في هذا الصَّباح، افتَحوا مَرَّةً أخرى على رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصحاح السَّابع. ونَقولُ لِضُيوفِنا إنَّنا سُعداء لأنَّكُم أَدركَتُمونا في مُنتصفِ دِراسةٍ رائعةٍ ومُشَوِّقة. فنحنُ نَدرُسُ رِسالةَ كورِنثوسَ الأولى. وهذا سِفْرٌ عَمَلِيٌّ جدًّا يُعالِجُ المَشاكِلَ الَّتي يَختبرُها المُؤمِنونَ؛ أيِ المَشاكِلَ الموجودة في كَنيسةِ المسيح. والأصحاحُ السَّابِعُ يُعالِجُ المَشاكلَ المُختصَّةَ بالزَّواج. وفي هذا الصَّباح، إذْ نَصِلُ إلى الأعداد مِن 25 إلى 40، نَأتي إلى مَقطَعٍ مُشَوِّقٍ جدًّا عَنْوَنْتُهُ: "أسبابُ البَقاءِ عَازِبًا". وهذا عُنوانٌ غيرُ مألوف. وَهُوَ مَوضوعٌ غيرُ اعتياديٍّ ومَقطَعٌ غيرُ اعتياديٍّ في الكتابِ المقدَّس. فإنْ كُنتَ قد جِئتَ في هذا الصَّباحِ زَائِرًا، وتَتوقَّعُ سَماعَ عِظَة لاهُوتيَّة عَظيمة، أو رُبَّما جِئتَ وأنتَ تَتوقَّعُ أنَّكَ ستَسمَعُ عن كيفَ تَصيرُ مَسيحيًّا، سيكونُ مِن دواعي سُرورِنا أن نَقولَ ذلكَ لكَ شَخصيًّا بعدَ العِظَة. ولكِنَّنا في هذا الصَّباح سنَدرُسُ النَّصَّ الَّذي أَمامَنا. وَهُوَ نَصٌّ غيرُ اعتيادِيٍّ يَتحدَّثُ عن أسبابِ البَقاءِ عَازِبًا.
والآن، نحنُ، في كَنيسةِ "النعمة" (Grace Community Church) لا نَعتقدُ أنَّ الزَّواجَ شَيءٌ سَيِّئ. فأنا مُتزوِّجٌ. وأغلبيَّةُ الأشخاصِ في هذهِ الكنيسةِ إمَّا مُتزوِّجونَ أَو يَتُوقونَ إلى الزَّواج. فنحنُ لَسنا ضِدَّ الزَّواج. ولكِنَّ الكتابَ المقدَّسَ مُتوازِنٌ جدًّا في حَديثِهِ عنِ الزَّواجِ وَيَقولُ إنَّ العُزوبَةَ بالنِّسبةِ إلى فِئةٍ مِنَ النَّاسِ أفضَل مِنَ الزَّواجِ لأنَّ اللهَ أعطاهُم مَوهبةَ العُزوبة. ويجب على الكنيسةِ أن تُحافِظَ على فَهْمِها المُتَّزِنِ لهذا الأمر. ومعَ أنَّ بُطرسَ يَقولُ عنِ الزَّواجِ إنَّهُ "نِعمَةُ الحَياةِ"، وأنَّ بُولُسَ يَمْتَدِحُ الزَّواجَ لأنَّهُ رَمْزٌ لعلاقةِ المسيحِ بكنيسَتِه حَتَّى إنَّ بولسَ يَقولُ إنَّ الزَّواجَ هُوَ الشَّيءُ السَّائدِ، وإنَّ الرَّبَّ يَسوعَ المَسيحَ يُقِرُّ بِمَتانَةِ الرِّباطِ الزَّوجِيِّ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 19، ما زَالَ مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ العُزوبَةَ تَبقى بالنِّسبةِ إلى أُناسٍ مُعَيَّنينَ القَرارَ الأفضَل. ولكِنَّ كَثرَةَ الحَديثِ عنِ الزَّواجِ في الكتابِ المقدَّسِ لا يَنبغي أن تَدفَعنا إلى التَّفكيرِ في أنَّ أيَّ شَخصٍ عَازِبٍ هُوَ شخصٌ غير طَبيعيّ. فالأمرُ ليسَ كذلك. فقد قالَ أحدُ مُعَلِّمي الكتابِ المقدَّسِ: "إنْ كُنتَ عَازِبًا فإنَكَ لَستَ كَامِلاً". ولكِنْ هل هذا صَحيح؟ لا أعتقد أنَّهُ صَحيح. ولا أعتقد أنَّهُ مِنَ الصَّوابِ أن نَقولَ إنَّ العَازِبينَ أشخاصٌ خَاسِرون، أو إنَّ العَازِبينَ أشخاصٌ غَريبو الأطوار، أو إنَّ العَازِبينَ أشخاصٌ غيرُ كَامِلين، أو غَيرُ طَبيعيِّين. ولكنِّي أعتقدُ أنَّ مُجتمَعنا، أو على الأقَلِّ مُجتَمَعَنا المَسيحيَّ، يَميلُ إلى التَّفكيرِ هَكذا.
فَحالَما تَبلُغُ ابْنَتُنا سِنَّ التَّاسِعَةَ عَشْرَة أوِ العِشرين، نُصابُ بالذُّعر إنْ لم يَكُن هُناكَ شَابٌّ يُحِبُّها. وَحالَما يَبلُغُ ابنُنا سِنَّ العِشرين أوِ الخامسةِ والعِشرين، نَهْلَعُ حَقًّا. وإنْ تَجاوَزَ سِنَّ الخامسةِ والعِشرين ولم يَكُنْ يَعرِفُ فَتاةً نَبتدئُ بالتَّساؤُلِ عَمَّا إذا كَانَ يُعاني مُشكلةً مَا لا يَدري حَتَّى الأبُ والأُمُّ شَيئًا عَنها. أو رُبَّما نَظُنُّ أنَّ هُناكَ مَشاكِل شَخصيَّة لَديهِ لا تَظهَرُ إلَّا عندما يُوْجَدُ حَولَ الفتياتِ؛ وأنَّ تلكَ المَشاكِلِ هي الَّتي تَقضي على أيِّ احتِمالٍ بوجودِ أيِّ عَلاقة كَهذه. ونَحنُ نَميلُ إلى الضَّغطِ على أولادِنا كي يَتزوَّجوا. وأوَّلُ شَيءُ نَقولُهُ لأولادِنا هُوَ: "يجب علينا أنْ نَعثُرُ لكَ على فَتاةٍ مُناسبةٍ تَتَزَوَّجها". ونحنُ نُلِحُّ كَثيرًا عليهم. وغالِبًا ما يَكونُ الزَّواجُ كَارِثيًّا لأنَّ الزَّوجَ والزَّوجَة تَزَوَّجا بسببِ مُضايَقةِ وإلحاحِ الأهلِ وليسَ لأنَّهُما أَطاعَا مَشيئةَ الله. وما سَنَراهُ في هذا الصَّباح، ورُبَّما في الأسبوعِ المُقبِلِ (لأنِّي أَشُكُّ في أنَّنا سَنُنهي دِارسةَ كُلِّ هذا النَّصِّ اليوم) هو أنَّهُ إنْ كانَ الأبُ حَكيمًا حَقًّا، وَهذا يَشمَلُ الأُمَّ أيضًا، عِوَضًا عنِ البدءِ في البَحثِ عن زَوجةٍ لابنِهما، فإنَّهُ سَيبتدئُ قَبلَ أيِّ شَيءٍ آخر في التَّفكيرِ في أنَّهُ رُبَّما كانَ الشَّيءُ الأفضَلُ لابنِهِ هو أن يَبقى عَازِبًا، وأنَّ هَذهِ هي نُقطةُ البَدءِ الصَّحيحة، وأنَّ الزَّواجَ قد يَكونُ الخِيارَ الثَّاني. والآن، رُبَّما كانَ هَذا مُختلفًا قليلاً عَن طَريقةِ تَفكيرِكُم، ولكِنَّ هذا الأصحاحَ بِمُجمَلِه يُدَعِّمُ ذلك.
إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُعَلِّمُ عنِ العُزوبة. والحقيقة هي أنَّنا رأينا في رِسالة كورِنثوس الأولى والأصحاحِ السَّابعِ أنَّ هُناكَ ثلاثَة مَبادئ رَئيسيَّة تَختصُّ بالعُزوبة. المبدأُ الأوَّل: العُزوبَةُ شَيءٌ حَسَنٌ. فالعَدَدُ الأوَّلُ مِنَ الأصحاحِ السَّابِعِ يَقول: "فَحَسَنٌ لِلرَّجُلِ أَنْ لاَ يَمَسَّ امْرَأَةً". وقد رأينا أنَّ العِبارَةَ "لا يَمَسَّ امرأةً" تَعني: "أَلَّا تَكونَ بَينَهُ وَبينَها عَلاقة جِنسيَّة". فَمِنَ الحَسَنِ للرَّجُلِ أنْ يَكونَ عَازِبًا. وَمِنَ الجَيِّدِ للمَرءِ أَلَّا يَتزوَّج.
إذًا أوَّلاً، أن تَكونَ عَازِبًا هُوَ أمرٌ حَسَنٌ. ثانيًا، العُزوبَةُ مَوهبة. فاللهُ يُعطي أشخاصًا مُعَيَّنينَ مَوهبةَ العُزوبة. فنحنُ نَقرأُ في العددِ السَّابع: "لكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَهُ مَوْهِبَتُهُ الْخَاصَّةُ مِنَ اللهِ. الْوَاحِدُ هكَذَا وَالآخَرُ هكَذَا. وَلكِنْ أَقُولُ لِغَيْرِ الْمُتَزَوِّجِينَ وَلِلأَرَامِلِ، إِنَّهُ حَسَنٌ لَهُمْ إِذَا لَبِثُوا كَمَا أَنَا". فَمِنَ الأفضلِ، إنْ كانَت لديكَ المَوهبة، أن تَبقى عَازِبًا. ثالثًا، لقد رَأينا أنَّ حَالَتَكَ الزَّوجيَّةَ لا صِلَةَ لَها بالخَلاص. فعندما تَصيرُ مَسيحيًّا، لا يُوْجَدُ مَا يُحَتِّمُ عليكَ حَالاً أن تَتزوَّج. ولا يُوْجَدُ مَا يُحَتِّمُ عليكَ حَالاً أن تَصيرَ عَازِبًا أو أن تُفارِقَ زَوجَتَكَ (أو أن تُفارِقي زَوجَكِ) كي تُكَرِّسَ نَفسَكَ أكثر لله. وهذا هو تَمامًا الصِّراعُ الَّذي كانَ دَائِرًا في كورِنثوس. فقد كانَ اليَهودُ يَقولونَ إنَّهُ يجب عليكَ أن تَتزوَّج. وكانَ الأُمَمُ يَقولونَ إنَّهُ يجب عليكَ أن تَكونَ عَازِبًا، أو أن تَتَنَسَّكَ. والرَّسولُ بولسُ يَقولُ: كَلَّا. فهو يَقولُ في العَدد 20: "اَلدَّعْوَةُ الَّتِي دُعِيَ فِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ فَلْيَلْبَثْ فِيهَا". فأيًّا كانتِ الحَالَةُ الَّتي كُنتَ عليها [كَما يَقولُ العَدد 24] عندما نِلْتَ الخَلاصَ، امْكُثْ فيها. فإنْ كُنتَ عَازِبًا، هَذا حَسَنٌ. وإنْ كُنتَ مُتزوِّجًا، هَذا حَسَنٌ.
حَسَنًا! والآن، لقد رأينا أنَّ العُزوبَةَ شَيءٌ حَسَن. فالعُزوبَةُ مَوهِبَة. وإنْ لم تَكُن تَملِكُ هذه المَوهبةَ، لا تُحاوِل أن تَكونَ عَازِبًا لأنَّكَ لن تَفعلَ شَيئًا سِوى أنَّكَ ستُحبِطُ نَفسَك. ثالثًا، العُزوبةُ ليس مُرتبطة بالضَّرورة بالخَلاص. فلا يُوْجَدُ مَا يُحَتِّمُ عليكَ أن تَتزوَّجَ حالاً بعدَ أن تَنالَ الخَلاص. ولا يُوْجَدُ مَا يُحَتِّمُ عليكَ أن تَفْسَخَ زَواجَكَ بعدَ أن تَنالَ الخَلاص، بل يُمكِنُكَ أن تَكونَ مُكَرَّسًا بالقَدرِ نَفسِهِ سَواءٌ أَكُنتَ عَازِبًا أَمْ مُتزوِّجًا.
