عندما ابتدأنا خدمتنا في هذا الصَّباح، قرأتُ على مَسامِعِكُم مَقطعًا مِن الأصحاح الأوَّل من الرِّسالة إلى أهل أفسُس. وأودُّ أن أدعوكم، مِن فَضلكم، إلى أن تَفتحوا كِتابكم المقدَّس على ذلك الأصحاح إذ إنَّنا سنُشارك حقائقَ رائعة مِن ذلك الجزء مِن الكتاب المقدَّس في أثناءِ تأمُّلنا في هذه المُناسبة وهي الذِّكرى الخامسة والعشرين لكنيستنا. رسالة أفسُس والأصحاح الأوَّل. إنَّ كنيسة "النعمة" (Grace Community Church) فريدة. وهي موضوعُ نقاشٍ كثير على مَرِّ السِّنين بين النَّاس والرُّعاة والقادة والعِلمانيِّين، وحتَّى بين النَّاسِ في العالَمِ الخارجيّ. وقد كَتَبَت المَجلاَّتُ مقالاتٍ عَنَّا. وقد كَتَبَ طَلبة دُكتوراه كثيرون أطروحاتِهم عن كنيستنا. وهناك تقارير، ونَدَوات، وصُحُف، ومَجلاَّت، وأشرطة، وكُتُب، وأشياء أخرى أَخَذَتْ على عَاتِقِها أن تُحَلِّلَ كنيسة النعمة. وقد تَعرَّضنا للتَّشريح، والفَحص، والدِّراسة، والتَّصنيف، والتَّبويب، والتَّدقيق، والنَّسخ، والبَرَكة، واللَّعنة، والدِّفاع، والتَّجاهُل، والتَّزكية، والتَّشهير، وحتَّى المُقاضاة.
والآن، ما الَّذي أَدَّى إلى جَذْبِ كلِّ هذا الانتباه؟ ولماذا تَحظى كنيسة النعمة بكل هذا الاهتمام الكبير؟ لقد صارت كنيسة النعمة مَأوىً وبَيتًا وملاذًا آمِنًا لأشخاصٍ كثيرينَ مُحتاجين، وعائلةً للمُحتاجين والَّذين يَشعرونَ بالوَحدة، ومَدرسةً لغير المُتعلِّمين، وحِصْنًا للخائفين، وبابًا مَفتوحًا للمَنبوذين، وتُوفِّر المحبَّة لغير المَحبوبين، والسَّلام لأولئك الَّذينَ يعيشونَ في فَوضى، والقَبولَ للمَرفوضين، وغُفرانًا لمِنَ يَشعرونَ بالذَّنب، ورجاءً لعَديمي الرَّجاء. وهي تُنيرُ الظُّلمة وتَهَبُ حَياةً للأموات. أَذكُرُ عندما جئتُ إلى هنا أوَّل مَرَّةً في شهر شباط/فبراير سنة 1969 أنَّ العديد مِن الشَّباب كانوا يَرتدونَ قَميصًا كُتِبَتْ عليه الجُملة: "النِّعمة في مكانِها الصَّحيح". والنَّاسُ يحاولونَ أن يَعرفوا على مَرِّ السِّنين ما الَّذي يُمَيِّز كنيسة النعمة. ماذا الَّذي يَجعلُ هذا المكان مُميَّزًا جدًّا؟ ما الَّذي يَجعلُهُ مُختلفًا جدًّا؟ ولماذا كلُّ هذا الاهتمام الكثير بهذه الكنيسة، ولماذا هي قويَّة هكذا؟
أعتقد أنَّ المِفتاحَ لفهم كنيسة النعمة وتاريخِها المُدهش على مَدى خمسٍ وعشرين سنة لا يَكمُن في تَحليلِ رُعاتِها، ولا مُوظَّفيها، ولا بَرامجها، ولا أساليبها، ولا قادتِها، ولا شُيوخِها، ولا رعيَّتِها، ولا نُموِّها، ولا حَجمِها، ولا موقعها. فمع أنَّ كلَّ هذه الأشياء ضروريَّة لها، فإنَّها ليست المِفتاحَ الحقيقيَّ؛ بل إنَّ المِفتاحَ الحقيقيَّ [ببساطةٍ واختصار] لِفَهْمِ حَقيقةِ كنيسةِ النعمة يَكْمُنُ في فَهْمِ اسمِها. فأعتقد أنَّ كلَّ شَيء يَتَّضِح مِن خلالِ اسمِها. وأنا لا أُوْمِنُ بأنَّها الكلمة " نعمة "، مع أنَّها كلمة رائعة. فهناك أيضًا "شركة نِفط النعمة " (Grace Petroleum Company)، و "شركة النعمة للشَّحن" (Grace Shipping Company)، و " شركة النعمة للاستثمار" (Grace Investment Company)، وهل تُصدِّقونَ أنَّ هناك شركة اسمُها: "شركة النعمة لتصنيع الأسمدة" (Grace Fertilizer Manufacturing Company)؟ ولا أعتقد أيضًا أنَّ السِّرَّ يَكمُن في الكلمة "كوميونيتي" (Community) لأنَّ هناك الكثير مِن الهيئات الَّتي تَحمِلُ هذا الاسم.
بل إنَّ المِفتاحَ الَّذي يُمَيِّز هُويَّتَنا هو الكلمة الأخيرة وهي: "كنيسة". فهذا هو المِفتاح. فهذا يُلَخِّص كلَّ ما نحنُ عليه. فنحنُ لسنا "نادي النعمة "، ولسنا "شركة النعمة "، ولسنا "مَركز النعمة التَّرفيهيّ"، ولسنا "مَركز النعمة لرعاية الأطفال"، ولسنا "جمعيَّة النعمة للمساعدة الذَّاتيَّة"، ولسنا "مدرسة النعمة للدِّراسات اللاَّهوتيَّة"، ولسنا "مركز النعمة للمؤتمرات"، أو "مَسرح النعمة "، ولا "مركز النعمة لمعالجة الأمراض النَّفسيَّة والدِّينيَّة"؛ بل نحن كنيسة النعمة. وهذا هو المِفتاح. وهذا هو السَّبب الَّذي يَجعل النَّاس عاجزين عن فَهمِنا لأنَّهم لا يَفهمون ما هي الكنيسة. ولكنَّ هذه الكلمة تُميِّزُنا عن كلِّ المؤسسات البشريَّة الأخرى. وإن فَهمتُم حَقًّا الكلمة "كنيسة"، ستفهمون خمسًا وعشرين سنةً مِن التَّاريخ في هذا المكان تحديدًا. فنحنُ كنيسةُ الرَّبِّ يسوعَ المسيح الَّتي اشتَراها بدمِه. ولا توجد مؤسَّسة أخرى في العالَم تُشبِه الكنيسة. وإن استطعنا أن نَفهمَ معنى أن نكون كنيسة، يُمكننا أن نَفهمَ مَن نحن، ومَن نكون، وما سنكونُ عليه دائمًا.
والآن، عندما أَنطِق الكلمة "كنيسة"، فإنَّ الكلمة في ذاتِها لا تُقدِّم لكم كلَّ ما تحتاجون إلى معرفته عن معناها. والحقيقة هي أنَّ الكلمة "كنيسة" فَقدت ثَراءَها العميق. فعندما نَقول الكلمة "كنيسة" فإنَّنا نُفكِّر عادةً في الحجارة والإسمنت وذلك المبنى القائم في أحد الشَّوارعِ في مكانٍ مَا. أو رُبَّما نُفكِّر في الكنيسة كهَيكلٍ مِن الوظائف المُتدرِّجة، أو كمؤسَّسة مِن نوعٍ مَا. فقد فَقدنا حَقًّا الغِنى الكامِن في الكلمة "كنيسة". ويجب علينا أن نَشعُر بالاستياء الشَّديد. فأغلبيَّة اللُّغات تَفقِد مَعنى هذه الكلمة بسبب الطَّريقة الَّتي تُعَرِّف بها جسد المسيح. فقد قرأتُ في هذا الأسبوع أنَّه يوجد في اللُّغاتِ اليابانيَّة والكوريَّة والصِّينيَّة نفسُ جذر الكلمة "كنيسة" في هذه اللُّغات الثَّلاث كُلِّها، وهو يُشيرُ إلى جَمعيَّة تَعليميَّة يَجتمع النَّاسُ فيها في صَفٍّ للاستماعِ إلى مُحاضرة مِن مُعَلِّمٍ دينيٍّ مُختصٍّ.
ولكنَّ الكنيسة لا يُمكن حَقًّا أن تُعَرَّف بأنَّها مَبنى في وسط مَبانٍ أخرى أو على ناصيةِ الشَّارع، ولا يُمكن أن تُعَرَّف بأنَّها جَمعيَّة تَعليميَّة تُقَدَّم فيها المُحاضرات مِن قِبَل مُعَلِّمٍ دينيٍّ. لِذا فإنَّ الألفاظَ نفسَها لا تُساعدُنا حَقًّا، بل يجب علينا أن نُمَحِّصَها. لذلك، لنرجِع إلى الوراء. ففي العهد الجديد، نجد أنَّ الكلمة كنيسة مُستخدمة مِرارًا وتَكرارًا. وهي تَرجمة للكلمة اليونانيَّة "إكليسِيَا". وكم تَمَنَّيتُ لو أنَّ مُترجِمي اللُّغة الإنجليزيَّة أَبْقَوْا تلك الكلمة على حالِها وأَطلقوا علينا الاسم: "إكليسِيَا" حَتَّى يكونَ لنا اسمٌ فريدٌ خاصٌّ بنا. ولكنَّها كلمة مُشتقَّة مِن الفعل "كاليئو" ومَعناها: "يَدعو"... يَدعو. وهناك كلمة رائعة تَصِف ماهيَّتَنا. فنحنُ جماعة المَدعوِّين. والحقيقة هي أنَّني أعتقد أنَّ أروعَ وَصْفٍ لنا هو ذاك المَذكور في نهاية الآية رومية 8: 28: "الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ". فأفضلُ طريقةٍ لِفَهم الكنيسة هي أنَّها جَماعة المَدعوِّين. فهذا هو نحن. فنحنُ جماعةُ المَدعوِّين. نحنُ جَماعةُ النعمة المَدعوَّة. ونحنُ جماعة دُعِيَت إلى الاجتماعِ مِن قِبَلِ اللهِ حَسَبَ قَصدِه. فنحنُ لسنا مُنظَّمة بشريَّة. ونحنُ لسنا هيئة ابتَكَرها إنسان أو وُجِدَت بقُدرةِ إنسان. ونحنُ لسنا جماعة أقامَها أُناسٌ صالحونَ مُتديِّنون، بل إنَّنا جماعةٌ دعاها اللهُ إلى الوجود. ونحنُ رَعيَّة دَعاها اللهُ. فهذا هو تَعريفُنا. وهذه هي هُويَّتُنا.
الكنيسة إذًا، يا أحبَّائي، هي ليست الفَاعِل في الجُملة، بل إنَّ الكنيسة هي المَفعول به في الجُملة. فنحنُ جَماعةُ المَدعوِّين. واللهُ هو الَّذي دَعانا. فعندما يسألُني النَّاسُ، وَهُم يَسألونِي طَوالَ الوقت: كيف بَنيتُم كنيسة النعمة؟ فإنَّ جَوابي واحدٌ دائمًا: نحنُ لم نَفعل ذلك، بل إنَّ اللهَ هو الَّذي بَناها. ويبدو أنَّ هذا لا يُساعِدُهم في الفَهم. فَهُم يريدونَ أن يَعرفوا: "ماذا فَعلتُم؟ وكيفَ يمكنني أن آخُذَ المُكوِّنات الَّتي استخدمتموها وأن أَصنَعَ منها كنيسةً بِذاتِ المُواصفاتِ في المَكانِ الَّذي أُوجَدُ فيه؟ وكيف يمكنني أن أَسْتَنْسِخَ ما لَديكم؟ كيف يمكنني أن أفعل ذلك؟" ولكنَّ المشكلة هي أنَّنا على الصَّورة الَّتي نحنُ عليها لأنَّ اللهَ دعانا إلى الوجود، لا لأنَّنا جَعلنا أنفسنا هكذا. فنحنُ جماعةُ المَدعوِّين.
