوا الفُقراء؟ فربَّما تَرغبون وحسب في احتقارِ الأشخاص الَّذينَ لا يَملكون شيئًا. ربَّما كان هذا هو السَّبب في أنَّكم تَتصرَّفون هكذا. فإمَّا أنَّه ليست لديكم بيوت، وإمَّا إنَّكم تُبغضون الله، وإمَّا أنَّكم تُبغضون النَّاس. وهو يقول: "مَاذَا أَقُولُ لَكُمْ؟ أَأَمْدَحُكُمْ عَلَى هذَا؟ لَسْتُ أَمْدَحُكُمْ!" لن أمدحكُم على هذا.
رُبَّما كانت الكنيسةُ المكانَ الوحيد الَّذي ينبغي فيه للأغنياء والفُقراء أن يَشتركوا معًا، والَّذي ينبغي فيه للأغنياء والفُقراء أن يُحبُّوا بعضُهم بعضًا. وقد وَضَّحَ يسوعُ ذلك. وقد وَضَّحَ الرُّسُل ذلك. وقد صار ذلك نَموذَجًا لكنيسة العهد الجديد حيث إنَّهم اشتركوا في كلِّ شيء. وفي رسالة غلاطيَّة 2: 10، يقولُ بولس: "لا تَنسَوْا الْفُقَرَاءَ". فالكنيسة هي واحدة مِن الأماكن الَّتي ينبغي فيها هَدْمُ الحواجز. وكما تَعلمون، لقد كانوا في الأزمنة القديمة مُتَعَنِّتينَ جدًّا. بعبارة أخرى، لقد كان هناك أُناسٌ أحرار، وعبيد، ورجال، ونساء، ويونانيِّين، وبرابرة، وأشخاص يَتكلَّمون اليونانيَّة، وأشخاص لا يَنطقون بها، وأشخاص مُتعلِّمون وغير مُتعلِّمين، ويهود وأُمم، وأغنياء وفُقراء، ورومان وغير رومان، ومُثقَّفون وغير مُثقَّفين، وكلُّ تلك الحواجز. ولكنَّ الكنيسة كانت تَجتمع معًا هَادِمَةً بذلك كلَّ تلك الحواجز. فقد هُدِمَت الأسوار (كما جاء في رسالة أفسُس والأصحاح الثَّاني). وبعد عشرين سنة، عادوا وبَنَوها مَرَّةً أخرى وأعادوا تلك الحواجز إلى أماكنها!
وقد تقول: "ولكن يا جون، ما الَّذي يَعنيه ذلك بالنِّسبة إليَّ؟" أعتقد أنَّه يعني أمورًا كثيرة: أوَّلاً، إنَّه يعني أنَّهُ ينبغي لك أن تأتي إلى مائدة الرَّبّ. ثانيًا، إنَّه يعني ينبغي لك أن تُراعي كيف تتعامل مع الكنيسة، وأن تَحرص على أَلاَّ تفعل أيَّ شيء قد يُحدِث انشقاقًا في الكنيسة. وأودُّ أن أقول لكم إنَّه عندما تأتي إلى عشاء الرَّبِّ، أو عندما تأتي إلى شركة القدِّيسين الَّذينَ يجتمعون هنا، أرجو أَلاَّ تأتي وأنت تُضْمِرُ أيَّ مشاعر تَعَصُّب لأنَّه لا توجد في المسيح مِثل هذه المشاعر. وأرجو أَلاَّ تأتي وأنت تَحمل أيَّ مشاعر مُعادية للجنس الآخر، أو لطبقةٍ اجتماعيَّةٍ أخرى، أو بمشاعر أنانيَّة، أو بمشاعر عدم مُبالاة لأنَّك إن كنتَ تَشعُر بمشاعر كهذه فإنَّك تُشَوِّه هذه الشَّركة، وتُشَوِّه مائدة الرَّبِّ كما فعلت كنيسة كورِنثوس. فحينئذٍ، ما الَّذي سأقوله لكم؟ سوف أقول لكم ما قاله بولس: "لَسْتُ أَمْدَحُكُمْ!"
نحن نَجتمع معًا مِن أجل الشَّركة يا أحبَّائي. ونحن نَجتمع معًا لكي نَعبُد الله. ونحن نَجتمع معًا لكي نَحتفل بوحدَتنا. لِذا، لِنَجعلها شركة طاهرة. ولنَجعلها شركة حقيقيَّة. لِذا، اتركوا الرُّوحَ القُدُسَ يَهتمُّ شخصيًّا بالسَّماح بحدوث هذه الانشِقاقات مِن أجل تطهير الكنيسة؛ ولكن لا تكونوا أنتم السَّبب في حدوثها. وأرجو أَلاَّ تكون كنيستُنا مِثل كنيسة كورِنثوس، بل أن تكون كنيستُنا مِثل كنيسة تسالونيكي الَّتي قال عنها بولس الكلمات التَّالية: "نَشْكُرُ اللهَ كُلَّ حِينٍ مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، ذَاكِرِينَ إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِنَا، مُتَذَكِّرِينَ بِلاَ انْقِطَاعٍ عَمَلَ إِيمَانِكُمْ، وَتَعَبَ مَحَبَّتِكُمْ، وَصَبْرَ رَجَائِكُمْ، رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ، أَمَامَ اللهِ وَأَبِينَا". كما أنَّهُ قالَ أيضًا الكلمات الجميلة التَّالية: "وَأَمَّا الْمَحَبَّةُ الأَخَوِيَّةُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ مُتَعَلِّمُونَ مِنَ اللهِ أَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا".
نَشكرُك يا أبانا في هذا الصَّباح على الكلمة الواضحة الَّتي سَمِعناها، وعلى الدَّعوة العالية الَّتي دَعوتنا إليها. فنحن نَرى كيف أنَّ الكورنثِّيين شَوَّهوا كلَّ شيء. ويا أبانا، هذا هو الشَّيء الَّذي نَرغب في تَجَنُّبه. عَلِّمنا كيف نكون صانِعي سَلام. وعَلِّمنا كيف نُسهِم في الوَحدة. وأعطِنا فوق هذا كُلِّه الرَّغبة في أن نكون مُطيعين لك. نَجِّنا مِن أنانيَّتِنا، ولا تَسمح لنا أن نَتَحَزَّب في أحزاب لاهوتيَّة، أو أحزاب اجتماعيَّة، أو أحزاب تَتمحور حول الآراء الَّتي تَتفاوت بين كلِّ عمل ونشاط. احفظ فينا جَمال تلك الوَحدة الَّتي تَرَنَّمت بها الجَوْقَة الموسيقيَّة عندما ابتدأت بالتَّرنيم في هذا الصَّباح، واحفظ ذلك الرِّباط الَّذي يَربطنا معًا. عَمِّق مَحبَّتَنا بعضُنا لبعض حَتَّى نُضَحِّي مِن أجل سَدِّ احتياجات الآخرين. نَشكرُك باسم المسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