والآن، في الأعداد مِن 25 إلى 40، يَتوسَّعُ بولسُ في حَديثِهِ عن هذهِ النُّقطة الرَّئيسيَّة. فقد كانَ مُؤمِنو كورِنثوس يَطرحونَ أسئلةً (بِحَسَب ما جاءَ في العَددِ الأوَّلِ مِنَ الأصحاحِ السَّابعِ) إذْ نَقرأُ: "وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الأُمُورِ الَّتِي كَتَبْتُمْ لِي عَنْهَا". وَبولسُ يُجيبُ عن أسئلةٍ مُباشِرَةٍ كانُوا يَطرحونَها. والسُّؤالُ الَّذي يُجيبُ عنهُ هُنا هُوَ: هل يَنبغي لَهُم أن يَتزوَّجوا؟ فهل مِنَ الأفضَل أن تَبقى عَازِبًا كي تَخدِمَ اللهَ بِقَلبٍ مُكَرَّسٍ وذِهْنٍ غير مُشَتَّت، أَم أنَّهُ يجب عليكَ أن تَتزوَّجَ [كَما يَقولُ أصحابُ الرَّأيِ اليهوديِّ التَّقليديِّ] كي تُتَمِّمَ مَشيئةَ الله؟ فقد كانَ اليهودُ يَقولونَ إنَّهُ يجبُ عليكَ أن تَتزوَّجَ؛ وإلَّا فإنَّكَ تُخَالِفُ وَصيَّةَ اللهِ للإنسانِ بأنْ يَملأَ الأرض. أمَّا الأُمَمُ الَّذينَ كانوا قد تَشَرَّبوا فِكرةَ التَّنَسُّكِ الفَلسفيَّة فكانوا يَقولونَ إنَّهُ مِنَ الأفضلِ أن تَبقى عَازِبًا كي تُكَرِّسَ نَفسَكَ تَمامًا لله. وبولسُ يَقولُ إنَّ كِلا الأمرينِ حَسَنٌ. فهُناكَ أشخاصٌ يَملِكونَ مَوهبةَ العُزوبة. وإنْ كانوا يَملِكونَها، هذا حَسنٌ. وهُناكَ مَن لا يَملكونَ مَوهبةَ العُزوبة. لِذا، مِنَ الأفضلِ لهؤلاء أنْ يَتزوَّجوا. وهَذا حَسَنٌ أيضًا.
لاحِظوا أنَّ العُزوبةَ والزَّواجَ ليسا مُرتَبِطَيْنِ بمُستوى الإنسانِ الرُّوحِيِّ. فالأشخاصُ العَازِبونَ ليسوا أكثرَ رُوحِيَّةً، ولا الأشخاصُ المُتزوِّجون. ولكِنْ إنْ كُنَّا نَحُثُّ الأشخاصَ الَّذينَ يَملِكونَ مَوهبةَ العُزوبَةِ على استخدامِ تلكَ الموهبةِ وعَدَمِ الزَّواج، فإنَّهُ يُضيفُ الأعدادَ مِن 25 إلى 40. وهذا تَشجيعٌ للأشخاصِ العَازِبينَ كي يَرَوْا مَا إذا كانَ اللهُ قد أعطاهُم مَوهبةً يَنبغي لَهُم أن يُحافِظوا عليها بالبَقاءِ عَازِبين.
والآن، لاحِظوا العَددَ 25. وسوفَ نَبتدئُ مِن تلكَ النُّقطة: "وَأَمَّا الْعَذَارَى، فَلَيْسَ عِنْدِي أَمْرٌ مِنَ الرَّبِّ فِيهِنَّ، وَلكِنَّنِي أُعْطِي رَأْيًا كَمَنْ رَحِمَهُ الرَّبُّ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا". فبخصوصِ الـ "پارثينوي" (parthenoi)؛ أيْ: بِخُصوصِ "العَذارَى". وإلى مَنْ تُشيرُ هذهِ الكلمة؟ هُناكَ آراءٌ عَديدة تَطرَحُها جَماعاتٌ عَجيبةٌ وغَريبة. ولكِنْ لا تُوجَدُ في الحَقيقة أيُّ صُعوبَة في تَفسيرِ هذهِ الكلمة. فهذهِ الكلمة تَعني ببساطَة: أعزَب. فالكلمة "پارثينوي" (parthenoi) تَعني ببساطَة: "أعزَب"، أو "غير مُتزوِّج". وحيثُ إنَّها تُستخدَمُ بصيغةِ المُؤنَّث، فإنَّها تُشيرُ إلى الفتياتِ غير المُتزوِّجات. والفتياتُ العَذارَى هُنَّ المَقصودات في هذهِ الجُملة: "وَأمَّا العَذارَى". وهذا هُوَ تَمامًا ما قَصَدَهُ. ويُمكِنُني أن أُضيفَ أنَّهُ في حَالةٍ واحِدَةٍ (وَهِيَ في سِفْرِ الرُّؤيا 14: 4)، تُستخدَمُ هذهِ الكلمة للإشارةِ إلى العُزَّاب، ولكنَّها هُنا تُستخَدَمُ بصيغةِ المُؤنَّث. لِذا فقد كانَ يُشيرُ هُنا إلى الفتياتِ العَازِبات.
وَهُوَ يَقولُ: "وَأَمَّا الْعَذَارَى..."؛ أيِ الفَتياتِ غير المُتزوِّجات، أوِ الفَتياتِ العَذارى غيرِ المُتزوِّجات "...فَلَيْسَ عِنْدِي أَمْرٌ مِنَ الرَّبِّ فِيهِنَّ". فعندما كانَ الرَّبُّ يَحسِمُ مَسألةً بجُملةٍ مُباشِرَةٍ، كانَ بولسُ يَقولُ ذلك. فَهُوَ يَقولُ، على سَبيلِ المِثالِ، في العَددِ العَاشِر: "لقد أَوْصَى الرَّبُّ أَنْ لاَ تُفَارِقَ الْمَرْأَةُ رَجُلَهَا". وَهُوَ يَقْتَبِسُ كَلامَ يَسوع. ولكِنَّهُ يَقولُ هُنا: "بِخُصوصِ الفَتياتِ غيرِ المُتزوِّجات، أو بِخُصوصِ الفَتياتِ العَازِبات، لَيْسَ عِنْدِي أَمْرٌ مِنْ يَسوع". فَهُوَ لم يَقُل شَيئًا. وَهُوَ يَعني بذلك: "لا يُمكِنُني أن أقتَبِسَ كَلِماتٍ قَالَها المَسيح". فيسوعُ لم يَقُل أيَّ شَيءٍ عن هذا الموضوع. فإنْ كانَ الرَّبُّ قد أَعطَى وَصِيَّةً، كانَ بولسُ يَذكُرُها. وإنْ لم يَكُنِ الرَّبُّ قد أَعطَى وَصِيَّةً، كانَ بولسُ يَقولُ ذلكَ أيضًا. فَهُوَ يَقولُ في العَدد 12: "وَأَمَّا الْبَاقُونَ، فَأَقُولُ لَهُمْ أَنَا، لاَ الرَّبُّ". بِعبارة أخرى، سوفَ أقولُ لَكُم شَيئًا الآن. وَهُوَ ليسَ أقَلَّ سُلطانًا، ولكنَّهُ شَيءٌ لم يَقُلِ الرَّبُّ شَيئًا عنه. لِذا، لَم يَكُن باستطاعَتِهِ أنْ يَقتَبِسَ كَلامَ المَسيح. لِذا فإنَّهُ يَقولُ إنَّ الرَّبَّ لم يَقُل شَيئًا عن هذا الموضوع، "وَلكِنَّنِي أُعْطِي رَأْيًا". وَلاحِظوا مَا يَقول في العَدد 25: "ليسَ بِصِفَتي رَجُلاً عَاديًّا، بل كَمَنْ رَحِمَهُ الرَّبُّ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا [أو جَديرًا بالتَّصديق]". فأنا أُعطي رَأيي. والآن، هل هَذا يَعني أنَّ مَا ذُكِرَ هُنا هُوَ رأيُ بُولُس الشَّخصيّ؟ ليسَ حَقًّا، بَلْ قَطْعًا لا. فَكما تَرَوْنَ، هُناكَ أُمورٌ تَكَلَّمَ الرَّبُّ عُنها. وهُناكَ أُمورٌ لم يَتكلَّم الرَّبُّ عنها. والآن، لاحِظوا ما يَلي: فيما يَخُصُّ القَضايا الَّتي لم يَتكلَّمِ الرَّبُّ عنها، تَكَلَّمَ الرُّسُلُ عَنها في أغلبِ الأحيان.
وأحيانًا، عندما كانَ الرُّسُلُ يَتكلَّمون، كانُوا يُعْطونَ وَصايا مُلْزِمَة وَذات سُلطان. ولكِنَّهُم كانوا في أوقاتٍ أخرى يُعْطونَ إرشاداتٍ فقط لأنَّها لم تَكُن وَصايا مُلْزِمَة. وفي هذا المَقطَع، يَقولُ بولُس: "انظُروا! أنا أُقَدِّمُ لَكُم إرشادًا. أنا أُقَدِّمُ لَكُم نَصيحَةً جَيِّدة". والحَقيقةُ هي أنَّها ليست نَصيحة مِن بولُس وَحَسْب، بل هي نَصيحة مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ مِن خِلالِه. ولكِنَّها ليست وَصِيَّةً مُطْلَقَةً". فلم يَكُن بمقدورِهِ أن يَقول: "يجب عليكم جميعًا أن تَبقوا عَازِبين" أو: "يجب عليكُم جميعًا أن تَتزوَّجوا" لأنَّ الزَّواجَ يُلائِمُ بَعضًا مِنهُم، وأمَّا الآخرونَ فتُلائِمُهم العُزوبة. لِذا فإنَّهُ يَقول: "اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم نَصيحةً كمبدأ عَامٍّ يُطَبَّقُ في كُلِّ حَالة. فأنا أُعطيكُم رأيي في هذا الأمر. وأنا أُعطيكُم إرشاداتٍ عَامَّة. وهي ليست مُستَقِلَّةً عنِ الرُّوحِ القُدُس". وَهُوَ يَقولُ في العَدد 40: "وَأَظُنُّ أَنِّي أَنَا أَيْضًا". فَهُوَ لا يَقولُ: "رُبَّما أنا أيضًا" كَما نَقولُ أحيانًا، بل: "وَأَظُنُّ أَنِّي أَنَا أَيْضًا عِنْدِي رُوحُ اللهِ". وَهُوَ يَقولُ ذلكَ بِلَهْجَةٍ سَاخِرَةٍ لأنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ الَّذين كانوا يُشَوِّشونَهُم كانوا يَقولونَ: "نحنُ عِنْدَنا رُوْحُ اللهِ". لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: " وَأَظُنُّ أَنِّي أَنَا أَيْضًا عِنْدِي رُوحُ اللهِ أيضًا".
لِذا، فقد كانَ رُوْحُ اللهِ وَراءَ ذلك. وهذهِ هي مَشورةُ بولُس أوِ المَبادئُ العَامَّةُ الَّتي تَحْكُمُ المَوقِفَ العَامَّ للمُؤمِنينَ تُجاهَ العُزوبَة. "وَأَمَّا الْعَذَارَى، فَلَيْسَ عِنْدِي أَمْرٌ مِنَ الرَّبِّ فِيهِنَّ، وَلكِنَّنِي أُعْطِي رَأيًا [أوْ حُكْمًا، أو تَقييمًا لا كَرَجُلٍ عَادِّيٍّ، بَلْ] كَمَنْ رَحِمَهُ الرَّبُّ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا". فهي ليست مُجَرَّد مَشورةِ رَجُلٍ حَكيمٍ، بل مَشورةُ رَجُلٍ نَالَ رَحْمَةً مِنَ الرَّبِّ. وما مَعنى ذلك؟ أيْ أنَّهُ شَخصٌ جَديرٌ بالثِّقَة. فهو شَخصٌ نَالَ رَحْمَةً خَاصَّةً مِنَ اللهِ، وأُعطِيَ قُدرةً غير عَاديَّة على مَعرفةِ الحَقِّ. "أنا أُكَلِّمُكُم كَمَنْ رَحِمَهُ الرَّبُّ أَنْ يَكُونَ ’پستوس‘ [pistos]". وهذه هي الكلمة الَّتي تُتَرجَمُ هُنا: "أَمينًا". وهي تَعني أنَّهُ جَديرٌ بالتَّصديقِ أو جَديرٌ بالثِّقة. وهذا استِخدامٌ مُتكَرِّر لتلكَ الكلمة في العهدِ الجديد. "جَديرٌ بالثِّقة"؛ أيْ: "يُمكِنُكم أنْ تَثِقوا في حُكْمي. فاللهُ أعطاني بِمُقتَضَى رَحمَتِهِ بَصيرةً غير عَاديَّة لِمَعرفةِ الحَقِّ يُمكِنُكم أنْ تَثِقوا بِها". فقد كانَ بولسُ يَشعُر أنَّهُ مَدينٌ لِرحمةِ المَسيحِ على تلكَ الحقائقِ الداخليَّةِ الَّتي اؤتُمِنَ عليها. فالمَسيحُ جَعَلَهُ، بِنَعمَتِهِ، كَارِزًا جَديرًا بالثِّقة. وَجَعَلَهُ رَسُولاً ذَا سُلطان. لِذا فإنَّهُ يَقول: "يُمكِنُكم أيُّها الكُورِنثيُّون أن تَقبَلوا حِكمَتي، ويُمكِنُكم أن تَقبَلوا هذهِ المَبادِئ. فيُمكِنُكم أن تَقبلوها بِثِقَة لأنَّ المَسيحَ رَحَمَني رَحمةً غير عَاديَّة. فقد كانَ رَحيمًا جِدًّا بي بأنْ وَهَبَني تلكَ النِّعَم الدَّاخليَّة الَّتي تُمَكِّنُني مِنْ قَوْلِ الحَقّ".