وهذه نُقطة يُرَكِّزُ عليها كلُّ العهد الجديد. فإن نَظرتم على سبيل المثال إلى رسالة رومية والأصحاح الأوَّل قليلاً، ستجدونَ في العدد السَّادس أنَّ بولس يَكتُب إلى الكنيسة في روما ويقول: "الَّذِينَ بَيْنَهُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا مَدْعُوُّو يَسُوعَ الْمَسِيح". فهذا هو أفضل تَعريفٍ للكنيسة: مَدْعُوُّو يسوعَ المسيح. "إِلَى جَمِيعِ الْمَوْجُودِينَ فِي رُومِيَةَ، أَحِبَّاءَ اللهِ، مَدْعُوِّينَ قِدِّيسِين". وفي الرِّسالة الأولى إلى أهل كورِنثوس، تَسمعونَ الشَّيءَ نفسَهُ إلى كنيسة كورِنثوس إذ نقرأ في العددِ الثَّاني مِن رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح الأوَّل: "إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ، الْمُقَدَّسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِين". ثُمَّ استمعوا إلى هذا: "مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي كُلِّ مَكَانٍ". بعبارة أخرى، إنَّ أيَّ شخصٍ في أيِّ مكانٍ يَدعو باسم الرَّبّ يسوعَ هو مَدعوٌّ. "الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِين". فقد دُعينا معًا. ونقرأ في رسالة كورِنثوس الأولى 1: 26: "فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ"، ثُمَّ إنَّه يُتابِعُ حَديثَهُ وَاصِفًا طَبيعة كِيان الكنيسة. فاللهُ هو الَّذي دَعاكُم إلى الوُجود.
وتَقرأونَ في رسالة أفسُس 4: 1: "أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا". وفي العدد 4: "كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِد". وتجدونَ أيضًا في رسالة تسالونيكي الأولى 2: 12: "لِكَيْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ للهِ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَى مَلَكُوتِه". وفي رسالة تيموثاوس الثانية 1: 9: "الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لاَ بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى [قَصْدِه]...". وهَكذا دَوالَيْك. والحقيقة هي أنَّ تلك اللَّفظة تَرِد في الكتاب المقدَّس (بصيغتها في العهد القديم أو بصيغتها في العهد الجديد) أكثر مِن 700 مَرَّة. فأفضلُ تعريفٍ للكنيسة هي أنَّها جَماعةُ المَدعوِّين... المَدعوِّين بِمُقتَضى قَصدِه. وبُطرس يقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ في رسالة بطرس الأولى 5: 10 ويُرَدِّد بصورة أساسيَّة ما قالَهُ بولس: "وَإِلهُ كُلِّ نِعْمَةٍ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ...". فنحنُ قد دُعينا مِن قِبَل الله. وهذا هو ما يَجعَلُنا على الصُّورة الَّتي نحنُ عليها. وهذا يُفَسِّرُنا بصورة رئيسيَّة.
والآن، إن كان هناك شيء أُوْمِنُ به بخصوص هذه الكنيسة، إن كانَ هناك شيءٌ واحد، أو شيءٌ يُلَخِّصُ كلَّ شيء، أعتقد أنَّ هذه الكنيسة مَدعوَّة إلى الوجود مِن الله نفسِه. وأعتقدُ أنَّنا على الصُّورة الَّتي نحنُ عليها لأنَّ اللهَ شَاءَ أن نكونَ كذلك. فهذا لا يَرجِعُ إلى التَّعبيرِ عن الإبداعِ الدِّينيِّ للإنسان، أو إلى الموهبة الَّتي يَمتلكُها عددٌ مِن القادة، أو إلى قُوَّةِ الكَلامِ المُقنِع، أو إلى غِنى أعضائِنا، أو إلى فاعليَّة مَرافِقِنا، أو إلى حِكمة لِجانِنا، أو إلى برامِجنا، أو إلى نتيجة العمل الدَّؤوب أو الذَّكاء؛ بل يَرجِعُ إلى عمل الله. فهذه الكنيسة لم تَتْبَع يومًا قيادَةَ بَشَر، بل تُخْدَم فقط مِن قِبَلِ بَشَر. فهي تَتْبَعُ دائمًا قيادة الله مِن خلال رُبوبيَّة يسوعَ المسيح بواسطة الرُّوح القُدُس مِن خلالِ عمل الكلمة في حياة رَعيَّة مُطيعة. فهي كنيسة المسيح. وأنا أعترِف لكم... وأنا أُحِبُّ اسم "كنيسة النعمة" جدًّا. ولكن لو كان لديَّ الخِيار في اطلاقِ اسمٍ على كنيسة، أودُّ أن أُسمِّيها "كنيسة المسيح" حَتَّى لا يَشُكَّ أحدٌ البتَّة في انتمائها الحقيقيّ. فهي كنيسته. فهو الَّذي بَناها. وهو الَّذي يَقودُها. وهو الَّذي دَعاها. ونحنُ جماعةُ المَدعُوِّين.
وتلك الحقيقة، يا أحبَّائي، تُفسِّر كلَّ صلاحِنا، وكلَّ نجاحِنا، وكلَّ قُدرتنا، وكلَّ بَركَتِنا، وكلَّ ثَرائِنا الروحيِّ. فهي تُفسِّر كلَّ ذلك. مِن جهة أخرى، أودُّ أن أُضيف أنَّ السَّببَ في ضُعفَ كنيستنا وإخفاقِها يَرجِعُ إلى حقيقة أنَّ الله اختارَ أن يَعملَ مِن خلال البشر. فعندما نَنجَح فإنَّه السَّبب، لا نَحن. وعندما نُخفِق فإنَّنا السَّبب، لا هو. ففي كلِّ مكانٍ يَتحرَّك فيه اللهُ، تُزهِرُ الأزهار. وعندما نَتَمَشَّى نحنُ فإنَّها تموت. لِذا مِن الصَّعبِ جدًّا أن يَتِمَّ تَحليلُنا. فقد كانت إحدى كُليَّات اللاَّهوت تأتي بطلبتِها إلى هنا لتحليلنا، ولكنَّها توقَّفت عن القيام بذلك لأنَّ ذلكَ شَوَّشَ التَّلاميذ لأنَّنا لا نُوافِقُ نَموذَجًا مُحدَّدًا. لِذا فقد عَجزوا عن معرفة كيفيَّة قِيامنا بالأشياء وكيفيَّة إنجاز الأشياء مِن دون اتِّباع إجراءات مُعيَّنة.
هل تَعرفونَ سَبَبَ صُعوبة تَحليلِنا؟ مِن السَّهل أن تُحَلِّلوا إخفاقاتِنا. فهي بشريَّة. ولكن لا أحدَ يُبالي بتحليلِ ومُلاحظةِ نَجاحاتِنا. فَمِنَ المُستحيل تقريبًا أن تُحَلِّلوا نَجاحَنا لأنَّه خارق للطَّبيعة ولا يُمكنكم تَصنيفُه. لِذا، عندما نَنجَح فإنَّ الربَّ هو السَّبب. وعندما نُخفِق فإنَّنا نحن السَّبب. وما أَعنيه هو أنَّ كنيسة النعمة تَبارَكَت طَوالَ خمسٍ وعشرين سنة في أوقاتٍ مُعيَّنة فقط وهي عندما عَمِلَت تمامًا بصفتِها مَدعوَّةً مِن الله، لا بِصفتها مُنظَّمة بشريَّة. فالهدفُ الوحيدُ السَّامي لهذه الكنيسة هي أن تَجعلَ اللهَ يَعمل، وأن تَجعلَ اللهَ يَتحرَّك، وأن تَجعلَ اللهَ يَبني مَلكوتَه، ويَبني كنيستَه، وإفساح الطَّريق أمامَهُ مِن خلال إطاعتِنا وخُضوعِنا لكلمتِه وروحِه. فنحنُ جماعةُ المَدعوِّين.
والآن، انظروا معي إلى رسالة أفسُس والأصحاح الأوَّل. وأعتقد أنَّه يمكنني أن أبتدِئ على الأقلِّ بتَعليمِكُم مَعنى أن نكونَ مَدعوِّينَ أو أن نكونَ الكنيسة مِن خلالِ أخذِ الكلمة "مَدعُوِّين" وإضافةِ العديدِ مِن حُروفِ الجَرِّ إليها؛ وهو أمرٌ نَراهُ في الأصحاحِ الأوَّل مِن رسالة أفسُس والأعداد مِن 3 إلى 14. والسَّببُ في اختياري لرسالة أفسُس والأصحاح الأوَّل هو أنَّ هذا الأصحاحَ يُقدِّم أكثرَ مِن أيِّ أصحاحٍ آخر تَعريفَ الكنيسة لاهوتيًّا، ولأنَّه كانَ وما يَزالُ أصحاحًا مُبارَكًا جدًّا طَوال الدِّراسة الَّتي دَرَسناها على مَرِّ السِّنين الَّتي قَضيناها هُنا في كنيسة النعمة. لنبتدِئ منذُ البداية.
أوَّلاً، لقد دُعينا "قبلَ"... والآن تَذكَّروا أنَّنا مَدعوُّون. فهذا هو مَعنى الكنيسة. وأوَّلُ شيءٍ ينبغي أن نَفهمَه هو أنَّنا دُعينا "قَبْلَ". وهذا هو اختيارُنا. ويمكنكم أن تُتابِعوا المُخَطَّطَ الَّذي بينَ أيديكم في النَّشْرة إن كان ذلك يُساعِدُكم على الفَهم. ولكن لاحظوا العدد 4. فبولس يَتحدَّثُ عن الكنيسة ويَكتُب قائلاً: "كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأسِيسِ الْعَالَم". وفي العدد الخامِس: "إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِه". وفي العدد 11: "مُعَيَّنِينَ سَابِقًا حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأيِ مَشِيئَتِه". فقد اختارَنا حَسَبَ مَشيئتِه، وحَسَبَ مَسَرَّة مَشيئتِه قبلَ تأسيس العالَم. فقد دُعينا "قَبْلَ" يا أحبَّائي. فالكنيسةُ ليست شيئًا يُوْجَدُ مِن تِلقاءِ ذاتِه. وهي ليست شيئًا يَبنيه البشرُ بحكمتهم، أو عَبقريَّتهم، أو حُسْنِ تَرويجِهم، أو دَعايَتِهم أو ما إلى ذلك؛ بل إنَّ هَذِهِ الكنيسة والكَنيسة عَامَّةً بُنِيَتْ نتيجةَ تَعيين الله السَّابق، وسيادتِه، ودعوتِه الَّتي سَبَقَت الخَلْق. وفي الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس، ذَكرتُ آيةً مِن قبل. وسوفَ أُعيدُ قِراءَتَها وَحَسْب. فهي تقول: "الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لاَ بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا [رسالة تيموثاوس الثَّانية 1: 9]، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ [ثُمَّ استمعوا إلى هذا:] الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّة". فقد دُعينا "قَبْل". فقد اختارنا اللهُ بِمُقتضَى قَصدِه قبلَ تأسيس العالَم.
إذًا مِن الصَّعبِ جدًّا أن نَضَعَ ذلكَ في قالَبٍ مُعيَّن وأن نُقدِّمَهُ للآخرين. ففَرادَةُ هذه الكنيسة مُتأصِّلة في دَعوة الله لنا وسيادَتِه قبل تأسيس العالَم. فنحنُ ما نحنُ عليه بسبب سِيادة الله، واختيارِه المُستقلِّ الَّذي لا يتأثَّرُ بشيء. وقد قال "جورج تشادويك" (George Chadwick): "لقد بَحثتُ عن الرَّبِّ. وقد عَلمتُ بعد ذلك أنَّه هو الَّذي حَرَّكَ رُوحي للبحث عنه لأنَّه كان يَبحثُ عنِّي. لِذا فإنَّني لستُ مَن عَثَرَ عليكَ أيُّها المُخلِّص. لا، بل أنتَ مَن عَثَرْتَ عَليَّ". فإن كنتَ في كنيسة النعمة فإنَّكَ لم تَعثُر علينا، بل إنَّ الله هو الَّذي عَثَرَ عليك. وأنتَ هُنا بموعدٍ إلهيٍّ. وكذلك أنا. وهذا هو ما يَجعلُنا على الصُّورة الَّتي نحنُ عليها. فنحنُ نُتَمِّمُ قَصدَنا المُعيَّن سابقًا، والدَّعوةَ الَّتي دُعينا إليها عَبْرَ الفَضاءِ وقبلَ الأزمنة الأزليَّة. فقد دُعينا قبلَ تأسيس العالَم. وكما تَرون، لا يوجد في ذِهنِ اللهِ الواعي زَمَن، بل إنَّ كلَّ شيءٍ هُو حاضِرٌ أزليًّا وحالاً. وقد كُنَّا موجودين حَقًّا قبل تأسيس العالَم كما نحنُ الآنَ أمامَهُ.