والآن، اسمَحوا لي أن أُلَخِّصَ ما قَصَدَهُ بالعَدد 25: "فيما يَخُصُّ الفتياتِ العَازِبات، ليست لديَّ وَصيَّة مُحَدَّدة لِكُلِّ حَالة. فكُلُّ حَالة تَختَلِف عَن غَيرِها. ولكِنَّ اللهَ وَضَعَني، بِنِعمَتِهِ، في مَوقِفٍ يُمكِنُني فيهِ أنْ أُقَدِّمَ لَكُم نَصيحَةً جَيِّدة. وتلكَ النَّصيحة جَديرة بالتَّصديق. لِذا، يُمكِنُكم أن تأخُذوا تلكَ النَّصيحة وأن تُطَبِّقوها في كُلِّ حَالَة". والآن، لِنَنظُر إلى العَدد 26: "فَأَظُنُّ أَنَّ هذَا حَسَنٌ". تَوَقَّفوا هُنا. ثُمَّ انظُروا إلى نِهايةِ الآية: "أَنَّهُ حَسَنٌ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ هكَذَا". "فَأَظُنُّ أَنَّ هذَا حَسَنٌ". والآن، أرجو أن تُلاحِظوا مَرَّةً أخرى أنَّ الكلمة "أَظُنُّ" قد يُساءُ فَهمُها مَرَّةً أخرى. فالكلمة "أَظُنُّ" لا تَعني أنَّ بولسَ يَقول: "حسنًا، لِنرى ذلك! رُبَّما كَذا". كَلَّا. فالكلمة "نوميدزو" (nomidzo) في اللُّغةِ اليونانيَّة تَعني: "في رأيي" أو "في اعتقادي". فهي ليست تَخمينًا، بل قَناعَةً: "أنا مُقْتَنِعٌ بأنَّ هَذا حَسَنٌ". وما هو الشَّيءُ الحَسَن؟ "أَنَّهُ حَسَنٌ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ هكَذَا". أنْ يَكونَ مَاذا؟ أنْ يَكونَ عَازِبًا، أو غيرَ مُتزوِّج. وَهُوَ يُضيفُ هُنا فِكرةَ الرَّجُلِ إلى الصِّيغَةِ المُؤنَّثة في العَدد 25: "مِنَ الحَسَنِ أَلَّا تَكونَ مُتزوِّجًا. وَمِنَ الحَسَنِ أن تَكونَ عَازِبًا". فهذا هو ما يَقولُه. "مِنَ الحَسَنِ أن تَكوني عَذراءَ غير مُتزوِّجة".
وقد رأينا تلكَ الفِكرة في الأصحاحِ السَّابعِ والعددِ الأوَّل، وفي الأصحاحِ السَّابعِ والعَددِ الثَّامِن. فَهُوَ يَقولُ مَرَّتينِ هُناك إنَّهُ حَسَنٌ أن تَكونَ عَازِبًا. فَلا خَطأَ في أن تَكونَ أعزَبًا إنْ كُنتَ تَملِكُ المَوهبةَ. لِذا، لا يَجوزُ للكنيسةِ أن تُسيءَ الحُكمَ على الأشخاصِ العَازِبين، وَلا سِيَّما في وَقتِنا الحَاضِرِ تَحديدًا لأنَّ هُناكَ مَعلومات كثيرة جدًّا عنِ العائلة. فالعائلةُ شَيءٌ حَسَن. ويجب علينا أن نُرَكِّزَ على العائلة. وهُناكَ تَركيزٌ لائِقٌ بها. وَمِنَ الواضِحِ أنَّهُ تَركيزٌ كَبيرٌ جدًّا يَنبغي القيامُ به. ولكِنْ في الوقتِ نفسِه، يجب أن يَكونَ هُناكَ تَوازُنٌ واعتبارٌ للعُزوبةِ، وأن تَكونَ هُناكَ أيضًا هُويَّة للعازِبِ، وأنْ يَكونَ هُناكَ قَبولٌ لَهُ في الحياةِ الروحيَّةِ مُساوٍ للقَبولَ الَّذي نُظهِرُهُ لأيِّ شخصٍ مُتزوِّج؛ لا أنْ نُعامِلَهُ كما لو كَانَ شَخصًا غيرَ عَادِّيٍّ. فإنْ كُنتَ تَملِكُ مَوهبةَ العُزوبة، فهي شَيءٌ حَسَنٌ. لِذا، لا تَسْعَ إلى الزَّواج. فَمِنَ الحَسَنِ أنْ تَبقى عَازِبًا.
والآن، هذهِ هي نَصيحةُ بولُس. وَمَصْدَرُها هو الرُّوحُ القُدُس. ثُمَّ إنَّ بولسَ يُدَعِّمُ تلكَ الفِكرة بِخمسة أسباب تَدعو إلى البَقاءِ عَازِبًا. وسوفَ نَتحدَّثُ عن أكبرِ عَدَدٍ مِن هذهِ الأسباب في هذا الصَّباح ونَرى إلى أينَ يُمكِنُنا أنْ نَصِل. السَّببُ الأوَّلُ الَّذي يَدعو إلى البقاءِ عَازِبًا...وقد يَنظُرُ أُناسٌ مُتزوِّجونَ مِنكُم إلى هذهِ الأسبابِ ويَقولون: "أنا أَعلمُ أنَّهُ كانَ يَنبغي لي أن أَبقى عَازِبًا". وهُناكَ أشخاصٌ مِنكُم مِمَّنْ يَتعرَّضونَ للضَّغطِ الاجتماعِيِّ كي يَتزوَّجوا قد يُدركونَ أنَّ ذلكَ الضَّغطَ الاجتماعيَّ هُوَ مُجَرَّدُ ضَغطٍ اجتماعيٍّ، ولكنَّهُ ليسَ مَشيئة الله. وسوفَ تُفَكِّرونَ جِدِّيًا في البَقاءِ عَازِبينَ بَقيَّةَ حَياتِكُم. وأيًّا كانَتْ مَقاصِدُ اللهِ، نُصَلِّي أنْ تَجِدوا في هَذا النَّصِّ تَطبيقًا في حَياتِكُم الشخصيَّة.
حسنًا! السَّببُ الأوَّلُ للبَقاءِ عَازِبًا هو ضَغْطُ النِّظام...ضَغْطُ النِّظام. لاحِظوا العَدد 26: "فَأَظُنُّ أَنَّ هذَا حَسَنٌ". وَما هُوَ الشَّيءُ الحَسَن؟ "أَنَّهُ حَسَنٌ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ هكَذَا". أنْ يَكونَ مَاذا؟ أنْ يَكونَ غيرَ مُتزوِّج. لِماذا؟ "لِسَبَبِ الضِّيقِ الْحَاضِر". هل تَرَوْنَ ذلكَ في مُنتصفِ العَدد 26؟ "لِسَبَبِ الضِّيقِ الْحَاضِر"، أوْ: "لِسَبَبِ الشِّدَّةِ الحَالِيَّة" (إنْ أَردتُم تَرجمةً حَرفيَّةً أكثر). "لِسَبَبِ الشِّدَّةِ الحَالِيَّة". "لِسَبَبِ الضِّيقِ الْحَاضِر".
والآن، إنَّ الكلمة "أنانكيه" (Ananke) المُترجمة هُنا "ضِيْق" تَنْطَوي على مَعْنىً ثانويٍّ أعتقد أنَّهُ يُساعِدُ كثيرًا في تَفسيرِ النَّصِّ إذْ إنَّها تَعني: "عُنْف". وَهَذا هُوَ ما يَعنيهِ الرَّسولُ بولس. فهي تُستخدَمُ أيضًا للإشارةِ إلى العُنف. وهذهِ أفضلُ تَرجمةٍ لها في إنجيل لُوقا 21: 23 إذْ إنَّها تَتحدَّثُ عنِ العُنفِ الَّذي سيَحدُثُ في الضِّيقةِ العَظيمة. وهي تُشيرُ إلى العُنفِ في رِسالة تَسالونيكي الأولى 3: 7، ورسالة كورِنثوس الثَّانية 6: 4، ورسالة كورِنثوس الثَّانية 12: 10. فالكلمةُ نَفسُها تُشيرُ إلى العُنف. وأفضلُ تَرجمةٍ لها هي: العُنف. وهُنا أيضًا، أعتقدُ أنَّ تلكَ هي أفضل تَرجمة لها أيضًا. فَمِنَ الأفضلِ أن تَبْقى عَازِبًا بسببِ العُنْفِ الوَشيك. وما الَّذي تَعنيه بذلك؟ يَقولُ "كيتل" (Kittel) إنَّ هذهِ الكلمة تُشيرُ إلى التَّنافُرِ المَوجودِ بينَ الخَليقةِ الجديدةِ في المَسيح والعَالَم القَديم. وبعدَ أن يَتتبَّعَ "كيتل" استخدامَاتِ هذهِ الكلمة في كُلِّ العهدِ الجديد فإنَّهُ يَقتَرحُ فِكرةَ أنَّهُ عندما يَصيرُ الإنسانُ مَسيحيًّا فإنَّهُ يَدخُلُ في صِراعٍ عَنيفٍ معَ النِّظام.
والآن، يَتحدَّثُ بولسُ عنِ العُنفِ والضِّيقِ والألمِ والمُعاناةِ الَّتي يُمكِنُ أن يَتعرَّضَ لها أيُّ شخصٍ يَعتَرِف بالمَسيح. فَمِنَ الصَّعبِ أن تَكونَ مَسيحيًّا [كَما يَقولُ بولُس]، وَمِنَ الصَّعبِ بِصورة خَاصَّة أن تَكونَ مَسيحيًّا مُتزوِّجًا بسببِ الضِّيقِ والعُنفِ الَّذي يُمارِسُهُ النِّظام. وقد اختَبَرَ بولسُ الكَثيرَ مِنَ الضِّيقاتِ الَّتي تُساعِدُنا في فَهْمِ ذلك. فقد كانَ بولسُ يَدخُلُ مَدينَةً فَيَضرِبونَهُ. وكانَ يَذهبُ إلى مَدينةٍ أخرى فَيَرجُمونَهُ. وكانَ يَذهبُ إلى مَدينةٍ أخرى فَيَجلِدونَهُ بالسَّوْط. وكانَ يَذهبُ إلى مَدينةٍ أخرى فَيَسجُنونَهُ. فَقدِ اختبرَ هَذا الرَّجُلُ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّة، طَوالَ حَياتِهِ، الألمَ والمُعاناة تِلْوَ الألم والمُعاناة. وهل يُمكنكُم أن تَتخيَّلوا فَداحَةَ هذهِ المُشكلةِ لو أنَّ الرَّسولَ بولسَ كانَ قد تَرَكَ وَراءَهُ زَوجَةً عَزيزةً على قَلبِهِ في البيت، ومَجموعة مِنَ الرُّسُلِ الصِّغار يَركُضونَ في البيت؟ فقد كانَ الوَضْعُ سيَزدادُ تَعقيدًا جدًّا. وفي كُلِّ مَرَّةٍ اختَبَرَ فيها بولسُ الألم، كانَ سَيُفَكِّرُ قائلًا في نَفسِه: "إنْ حَدَثَ شَيءٌ لي، مَنْ سَيَعتني بزوجَتي؟ وَمَنْ سَيَعتني بأولادي؟ وكيفَ سأتمكَّنُ مِنَ الاستمرارِ في القيامِ بذلك فيما تَجلِسُ زَوجَتي في البيتِ وتَشعُرُ بالخوفِ وَحَسْرَةِ القَلبِ دائمًا، وفيما يَشعُرُ أولادي بالخوفِ مِن أنَّ أباهُم لن يَعود؟ يجب عليَّ أن أعودَ إلى البيت، وأن أعتَني بهم، وأن أَقوتَهُم وأُربِّيهم. فهذهِ هي مَسؤوليَّتي الرَّئيسيَّة".
وكَما تَرَوْن، بسببِ عُنفِ العَالَمِ الَّذي كانَ يَعيشُ فيهِ بولُس، كانَ الزَّواجُ عَقَبَةً مُريعةً لأيِّ شَخصٍ مَسيحيّ؛ على الأقَلِّ مِن جِهَةِ خِدمَتِه. وكانَ مُؤمِنو كورِنثوس ما زَالوا يَذكرونَ ما حَاوَلَ اليَهودُ في كورِنثوس أن يَفعلوهُ ببولُس في أوَّلِ مَرَّةٍ جاءَ فيها إلى مَدينَتِهم.
وبولسُ يَقولُ: "بِسَبَبِ... [لاحِظوا هذا] ... العُنْفِ الحَاضِرِ أوِ الوَشيك". فقد كانَ بولسُ يَتوقَّعُ حُدوثَ ضِيْقٍ آنَذاك. فهُناكَ عُنْفٌ سيحدُثُ عندما يَشتدُّ الاضطهادُ الوَثنيُّ. وقد كانَ بِمَقدورِ بولسَ أن يَرى أنَّ ذلكَ الاضطهادَ آتٍ. وكانَ يَعلمُ أنَّ الفتاةَ المُتزوِّجةَ أو أنَّ الشَّابَّ المُتزوِّجَ والَّذي يُرَبِّي أولادًا قد يُعاني خَسائِرَ فَادِحَةً سَتَكونُ أكثرَ وَطأةً على الأشخاصِ الَّذينَ لديهم عائلات عندما يأتي الاضطهاد. وقد كانَ يَعلَمُ مِن خِلالِ حَياتِهِ الشَّخصيَّةِ (كَما قُلتُ سابقًا) أنَّهُ مِنَ الأفضَل أَلَّا تَكونَ لَكَ زَوجة وأولاد يَبكونَ عليكَ ويَعيشونَ بقلوبٍ مَكسورة وخائفة في كُلِّ مَرَّةٍ تَذهبُ فيها إلى مَكانٍ مَا. فالأوقاتُ العَصيبَةُ ستأتي على الكنيسة. وقد كانَ بولسُ يُدركُ ذلك. فقد كانَ التَّغييرُ في الموقِفِ الوَثنيِّ تُجاهَ المَسيحيِّينَ قَادِمًا. وقد تَقول: "وكيفَ عَلِمَ ذلك؟" أوَّلاً، كانَ يَسوعُ قد تَنَبَّأَ بذلك. ففي إنجيل يُوحَنَّا والأصحاح 15، قالَ يَسوعُ الشَّيءَ نَفسَهُ عندما أَكَّدَ للتَّلاميذ أنَّهُم سَيُضطَهَدون: "إِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ أَبْغَضَنِي قَبْلَكُمْ. لَوْ كُنْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ لَكَانَ الْعَالَمُ يُحِبُّ خَاصَّتَهُ. وَلكِنْ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ مِنَ الْعَالَمِ، لِذلِكَ يُبْغِضُكُمُ الْعَالَمُ".
"لِذلِكَ يُبْغِضُكُمُ الْعَالَمُ". فالكَلامُ واضِحٌ جدًّا. وَهُوَ يَقولُ في الأصحاح 16 والعَدد الأوَّل: "قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ لاَ تَعْثُرُوا. سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ، بَلْ تَأتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً لله". فقد تَنبَّأَ يَسوعُ بحدوثِ ذلك. وكانَ بُولُسُ يَرى ذلكَ الاضطهادَ يَلوحُ في الأُفُق. فمثلاً، اسمَحوا لي أن أُعطيكم خَلفيَّة تَاريخيَّة مُختَصَرة عن ذلك. كانَ أوَّلُ اضْطِهادٍ مُريعٍ قد حدَثَ في عَهْد نِيرون. ويُخبرُنا المُؤرِّخونَ أنَّ الوَحشيَّةَ الَّتي مُوْرِسَت بِحَقِّ المَسيحيِّينَ في ذلكَ الاضطهادِ الأوَّلِ كانت شَديدةً حَتَّى إنَّها اسْتَدَرَّتْ عَطْفَ الرُّومانِ أنفُسِهم. فقد مَارَسَ نِيرون الوَحشيَّةَ تِلْوَ الوَحشِيَّة، واستَمَرَّ في مُمارسةِ كُلِّ أنواعِ وأشكالِ الاضطِهاد. فقد كانَ يَأمُرُ بِإلباسِ المَسيحيِّينَ جُلودِ حَيَواناتٍ بَرِّيَّة وَإطلاقِ الكِلابِ عَليهم لِيُقَطِّعوهُم إرْبًا إرْبًا. وكانَ يُلبِسُ مَسيحيِّينَ آخَرينَ مَلابِسَ سُكِبَتْ عليها مَادَّةُ الشَّمع. وكانَ يُثَبِّتُ هَؤلاءِ النَّاسَ إلى الأشجارِ ويُشْعِلُهُمْ لإنارَةِ حَديقَةِ قَصرِه. وقد حَدَثَ ذلكَ في القُرونِ البَاكِرَةِ مِنَ الإمبراطوريَّةِ الرُّومانيَّة. وكانَ "أَرَاسْتُس" (Erastus)، بحسبِ "كِتابِ الشُّهداء لفوكس" (Foxe’s Book of Martyrs) واحدًا مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ استُشهِدوا في الاضطهادِ الأوَّل. وكانَ "أَرَاسْتُس" أَمينُ الخَزنَةِ في مَدينةِ كورِنثوس. وهذا يُرينا أنَّ اضْطِهادَ نِيرون امتَدَّ إلى كورِنثوس وَطَالَ حَياةَ رَجُلٍ ذُكِرَ اسْمُهُ في الكتابِ المقدَّسِ لأنَّهُ كانَ واحِدًا مِنَ المَسيحيِّينَ في كورِنثوس.
وكانَ بولسُ يَعلمُ أنَّ هذا الاضطهادَ سيأتي لا مَحَالَة على الكُورِنثيِّين. فقد كانَ يَرى ذلكَ يَلوحُ في الأُفُق. في ضَوْءِ ذلكَ فإنَّهُ يَقول: "نَصيحَتي إليكُم هي: إذا كانت لديكُم الموهبة، ابْقَوْا عَازِبين". ويجب أن تَتذكَّروا، يا أحبَّائي، أنَّ هذهِ النَّصيحةَ مُوَجَّهةٌ فقط إلى الأشخاصِ الَّذينَ يَملِكونَ المَوهبة لأنَّهُ إنْ كُنتُم تَفرِضونَ على الآخَرينَ أن يَبقَوْا عَازِبينَ ولكنَّهُم لا يَملِكونَ المَوهبةَ، فإنَّكُم تُرغِمونَهُم على التَّحَرُّقِ بسببِ الشَّهوةِ طَوالَ حَياتِهم. وَهذا لن يُعطي أيَّ نَتيجة إيجابيَّة. أمَّا إنْ كانت لديكَ الموهبة (كَما يَقولُ، وهذا هُوَ الافتِراضُ الأساسِيُّ هُنا)، لا تَتزوَّج. والسَّببُ في ذلكَ هُوَ الضَّغطُ الآتي، أيْ ضَغْطُ النِّظامِ على المُؤمِن. ونَقرأُ في العدد 27: "أَنْتَ مُرْتَبِطٌ بِامْرَأَةٍ، فَلاَ تَطْلُبِ الانْفِصَالَ. أَنْتَ مُنْفَصِلٌ عَنِ امْرَأَةٍ، فَلاَ تَطْلُبِ امْرَأَةً". بِعبارةٍ أخرى: "أنا لا أقولُ لَكُم أنْ تَفْسَخوا زَواجَكُم. فأنا لا أُريدُ أيْ سُوْءِ فَهْمٍ لِما أقول. لا تُطَلِّق زَوجَتَك". والحَقيقةُ هي أنَّهُ يَقولُ في العددِ العَاشِر: "أَنْ لاَ تُفَارِقَ الْمَرْأَةُ رَجُلَهَا". فأيًّا كانَ الضِّيق، يجب على المُتزوِّجينَ أنْ يَحتَمِلوه. أمَّا إذا كانَ أَمَامكَ خِيارٌ، وكانت لديكَ المَوهبة، لا تَتزَوَّج. ابْقَ حيثُ أنت. فهذا هو ما يَقولُهُ العَدد 27.
والسُّؤالُ الَّذي يَتبادَرُ إلى الذِّهنِ هُوَ: كيفَ يُتَرْجَمُ ذلكَ في سَنة 1976؟ تَذَكَّروا دائمًا أنَّ بولسَ يَتحدَّثُ عن أولئكَ الَّذينَ يَملِكونَ المَوهبة. ويُوجَدُ اليومُ أُناسٌ يَملِكونَ مَوهبةَ العُزوبة. فما الَّذي يَعنيهِ بالنِّسبةِ إليهم أنْ يَختبِروا ضِيْقَ الزَّمانِ الحَاضِر؟ ضَغْطُ النِّظام؟ فهل نُواجِهُ في عَالَمِنا ضِيْقًا؟ وهل نُواجِهُ في عَالَمِنا عُنْفًا شَبيهًا بالعُنفِ الذي اختَبروه في القَديم؟ فهل نُواجِهُ زَمَنَ اضْطِهاد؟ هُناكَ مَن يَقولُ إنَّنا نُواجِهُ ذلك. وبحسبِ ما قالَهُ رَبُّنا يَسوعُ في إنجيل مَتَّى والأصحاحَيْن 24 و 25 (في تَعليمِهِ على جَبَلِ الزَّيتونِ بخصوصِ انقِضاءِ الدَّهر)، قالَ إنَّ انْقِضاءَ الدَّهرِ سَيَتَّسِمُ بالحَربِ، أيِ الحَربِ البَارِدَةِ والسَّاخِنَة. وَسَيَتَّسِمُ بالمَجاعاتِ، والأمراضِ، والزَّلازِلِ، والاضطِهاد. ومِنَ المُؤكَّدِ أنَّ أسوأَ ذلكَ سيأتي في الفَترةِ الَّتي تُعرَفُ بالضِّيقةِ العَظيمة، بعدَ أن تُخْطَفُ الكَنيسةُ مِنَ العَالَم. ولكِنْ يبدو أنَّ بَعضًا مِن هذهِ الأمور سَتَحدُثُ قبلَ اختطِافِ الكنيسة. فالانفجارُ السُّكَّانِيُّ، والتَّلَوُّثُ، والجَريمَةُ، والانحِلالُ الأخلاقِيُّ، والأنبياءُ الكَذبة، واستِفحالُ الخَطيَّة، وكُلُّ أنواعِ الأمورِ الأخرى هِيَ أُمورٌ تَلوحُ في الأُفُق الآن ولا يُمكِنُ تَجَنُّبُها في حَياتِنا. وإنْ كَانَ بولسُ مُحِقًّا حينَ كَتَبَ إلى تيموثاوُسَ قائلاً إنَّ النَّاسَ الأشرارَ سيَصيرونَ إلى حَالٍ أَردَأ وأردأ، فإنَّ الحالَ سَتَسوءُ أكثر وَحَسْب. وقد كانَ مُحِقًّا. وأقَلُّ ما يُمكِنُ أن يُقالَ هُوَ أنَّ العالَمَ غيرُ آمِنٍ ومُعَرَّضٌ للانفجار.
وهُناكَ كِتابٌ مُدهشٌ بعُنوان "السَّنة 2000" (The Year 2000) كَتَبَهُ "هيرمان خان" (Herman Kahn) وَ "آنثوني وينر" (Anthony Wiener). وإليكُم ما يَتَوَقَّعانِ أنْ يَحدُث في سَنة ألفين. فيبدو أنَّهُما كانا يُطالِعانِ الأصحاحَ 24 مِن إنجيل مَتَّى بالرَّغمِ مِن أنَّهُم ليسا مَسيحيَّيْن. وإليكُم ما تَوَقَّعاه: غَزْوٌ وحُروب، وأحداثُ شَغَبٍ مَدنيَّة، وثَورات، ومَجاعات، وأمراض، واضطهادٌ مِنَ الأنظمةِ التَّعَسُّفِيَّة (أيِ الدِّيكتاتوريَّة)، وكوارِث قَوميَّة، ورُكودٌ أو كَسادٌ اقتصادِيٌّ، وَهَلُمَّ جَرَّا. فهذهِ هي تَوقُّعات النَّاسِ الَّذينَ يَنظرونَ إلى العَالَمِ نَظرةً تَحليليَّة. وهذا هو تَمامًا ما يَقولُهُ الأصحاح 24 مِن إنجيل مَتَّى.