واللهُ يُضيفُ إلى هذه الكنيسة أولئكَ الَّذينَ قَرَّرَ قبل تأسيس العالم أن يُضيفَهُم إلى هذه الكنيسة. فَكِّروا في ذلك. عندما بَقِيَ ثمانية أشخاص فقط أحياء في العالم، أَغرَقَ اللهُ كلَّ البشرِ الآخرين. وكان اللهُ يَعلم أنَّهُ مِنْ نَسْلِ هؤلاءِ الأشخاص الثَّمانية سيأتي رُعاة وقَادة ورَعِيَّة هذه الكنيسة. وكانَ يَعلمُ أنَّها ستَكونُ على الصُّورة الَّتي هي عليه. وأنا أنظر إلى طُفولتي وأجدُ صُعوبةً أكبر فأكبر في رؤية كلِّ ذلك الزَّمن الَّذي يَتباعَد أكثر فأكثر. وأنا أُقِرُّ بذلك! ولكنِّي أنظرُ إلى طفولتي، وأُفكِّرُ في أُمِّي الَّتي صَلَّت إلى الله وطَلبت منه أن يُعطيها ابنًا واعظًا. وعندما وُلِدتُ، استمرَّت في سؤالِ الله: "هل هذا هو؟ هناك عمل كثير ينبغي أن تَعملَه إن كان هذا هو!" وطَوالَ سَنواتِ حياتي الصَّعبة، لم أَكُن أعلمُ أينَ أمضي في الحياة. وعندما كنتُ صَبيًّا صغيرًا، كنتُ أقفُ فوقَ صُندوقٍ فارغٍ في حَديقةِ المنزلِ الخَلفيَّة وأعِظُ أمامَ أخَواتي. ولكنِّي كنتُ أفعلُ ذلك لأنِّي كنتُ أُقَلِّدُ أبي. فهذا هو ما كنتُ أَراهُ يَفعلُه. وقد مَضَيْتُ قُدُمًا في حياتي. وفي حادِثَتَيْن، كِدْتُ أَفقِدُ حياتي. فذاتَ مَرَّة، وَقعتُ مِن فوقِ تَلَّة في "فورست هوم" (Forest Home). وفي حادثة أخرى، كادَ حادِثُ سَيَّارة أن يُوْدي بحياتي. ولكنَّ اللهَ نَجَّاني في كِلتا المَرَّتين.
وقد كَسَرَ اللهُ إرادَتي البشريَّة، ورغباتي الشخصيَّة، وغَيَّرَ مَسارَ حياتي طَوالَ السِّنين. فقد كانَ اللهُ يَعلم أينَ سأكون قبل تأسيس العالَم. ويجب أن تَعلموا أنَّ هذا يُعطيني شعورًا رائعًا بالثِّقة بأنِّي أنتمي إلى هذا المكان في هذا الوقتِ المُحَدَّد مِن التَّاريخ... أي تاريخ الفِداء. وهذه هي حالُكم أنتم أيضًا. لقد كنتُ واحدًا مِن العامِلينَ في "كُليَّة لاهوت تالبوت" (Talbot Seminary) قبل أن آتي إلى هنا. وقبل ثلاثة أشهر مِن الاتِّصال بي للمجيء إلى هنا لكي تَتِمَّ مُقابلتي بصفتي واحدًا مِن الأشخاصِ الَّذينَ كانوا مُرَشَّحينَ لرعاية هذه الكنيسة، اتَّصلت بي كنيسة أخرى. في ذلك الوقت، كانت كنيسة أكبر حَجمًا، وكنيسة مَعروفة، وكنيسة رائعة. فقد اتَّصلوا بي وقالوا: "نَوَدُّ أن نَتحدَّث إليكَ بخصوص إمكانيَّة أن تَرعى كنيستَنا". لِذا فقد ابتدأنا بالتحدُّث، واستمرَّينا في التحدُّثِ نحو شَهر، وَهَكذا دَوالَيْك. وأخيرًا، بعد كلِّ تلك المحادثات، قالوا لي: "نحنُ نَشعُر أنَّكَ صَغيرٌ جدًّا وعديم الخِبرة لكنيستنا. لِذا، سوف نَبحثُ عن شخصٍ آخر".
وقد كنتُ مُنفتحًا لما يُريدُ مِنِّي الرَّبُّ أن أفعلَه وللمكانِ الَّذي يريدُ مِنِّي أن أذهب إليه. ومعَ أنَّهُ خَابَ ظَنِّي، لم يكن ذلك هو المكان الَّذي يريدُني اللهُ أن أذهبَ إليه. فخُطَّتُه لم تَكُن تَقتضي مِنِّي أن أذهب إلى هناك، بل أن آتي إلى هنا. فقبلَ تأسيس العالَم، كان اللهُ يَعلم أنَّه سيَستخدِم هذه الكنيسة لتخليص النُّفوس، وأنَّني سأكونُ جُزءًا مِن تلك العمليَّة. وها نحنُ هنا، يا أحبَّائي، منذ ذلك الحين. فهذا هو قَدَرُنا المَحتوم. وفي كلِّ مَرَّةً أسمَعُ فيها عن شخصٍ نالَ الخلاص في هذه الكنيسة، تَلمَعُ فِكرةٌ في ذِهني وهي أنَّ هذا تَتميمٌ آخر لخُطَّة الله المَحتومة. وأودُّ أن أقول للأشخاص الَّذينَ انضمُّوا إلى هذه الكنيسة أنَّهُ قد انقضت ثلاث عشرة سنة على حُضوري اجتماعات الأعضاء الجُدُد. وأنا أشعُرُ دائمًا بالشُّعورِ نفسِه في داخلي: أنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ ليسوا هُنا بِمَحْض الصُّدفة، بل إنَّ الرَّبَّ يَبني كنيستَه. فكلُّ شخصٍ منكم موجود هنا لأنَّك جئتم إلى هُنا وَفقًا لخُطَّتِه وسيادتِه. وهذا يُزيلُ عِبئًا ثقيلاً جدًّا عن كاهِلي. فأنا لستُ مُضطرًّا إلى بناء الكنيسة. هل تَعلمونَ ذلك؟
والحقيقة هي أنَّ مُراسِلاً سألني قبلَ سنواتٍ خَلَت قائلاً: "هل لديكَ رَغبة عظيمة في أن تَبني الكنيسة؟" قلتُ: "لا رَغبة البَتَّة لديَّ في أن أبني الكنيسة. البَتَّة!" دُهِشَ وقال: "لقد تَحدَّثتُ إلى رُعاةٍ آخرينَ عبر البلاد ولم يُجيبوا هكذا". قلتُ: "ليست لديَّ أَيَّةُ رَغبة في بِناء الكنيسة". قال: "لماذا؟" قلتُ: "لأنَّ المسيحَ قالَ إنَّه سيَبني الكنيسة [في إنجيل مَتَّى والأصحاح 16]. ولا نِيَّةَ لديَّ البَتَّة للتَّنافُسِ معَه، بل أريدُ فقط أن أكونَ جُزءًا مِمَّا يَبنيه هو. هذا هو كلُّ ما في الأمر". إنَّها كنيستُه. وهذه الكنيسة ليست نِتاجَ عَقلٍ نابِغٍ، وليست مُنظَّمة بشريَّة، بل هي كنيسة المسيح. وإن لم تَفهمُ ذلك لَن تَفهمنا. وهل تَعلَمون ما الَّذي يَفعلُهُ هذا بي؟ أنَّهُ لا يوجد لديَّ شعورٌ بالذُّعْر في الخدمة، ولا يوجد لديَّ شُعورٌ بالإحباط، ولا يوجد سَببٌ يَدعوني إلى البحثِ عن وسائل عَالميَّة أو تَرويجٍ بَشريٍّ أو نِظامٍ بَشريٍّ لكي أحاولَ أن أَنهَضَ بها. فكلُّ ما تحتاجونَ إليه هو أن تَستريحوا في رُوحِ الله، وأن تَكونوا أُمناء في تَسليم حياتِكم وتَكريسِ أنفسِكُم ليسوعَ المسيح. وهو سيَبني كنيستَه. وأنا لم أرغب أن أفعلَ ذلك بطريقة مُصطَنعَة لأنِّي أخافُ أن تكونَ كنيستي لا كَنيستَه. وحينئذٍ لن أتمكَّنَ مِن مَعرفة الفَرق.
لا أَجِدُ الكلمات المُناسبة للتَّعبير عن مشاعري الشخصيَّة الخاصَّة جدًّا الَّتي أشعُر بها في قلبي بسببِ عِلمي بأنَّ المسيحَ قد بَنى هذه الكنيسة، وأنَّني جُزءٌ مِن ذلك، وأنَّكُم جزءٌ مِن ذلك. فهذا الجُزءُ الصَّغيرُ والبسيطُ مِن تاريخِ الفِداء هو مَصيرُنا. لِذا فإنَّنا نُركِّز بقوَّة دائمًا في كنيسة النعمة على سِيادة الله. فنحنُ كنيستُه الَّتي دَعاها قبل تأسيس العالَم.
ثانيًا، نحنُ لسنا فقط جَماعة المَدعوِّين "قبلَ" تأسيس العالَم، بل إنَّنا دُعينا أيضًا إلى الخروجِ "مِن". فقد دُعينا إلى الخروجِ "مِن". وهذا هو فِداؤنا. فدعوتُنا "قَبلَ" هي اختيارُنا. ودعوتُنا إلى الخروجِ "مِن" هي فِداؤنا. فنحنُ نَقرأ في العدد 7 أنَّه في المسيح: "الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ". ثُمَّ نقرأُ في العدد 13 أنَّنا: "سَمِعنا كَلِمَةَ الحَقِّ، إِنْجِيلَ خَلاَصِنا. وقد آمَنَّا به وقَبِلنا الرُّوحَ القُدُس". وبولس هُنا يُعَرِّف الكنيسة بأنَّها جَماعةُ المَفديِّين، وجماعة الَّذينَ نالوا الغُفران، وجماعة الَّذينَ نالوا النِّعمة، وجماعة الَّذينَ سَمِعوا الكلمة، وجماعة الَّذينَ خَلُصوا لأنَّهم آمنوا. لِذا فإنَّ الكنيسة مَدعوَّة إلى الخروجِ "مِن". فهي جماعة مِن النَّاسِ المَفديِّين أوِ المولودينَ ثانيةً.
وما الَّذي نَعنيه بالخروجِ "مِن"؟ الخروجِ مِن الخطيَّة، والخروجِ مِن الموت، والخروجِ مِن الظُّلمة، والخروجِ مِن اليأس، والخروجِ مِن الضَّلال. ونحنُ نقرأ في رسالة كولوسي 1: 13 أنَّنا نُقِلنا مِن سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ إلى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِه. ونَقرأ في رسالة رُومية والأصحاح السَّادس أنَّنا كُنَّا أمواتًا، وأنَّنا دُعينا إلى الانتقالِ مِن ذلك الموت إلى الحياة. وقد دُعينا إلى الخروجِ مِن العالم. فنحنُ جماعةٌ مِن المَفديِّين. ونحنُ جَماعة مِن المَولودينَ ثانيةً. وهذا هو السَّببُ الوحيدُ في أنَّنا الكنيسة الحقيقيَّة. فلو لم نكن مَفديِّينَ لما كُنَّا كنيسة. فهناك أناسٌ كثيرون يَعملونَ تحتَ راية دينيَّة كُتِبَت عليها الكلمة "كنيسة" مع أنَّهم ليسوا مَفديِّينَ وليسوا الكنيسة. فالكنيسة هي جماعةُ المَدعوِّين إلى الخروجِ – إلى الخروجِ مِنَ العالَم، ومِنَ الخطيَّة، ومِنْ سُلطان الظُّلمة.