إنَّهُ عالَمٌ قَاسٍ. والزَّواجُ لا يَعملُ إلَّا على تَعقيدِ الأمرِ كثيرًا بسببِ مُشكلةِ اعتناءِ الزَّوجِ بِزوجَتِهِ، أوِ اعتِناءِ الزَّوجةِ بِزوجِها، والاعتناءِ بالأولاد. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ إنَّهُ عَالَمٌ ضَاغِط. فكُلُّ وَقْتِ انْقِضاءِ الدَّهْرِ (أيْ مُنذُ وَقْتِ المَجيءِ الأوَّلِ ليَسوعَ إلى وَقْتِ مَجيئِهِ الثَّاني) كُلُّ هذا الوقتِ هُوَ نِظامٌ ضَاغِطٌ مُسَلَّطٌ ضِدَّ المُؤمِن. ويجب علينا أن نَتوقَّعَ الألمَ طَوالَ ذلكَ الوقت، وكَراهِيَةَ العَالَم. لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: إذا كُنتَ تَمتلكُ المَوهبةَ ولا تَتَحَرَّقُ بسببِ الرَّغباتِ الجسديَّةِ والجِنسيَّةِ، وإنْ كانَ رُوحُ اللهِ قد أعطاكَ مَوهبةَ العُزوبة، كُنْ قَنوعًا بسببِ ضَغْطَ النِّظامِ القائِمِ حَاليًّا، وبسببِ ضَغطِ النِّظامِ الَّذي سيصيرُ أكثرَ عُنفًا في المُستقبَل. وأعتقد أنَّنا جَميعًا مُتَّفِقونَ على أنَّهُ بالنِّسبةِ إلى المُؤمِن، كُلَّما ازْدَدْنا قُرْبًا مِنَ النِّهاية، زادَ الثَّمَنُ الَّذي يَنبغي أنْ نَدفَعَهُ بسببِ إيمانِنا. فهذا صَحيحٌ بِدونِ شَكّ. فإنْ كانَ الأشرارُ يَزدادونَ سُوْءًا أكثرَ فأكثر، وإنْ كانَ الارتِدادُ يَزدادُ حِدَّةً، وإنْ كانَ سِرُّ الإثْمِ يَعمَلُ الآنَ ويَتقدَّمُ نَحْوَ شَرِّ الضِّيقةِ العَظيمة، لا بُدَّ أنَّ الشَّيطانَ سيُحارِب بِضَراوَةٍ أكبر وبقوَّةٍ أكبر إلى النِّهاية، وأنَّهُ سيكونُ هُناكَ اضطِهادٌ، وأنَّ كثيرينَ سيَدفعونَ ثَمنًا باهِظًا. وَهُوَ يَقولُ: إذا كُنتَ عَازِبًا، ابْقَ على تلكَ الحَالِ إنْ كانت لديكَ المَوهبة. فسوفَ تَكونُ حَياتُكَ أقَلّ تَعقيدًا.
وهُناكَ سَببٌ ثَانٍ. فالسَّبَبُ الأوَّلُ الَّذي يَدعوكَ إلى البَقاءِ عَازِبًا هُوَ ضَغطُ النِّظامِ على المَسيحيَّة. ثانيًا، بسببِ ضِيقاتِ الجَسَد. ابْقَ عَازِبًا بسببِ ضِيقاتِ الجَسد. والعَدد 28 يُوَضِّح ذلكَ لَنا: "لكِنَّكَ وَإِنْ تَزَوَّجْتَ لَمْ تُخْطِئْ. وَإِنْ تَزَوَّجَتِ الْعَذْرَاءُ لَمْ تُخْطِئْ". فهو يُريدُ أن يَتيَقَّنَ مِن أنَّنا نَفهَمُ أنَّها ليسَت خَطيَّة أن نَتزوَّج. فَهُوَ لا يَقولُ إنَّها خَطيَّة. وَهُوَ لا يُريدُ أيَّ سُوْءِ فَهْمٍ. فهو ليسَ ضِدَّ الزَّواج. فالزَّواجُ ليسَ شَيئًا شِرِّيرًا. والزَّواجُ ليسَ شَيئًا خَاطِئًا. فهو ما يَزالُ الشَّيءَ الَّذي يَفعَلُهُ الأغلبيَّة. وَهُوَ ما يَزالُ تَصميم الله. وَهُوَ ما يَزالُ شَيئًا جَميلاً. وَهُوَ ما يَزالُ شَيئًا رائعًا. "لا تُسيئوا فَهْمي. فإنْ تَزوَّجْتَ فإنَّكَ لم تُخطِئ. وَإِنْ تَزَوَّجَتِ الْعَذْرَاءُ لَمْ تُخْطِئْ". لِذا، باستطاعةِ الرِّجالِ العَازِبينَ والفتياتِ العَازِباتِ أنْ يَتزوَّجوا مِن دونِ أن يُخطِئوا. "وَلكِنَّ مِثْلَ هؤُلاَءِ يَكُونُ لَهُمْ ضِيقٌ فِي الْجَسَدِ. وَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُشْفِقُ عَلَيْكُمْ". "وَلكِنَّ مِثْلَ هؤُلاَءِ يَكُونُ لَهُمْ ضِيقٌ فِي الْجَسَدِ. وَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُشْفِقُ عَلَيْكُمْ".
والآن، هذا مُدهِشٌ جدًّا. لاحِظوا الجُملة "وَلكِنَّ مِثْلَ هؤُلاَءِ يَكُونُ لَهُمْ ضِيقٌ فِي الْجَسَد". والكلمة "هَؤلاء" تَرِدُ في اللُّغَةِ اليونانيَّةِ بِصيغَةُ المُذَكَّر. وهذا يَعني أنَّها تَضُمُّ كُلَّ الحالاتِ. فَهِيَ لا تُشيرُ فَقط إلى العَذارى، بل إلى العَازِبينَ أيضًا. والكلمة "ضِيْق" هي كلمة مُدهشة. فهل تَعلمونَ واحدًا مِنَ الأشياءِ الَّتي تَحدُثُ حينَ تَتزوَّج؟ الضِّيق. فالضِّيقُ يَحدُثُ في الزَّواج. وقد تَقول: "حَقًّا، في زَواجِنا؟" أجل. في زَواجِكُم، وفي زَواجي. "لا أُصَدِّقُ ذلك!" بَلى، هذا صَحيح. فهُناكَ ضِيْق. وقد تَقول: "ومِن أينَ يأتي؟" الضِّيقُ يأتي مِن أين؟ مِنَ الجَسد. فهل تَعلمونَ ما الَّذي أَدركناهُ في زَواجِنا؟ أنَّنا كِلانا خَاطِئان.
فزوجَتي خَاطِئَة. وأنا لا أُريدُ أن أذكُرَ أيَّ تَفاصيل، ولكنِّي أقولُ لَكُم حَقيقةً عَامًّة. فزوجَتي خَاطِئَة. وهل تَعلمونَ ما الشَّيءُ الأسوأُ مِن هذا؟ أنِّي أنا خَاطِئ. وهل تَعلمونَ ما الذي يَحدُثُ عندما تَضَعونَ شَخصَيْنِ خاطِئَيْنِ مَعًا؟ تَحْدُثُ مَشاكِل. ثُمَّ إنَّكُما تُنْجِبانِ عَدَدًا مِنَ الخُطاةِ الصِّغارِ في منزلِكُما. فَكُلُّ واحِدٍ مِن أبنائِنا خَاطِئ. هل أدرَكتُم ذلكَ بخصوصِ أولادِكُم؟ فقد كُنَّا نَتحدَّثُ عنِ ابنتنِا "ميلندا" (Melinda) يَوم أمس. فميلندا خَاطِئَة أيضًا. فهي ما تَزالُ في سِنِّ الثَّانية فقط، ولكِنْ هل تَعلمونَ أنَّ رَدَّ فِعلِها الأوَّل تُجاهَ أيِّ مَوقِفٍ صَعْبٍ هُوَ الكَذِب؟ فهي تَكذِبُ تِلقائيًّا. وأنا الآن بِصَدَدِ مُحاولةِ تَعليمِها أنَّهُ لا يَجوزُ لَها أن تَفعلَ ذلك. ولكِنَّهُ رَدُّ فِعْلٍ تِلقائِيّ. فهُناكَ سِتُّ أشخاصٍ في مَنزِلنا. وجَميعُنا خُطاة تَمامًا. وهل تَعلمونَ ما الَّذي يُفْرِزُهُ ذلك؟ المَتاعِب. ضِيقٌ في الجَسد. وأيُّ زَواجٍ سيُحدِثُ المَتاعِب. وهُناكَ الكلمة "جَسَد". وما مَعنى الكلمة "جَسَد" ("سَارْكس" – “sarx”)؟ إنَّها تُشيرُ إلى الطَّبيعةِ الخاطِئة.
والآن، اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم تَعريفًا بَسيطًا: إنَّها طَبيعَتُنا البَشريَّة. إنَّها طَبيعَتُنا البَشريَّة. فطَبيعَتُنا البشريَّةُ في الزَّواجِ تُؤدِّي إلى المَتاعِب. فَمَعَ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُريدُ مِنَّا أنْ نَكونَ في وَحْدَةٍ تَامَّةٍ، فإنَّ طَبيعَتَنا الخاطئةَ تُسَبِّبُ المَتاعِب. وقد كانَ بولسُ يُفَكِّرُ في المَشاكِلِ النَّاجِمَةِ عن طَبيعَتِنا البَشريَّة؛ وهي مَشاكِلُ دائمة في الحَياةِ الزَّوجيَّة. والآن، ماذا عن فِكرةِ الضِّيقِ هذه؟ إنَّها الكلمة "ثِليپسيس" (thlipsis) في اللُّغةِ اليونانيَّة. وهي تَعني حَرفيًّا: "ضَغْط". وهي مُشتقَّة مِن كَلِمَة يُونانيَّة تَعني: "يَعْصُر". وهي تُستخدَمُ عندَ الحَديثِ عن عَصْرِ العِنَب. وأنتُم تَعلمونَ أنَّ الزَّواجَ ضَاغِطٌ. أليسَ كذلك؟ فهو عَاصِرٌ. وبسببِ الضَّغطِ الَّذي يَحْدُثُ فيه، لا بُدَّ أنْ تُطِلَّ طَبيعَتُنا البَشريَّةُ بِرأسِها.
وهل تَعلمونَ نَوعَ المَتاعِبِ الَّتي تُثيرُها طَبيعَتُنا البَشريَّة؟ اسمَحوا لي أن أَذكُرَ لكُم بعضَ المَتاعِبِ الَّتي تُثيرُها طَبيعَتُنا البَشريَّةُ تِلك: الغَضَب. فهل غَضِبْتَ يَومًا في زَواجِك؟ أو في بَيتِك؟ فَلا بُدَّ مِنْ حُدوثِ ذلكَ بينَ الحينِ والآخر. وهُناكَ الأنانيَّة؟ هل كُنتَ أنانيًّا يَومًا؟ وماذا عَنِ الغَباوَة؟ "ما الَّذي دَفَعَكَ إلى القِيامِ بهذا الأمر؟" أو: "كيفَ يَسْحَبُ أيُّ شَخصٍ مَبلَغًا كَهذا مِنَ المَصْرِف؟" إنَّها غَباوَةٌ مُطلَقَةٌ وَحَسْب. فهذه هي طَبيعَتُنا البَشريَّة. ثُمَّ إنَّ الشَّريكَ الآخَرَ يَقول: "وكيفَ يُمكِنُني أنْ أَعلمَ أنَّكِ لم تَقومي بأمورٍ غَبيَّة أخرى؟ كيفَ سَأَثِقُ بِكِ بعدَ الآن؟" وهُناكَ النِّسيان. "هذه هي السَّنَةُ الثَّالِثَةُ الَّتي تَنْسَى فيها عيدَ مِيلادي". وهذا يُؤدِّي إلى المَشاكِل. وهُناكَ عَدَمُ الصِّدْق؛ أيْ أنْ لا تَقولَ الحَقيقة الكامِلَة. وهُناكَ الخطيَّة الَّتي تُقتَرَفُ في السِّرّ. وهُناكَ الكِبرياء. والكِبرياءُ تَجعَلُنا نَبْني جُدرانًا عَازِلَةً فَيَعْجَزُ الآخَرونَ عَنِ التَّقرُّبِ إلينا. وحينئذٍ، يَنقطِعُ الاتِّصال. أَتَرَوْن. وهُناكَ عَدَمُ مُراعاةِ مَشاعِرِ الآخرينَ. وهُناكَ الإفراط.