والآن، نحنُ نُدركُ أنَّ أعظمَ شيءٍ ينبغي أن تُرَكِّزَ عليه الكنيسة هو الأعضاءُ المَفديُّون أو الأشخاصُ الَّذينَ وُلدوا ثانيةً. وما أعنيه هو أنَّ هذه هي الكنيسة. فهناك كنائس في كلِّ مكان لها اسمٌ أنَّها حَيَّة، ولكنَّها مَيْتَة. فلا يوجد فيها أشخاصٌ وُلِدوا ثانيةً. ولكنَّ هذه ليست كنيسة. وَهُم ليسوا جَماعةَ المَدعوِّين إلى الخروجِ مِن العالَم، بل هُم جُزءٌ مِن العالَم. فَهُم مُجرَّدُ أشخاصٍ مُتدَيِّنين. وهل تَعلمونَ أنَّ هذا أمرٌ بالغُ الأهميَّة بالنِّسبة إليَّ حتَّى إنَّني في أوَّلِ يومِ أحدٍ لي هُنا وَعظتُ عن هذا الموضوع. فأوَّلُ خِدمة قَدَّمتُ فيها عِظةً في هذه الكنيسة كانت في شهر شباط/فبراير سنة 1969. وكانَ النَّصُّ الَّذي استخدمتُهُ هو إنجيل مَتَّى 7: 21-23: "كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! ... فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ!" وقد يقولُ كثيرون: "كانَ ينبغي أن تُهَيِّئَهُم قليلاً قبل أن تَضرِبَهُم بينَ أعيُنِهم". ولكن كما تَرون، لقد كنتُ أَخشى أن يكونَ هناك أشخاصٌ يَعتقدونَ أنَّهم جزءٌ مِن الكنيسة ولكنَّهم ليسوا الكنيسة. فيجب عليكم أن تَفهموا مُنذُ البداية ما هي الكنيسة لكي تَعلَموا إلى أينَ تَمْضون. فنحنُ جَماعةُ المَدعوِّين إلى الخروجِ. وأنا أَذكُرُ أنِّي قَدَّمتُ تلك العِظة فتَرَكَ أُناسٌ عَديدونَ الكنيسة. وحتَّى إنَّه كانَ يوجد لدينا [حَسْبَما أَذكُر] ما لا يَقِلُّ عن شَيخٍ واحدٍ غير مُؤمِن.
وقد قلتُ لهم: "يجب عليكم أن تُميِّزوا بين الحِنطة والزَّوان، أي بين المؤمنينَ الحقيقيِّين والأشخاص المُدَّعين، أو بين الأشخاصِ الَّذينَ يَتظاهرونَ بأنَّهم الكنيسة والأشخاص الَّذينَ هُم حقًّا الكنيسة". والحقيقة هي أنَّ عُنوانَ تلك العظة الأولى كان: "كيفَ تَتظاهرونَ بأنَّكم كنيسة". وقد اقتبستُ الآية لوقا 6: 46: "وَلِمَاذَا تَدْعُونَنِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، وَأَنْتُمْ لاَ تَفْعَلُونَ مَا أَقُولُهُ؟" وقد قرأتُ على مَسامِعهم نَصًّا قَديمًا نُقِشَ على بَلاطةٍ في كاتدرائيَّة ليبيك في ألمانيا (The Cathedral of Lebach)، وإليكُم ما نُقِشَ عليها: "هذا هو ما قالَهُ المسيحُ رَبُّنا لنا: ’أنتُم تَدعونَني رَبًّا ولا تُطيعونَني، وتَدعونَني نُورًا ولا تَرَوْنَني، وتَدعونَني الطَّريق ولا تَسلُكونَ فِيَّ، وتَدعونَني الحياة ولا تَحْيَوْنَني، وتَدعونَني حكيمًا ولا تَتبعونَني، وتَدعونَني جَميلاً ولا تُحبُّونَني، وتَدعونَني غَنيًّا ولا تَطلبونَ شَيئًا مِنِّي، وتَدعونَني أبديًّا ولا تَطلبونَني. فإن أَدَنتُكم، لا تَلومونَني".
ثُمَّ إنَّني قَدَّمتُ مَثلاً إيضاحيًّا. فأوَّلُ مَثَلٍ إيضاحِيٍّ قَدَّمتُهُ كانَ هنا وهو كالآتي: كان هناكَ راعٍ مُسِنّ. وكانَ مُسِنًّا جدًّا حتَّى إنَّه اضطُرَّ إلى التَّقاعُد. وكانَ صوتُهُ قد تَعِبَ بعد سنواتٍ طويلة مِن الوعظ. وكانَ رَجُلاً مُهذَّبًا ومُتواضعًا. وقد تَلَقَّى دَعوةً لتناولِ الغداءِ في لِقاءٍ لِنُخبةٍ اجتماعيَّةٍ دَعاهُ إليه صَديق. والحقيقة هي أنَّ تلك المجموعة لم تَكُن تُلائمُهُ، ولكنَّه ذهب. وكان واحدٌ مِن الحُضورِ مُمَثِّلاً مشهورًا. وقد قالَ عَريفُ الحَفْلِ لذلك المُمَثِّل في وسط كلِّ الحُضور: "أَلاَ وَقفتَ وقَرأتَ شيئًا لنا؟" قال: "بكلِّ تأكيد. فأنا أحفظُ الكثيرَ مِن الأدوار. ماذا تُحِبُّون؟" ظَنَّ الرَّاعي المُسِنّ أنَّ تلك هي لَحظَتُه المُناسبة فقال: "ماذا عن المزمور الثَّالث والعشرين؟" قال المُمَثِّل: "أعتقد أنَّ هذا الطَّلبَ غير عاديّ، ولكنِّي أعرِفُهُ. وسوفَ أَقرأُهُ بشرطٍ واحد وهو أن تَقرأهُ بعدي". لم يُجادل الرَّاعي المُسِنّ في ذلك، بل قالَ لأجل الرَّبّ: "حسنًا". وقفَ المُمَثِّل، وتَلا المَزمور الثَّالث والعشرين بأسلوبٍ جميل، ومُنَمَّق، وصوتٍ رائع، وتَعبيرٍ بَديع. وبعد أنِ انتهى، جَلَسَ وسطَ تَصفيقِ الجميع. ثُمَّ وقفَ الرَّاعي المُسِنُّ بصوتِهِ الأَجَشِّ وقرأَ المزمور الثَّالث والعشرين بطريقته المُتواضعة. وعندما انتهى منه، لم يَبْقَ أحدٌ في الغُرفة لم يَبْكِ. وفي تلك اللَّحظة المؤثِّرة، وقفَ المُمَثِّل وقال: "أعتقد أنَّني أَفهمُ الفَرقَ بينَ تَجاوُبِكُم مَعي ومعه. فقد صَفَّقتُم لي وبَكيتُم لَهُ. والفَرقُ هو أنَّني أَعرفُ المَزمورَ، ولكنَّهُ يَعرِفُ الرَّاعي".
وإن كان يوجد شيء واحد ينبغي أن تَكونَ عليه الكنيسة فهو أن تكون جماعةً مِن الأشخاص الَّذين يَعرفون الرَّاعي. أليس كذلك؟ فهذه هي الكنيسة. وأيُّ شيءٍ أقلّ مِن ذلك هو ليس كنيسة. فهناكَ أشخاص كثيرون يَعرفونَ المزامير، ولكنَّهم لا يَعرفون الرَّاعي. لذا، نحنُ مُكَرَّسونَ دائمًا للوعظِ عن عقيدة الخلاص. ونحنُ نَتحدَّث دائمًا عن حقيقة خطيَّة الإنسان والحاجة إلى مُخَلِّص. ونحنُ نَتحدَّث دائمًا عن الأمانِ الزَّائف ونَدعو النَّاسَ إلى الإيمانِ الحقيقيِّ بالمسيح. ونحنُ نُرَكِّز على المَعموديَّة، ونُرَكِّز على الكِرازة لأنَّ الكنيسة هي جماعة المَدعويِّن إلى الخروج. فَهُم جماعةُ المَدعوِّين قبل تأسيس العالم، وجماعة المَدعوِّين إلى الخروج. فنحنُ لسنا كنيسة إن لم نَكُن مَفديِّين.
ثالثًا، نحنُ جماعةُ المَدعوِّين للانفصالِ "عن". نحنُ جماعةُ المَدعوِّين إلى الانفصالِ "عَنْ". فنحنُ نقرأ في العدد 4 أنَّه يجب علينا أن نَكُونَ "قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ". فنحنُ لسنا مَدعوِّين فقط إلى الخروجِ مِنَ العالَم، بل إنَّنا دُعينا أيضًا إلى الانفصالِ عنِ العالَم بِمَعنى أن نَتقدَّس. وهذه هي قَداسَتُنا.... قَداسَتُنا. ففي رسالة بُطرس الأولى 1: 15، يقولُ الكتابُ المقدَّس: "كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ". فقد دُعينا إلى الانفصالِ عن العالم. وقد دُعينا إلى عدم المُساومة. والرُّوحُ يقولُ لنا إنَّه يجب علينا أَلاَّ نَتَدَنَّسَ بالعالَم. فيجب علينا [كما قالَ بولس] أن نكونَ "بلا دَنَسٍ وَبلا غَضْن". وهو يقول في رسالته الثَّانية إلى أهل كورنثوس: "أريدُ أن أُقَدِّمَ الكنيسة للمسيح عَذراءَ عَفيفة". فقد دعانا اللهُ إلى القداسة، وإلى الطَّهارة، وإلى التَّمثُّل بالمسيح، وإلى الفضيلة. وهذه هي رسالتُنا. فنحنُ نَعِظُ عن ذلك، ونُصلِّي لأجلِ ذلك، ونتحدَّثُ عن ذلك. فيجب علينا أن نُظهِرَ قَداسةَ أبينا. ويجب علينا أن نَعكِسَ قداسةَ مُخلِّصِنا. ويجب علينا أن نُظهِرَ قداسةَ الرُّوح الَّذي يَسكن فينا. ويجب علينا أن نَنفصل عن العالَم. ويجب علينا أن "نُميتَ أعمالَ الجسد" (كما جاءَ في رسالة كولوسي والأصحاح الثَّالث). ولا يجوزُ لنا أن نُعطي أيَّ فُرصة للجسد (كما جاءَ في رسالة غلاطيَّة والأصحاح الخامس). ولا يجوزُ لنا أن نُحِبَّ العالَم (رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاح الثَّاني). فقد دُعينا إلى القداسة. لِذا فإنَّنا نَعِظ ونَعِظ طَوالَ السِّنين عن ضرورة أن نكونَ رَعيَّةً مُقدَّسة. فقد دُعينا إلى الانفصالِ "عَنْ".
فعندما يَدعو الله فإنَّه يَدعو "قَبْل"، ويَدعو للتحرُّرِ "مِن"، ويَدعو للانفصالِ "عَن". وهذه هي القداسة. فنحنُ نُرَكِّز على التَّواضُع. وُنركِّز على الاعتراف بالخطيَّة، ونُركِّز على التَّأديبِ الكنسيِّ. وقد طَرَدنا أشخاصًا مِن الكنيسة. ونحنُ نَركِّز على عبادة الله القُدُّوس، وتَمجيدِ اللهِ القُدُّوس. ونحنُ نُركِّز على طبيعة الله، وشخصِ الله، وصِفاتِ الله لكي نَرى قداسةَ اللهِ ونَحيا بِخَشْيَةٍ أمامَهُ.
والآن، عندما تكونُ هناك جَماعة غير مُقَدَّسة، قد يَدعونَ أنفسَهم كنيسة؛ ولكنَّها ليست كنيسة لأنَّهم دُعوا إلى الانفصالِ عن العالَم إن كانوا كنيسةً حقيقيَّة. فإن أَريتُموني كنيسة لا تَعِظ عن الخطيَّة، سأُريكُم كنيسةً تَتَّسِمُ بعدم القداسة. وهذه ليست كنيسةً بالمَفهومِ الصَّحيح. ونحنُ دُعينا إلى الاشتراكِ في مائدةِ الرَّبِّ هنا دائمًا. لماذا؟ لأنَّنا بحاجة إلى فَحْصِ ذواتِنا بصورة مستمرَّة قبل الاشتراكِ في مائدةِ الرَّبِّ مِن خلال النَّظر بعُمق إلى قلوبنا والسَّماحِ لِروحِ الله أن يُسَلِّطَ نُورَهُ عليها حتَّى نَرى إن كان يوجد شيءٌ يَحُولُ بينَنا وبينَهُ. وقد أَظهَرَت المَرَّات الأخيرة الَّتي اشتركنا فيها في مائدةِ الرَّبّ كيف أنَّنا نُعالج الخطيَّة في مُحاولةٍ مِنَّا لتطهير الكنيسة وتَنقيتها. فقد دُعينا إلى أن نكونَ شَعبًا مُقدَّسًا. ولا يجوزُ للكنيسة أن تَتهاونَ مع النَّجاسة. فلا يُمكنك أن تَعِظَ عن الخطيَّة دون أن تَفعل شيئًا بشأنِها؛ وإلاَّ فإنَّ النَّاسَ سيعتقدون أنَّ الوعظَ والحياةَ شَيئانِ مُختلفانِ لا صِلَةَ بينهما. وقد حَرَصنا على القداسة في حياة القادة، وفي حياة الرَّعيَّة أيضًا.