فكما تَعلمونَ فإنَّ النَّاسَ يَقولون: "إنْ تَمَكَّنْتُ مِنَ الزَّواج، سوفَ تُحَلُّ مَشاكِلي". ولكنِّي أريدُ أن أَقولَ لَكَ يا صَديقي: إنْ تَزَوَّجْتَ فإنَّ كُلَّ ما سيَفعلُهُ الزَّواجُ هُوَ أنَّهُ سَيُفاقِمُ مَشاكِلَكَ ويُرغِمُ شَخصًا آخرَ على التَّعايُشِ مَعَ مَشاكِلِك. وهذهِ هي طَبيعَتُنا البشريَّة. وهي جُزءٌ مِن مُشكلةِ الزَّواج. لِذا فإنَّ أغلبيَّةَ الأشخاصِ البَائِسينَ في العَالَم ليسوا عَازِبين. هل فَهِمْتُم ذلك؟ فأغلبيَّةُ الأشخاصِ البائِسينَ في العالَمِ مُتزوِّجون؛ وَلا سِيَّما إذا كَانَ زَواجُهُم غيرَ نَاجِح. ويَقولُ "پول سيلهامر" (Paul Sailhamer)، وأنا أقتَبِسُ كَلامَهُ: "الشَّيءُ الوَحيدُ الأسوأُ مِنَ الانتظارِ هُوَ أنْ تَتَمَنَّى لو أنَّكَ انتظرت". فالبُؤسُ يأتي عَادَةً في حَياةِ المُتزوِّجينَ بمُستوىً أعلى بكثير مِن حَياةِ العَازِبينَ لأنَّكَ تَصْطَدِمُ بِهذا الشَّخصِ الآخر. وكُلُّ شَيءٍ خَاطِئٍ فيكَ يَستمرُّ في الانفِجارِ في وَجهِك. ويجب عليكَ أن تَستمرَّ في إجراءِ التَّعديلات. فَكُلُّ العَلاقاتِ الزوجيَّةِ تُعاني مَشاكِل. فهي مَتاعِب نَاجِمَة عَنِ الجَسَدِ وَحَسْب. فهُناكَ مَشَقَّاتٌ وتَضحياتٌ لأنَّهُ يُوجَدُ شَخصانِ يَمْلِكانِ طَبيعةً بَشريَّة، ولأنَّ الأطفالَ يَملِكونَ طَبيعةً بَشريَّة. وَهُمْ يُضْفُونَ مَزيدًا مِنَ الخَطيَّةِ إلى المَشهَدِ فَيَصيرُ الأمرُ أكثرَ تَعقيدًا. لِذا، إنْ أعطاكَ اللهُ مَوهبةَ العُزوبة، ابْقَ كذلكَ وَتَجَنَّبْ مَشاكِلَ الطَّبيعةِ البشريَّةِ الَّتي تَظْهَرُ جَلِيَّةً في الزَّواج. ولا تَنظُر إلى الزَّواجِ كما لو كانَ الحَلَّ لِمشاكِلِك. فهو لن يَفعلَ شَيئًا سِوى أنَّهُ سَيُضَخِّمُها.
نحنُ نَقولُ دائمًا إنَّ الزَّواجَ لا يُغَيِّرُ أيَّ شَيء، بل يُضَخِّمُ كُلَّ مَشاكِلِكَ ويُرغِمُ شَخصًا آخرَ على التَّعايُشِ مَعَها. فإن أردتَ أنْ تَحُلَّ مَشاكِلَكَ، يجب عليكَ أن تَحُلَّها بِمَعزِلٍ عنِ زَواجِك. فَهُناكَ أشخاصٌ يَقولون: "أنا أُعاني مُشكلةً في الرَّغبةِ والشَّهوةِ الجِنسيَّةِ تُوقِعُني في الخَطيَّة. لو كانَ بِمَقدوري وَحَسْب أن أَتزوَّج". أتَدري ما الَّذي يَحدُثُ عندَما يَتزوَّجُ هؤلاء؟ لا شَيءَ يُغَيِّرُ ذلك. فَهُمْ يَشعرونَ بنفسِ الشَّهَواتِ والرَّغْباتِ الشِّرِّيرة مَعَ أنَّهُ يُوْجَدُ اكِتفاءٌ جِنسيٌّ في الزَّواج. فإنْ بَقِيَتْ تلكَ الخطيَّة دُوْنَ حَلٍّ، سَتَبقى تلكَ الشَّهوةُ نَفسُها مَوجودةً في الزَّواجِ كما كانت قبلَ أن تَتزوَّج. وهُناكَ أُناسٌ آخَرونَ يَقولون: "أنا أشعُرُ بِوَحْدَةٍ شَديدة. لو كانَ بمقدوري فقط...لو كانَ بمقدوري فقط أن أتزوَّجَ وأتمتَّعَ بِرِفقةِ شَخصٍ مَا". وهل تَعلمونَ شَيئًا؟ هُناكَ أشخاصٌ كثيرونَ في العالَمِ يُمكِنُكَ أن تُصادِقَهُمْ وَتُحِبُّهم فَيَزولُ شُعورُكَ بالوَحدَة. وعادَةً، فإنَّ الشَّخصَ الَّذي يَشعُرُ بوَحدةٍ شَديدة يَتزوَّج ويَبْني جُدرانًا حولَ نَفسِهِ ويَشعُرُ بوَحدةٍ شَديدة بالرَّغمِ مِن أنَّهُ مُتزوِّج. وَهُوَ يَجعَلُ شَخصًا آخرَ يَشعُرُ بالوَحدَة.
فالزَّواجُ ليسَ الحَلّ لمَشاكِلِك. فالزَّواجُ هُوَ الحَلُّ لِشَيءٍ واحِدٍ في حَياةِ المُؤمِن، لِشَيءٍ واحدٍ فقط وَهُوَ الحَاجَةُ إلى إطاعَةِ مَشيئةِ الله. فإنْ أرادَ اللهُ مِنكَ أن تَتزوَّج، يجب عليكَ أن تَتزوَّجَ...مِنَ الشَّخصِ المُناسِب. ولكِنْ فقط إنْ كانت هذهِ هي مَشيئةُ اللهِ الواضحة. أمَّا إنْ كُنتَ تَملِكُ مَوهبةَ العُزوبة، فإنَّ ذلكَ سَيُجَنِّبُكَ المَشاكِلَ الخَاصَّةَ النَّاجِمَةَ عَنِ الجَسَدِ بسببِ الزَّواجِ وَبِسَبَبِ ضَغْطِ النِّظام.
ثالثًا. السَّبَبُ الثَّالثُ الَّذي يَدعوكَ إلى البَقاءِ عَازِبًا هُوَ زَوالُ العَالَم. فهُناكَ ضَغْطُ النِّظام. وهُناكَ ضِيقاتُ الجَسَد. وهُناكَ زَوالُ العَالَم. انظُروا إلى العَدد 29. والآن، سوفَ أقرأُ الأعداد مِن 29 إلى 31 لأنَّها مُرتبطة معًا: "فَأَقُولُ هذَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ: الْوَقْتُ مُنْذُ الآنَ مُقَصَّرٌ [وَحَرفيًّا: الوقتُ جُعِلَ قَصيرَ الأجَل...جُعِلَ قَصيرَ الأجَل]، لِكَيْ يَكُونَ الَّذِينَ لَهُمْ نِسَاءٌ كَأَنْ لَيْسَ لَهُمْ، وَالَّذِينَ يَبْكُونَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَبْكُونَ، وَالَّذِينَ يَفْرَحُونَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَفْرَحُونَ، وَالَّذِينَ يَشْتَرُونَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُونَ، وَالَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ هذَا الْعَالَمَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَعْمِلُونَهُ. لأَنَّ هَيْئَةَ هذَا الْعَالَمِ ["سكيما" – “schema”] تَزُولُ". والآن، ما الَّذي يَقولُهُ هُنا؟ إنَّهُ يَقولُ: "اسمَعوا! إنَّ الزَّواجَ هُوَ جُزءٌ مِن ’هَيئةِ‘ هَذا العَالم. وَهَيئةُ هذا العَالَم [ماذا؟] تَزول". فالزَّواجُ لا صِلَةَ لَهُ...استَمِعُوا إلى هذا: الزَّواجُ لا صِلَةَ لَهُ بالحالَةِ الأبديَّةِ الدَّائمة.
وأنا أَعلمُ أنَّ هذا يُزعِجُ أشخاصًا كَثيرينَ مِنَ الشَّبابِ لأنَّهُم يَتزوَّجونَ...وقد سَألني زَوْجانِ السُّؤالَ التَّالي مُؤخَّرًا...وَهُما زَوجانِ تَزَوَّجا حَديثًا جدًّا إذْ قَالاَ لي: "إنْ جَاءَ الرَّبُّ قَريبًا جدًّا، هل سَنبقَى مُتزوِّجَيْنِ في السَّماء؟" فقلتُ: "كَلَّا". وقد كانَ جَوابي مُحْبِطًا جدًّا لَهُما. وَهُما لم يُحِبَّا تلكَ الفِكرة. ولا شَكَّ في أنَّ هُناكَ أشخاصًا آخرينَ مُتزوِّجينَ مُنذُ وقتٍ طَويلٍ ويَنتظرونَ الاختِطافَ لأنَّهُم لن يَعودوا مُتزوِّجين. ولكِنْ فيما يَخُصُّ الزَّواجَ، لا يُوجَد زَواجٌ في السَّماء. البَتَّة! وأنا أَعلَمُ أنَّ جَماعَةَ المُورمون يُعَلِّمونَ أُمورًا عَويصَةً ومُعَقَّدَةً بخصوصِ الزَّواجِ الأبديّ. ولكِنَّهُ تَعليمٌ زَائِف. فَلا يُوجَد زَواجٌ في السَّماء.
فالزَّواجُ جُزءٌ مِن هذا العَالَمِ الزَّائِل. فهذا هو ما يَقولُه. فهو يُشبِهُ العاطِفَةَ البَشريَّة. وَهُوَ يُشبِهُ المُمتلكاتِ البَشريَّة. وَهُوَ يُشبِهُ المُتَعَ البَشريَّة. فهو كُلُّهُ جُزءٌ مِن هذا النِّظامِ الَّذي سَيَزول. والوقتُ مُقَصَّرٌ ("كايروس" – “Kairos”)؛ أيْ: "الوَقتُ المُعَيَّن". فالكلمة "كايروس" تَعني: "الوقت المُحَدَّد" أو "الوَقت المُعَيَّن". فَقد عَيَّنَ اللهُ وَقتًا مُعَيَّنًا. وَهُوَ يَقْصُر. فَهُوَ يَمْضي. فالوقتُ المُعَيَّنُ لهذا العَالَمِ يَتَقاصَر. وقد قالَ يَعقوبُ إنَّ حَياتَكُم بُخارٌ. أليسَ كذلك؟ "إِنَّهَا بُخَارٌ، يَظْهَرُ قَلِيلاً ثُمَّ يَضْمَحِلُّ". وَمَنْ يَستطيعُ أنْ يَعلَمَ ما يُخَبِّئُهُ يَوْمَ غَدٍ؟ وَمَنْ يَستطيعُ أنْ يَعلَمَ ما سَيأتي بِهِ الغَدُ؟ فما هي حَياتُكَ؟ إنَّها قَصيرة. فهي شَمعَةٌ تَشْتَعِلُ فَترةً قَصيرةً وتَنطفِئ عندَ أوَّلِ نَفْخَةٍ مِنَ الرِّياحِ الإلهيَّة.
ونحنُ نَقرأُ في رِسالة يَعقوب 1: 10: "وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَبِاتِّضَاعِهِ، لأَنَّهُ كَزَهْرِ الْعُشْبِ يَزُولُ. لأَنَّ الشَّمْسَ أَشْرَقَتْ بِالْحَرِّ، فَيَبَّسَتِ الْعُشْبَ، فَسَقَطَ زَهْرُهُ وَفَنِيَ جَمَالُ مَنْظَرِهِ. هكَذَا يَذْبُلُ الْغَنِيُّ أَيْضًا فِي طُرُقِهِ". فالحَياةُ قَصيرة حَتَّى بالنِّسبة إلى الأغنياء. ونَقرأُ في رِسالة بُطرس الأولى 1: 24: "لأَنَّ: «كُلَّ جَسَدٍ كَعُشْبٍ، وَكُلَّ مَجْدِ إِنْسَانٍ كَزَهْرِ عُشْبٍ. الْعُشْبُ يَبِسَ وَزَهْرُهُ سَقَطَ". "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ...وَالْعَالَمُ يَمْضِي" (رِسالة يُوحَنَّا الأولى 2: 15-17).
وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الزَّواجَ جُزءٌ مِن هذا النِّظامِ الزَّائِل. فإنْ كُنتَ تَملِكُ مَوهبةَ العُزوبة، فإنَّ الزَّواجَ جُزءٌ مِنَ النِّظامِ الزَّائِلِ الَّذي لا تَحتاجُ إليه. وهذه هي خُطَّةُ اللهِ، يا أحبَّائي. وهذا هو ما يَقولُهُ هُنا. فخُطَّةُ اللهِ تَقضي بِعَدَمِ التَّمَسُّكِ بالأشياءِ الأرضيَّة. "لِكَيْ يَكُونَ الَّذِينَ لَهُمْ نِسَاءٌ كَأَنْ لَيْسَ لَهُمْ". بِعبارةٍ أخرى، هذا لا يَعني أنْ تُسيءَ مُعاملةَ زَوجَتِكَ أو أنْ لا تُتَمِّمَ وَاجِباتِك. لا، لا! فالكِتابُ المُقدَّسُ وَاضِحٌ بهذا الخُصوص. ولكِنَّ المَعنى المَقصودَ هُوَ أن تَتذكَّروا حَقيقةَ أنَّ الأشياءَ الأبديَّةَ هِيَ المُهِمَّة. والآيةُ كُولوسي 3: 2 تُضيفَ كَلِمَةً أعتقدُ أنَّها مُهِمَّة. "أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ". ولكنِ استَمِعوا إلى ما تَقولُهُ الآية كُولوسي 3: 2: "اهْتَمُّوا [بِماذا؟] بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى الأَرْض". فَيُمكِنُكَ أن تُحِبَّ زَوجَتَكَ وأنْ تُحافِظَ في الوقتِ نَفسِهِ على أولويَّاتِكَ ونَظرَتِكَ السَّليمةِ إلى الأشياء.
والآن، يُقَدِّمُ بولسُ خَمسةَ أمثلة هُنا عنِ تَحَرُّرِ المُؤمِنِ مِنَ العالَمِ الزَّائِل: الزَّواج، والبُكاء، والفَرح، والشِّراء، والمُتَع الدُّنيويَّة. فهي كُلُّها جُزءٌ مِنَ النِّظامِ الزَّائِل. فالزَّواجُ، على سَبيلِ المِثالِ، كَما يَقولُ في العدد 29: "لِكَيْ يَكُونَ الَّذِينَ لَهُمْ نِسَاءٌ كَأَنْ لَيْسَ لَهُمْ". لِذا، لا تَتَشَبَّثوا كَثيرًا بالزَّواج. فَهُوَ جُزءٌ مِنَ العالَمِ الزَّائِلِ وَحَسْب. وقد كانَ "لويس بولاو" (Luis Palau) يَقولُ إنَّ واحِدًا مِنَ الأمورِ الصَّعبةِ جدًّا اليوم في العالم هو أنَّ النَّاسَ صَاروا مُتَشَبِّثينَ جِدًّا بالزَّواج حَتَّى إنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَطلُبَ مِنهُم أن يَفعلوا أيَّ شَيءٍ لِخدمةِ الرَّبِّ. فهو يَقول: "أحيانًا في حَقْلِ العَمَلِ الإرسالِيِّ، نُحاوِلُ أنْ نَبحثَ عن شَخصَيْنِ مُستَعِدَّيْنِ للذَّهابِ مُدَّةً رُبَّما تَصِلُ إلى شَهْرٍ في مَهَمَّة إرساليَّة خَاصَّة، ولكنَّهُم لا يَرغبونَ في ذلك لأنَّهُم لا يُريدونَ أن يَترُكوا زَوجاتِهم". وَهُوَ يَقول: "يجب أن نُحافِظَ على التَّوازُنِ هُنا". فيجب أن يَكونَ هُناكَ تَوازُنٌ بينَ مَحَبَّةِ الزَّوجةِ والعِنايةِ بالعائلةِ مِنْ جِهَة. وَهذا أمرٌ صِرْنا نُمارِسَهُ بِتَطَرُّفٍ شَديد. وَلكِنْ مِن جِهَة أخرى، يجب علينا أن نُدركَ أنَّ الزَّواجَ ينبغي أنْ يُنْظَرَ إليهِ كَشيءٍ دُنيويٍّ، وأنَّ ما نَقومُ بِهِ مِن أمورٍ ذاتِ قيمة أبديَّة هُوَ المُهِمُّ حَقًّا.
اسمَعوني: الزَّواجُ سَيَزولُ يَومًا مَا فَتَبقى الحَياةُ العَائِليَّةُ السَّماويَّةُ معَ اللهِ الآبِ، والمَسيحِ الزَّوجِ، وجَميعُ المُؤمِنينَ بِصِفَتِهم الزَّوجة. أليسَ كذلك؟ وقد تَقول: "وما المَقصودُ بالبُكاء؟" "وَالَّذِينَ يَبْكُونَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَبْكُونَ، وَالَّذِينَ يَفْرَحُونَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَفْرَحُونَ". إنَّ ما يَعنيه هُنا هو: لا تَصيروا عَاطِفِيِّينَ جِدًّا أيضًا. لا تُحَلِّقُوا وتَهبِطوا بسببِ ما يَحدُثُ في العَالَم. ولا تَنهَمِكوا كثيرًا في ما يَجري. فَمَثلاً، هُناكَ أشخاصٌ إنْ مَاتَ أَحَدُ أفرادِ عَائلتِهم فإنَّهُم يَتَصَدَّعونَ، وَيَنهارونَ، وَيَصيرونَ في حَالٍ يُرْثَى لَها. وهذا سُخْفٌ في حَياةِ المُؤمِن. لِماذا؟ لأنَّ هذا الشَّيءَ مُؤقَّتٌ وَحَسْب. فسوفَ تَقضي الأبديَّةَ مَعَهُم بأيِّ حَالٍ مِنَ الأحوال. فَيا لِسُخْفِ ذلك. فعندما تَفقِدُ الزَّوجةُ زَوجَها، غالبًا ما تَطْوي خَيمَتَها وتَخْتَفي في الظَّلام. فهذه هي النِّهاية بالنِّسبة إليها. أو عندما يَفقِدُ الزَّوجُ زَوجَتَهُ فإنَّها النِّهاية بالنِّسبة إليه. فهو لا يَستطيعُ أن يَتأقلَم. لِماذا؟ لأنَّهُ لم يَكُن يَنظُرُ إلى الزَّواجِ كَشيءٍ دُنيويٍّ، ولأنَّهُ لم يَتمكَّنَ مِنَ التَّعامُلِ مَعَ الحُزنِ النَّاجِمِ عَن فُقدانِ شَريكِ الحَياة. لِذا، لا تَنْجَرِفوا وَراءَ العَواطِفِ البَشريَّة.
اسمَعوني: عندما نَذهبُ إلى السَّماء، سَوفَ يَمسَحُ اللهُ كُلَّ الدُّموع. وماذا عنِ الفَرح؟ إنَّ ما يَعنيهِ هُنا هو: لا تَفرحوا أكثرَ مِنَ اللَّازِمِ بالنِّظامِ أيضًا. لا تُفرِطُوا في الفَرَحِ بالأشياءِ الَّتي تُبْهِجُ العَالَم. لا تَكونوا ضَحايا لعَواطِفِ العالَم. فهذا هو مَا يَعنيه. لا تَتَمَسَّكوا أكثرَ مِمَّا يَنبغي بالعلاقاتِ معَ أهلِ العَالَمِ، ولا تَنجَرِفوا وَراءَ عَواطِفِ العَالَم. فأنتُم مَخلوقاتٌ مِن عَالَمٍ آخَر.
والآن، ماذا عنِ الأمرِ الرَّابع وَهُوَ "الشِّراء" في نِهايةِ العَدد 30؟ "وَالَّذِينَ يَشْتَرُونَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُون"؟ أيْ: لا تَنشَغِل أكثرَ مِمَّا يَنبغي بالأشياءِ الدُّنيويَّة. "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَم" (رِسالة يُوحَنَّا الأولى 2: 15). فَهُوَ يَقولُ بِبساطَة: "انظُروا! أنتُم في العَالَم، وستَكونونَ جُزءًا مِنه؛ ولكِنْ لا تَتَمَسَّكوا بعلاقاتِهِ، ولا تَنجَرِفوا وَراءَ عَواطِفِه، ولا تَتَشَبَّثوا بأشيائِهِ". اسمَعوني يا أحِبَّائي: إنَّ هذهِ النُّقطة الثَّالثة هي نُقطة صَعبة. أليسَ كذلك؟ وأنا أقولُ لكم إنَّ بَعضًا مِنَّا حَصَلوا على كُلِّ شَيءٍ تَقريبًا في هذا العَالَمِ مِنَ النَّاحيةِ المَالِيَّة. والجُزءُ الأكبرُ مِن أذهانِنا مُنْهَمِكٌ في التَّفكيرِ في الأشياءِ الَّتي في العَالَم. فنحنُ نُبالي بِحِساباتِنا المَصرِفيَّة أكثرَ مِمَّا نُبالي بحياتِنا الروحيَّة. ونحنُ نُبالي بِتَصميمِ مَنازِلِنا وبِحَداثَةِ سَيَّاراتِنا أكثرَ مِمَّا نُبالي بواقِعِنا الرُّوحِيِّ والحقائقِ الأبديَّة. ونحنُ لا نَرتَبِطُ سَطحيًّا بالعَالَم، بل نَتَشَبَّثُ بِقوَّة بالنِّظام. لِذا، عندما يَبتدئُ النِّظامُ في التَّصَدُّعِ ونَبتَدِئُ في خَسارةِ الأشياء، نَعْجَزُ عنِ احتِمالِ ذلك. لِذا، رَكِّزوا على مَا هُوَ فَوق. فالزَّواجُ شَيءٌ زَائِل. والعاطفةُ البشريَّةُ شَيءٌ زَائِل. والأشياءُ الدُّنيويَّةُ هي أشياء زَائِلَة.
وأخيرًا، يَتحدَّثُ بولسُ عنِ المُتَعِ الجسديَّة قَائِلاً: "وَالَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ هذَا الْعَالَمَ" (في العَدد 31). وَهَذا يُشيرُ إلى المُتَعِ البَشريَّة أوِ المُتَعِ الدُّنيويَّة...المُتَع الدُّنيويَّة. فهُناكَ أشخاصٌ مِنَّا يَعيشونَ لأجلِ المُتَعِ الدُّنيويَّة. فَهُمْ يَعيشونَ لأجلِ قَضاءِ وَقْتٍ مُمتِع. وَهُمْ يَعيشونَ لأجلِ القِيامِ بهذا الأمر، والقِيامِ بذلكَ الأمر، والسَّفَرِ إلى هَذا المَكان، والسَّفَرِ إلى ذلكَ المَكان. ونحنُ مُنهَمِكونَ جدًّا في التَّمتُّعِ بكُلِّ شَيءٍ في هذا العَالَمِ حَتَّى إنَّنا لَسنا نَافِعينَ حَقًّا لله. فنحنُ نَتحدَّثُ كثيرًا جدًّا عنِ المُتعَة. صَحيحٌ أنَّنا نَحتاجُ جَميعًا إلى الرَّاحة بينَ الحينِ والآخر، ولكِنَّنا نَتحدَّثُ كثيرًا عنِ التَّقاعُد. ونحنُ نَتحدَّثُ عن أنَّهُ يجب علينا أنْ نَبتَعِد عنْ أجواءِ العَمل، وأن نَرى العَالَمَ، وأنْ نَفعلَ أُمورًا مُعَيَّنَةً، وَأن نَقضي وَقتًا مُمتِعًا لأنَّ حَياتَنا قَصيرة جدًّا.
اسمَعوني يا أحبَّائي: أنا أتَساءَلُ إنْ كانَ الرَّسولُ بولسُ يَنظُرُ حَقًّا إلى الحَياةِ بهذهِ الطَّريقة. فلا يَجوزُ أن تَكونَ الحَياةُ لأجلِ مُتعَتِنا الدَّائمة بِصِفَتِنا مُؤمِنين. فهي ليست مُتعَةً دُنيويَّةً وَحَسْب. بل يَنبغي لنا أن نُنْفِقَ أنفُسَنا في القيامِ بتلكَ الأشياءِ الَّتي لَها نَتائِجَ أبديَّة. فأنا أُفَضِّلُ أن أموتَ وأنا في سِنِّ الأربَعينَ طَالَما أنِّي قد أَنْفَقْتُ حَياتي لأجلِ اللهِ على أن أعيشَ حَتَّى سِنِّ الثَّمانين مِنْ دُونِ أن أفعلَ شَيئًا. ففي اعتقادي، مِنَ المُهِمِّ أنْ نَستَثمِرَ أنفُسَنا في مَلكوتِ الله. وَهُوَ يَقول: لا تَتَشَبَّثوا بأمورِ هذا العَالَم. والحقيقةُ هي أنَّهُ مِنَ الصَّعبِ جِدًّا علينا أنْ نَفصِلَ أنفُسَنا. فكما تَعلمونَ، نحنُ نُشاهِدُ إعلاناتٍ كثيرةً تَقولُ لنا أنْ نَذهَبَ إلى المَكانِ الفُلانِيِّ، وأنْ نَرى هذا الشَّيءَ، وأنْ نَرى ذلكَ الشَّيءَ، وأنْ نَشتري تلكَ السيَّارة كي نُسافِرَ إلى هَذا المَكانِ ونَذهبَ إلى ذلكَ المَكان، وأنْ نَفعلَ كَذا، وأنْ نَنظُرَ إلى هذهِ المُتعةِ الجديدةِ المُذهلة، وأنَّ هَذا سيَجعلُ حياتَكَ أكثرَ رَاحَةً. ونحنُ نَنْشَغِلُ حَقًا ونَنهَمِكُ تَمامًا في المُتَع. ولكِنَّ بولسَ يُرَكِّزُ على أنَّ كُلَّ هذهِ الأشياءِ الَّتي في الحياةِ سَتزول. وواحِدٌ مِنها هو الزَّواج. وَهُوَ يَقولُ إنَّ الهَيئةَ، أوِ الحَالَةَ، أوِ الحَالَةَ الخارجيَّةَ للأشياءِ آخِذَةٌ في الزَّوال.
والآن، لاحِظوا الخُلاصَةَ الَّتي يَصِلُ إليها في العَدد 31: "لا تُسيئوا استخدامَ ذلك". وما الَّذي يَعنيه؟ لا تُبالِغُوا في التِصاقِكُم بهذا العَالم. استخدِموا العالَمَ، ولكِنْ لا تَستخدِموه بإفراط. ابتَهِج، واستَمتِع بزواجِك، وأَحْبِبْ زَوجَتَكَ، وليُقَدِّم كُلٌّ مِنكُما نَفسَهُ للآخر، وافعَل كُلَّ ما يُمكِنُكَ فِعلُه كي تَجعلَ ذلكَ الزَّواجَ ناجِحًا. ولكِنْ لا تَسمَح لَهُ أنْ يَخرُجَ عَنِ المَنظورِ الصَّحيحِ وأنْ يَصيرَ فَجأةً كُلَّ شَيءٍ في حَياتِكَ فَلا تَعودُ نَافِعًا لله. فلا بأسَ في أن تَكونَ مُتعاطِفًا. فبولسُ يَقولُ: "وَبُكاءً مَعَ البَاكين" في رِسالة رُومية 12: 15. وَهُوَ يَقولُ: "فَرَحًا مَعَ الفَرِحين". وَهُوَ يَقولُ "افرحوا كُلَّ حِيْن" في رِسالة فيلبِّي. ولا بأسَ في امتِلاكِ كُلِّ تلكَ الأشياء، ولكِنْ لا تَسمَح لها يَومًا أنْ تُسيطِرَ عليكَ، ولا تَنْهَمِك بِها أكثرَ مِنَ اللَّازِم. فهذا هو ما يَعنيه. لا تُسيئوا استعمالَها لأنَّ الهَيئةَ الجَديدةَ آتِيَة؛ أيِ العالَم الجَديد. وَلا تُبالِغُوا في تَقديرِ العَلاقاتِ البَشريَّة. ولا تُبالِغُوا في العَواطِفِ أوِ المُمتلكاتِ أوِ المُتعةِ فوقَ الحَدِّ المَعقول. اسمَعوني: قد يَكونُ الزَّواجُ عَائِقًا أمامَ الحياةِ الروحيَّة. وقد يَكونُ الحُزْنُ عائِقًا أمامَ الحياةِ الروحيَّة. وقد تَعَرَّفْتُ إلى أُناسِ حَزانَى جدًّا ومُكتَئِبينَ جدًّا حَتَّى إنَّنا لم نَكُن قادِرينَ على التَّمَتُّعِ معًا بفرحِ الرُّوحِ القُدُس. والأمرُ سِيَّانٌ بالنِّسبةِ إلى الفَرحِ، والمُمتلكاتِ، والمُتعَة.
اسمَعوني: يجبُ على أبناءَ وبَناتِ المَلِك أنْ يَتعامَلوا معَ الزَّواجِ في حُدودِ عَلاقَتِهم بالمَلِك؛ أيًّا كانت مَشيئَتُه. فلا يَجوزُ البَتَّة أنْ تَسْعَى إلى الزَّواجِ خَارِجَ سِيادَةِ اللهِ. ولا يَجوزُ البَتَّة أنْ تُسيءَ استِخدامَهُ فَيَصيرُ شُغلَكَ الشَّاغِل؛ بل رَكِّز على الأشياءِ الأبديَّة.
والآن، ما الَّذي يَقولُهُ بولُس؟ مِنَ الأسْهَلِ أنْ تَفعلَ ذلكَ حينَ تَكونُ عَازِبًا. مِنَ الأسْهَلِ أنْ تَفعلَ ذلكَ حينَ تَكونُ عَازِبًا. لِماذا؟ لأنَّكَ لن تَحْزَنَ ذلكَ الحُزْنَ عندَ مَوتِ شَخصٌ تُحِبُّهُ في عائِلَتِك. ولأنَّكَ لن تَنشَغِلَ بالحَياةِ الزَّوجيَّةِ والحَياةِ العائليَّة. ولأنَّكَ لن تَنشَغِلَ بِشِراءِ السِّلَعِ الَّتي يَرغَبُ فيها كُلُّ فَرْدٍ في عائِلَتِك. فإحدى الطُّرُقِ الَّتي يُجَرِّبُني فيها الشَّيطانُ فيما يَختصُّ بالأشياءِ المَاديَّةِ هي مِن خلالِ كُلِّ شخصٍ في عائِلتي. "أبي، أريدُ هَذِه"، أو: "أبي، هل يُمكنُني الحُصولُ على هَذِه؟" أو: "عَزيزي، لِمَ لا نَشتري هَذِه؟" ثُمَّ إنِّي أقولُ ذلكَ أحيانًا: "أعتقد أنَّهُ يجب علينا أن نَحصُل على هَذِه". فالجَميعُ يَنظُرُ إلى الأمرِ مِن وُجهَةِ نَظَرٍ مَاديَّة.
فَقد كانَ ابني يُريدُ زَوجَ أحذيةٍ قبلَ مُدَّة. وأنا لا أعني أنَّهُ كانَ يُريدُ أيَّ زَوجٍ مِنَ الأحذية، بل أرادَ زَوْجَ أحذيةٍ مُعَيَّن. ولكنِّي لم أتمكَّن مِنَ العُثورِ على ذلكَ الحِذاء. وبعدَ أنْ صَرَفْتُ ثَلاثَ سَاعاتٍ في البَحثِ عن زَوْجِ أحذِيَة، قُلتُ: "هَذا انْتِهاكٌ للوقتِ المُستَخدَمِ لأجلِ المَلكوت". فقال: "مَاذا؟" قُلتُ: "مَا الشَّيءُ المُمَيَّزُ في هذا الحِذاء؟ مَنْ يَحْتاجُ إلى شَيءٍ كهذا؟ أليسَ كذلك؟ اشتَرِ أيَّ حِذاءٍ وَحَسْب. فنحنُ لا نُبالي". قال: "لا يا أبي، يجب عليَّ أنْ أشتري ذلكَ الحِذاء". وكَم أشكُرُ اللهَ لأنَّنا عَثَرْنا على ذلكَ الحِذاء. وقد اشتَريناهُ بأحدَ عَشَرَ دُولارًا وتسعةٍ وتِسعينَ سِنْتًا ($11.99). ولكِنْ إنْ كُنتَ مُتزوِّجًا، مِنَ الصَّعبِ جِدًّا أَلَّا تَنشَغِلَ بتلكَ الأمورِ الزَّائلةِ وتَصرِفَ جُزءًا كَبيرًا مِن وَقتِكَ على ذلك.
اسمَعوني: إذا كُنتَ تَملِكُ مَوهبةَ العُزوبة، استَخدِمها. واشكُر اللهَ عَليها. فهذا أمرٌ مُدهِش. فإنْ كُنتَ تَملِكُ تلكَ المَوهبة، ابْقَ عَازِبًا بسببِ ضَغطِ النِّظامِ. فَهُوَ عَالَمٌ عَنيفٌ. وَليسَ مِنَ السَّهلِ أن تُرَبِّي أولادَكَ في هَذا العَالَم. وليسَ مِنَ السَّهلِ أنْ تُؤسِّسَ عَائلةً وأن تَعتَني بها في هَذا العَالَم. والعَالَمُ سَيَزدادُ سُوءًا. وبسببِ ضِيقاتِ الجَسد، سَيكونُ الزَّواجُ ضِيقًا. وَهُوَ ضِيْقٌ لستَ بِحاجَةٍ إليه إنْ كانَ اللهُ قد أعطاكَ مَوهبةَ العُزوبة. والعالَمُ زَائِلٌ. والزَّواجُ هُوَ بِبساطَة شَيءٌ مُؤقَّتٌ وَعَلاقة زَائِلَة. فإنْ لم يَكُنِ اللهُ قد دَعاكَ بالضَّرورة إلى أن تَتزوَّج، لا حَاجَةَ إلى أنْ تَتزوَّج. فيُمكِنُكَ أنْ تَتَغاضَى عن ذلكَ الشَّيء المُؤقَّت، وأنْ تُكَرِّسَ نَفسَكَ أكثر للرَّبّ. وهذهِ نِقاطٌ عَمليَّة. أليسَت كذلك؟ وأنا لم أَفرُغ مِنها بَعد، ولكِنِّي مُضْطَرُّ إلى الانتِظارِ إلى الأسبوعِ القَادِم. دَعُونا نُصَلِّي:
يا أبانا، نحنُ نَعلمُ أنَّكَ أعطيتَنا في رَعِيَّتِنا أشخاصًا كَثيرينَ يَملِكونَ مَوهبةِ العُزوبة؛ ولكِنَّنا نَعلَمُ بالرَّغمِ مِن ذلكَ، يا رَبُّ، أنَّها ليسَت عُزوبة حَقًّا لأنَّهُم كَامِلونَ فيك. فَهُمْ مُشْبَعونَ حَقًّا ورُبَّما أكثر جِدًّا مِنْ بعضِ الأشخاصِ المُتزوِّجين لأنَّ المُتزوِّجينَ...بسببِ كُلِّ هُمومِ الزَّواجِ لا يَستطيعونَ أن يَختبروا حَقًّا الشِّبَعَ الَّذي تُريدُهُ لَهُم. وأنا أشكُرُكَ على الأشخاصِ العَازِبينَ الَّذينَ تَمَكَّنوا مِن تَكريسِ أنفُسِهم تَمامًا لَكَ طَوالَ هذهِ السِّنين لأجلِ مَلكوتِ الأرضِ في الحَالَةِ الَّتي هُمْ عليها، سَواءٌ أَكانوا مُرْسَلينَ أُمَناء، أو مُعَلِّمينَ أُمناء، أو خُدَّامًا أُمناء (حَتَّى في رَعِيَّتِنا) مِمَّنْ يَمِلكونَ تلكَ المَوهبةَ غير العَاديَّة الَّتي تُمَكِّنُهُم مِنَ البَقاءِ عَازِبينَ ومِنْ تَكريسِ أنفُسِهِم لَكَ بطريقةٍ خَاصَّة. سَاعِدنا، بِصِفَتِنا آباءَ وأُمَّهات، يا رَبّ، على أنْ نَنظُرَ أوَّلاً إلى ذلكَ الجانِبِ مِنْ حَياةِ أولادِنا، وأنْ نَرى إنْ كانُوا يَملِكونَ تلكَ المَوهبة، وإنْ كانَ يَنبغي لَهُم أنْ يَسلُكوا في ذلكَ الدَّرب، وأنْ نَحُثَّهُم ونُشَجِّعَهُم على استِخدامِها كي يَستخدِموا مَوهِبَتَهُم الَّتي أعطَيتَها لَهُم. ويا رَبّ، أريدُ أن أشكُرَكَ في هذا الصَّباحِ أيضًا على شَيءٍ آخر وَهُوَ امتيازُ دِراسةِ الكتابِ المقدَّسِ الَّذي يُكَلِّمُنا في كُلِّ جانِبٍ مِنْ جَوانِبِ الحَياةٍ ويُعطينا تَعليمًا يَشمَلُ كُلَّ جَانِب. نَشكُرُكَ يا أبانا لأنَّكَ تُطْلِعُنا على المَوضِعِ الَّذي قد تأتي مِنهُ المَشاكِل كي نَكونَ مُستَعِدِّينَ لها، ولأنَّكَ تُقَدِّمُ لَنا حَقَّك. باسْمِ يَسوع. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