وفي الرِّسالة الأولى إلى تسالونيكي 5: 23، يَدعونا بولس إلى هذا الأمر قائلاً: "وَإِلهُ السَّلاَمِ نَفْسُهُ يُقَدِّسُكُمْ بِالتَّمَامِ. وَلْتُحْفَظْ رُوحُكُمْ وَنَفْسُكُمْ وَجَسَدُكُمْ كَامِلَةً بِلاَ لَوْمٍ عِنْدَ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. أَمِينٌ هُوَ الَّذِي يَدْعُوكُمُ الَّذِي سَيَفْعَلُ أَيْضًا". إنَّه يقول: "أُصَلِّي أن تكونوا بلا لَوم". لِذا فإنَّنا نَسعى إلى القداسة، ونَسعى إلى أن نَرى اللهَ لكي نَتَّقيه، وأن نَرى المسيحَ لكي نَتَّقيه. وقد رأينا كيفَ صَدَمَ يسوعُ النَّاسَ، وكيفَ جَعَلَهُم يَسوعُ يَخْشَوْنَهُ عندما رأوْا مَجدَهُ، وعندما رأوْا قداسَتَه.
نحنُ كنيسة. وهكذا ينبغي أن تُفَسِّرونَنا. فقد دُعينا قبلَ تأسيسِ العالَم، ودُعينا إلى الخروجِ مِنَ العالَم، ودُعينا إلى الانفصال عن العالَم. فلا مَجالَ للمُساومة. وهذا هو ما يُميِّزُنا. فقد دُعينا حَسَبَ قصدِه. وهذا هو قَصدُه.
رابعًا، لقد دُعينا "إليه". فنحنُ لم نُدْعَ فقط إلى الخروجِ "مِن"، وإلى الانفصالِ "عَنْ"، بل دُعينا أيضًا "إليه". وهذه هي هُويَّتُنا. إلى مَنْ دُعينا؟ انظروا إلى العدد الرَّابع. فهو رائع: "كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ... لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ... إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ". فهو يقول في العدد الرَّابع: "فيه... قُدَّامَهُ" ويقول: "لنفسِه" في العدد الخامس. والعددُ الثَّالث يَنتهي بالكلمتَيْن: "في المسيح". ونَقرأ في نهاية العدد السَّادس: "الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوب". والآن، لاحظوا ما يلي: نحنُ في الله. ونحنُ في المسيح. وهذا هو ما يُميِّزُنا. فهذه هي هُويَّتُنا. فقد دَعانا لِنَفسِه. فنحنُ نقرأ في مُنتصف العدد الخامس: "بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِه".
فنحنُ لسنا مُنظَّمة دينيَّة مُؤلَّفة مِن أشخاص مُلتَزمين بمجموعة مِن القواعد. ونحنُ لسنا أشخاصًا مُدرَّبينَ على نَمَطٍ دينيٍّ مُعيَّن. ونحنُ لسنا أشخاصًا مُلتزِمين بمُمارسة نَوع مُعيَّن مِن الطُّقوس أو الشَّعائِر. بل إنَّنا أشخاصٌ في المسيح... في الله. فنحنُ نَقرأ في الرِّسالة الأوَّلى إلى أهل تسالونيكي 1: 1: "بولس وسِلوانُس [أو سِيلا] وتيموثاوس إلى كنيسة التَّسَالُونِيكِيِّين. اسمعوا: "فِي اللهِ الآبِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيح". فهذه كنيسة. بعبارة أخرى، لقد دُعينا إلى عَلاقةٍ حميمةٍ باللهِ نفسِه مِن خلالِ اتِّحادٍ شخصيٍّ. وهذه نُقطة مُهمَّة جدًّا. فنحنُ نَتمتَّع بشركة مُدهشة. وفي رسالة يوحنَّا الأولى 1: 3، يقولُ يوحنَّا: "وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيح". فنحنُ نَتمتَّع بشركة مع الله المُثَلَّث الأقانيم. اقرأوا إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17 حيثُ يُصلِّي يسوعُ لأجلنا لكي نكون واحدًا معه كما هو واحدٌ مع الآب. وَهُوَ يَضُمُّنا جميعًا في نفس الصَّلاة. ونقرأ في الرِّسالة الأولى إلى أهل كورِنثوس 6: 17: "وَأَمَّا مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ رُوحٌ وَاحِدٌ". فقد أعطانا أن نَتمتَّعَ بشركةٍ حميمةٍ معه. وكم هي حَميمة؟ لقد تَبَّنانا وجَعلنا أولادًا لهُ في العدد الخامس. ولأنَّنا في المسيح، فإنَّنا شُركاء مُشتَركون في ملكوت الله.
لِذا، كما تَعلمون، فإنَّ الكنيسة ليست مجموعة تَنضمُّ إليها مِن خلال تَسجيلِ اسمِك. وهي ليست جَمعيَّة إنسانيَّة مُكرَّسة لنِظامٍ تَعليميٍّ مُعيَّن؛ بل نحنُ مُخَلَّصونَ لكي نَتمتَّع بشَركة شخصيَّة حَميمة وفريدة مع اللهِ الحيِّ مِن خلال يسوعَ المسيح. فعندما خَلُصتُم [كما جاءَ في رسالة رُومية والأصحاح السَّادس]، اقتَرنتُم بيسوعَ المسيح، ومُتُّم مع المسيح، وقُمتُم لتَسلُكوا في جِدَّة الحياة. وقد قال بولس في رسالته إلى أهل غلاطيَّة 2: 20: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ". هذه هي وَحدتُنا. فنحنُ نَختلفُ عن الأنظمة الدينيَّة. وأعتقد أنَّ هذا هو السَّبب الَّذي يَجعلُنا نَرى أشخاصًا كثيرين كانوا كاثوليكيِّينَ سابقينَ ثُمَّ جاءوا وزاروا كنيستَنا وجاءوا إلى المسيح. فَهُم يَعرفونَ ما هي الأنظمة الدينيَّة، ولكنَّهم لا يَعرفونَ الله. والنَّاسُ يَتركونَ كلَّ أنواعِ البِدَعِ والهَرطقاتِ لأنَّهم كانوا يَنتمونَ إلى أنظمة دينيَّة، ولكنَّهم لم يَلتقوا يومًا اللهَ ولم يَتمتَّعوا بعلاقةٍ حميمةٍ به. أمَّا كنيستنا فهي كنيسة مُكرَّسة لدعوتها إلى المسيح. لِذا فإنَّنا نَحتفِلُ باتِّحادنا به.
ويجب أن تَعلموا أنَّني عندما أنظر إلى حياتي الشخصيَّة، وسوفَ أكونُ صَريحًا جدًّا معكم، فإنِّي لا أعرفُ أينَ يَنتهي جون ماك آرثر وأين يَبتدئُ المسيح. والآن، عندما أُخطئ، أَعلمُ مَنِ الَّذي أخطأ. ولكن عندما أَفحصُ حياتي، وعندما أقومُ بالأشياء، وعندما أخدِمُ الرَّبَّ، لا أعرفُ أينَ أَنتهي أنا وأينَ يَبتدئ هو. فأنا مِثلُ بولس. "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ الله". وما أعنيه هو أنَّ هذا هو ما يَفعلُه. إنَّهُ هو وأنا، وأنا وَهُوَ. ولا أدري أينَ يَبتدئُ الواحِدُ مِنَّا ومَتى يَنتهي الآخر. وأنتُم لا تَعرفونَ ذلك أيضًا، بل تَعيشونَ حياتَكُم وحسب وتَرونَ اللهَ يَعمل، والمسيح. ومِنَ الطَّبيعيِّ أن تَتكلَّموا معَ الرَّبِّ، وأن تَشعروا بقدرته، وأن تَروهُ يُجيبُ صَلواتِكُم، وأن تَشعروا بتوجيهِه، وبإرشادِه، وبتَعزيتِه، وبكلِّ ما يفعله في حياتِكم. لِذا فإنَّنا نَلتقي ونَشتركُ في ذلك، ونَتكلَّم عن ذلك، ونُصلِّي بخصوص ذلك. ونحنُ نَعقِد دروسَ الكتاب المقدَّس الحميمة الصَّغيرة تلك حيثُ نَتحدَّث فيها عَمَّا يَعنيه يسوعُ المسيح بالنِّسبة إلينا. فنحنُ لا نُؤمِن بأنَّ اللهَ وَحْشٌ مُفترِسٌ يَنتظرُ الفَتْكَ بِنا إن كَسَرنا قانونًا مِن قوانينه، بل إنَّنا نَتمتَّع بعلاقة مَحبَّة حَميمة معه.
وقد قالَ كَاتِبٌ: "قَريبٌ، بل قَريبٌ جِدًّا مِن الله، ولا يَسَعُني أن أكونَ أقربَ مِن ذلك لأنَّني في شخصِ ابنِهِ قَريبٌ مِنه بقدرِ ما هو قَريب. وأنا مَحبوبٌ، بل مَحبوبٌ جدًّا مِن الله. ولا يَسَعُني أن أكونَ مَحبوبًا أكثر لأنَّني في شخصِ ابنِهِ مَحبوبٌ بقدرِ ما هو مَحبوب". لِذا فإنَّنا مَدعوُّونَ إلى شَركة حَميمة حُلوة مع يسوعَ المسيح: أي إلى علاقة دافئة وشخصيَّة وحيَّة مع الله. هذه هي الكنيسة. وإن لم تَفهموا ذلك، لن تَفهمونا. فنحنُ قد دُعينا "قَبْل"، ودُعينا إلى الخروجِ "مِن"، وإلى الانفصالِ "عَن"، ودُعينا "إليه".
خامسًا، لقد دُعينا إلى الخُضوعِ لِكلمته. فقد دُعينا إلى الخُضوعِ لكلمتِه. فقد دُعينا حَسَبَ قَصْدِه. فهذه هي الكنيسة. وجُزءٌ مِن دعوتنا هو أنَّنا قد دُعينا للخُضوعِ لكلمته. وما الَّذي نَعنيه بذلك؟ أنا أتحدَّث عن الإعلان. فقد تحدَّثنا عن الاختيار، والفِداء، والتَّقديس، والهُويَّة. وهُنا يأتي الإعلان. فنحنُ نقرأ في العدد الثَّامن أنَّهُ بعدَ أنِ افتُدينا في العدد 7، فإنَّ اللهَ أَجْزَلَ لَنَا النِّعمة". فهذا هو مَعنى ذلك الفِعل "بِكُلِّ حِكْمَة". وتلك الكلمة "صُوفيا" تُشيرُ إلى حِكمة الأشياء الأزليَّة كالحياة، والموت، والله، والإنسان، والزَّمن، والأبديَّة. وقد أَجْزَلَ اللهُ لنا كلَّ ذلك "بِفِطنَة"؛ أي بطريقة عَمليَّة. وهي كلمة تُشيرُ إلى الحِكمة في الأمور الأرضيَّة مِثل حَلِّ المشاكل. فقد أعطانا اللهُ حَقًّا عظيمًا بخصوص الأمور الأبديَّة. وقد أعطانا تَطبيقاتٍ عمليَّة مِن جهة عَيْش الحياة. وقد أعطانا كلَّ ذلك بِسَخاء. ونَقرأ في العدد 9: "إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ".
والآن، قولوا لي: "أين أَعلنَ اللهُ مَشيئَتَهُ لنا؟" أين؟ في كلمة الله. هُنا في هذا الكتاب... الكتاب المقدَّس. فالعهدُ الجديد هو إعلانُ سِرُّ مَشيئتِه. فنحنُ لدينا كلمة الله. وقد دُعينا إلى الخُضوعِ لها. أليس كذلك؟ فقد دُعينا إلى الطَّاعة. فبولس يقول: "لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنىً". فقد دُعينا إلى الخضوعِ لكلمة الله. فنحنُ تَحتَ سُلطان. فنحنُ لا نَرسِم مَسارَنا الخاصّ بنا، ونحنُ لا نُخَطِّط لِقَدَرِنا. فكما تَعلمون، عندما نَجتمعُ معًا للتَّخطيط، أو نَجتمعُ معًا للصَّلاة، أو نَجتمعُ معًا للعمل في الكنيسة، هناك شيءٌ رئيسيٌّ واحد في ذِهنِنا: ما الَّذي تَقولُهُ كلمةُ الله عن هذا الأمر؟ ما الَّذي تقولُهُ كلمةُ الله؟ فهذا هو مِحوَرُ كلِّ شيءٍ نَفعلُه.
لقد سَمِعْتُ إطراءً مُؤخَّرًا. أعتقد أنَّه كانَ إطراءً. فقد كان ينبغي لي أن أذهبَ إلى غداءٍ للرُّعاة، ولكنِّي لم أذهب. وقد نَهَضَ شخصٌ في الغداءِ وقال: أعتقد أنِّي أَعرفُ سبب عدم حضور جون ماك آرثر. أعتقد أنَّه لم يجد طريقًا كِتابيًّا مُتاحًا للوصول إلى هنا". أعتقد أنَّ هذا كانَ إطراءً. وأعتقد أنَّه فَهِمَني فَهمًا صحيحًا. وأعتقد أنَّ سُمعة كنيسة النعمة تُحَتِّم علينا أن نَقبل فقط الدَّعَواتِ المُوجَّهة إلينا مِن كنائسَ كِتابيَّة؛ وإلاَّ فإنَّنا لا نَقبلُها. أعتقد أنَّ هذا رائع.
وكما تَعلمون، أنا مُكَرَّس جدًّا لكلمة الله. وإن كان هناك شيء يُمَيِّز كنيسةَ النعمة على مَرِّ السِّنين فهو هذا. أليس كذلك؟ كلمة الله. وكما تَعلمون، عندما كنتُ طالبًا في كُليَّة اللاَّهوت ووَصلتُ إلى السَّنة الدِّراسيَّة الأخيرة في كُليَّة اللاَّهوت، كنتُ مُحبَطًا جدًّا لأنِّي أردتُ أن أَفهمَ الكتابَ المقدَّس. فطَوالَ سنوات، كنتُ أعرِفُ ما يقولُه الكتاب المقدَّس، ولكنِّي لم أكُن أعرف مَعنى ما يقولُه. فقد كان بمقدوري أن أقرأه، وكنتُ أقرأُه جيِّدًا جدًّا؛ ولكنِّي لم أكُن أفهمُه ولا أعرفُ ما يَعنيه. وقد أصابَني ذلك بالإحباط لأنَّ كلمة الله أمامي وأريدُ أن أعرف ما تَعنيه. والسَّببُ الَّذي دَفَعني في الأصل إلى الذَّهاب إلى كُليَّة اللاَّهوت هو الحصول على الأدواتِ اللاَّزمة الَّتي تُتيحُ لي أن أعرفَ ما يَعنيه. والنَّاسُ يقولون: "عندما ذَهبتَ إلى كُليَّة اللاَّهوت، ماذا كانَ هَدَفُك؟" لقد كان هَدفي هو الحصول على الأدوات الَّتي تُتيح لي أن أَفهم الكتاب المقدَّس. فأنا لم أكن أُفَكِّر في تَعليم الكتاب المقدَّس لأيِّ شخص آخر في ذلك الوقت، بل أردتُ فقط أن أَفهمَه. وإن أعطاني اللهُ خِدمةً، ستكونُ نِعمةً فائضة.
وقد قلتُ للرُّعاة في المؤتمر الأخيرِ للرُّعاة: "إنَّ فَرَحَ الخِدمة لا يَكمُنُ في تقديمِ العِظاتِ لكم. فهذا هو العمل. أمَّا فَرحُ الخدمة فيَكمُنُ في الدِّراسة الَّتي أتعلَّمُ فيها ما قَصَدَهُ اللهُ في كلمته، وفي مَعرفته مَعرفة أفضل". فالخدمة هي نِعمة إضافيَّة أُخبركم مِن خلالها عَمَّا تَعلَّمتُه. وأنتُم تَحصلونَ على جُزءٍ يَسيرٍ منها، أو تَحصلونَ على قِسْمٍ مِنها فقط.
ولكنِّي أريدُ دائمًا أن أتعلَّمَ كلمة الله. وفي كُليَّة اللاَّهوت، ابتدأتُ بالحصول على الأدوات، وابتدأتُ أشعُرُ بَالنَّهَم، وابتدأتُ أرغبُ في التهامِ كلمة اللهِ وفي مَعرفتِها وتَعَلُّمِها لكي أتمكَّنَ مِن تعليمها. وقد كانَ ذلكَ مَصدَرَ فَرَحٍ عظيمٍ لي. وأعتقد أنَّ الكنيسة ينبغي أن تكونَ هكذا. فيجب على الكنيسة أن تَكونَ مَكانًا يَخضَعُ النَّاسُ فيهِ لكلمة الله.
والآن، عندما جئتُ إلى هنا، طَلبوا مِنِّي أن أَعِظَ فَوَعظتُ يوم الأحد الَّذي أَعْقَبَ انتقالَ الرَّاعي "إلفي" (Elvee) ليكونَ مع الرَّبّ. وقد قالوا: "هل تَرغبُ في المجيء مِن أجل التَّرَشُّح لتكونَ راعينا؟" قلتُ: "حسنًا". وهذا هو ما فَعلتُه. وفي يومِ الأحد الَّذي جِئتُ فيه للتَّرَشُّح، قَرَّرتُ أنَّني سأُعلِّمهم رومية 7. وهذا أصحاحٌ صَعب. فقد قلتُ: "على قَلبي أن أُعلِّمَهُم رومية 7". لذا، فقد فَتحتُ كِتابي المقدَّس ولم أشعُر بما يَجري مِن حَولي. فقد انطلقتُ ووَعظتُ كلَّ الأصحاح السَّابع مِن رسالة رومية. وقد قَضيتُ وقتًا رائعًا. فقد كنتُ أشعُرُ بِهذا الثِّقل وأرغب في تَفسير رُومية 7. وقد كان ذلك رائعًا. وهل تَعلمونَ كَم كانت مُدَّةُ تلك العظة الأولى؟ ساعة وخمسٌ وثلاثون دقيقة! قالت زوجتي لي: "لقد انتَهى أَمرُكَ في تلك الكنيسة. وإن انتشرَ الخَبرُ خارجًا، لن تَعِظَ في أيَّة كنيسة أخرى أيضًا!" لِذا، لا يَجوزُ لكم أن تَتذمَّروا يا أحبَّائي. فقد قَصَّرْتُ عِظاتي. لِذا، يجب عليكم أن تَشكروا اللهَ لأنَّكم ما زِلتُم هنا بعد خمسٍ وعشرين سنة، أو بعد ثلاثَ عشرة سنة، أو بعد أيِّ وقتٍ مِن مَجيئي إلى هنا. وقد تقول: "لماذا فَعلتَ ذلك؟ ما أعنيه هو... أَلَم... أَلَم تُراعي أنَّ هناكَ أطفالاً في الحَضانة؟" اسمعوني: إنَّ الشَّيءَ الوحيدَ الَّذي راعيتُهُ هو أنِّي أَصرِفُ وقتًا رائعًا. أتَعلمونَ ذلك؟
وهل تَعلمونَ ما الَّذي اكتشفتُهُ؟ لقد اكتشفتُ مِن خلالِ قيامي ذلك ما إذا كانت الرَّعيَّة مُستعدَّة للخُضوعِ لكلمة الله. فقد جاءوا إليَّ بعد العظة وقالوا: "هذا هو ما نُريدُه... ولكن هل يُمكنُكَ أن تَجعلَ العِظة أقصر قليلاً؟" إن كنتُ أَعلمُ أنِّي سآتي وأعظ هنا أكثر مِن مَرَّة، يمكنني أن أُقَصِّرَها كما تَشاءون. أليسَ كذلك؟ وقد كَرَّسَتْ هذه الكنيسة نَفسها طَوالَ تاريخِها لأن تكونَ خاضعةً لكلمة الله... لأن تكونَ خاضعةً لكلمة الله.
في أوَّلِ لِقاءٍ بيني وبينَ واحدٍ مِن الشُّيوخِ هنا، حَدَّثَني عن الكنيسة وعن رِعايتي للكنيسة. قال: "نحنُ مُستعدُّون للخدمة، ونريدُ أن نَعرف ما يُريدُ اللهُ مِنَّا أن نَفعلَه". فالكنيسة هي مَجموعة مَدعوَّة إلى الخُضوع. فهي تَخضعُ لسُلطان كلمة الله. لِذا فإنَّ شِعارَ هذه الكنيسة طَوال هذه السِّنين هو "تَأهيلُ القِدِّيسين لعمل الخدمة". وكيفَ تُؤهِّلُ القِدِّيسين؟ "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ...". لماذا؟ "...لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ..." [كما يقولُ في العددِ الَّذي يَليه - لكي يكونَ ماذا؟] "...كَامِلاً، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِح". فتأهيلُ القِدِّيسينَ هو عمل الكلمة. وقد أردتُ أن أُعطي النَّاسَ السَّيفَ، سَيفَ الرُّوح الَّذي هو كلمة الله. وهذا لا يعني أن تَمْلِكَ كِتابًا مُقدَّسًا، بل أن تَفهمَ الكتاب المقدَّس لكي تَستخدمَهُ كسلاحٍ وكوسيلة دِفاعيَّة. لِذا فإنَّنا مُكرَّسونَ لتعليم كلمة الله لكي نكونَ تحتَ سُلطانِها. وأعتقد أنَّ هذا هو ما حدث.
ويجب أن تَعلموا أنَّ الهَدفَ الَّذي كانَ لديَّ... وسوفَ أَكشِفُ سِرًّا الآن... ولكنَّ الهدفَ الَّذي كانَ لديَّ مِن خدمتي هنا هو أن أُعلِّمَ كلمة الله بطريقة تَحفِزُكم على الخُضوعِ عَنْ وَعْيٍ لسُلطانِ كلمة الله عُمومًا، لكي تَتجاوبوا [عندما نَتطرَّقُ إلى أيِّ موضوعٍ مِن كلمة الله] تَجاوُبًا سَليمًا لأنَّكم خَاضِعونَ لها تمامًا.
التقيتُ ذاتَ يَومٍ راعي كنيسة في مُؤتمرٍ للرُّعاة حَضرتُهُ فقالَ لي: "أنتَ جَريءٌ في حديثِكَ عن مواضيع مُعيَّنة. إن حاولتُ أنا أن أقولَ لرعيَّتي أن يَفعلوا ذلك، سيَطردونَني مِن الكنيسة". قلت: "ولكنَّ ما أقولُهُ كِتابِيٌّ". قال: "لن يُبالوا بذلك". إن كانوا لا يُبالون بما يُعلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس، فإنَّهم لا يَنظرونَ نظرةً سليمةً إلى سُلطان كلمة الله. أليس كذلك؟ فكلُّ ما ينبغي أن تَعرفوه هو: "هل ما أقولُهُ كِتابيّ؟" ولكنَّ الأسئلة الَّتي تُطرَحُ عليَّ هي ليست: "لماذا عَلَّمتَ ذلك؟ حتَّى لو كان هذا الأمرُ مَذكورًا في الكتاب المقدَّس فإنَّه يُسيءُ إلى الآخرين". بل عندما يَطرحُ النَّاسُ عليَّ سؤالاً مُهمًّا حقًّا فإنَّه يكونُ كالتَّالي: "هل أنتَ واثقٌ مِن أنَّ هذا هو ما يقولُهُ الكتابُ المقدَّس؟" وأنا أَفرَحُ لأنَّهم يَطرحونَ هذا النَّوعَ مِن الأسئلة. هذا هو سُلطانُنا. فنحنُ قد دُعينا قبلَ تأسيس العالم. وقد دُعينا إلى لخُروجِ مِنَ العالَم، وقد دُعينا للانفصالِ عنِ العالم والمجيءِ إلى الربِّ، ودُعينا إلى الخُضوعِ لسُلطانِ الكلمة.
سادسًا، لقد دُعينا "مع" ... لقد دُعينا "مَع". وهذا مُهمٌّ جدًّا. فهذه هي الوَحدة. فنحنُ نقرأ في العدد 10 أنَّ قصدَ اللهِ الرَّئيسيّ ... ولا شَكَّ في أنَّ الحديثَ هنا هو عن الزَّمان الأخير، أو عن مِلْءِ واكتمالِ تاريخ الفداء. فنحنُ قد دُعينا إلى النُّقطةِ الَّتي يَجْمَعُ فيها "كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيح". فغايةُ اللهِ النِّهائيَّة هي أن يَجمعَ كلَّ شيء في المسيح ويَجعَلَهُ واحدًا. والكنيسة هي شِعارُ ذلك اليوم. أليس كذلك؟ فقد دُعينا "مع".
وكما تَعلمون، لقد نَشأتُ في زَمَنٍ كانت توجد فيه عُزلة روحيَّة مُريعة. فقد كانَ كلُّ شخصٍ يَحتفظ بروحانيَّتِه لنفسه. ولم يكن أحد يَتحدَّث عن ذلك، بل كنتَ تَكتفي بالابتسامِ بالطَّريقة المسيحيَّة، وتَحمِلُ الكِتابَ المُقدَّسَ الَّذي لهُ غِلافٌ بِسَحَّاب، وتَذهب إلى مدرسة الأحد، وتقوم بالحدِّ الأدنى مِن واجبك. ولكنَّك لم تَكُن تُشارك أيَّ شيءٍ مَع أيِّ شخص، ولم تَكُن تَسمح لأيِّ شخصٍ أن يَطَّلِعَ على قَلبِكَ أو رُوحِكَ. وكانتِ الشَّرِكَة هي أكلٌ وَشُربٌ فقط، ونِساءٌ مُسِنَّاتٌ يَرْفَعْنَ شَعرَهُنَّ إلى أعلى ويُقدِّمنَ الحَلْوياتَ والقهوة. فقد كانَ هذا هو كلُّ ما يَجري. فلم يكن هناكَ أيُّ شيءٍ... لم يكن هناكَ أيُّ شيءٍ عَميق. ولكنَّنا دُعينا معًا إلى وَحدةٍ رائعة، وإلى شَركةٍ رائعة. فقد دُعينا "مَع". فهذه هي هُويَّتُنا، أو بالأحرى: وَحْدَتُنا. وكنيسةُ النعمة تُركِّزُ نَظَرها على هذا النَّوع مِن الوَحدة. فنحنُ نُؤمِن بما جاءَ في رسالة فيلبِّي والأصحاح الثَّاني إذ يقولُ بولس: "افتَكِروا فِكرًا واحدًا". وكيف تَفتكرونَ فِكرًا واحدًا؟ مِن خلالِ الوَحدة. ويجب أن تكونَ لكم "مَحبَّة واحدة". فيجب أن تُحبُّوا النَّاسَ. وكيفَ ستتمكَّنونَ مِن حُبِّ النَّاس؟ "لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا". وما هو ذلك؟ التَّواضُع. إنَّه فِكر المسيح الَّذي أَخْلى نَفسَهُ.
إذًا، إنَّ ما تَتعلَّمونَهُ هو التَّالي: إن أردنا أن نكونَ واحدًا، يجب علينا أن نُحبَّ بعضُنا بعضًا. وإن أردنا أن يُحبَّ بعضُنا بعضًا، يجب علينا أن نكونَ مُتواضعين لأنَّهُ إن كانَ كلُّ شخصٍ يَنظر إلى ما هو لنفسه، لن يكونَ هناكَ أَخْذٌ وعَطاء. واسمحوا لي أن أقولَ لكم شيئًا: هذا هو السَّبب الَّذي يَدفعنا دائمًا إلى التَّركيز على الخطيَّة. فنحن نُركِّز دائمًا على الضَّعف البشريِّ في كلمة الله لكي نَعرف مِقدارَ حاجتنا، ولكي لا نَخدَعَ أنفسَنا، ولكي يكونَ هناك اتِّضاعٌ حقيقيٌّ في حياتِنا. لِذا فإنَّنا لا نَكرِزُ بما أُسَمِّيهِ "إنجيل مُساعَدة الذَّات" أو رِسالة التَّشجيع المُفرِط الَّتي تقول: "أنتَ على ما يُرام... أنتَ مُمتاز، فَكِّر تفكيرًا إيجابيًّا، كُنْ قويَّ الشَّخصيَّة، وما شَابَهَ ذلك. فإن أريتُموني كنيسةً تَكرِز بتلك الرِّسالة، سأُريكم كنيسةً لا تَعرفُ مَعنى الشَّركة لأنَّ كلَّ شخصٍ فيها ينظُرُ فقط إلى ما هو لنفسه، لا إلى ما هو لآخرين. وإن أريتموني كنيسةً تَتحدَّث عن الاتِّضاع، سأُريكم كنيسةً يُمكنُ فيها للنَّاس أن يُحبُّوا بعضُهم بعضًا. وقد دُعينا إلى أن نكونَ "مَع" آخرين، وأن يُحبَّ بعضُنا بعضًا، وأن نُعطي بعضُنا بعضًا. وهذا شيء يُمَيِّز هذا المكان.
إن أردتُم أن تُحَلِّلوا كنيسة النعمة، نحنُ كنيسة. هذا هو كلُّ ما في الأمر. والكنيسة مَدعوَّة لأن تكونَ مع جماعة. وهناك دائمًا رُوح السَّخاء والمحبَّة والعِناية والاهتمام. وأنا أَذكُرُ الجدَّة "كيلي"... "فرانسيس كيلي" (Frances Kelly) الَّتي ماتت قبل سنوات قليلة. وقد كانت مُصَلِّيَة مُحاربة في هذه الكنيسة. وهي سَيِّدة رائعة. وكانت تأتي دائمًا وتُدَلِّك رَقَبَتي طَوال الوقت حتَّى عندما نَاهَزَ عُمرُها التِّسعين. إنَّها إنسانة رائعة وتَمتلك يَدينِ قَويَّتين. وكانت تَقلَقُ عليَّ. لِذا، كانت تأتي وتُدَلِّك رَقَبَتي لتَخفيفِ التَّصَلُّبِ فيها. لِذا، عندما كنتُ أنشغلُ كثيرًا، كانت تأتي وتُساعدني في الاسترخاء قليلاً. وكانت تُصلِّي كما تَعلمون. وعندما ذهبت إلى المستشفى، ذَهبنا أنا وزوجتي "باتريشا" لزيارتها في البيت، ولكنَّهُم اضطُرُّوا في النِّهاية إلى نَقلِها إلى المُستشفى. وكانت تُحتَضَر وتَرقُد في غُرفة العِناية الفائقة في المُستشفى. لِذا فقد ذهبتُ لزيارتها وقلتُ للسيِّدة الَّتي تَعمل في مَكتب الاستقبال: "أين هي؟" قالت: "في العِناية الفائقة". لِذا فقد صَعدتُ بالمِصعَد، ومَشيتُ في المَمَرَّ، وطَرقتُ البابَ. فَتَحَتْ مُمرِّضة ساخرة البابَ وقالت: "كيف يُمكنني أن أُساعِدَك؟" قلت: "أريدُ أن أرى فرانسيس كيلي إن كان ذلك مُمكنًا". قالت: "أنتَ أيضًا؟" قلت: "أجل". قالت: "هل تَعلمونَ أنَّكم ستَقتلونَ تلك المرأة إن استمرَّيتُم في زيارتها!" ثُمَّ قالت: "هناكَ زُوَّارٌ طَوال اليوم. وهذا لا يَجوز".
قلت: "أنا... أنا... أنا رَاعي الكنيسة". قالت: "لقد سَمعتُ ذلك مِن قَبل أيضًا". قلتُ: "حسنًا، لِنُجرِّب شيئًا آخر! أنا الرَّئيس. هل هذا يُساعد؟" "لا". قلتُ: "حسنًا، إنَّ هذا لا يُقَلِّل مِن مَكانتي بصفتي راعي الكنيسة. أليس كذلك؟ فأنا ما زلتُ راعي الكنيسة. أعتقد أنَّها تُحِبُّ أن تَراني. هل يمكنكِ أن تَسأليها؟" "هل أنتَ واثقٌ مِن أنَّك الرَّاعي؟" "أنا واحدٌ مِن الرُّعاة في الكنيسة". "سوفَ أسألُها". لذا، فقد دَخلتُ لرؤيتها. ولكنَّ الحالَ هي هكذا دائمًا. فكلُّ شخصٍ يَسُدُّ حاجةَ الآخرين. والسَّببُ في ذلك هو أنَّنا نُركِّز على التَّواضُع الحقيقيّ. وهذا هو مَنْبَعُ المحبَّة لأنَّنا لسنا مجموعة مِن الأشخاص الَّذينَ نَجلس هنا ونُفكِّر قائلين: "كيف يُمكننا أن نُحَسِّن صُورَتنا الذَّاتيَّة؟" بل إنَّنا نَجلسُ هنا ونُفكِّر قائلين: "كيف يُمكننا أن نَعرِف إخفاقاتنا، وكيف يُمكننا أن نُساعِدَ الآخرينَ الَّذينَ هُم في حاجة إلينا؟"
هذه هي الكنيسة. فالكنيسة هي مجموعة مِن الأشخاص المَدعوِّين إلى الشَّركة بعضُهم مع بعض. فالنَّاسُ هنا ليسوا مُتفرِّجين. فنحنُ نُحارِبُ هذه الفكرة. وهذا هو السَّبب في أنَّه توجد لدينا مجموعاتُ شركة، وقُطعان، ودروس كِتاب مُقدَّس. فنحنُ نُريد أن يَجتمع النَّاسُ معًا. ونحنُ لا نريدُ أن يأتي النَّاسُ ويَجلسوا على المقاعد ويَتفرَّجوا وحسب، ويَنظروا إليها وحسب. ونحنُ نُريدُ أن تكونَ هناك مُساءلة، وخِدمة، ومحبَّة. ونحنُ مُلتزمون بتعليم النَّاس أن يَخدموا. لِذا فإنَّنا نُدرِّب مُرسَلينَ ورُعاة كنائس. وهذا هو السَّبب في أنَّنا أرسلنا مُرسَلين ورُبَّما نحو عشرينَ راعيًا إلى كنائس أخرى لأنَّنا نُدرِّبُ الأشخاص على أن يَخدموا بعضُهم بعضًا.
إنَّ الأعدادَ الغَفيرة لا تُشبِعُ قلبي... البتَّة. بل إنَّ خِدمةَ النَّاسِ هي الهدف. حسنًا، اسمحوا لي أن أَذكُرَ لكم نُقطتين إضافيَّتَيْن قبلَ أن أُطلِقَكُم بالبَرَكة. وسوفَ أذكُرهُما بسرعة. فقد دُعينا "إلى"... لقد دُعينا "إلى". انظروا إلى العدد 11 إذْ نَقرأ: "الَّذِي فِيهِ أَيْضًا نِلْنَا نَصِيبًا". وَهُوَ يَذكُر في العدد 14 أيضًا مِيراثَنا. والآن، ما مَعنى ذلك؟ يَقولُ بُطرس عن ذلك إنَّه ميراثٌ لاَ يَتَدَنَّسُ، وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ لأجلِنا فِي السَّمَاوَات". فنحنُ شَعبٌ مُكَرَّسٌ للتَّمجيد. فقد تحدَّثنا عن الاختيار، والفِداء، والتَّقديس، والهُويَّة، والإعلان، والوَحدة. والآن: التَّمجيد.
ما الَّذي أعنيه بذلك؟ أعني الآتي: أنَّ تَركيزَنا يَنْصَبُّ على المُستقبَل. أليسَ كذلك؟ فتركيزُنا يَنْصَبُّ على المُستقبَل. فنحنُ نقرأ في رسالة فيلبِّي 3: 20 أنَّ مُواطَنَتَنا هي ليست هُنا، بل فَوق. فنحنُ لسنا مُواطِنينَ أرضيِّين، ونحنُ لسنا تابعينَ لهذا النِّظام، بل نحنُ وَرَثة لميراثٍ أبديٍّ لا يَفنى. وهذا هو ما نُرَكِّز عليه. فنحنُ كنيسة. والكنيسة مَدعوَّة إلى المَجد. ونحنُ مُكَرَّسونَ لميراثٍ أبديٍّ. فنحنُ لسنا مُلتصقينَ بالعالَم. لِذا فإنَّنا لا نَذهبُ إلى قاعةِ البَلديَّة، ولا نُقدِّمُ عِظاتٍ سياسيَّة صِرْفَة، أو عِظات اجتماعيَّة صِرْفَة. وهذا هو أيضًا السَّبب في أنَّنا لا نَتعاوَن مع مُنظَّماتٍ إنسانيَّة. فنحنُ مَلكوت الله، ونَسيرُ بقوَّة الرُّوح في عالَمٍ مُظلِم. ونحنُ نَنظُرُ نَظرةً مَجيدةً إلى المَلكوتِ الآتي. لِذا فإنَّنا نَقرأ في رسالة كولوسي والأصحاح الثَّالث: "فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ... اهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى الأَرْض". أليس كذلك؟ وما أعنيه هو أنَّنا نَنتظر عَودةَ يسوع. ونحنُ نَنتظرُ بِناءَ مَلكوتِه. فنحنُ لا نَستثمِر حياتَنا وكلَّ مُمتلكاتِنا في هذا العالَم الزَّائل. وأعتقد أنَّ هذا هو السَّبب الَّذي جَعَلَ كنيسة النعمة قادرة على إرسال مُرسَلين. وأعتقد أنَّ هذا هو السَّبب الَّذي جَعلنا قادرين على امتلاكِ مَبنى رائعٍ كهذا. فقد تَمَكَّنَّا مِن توفير هذه الخدمات لأنَّ النَّاسَ كانوا أسخياءَ في العَطاء. والسَّببُ في سَخائهم في العطاء هو أنَّهم لا يَتمسَّكونَ بتلك الأشياء ولا يُنفقوها على نِظامٍ أرضيٍّ زائل.
وأنا ما زِلتُ أَذكُرُ الوقتَ الَّذي أنشأنا فيه هذا المَبنى. ففي أوَّلِ يوم أحدٍ جِئنا فيه إلى هنا، كانتِ التَّكلُفة مدفوعة يومَ الأحدِ ذاك. فقد كانَت جميعُ النَّفقاتِ مَدفوعة. وما زلتُ أَذكُرُ كيف دُفِعَت. فأنا أَذكُرُ أنِّي ذهبتُ إلى مَكتبي في الجانبِ الآخرِ مِن حَرَمِ الكنيسة ورأيتُ كِيسًا وَرقيًّا أمام الباب. وَهُوَ كيسٌ من ذلك النَّوع المُستخدَم في مَحلاَّت السُّوبرماركت مِن الحجمِ الكبير. وقد ظَننتُ أنَّ شخصًا تَرَكَ بِضْعَ حَبَّاتِ فاكهة أو شَيئًا مِن هذا القَبيل كما يَفعلُونَ أحيانًا. لِذا فقد انحنيتُ لكي ألتقطَ الكيس، ولكنِّي لم أتمكَّن مِن رَفعِه. فقد كِدْتُ أَكسِرُ ذِراعي. فقد عَجِزْتُ عن رَفعِهِ عن الأرض. وعندما فَتحتُ الكيس وَجدتُ أنَّه مُمتلئٌ بسَبائك الفِضَّة. وكانت هناك مُلاحظة تقول: "هذا للاستثمار في الأبديَّة". وبعدَ مُدَّة قصيرة، جاءَ شابٌّ وفتاة إلى مكتبي كانا قد وَفَّرا ألفَ دولار لِشَهرِ العَسل وقالا: "لقد قَرَّرنا أن نُعطي هذا المبلغ للرَّبّ". وقد فَتَحَ الشَّابُّ جَيْبَهُ وأَخرجَ منهُ المَبلغَ ووَضَعَهُ على مكتبي. لِماذا يَفعلُ النَّاسُ ذلك؟ ولماذا يُعطي رَجُلٌ أو فتاةٌ أو أيُّ شخصٍ هذا المال؟ وحتَّى إنِّي لم أعرف مَن قَدَّمَ سبائِكَ الفِضَّة تلك. ولماذا يُعطي شابٌّ وفتاةٌ ألفَ دولارٍ وَفَّراها لشهرِ العَسل؟ لماذا؟ لأنَّهم يَرَوْنَ الأبديَّة. أَتَرَوْن؟ فَهُم يَرَون ملكوتَ الله، والميراثَ الأبديَّ المَجيد. فَهُم ليسوا مُرتبطينَ بالأرض. والكنيسة هي كنيسة مَدعوَّة إلى ذلك الميراث. لِذا فإنَّ رَعيَّةَ كنيسة النعمة تَشعُرُ بكلِّ حُريَّة بالرَّغبة في الاستثمار في الأبديَّة، وليست مُقيَّدة بالزَّمن. فنحنُ نَنتظرُ المَدِينَةَ الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ. ورسالتُنا هي: يَسوعُ آتٍ. فهذا هو رجاؤنا العظيم.
وأخيرًا، لقد دُعينا حَسَبَ قَصدِه. وقد دُعينا "لكي"... لقد دُعينا "لكي. وما مَعنى ذلك؟ هذا هو إعلانُنا. فنحنُ نقرأ في العدد 6: "لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ". ونَقرأ في العدد 12: "لِنَكُونَ لِمَدْحِ مَجْدِهِ". ونَقرأ في العدد 14: "لِمَدْحِ مَجْدِهِ". اسمعوني يا أحبَّائي: إنَّ الأمرَ بسيطٌ جدًّا. وسوفَ أختِمُ حَديثي. لقد دُعينا لكي نُعلِنَ شيئًا. وما هو الشَّيءُ الَّذي نُعلنُه؟ نحنُ نَمْدَحُ مَجْدَهُ. فالكنيسة موجودة لكي تكونَ لِمَدْحِ مَجْدِ نِعمة الله. فيجب أن يَنظُرَ العالمُ إلينا ويقولوا: "انظروا إلى تلك المجموعة مِن النَّاس! يا لهُ مِن إلَهٍ مُنْعِمٍ يَعبدونَه!" ألا يَنبغي أن يَتمجَّدَ فينا؟ هذا هو إعلانُنا.
فَمِن جِهَة، نحنُ نُعلِنُ مَجدَهُ لَهُ. ومِن جهة أخرى، نحنُ نُعلِنُ مَجدّهُ للملائكة القِدِّيسين. ومِ، جهة أخرى، نحنُ نُعلِنُ مَجدَهُ للعالَمِ مِن حَولِنا. فيجب علينا أن نَكونَ لِمَدْحِ مَجْدِه. والمقصودُ هو التَّالي يا أحبَّائي... الخُلاصة هي كما يلي: لا يُمكنكم أن تَفهمونا إلاَّ إذا فَهمتُم مَجدَ الله لأنَّنا لسنا سِوى الإعلانَ عن ذلك المجد. فنحنُ لا نَجِدُ أنَّهُ مِن السَّهل على أيِّ شخصٍ أن يُحلِّلَنا.
وفَضلاً عن أيِّ شيءٍ آخر، أعتقدُ أنَّ هذه النُّقطةَ الأخيرة هي مِحوَرَ قَلبي. فأعظمُ فكرةٍ في الكتاب المقدَّس هي مَجدُ الله. وهذا هو سَببُ وُجودِنا. والحقيقة هي أنَّني أطلبُ دائمًا مِن "كليتون" (Clayton) أن نُرَنِّمَ في كلِّ مَرَّة نفس التَّرنيمة عن مجد الله. مِن جِهَة، أنا أَعلمُ أنَّ النَّاسَ يَظُنُّونَ أنِّي ضَيِّق الأُفُق. مِن جهة أخرى، هذا هو ما يقولُ قلبي إنَّه الشَّيء الأكثر أهميَّةً: أن يَتمجَّدَ الله. فهذه هي نُقطةُ الفَحْصِ الأَهَمّ في حياتي. فأنا أسألُ نَفسي سؤالاً واحدًا في أثناء حياتي اليوميَّة عندما أَجِدُ نفسي أمامَ خِيارَيْن. إنَّهُ سؤالٌ بسيطٌ واحد: "هل هذا الأمر يُمَجِّد الله؟" إنَّها نُقطةُ فَحْصٍ بسيطة لكلِّ شيء في حياتي لأنَّه يجب علينا أن نكونَ لِمَدْحِ مَجدِه.
وفي إنجيل مَتَّى 5: 16، عَبَّرَ رَبُّنا عن ذلك بالكلماتِ التَّالية: "فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ..." [ويَفعلوا ماذا؟] "...وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَات". وطَوالَ خمسٍ وعشرينَ سنة، سَمَحَ اللهُ لهذه الكنيسة أن تكونَ لِمَدْحِ مَجدِه. فقد دُعينا إلى الإعلان. ونحنُ نُعلِنُ مَجدَهُ. وقد تقول: "وماذا عن السَّنواتِ الخمس والعشرين القادمة يا جون؟" أتَعلمونَ ما الَّذي أُوْمِنُ به حقًّا؟ أنا أُوْمِنُ بأنَّنا بَنَيْنا المِنَصَّة فقط. وأنا لم أُفَكِّر في التَّفكير في ذلك عندما كانوا يُطلقونَ المَركبةَ الفَضائيَّةَ "كولومبيا" (Columbia). فهذا يُشبهُ كنيسة النعمة. فقد بَنينا هذا الشَّيء وأَطلقناهُ وحَسب. ولا شَكَّ في أنَّ المستقبلَ سيكونُ أعظم مِن الماضي. ولكن هل يُمكنني أن أُحَذِّرَكُم مِن شيءٍ هنا؟ لقد دعانا اللهُ إلى الوجود. وهو يَستطيعُ أن يأخُذَنا أيضًا. فنحنُ كنيستُه. وهو يَتحكَّم بمَصيرنا. ففي أثناء قيادتكم سَيَّاراتِكم ذَهابًا وإيابًا في الطُّرُق الأمريكيَّة ستَرونَ شَهادات صامتة على حقيقة أنَّ الله يُطفئ أحيانًا الشَّمعة.
اقرأوا سِفْر الرُّؤيا والأصحاحين الثَّاني والثالث. إنَّها كنائس عظيمة. ولكنَّ الله قال: "سوفَ آتي وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ". فهذا قد يَحدث. وهو سيحدث إن تَوقَّفت كنيسة النعمة عن أن تكونَ كنيسة، أي جَماعةً مِن الأشخاصِ المَدعوِّين. أمَّا إن كُنَّا أمناء حَسَبَ تَعريف الله للكنيسة، سنكونُ لِمَدحِ مَجدِه إلى أن يأتي يسوع. دَعونا نَحني رؤوسَنا حتَّى نُصلِّي:
يا أبانا، نحنُ نَضُمُّ قلوبَنا معًا الآنَ لِنُقِرَّ بأنَّنا دُعينا حَسَبَ قَصدِك. فهذه هي هُويَّتُنا. لا أكثرَ مِن ذلك، ولا أقلّ مِن ذلك. فقد دُعينا قَبلَ تأسيس العالَم. ساعِدنا على أن نتذكَّر أنَّنا الكنيسة الَّتي بَناها المسيح. وقد دُعينا إلى الخروجِ مِن. فيجب علينا أن نكونَ رَعيَّةً مَفديَّة. وقد دُعينا إلى الانفصالِ "عَن". فيجب علينا أن نَستمرَّ بكلِّ قلوبنا بقداسة دونَ مُساومة. وقد دُعينا "إليه". فيجب علينا أن نكونَ مُكرَّسينَ جدًّا وشخصيًّا للربِّ يسوعَ المسيح الحيّ. وقد دُعينا للخُضوعِ للكلمة. فيجب علينا أن نَخضعَ طَوعًا لسُلطانِ كلمة الله. وقد دُعينا "مَع". فيجب علينا أن نَستمرَّ في تكريسِ أنفسنا بعُمق وقوَّة بعضُنا لبعض. وقد دُعينا "إلى". فيجب علينا أن نَنظُرَ إلى الأبديَّة، لا إلى العالَمِ الزَّائل. وقد دُعينا لكي. فيجب علينا أن نَكونَ لِمَدحِ مَجدِ نِعمتِك. ونحنُ نَشكُرُك يا أبانا على خمسٍ وعشرينَ سنة مِن الأمانة في بناء كنيسة، كنيسة حقيقيَّة... كنيستك. اجعل النُّورَ ساطعًا دائمًا. وليتَنا نَظَلُّ كنيستَك إلى أن يأتي يسوع. نُصلِّي هذا باسمِه. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
