ما الصُّورة الَّتي ينبغي للكنيسة أن تكون عليها؟ سوف نُقدِّم لكم وحسب فِكرةً رئيسيَّةً عن الصُّورة الَّتي يُريدُ اللهُ لكنيسة يسوعَ المسيح أن تكونَ عليها. في سِفْر أعمال الرُّسُل 2: 42، وسوفَ نَقرأُ النَّصَّ وَحَسْب. فسِفْرُ أعمال الرُّسُل 2: 42 يقولُ ما يَلي في وَصْف حياة الكنيسة الباكِرَة: "وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ. وَصَارَ خَوْفٌ فِي كُلِّ نَفْسٍ. وَكَانَتْ عَجَائِبُ وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ تُجْرَى عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ. وَجَمِيعُ الَّذِينَ آمَنُوا كَانُوا مَعًا، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا. وَالأَمْلاَكُ وَالْمُقْتَنَيَاتُ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَقْسِمُونَهَا بَيْنَ الْجَمِيعِ، كَمَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ احْتِيَاجٌ. وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ الْخُبْزَ فِي الْبُيُوتِ، كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ بِابْتِهَاجٍ وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ، مُسَبِّحِينَ اللهَ، وَلَهُمْ نِعْمَةٌ لَدَى جَمِيعِ الشَّعْبِ. وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُون". تَقرأون هنا وَصفًا للكنيسة الباكرة. والحقيقة هي أنَّهُ وَصْفٌ مُهمٌّ لفَهم الغاية مِن وُجودِ الكنيسة (ولا سيَّما في العدد 42)، وتأثير الكنيسة (في الأعداد مِن 43 إلى 47).
والآن، إنَّ المؤمنينَ بيسوعَ المسيحِ هُمُ الكنيسة. فنحنُ جسدُ المسيح. ونحنُ مَفديُّون، وغيرُ مَنظورين بمعنى أنَّ العالمَ لا يستطيع أن يَرانا. وغالبًا لا يُمكننا حتَّى أن نَرى أنفسَنا. فنحنُ لا نَدري أحيانًا إن كان أحدُ الأشخاصِ مُؤمنًا حَقًّا أَم غير مؤمن. ولكنَّنا نَنتمي إلى جسدٍ واحد. وسواء كُنَّا أحياء أو في المجد، فإنَّنا ما نَزالُ جُزءًا مِن جسد المسيح الواحِد. ونحنُ كنيسة المسيح لأنَّنا نُحبُّه. فنحنُ هُمُ الـ "إكليسيا" (ekklesia)؛ أي جَماعَتُهُ الَّتي دَعاها. فنحنُ أولادُهُ الأحبَّاء. فالكنيسةُ في الأصل هي جماعة مِن النَّاس الَّذينَ دَعاهُمُ اللهُ ليكونوا أولادَه. وقد صِرنا واحدًا مِن جهة مَقامِنا مِن خلال اتِّحادِنا بالإيمان في يسوعَ المسيح. وقد قالَ يسوع: "سوفَ أَبْني كنيستي. وأبوابُ الجَحيمِ لن تَقوى عليها". وعندما قال ذلك، قَصَدَ أنَّه سَيَجمَعُ جَسَدَهُ. فهو لم يكن يَتحدَّثُ عن مَبَانٍ، بل كان يتحدَّث عن أشخاص.
فنحنُ كنيسةُ يسوعَ المسيح؛ أي نحنُ الَّذينَ نَعرفُه ونُحبُّه. فنحنُ مُتَّحِدون معًا لأنَّنا وُلِدنا في عائلة الله بواسطة رُوح الله مِن خلال الإيمان بيسوعَ المسيح. ونحنُ كنيسةُ أَبْكَارٍ أحياء. ونحنُ المَحْفِلُ العامُّ المكتوبين في السَّماوات (كما يقولُ كاتبُ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين). فنحنُ هُنا بسبب المسيح. ونحنُ جَسَدٌ حَيٌّ، وجماعةٌ مُؤلَّفةٌ مِن أولئك الَّذينَ غُسِلوا بدمِ يسوعَ المسيح. فهذه هي الكنيسة غير المَنظورة. والعالمُ لا يستطيعُ حَقًّا أن يَرى مَن نَحن. فَهُم عاجزونَ عن تَمييزِنا. فَهُم يَرَوْنَ فقط الكنيسة المَنظورة، لا غير المَنظورة. أي أنَّهم لا يُمَيِّزونَ بينَ المؤمنينَ الحقيقيِّينَ وغير الحقيقيِّين.
ولكن توجد أيضًا كنيسة مَنظورة. وأعتقد أنَّ الرَّبَّ قَصَدَ أن تكونَ هناكَ كنيسة مَنظورة. وكما قالَ بولس في البداية... ليس بولس الرَّسول، بل بولس قائد الشَّبيبة... كما ذَكَرَ بولس في وقتٍ سابق: نحنُ شَهادةٌ للعالَم لأنَّنا كنيسة مَنظورة. فعندما نَجتمع معًا في يومِ الرَّبِّ، فإنَّنا شَهادةٌ للعالَم حقًّا بأنَّ المسيحَ قد قام. والكنيسة المَنظورة ينبغي أن تَشهدَ للعالم. وهناك أشخاص يقولون إنَّنا لسنا بحاجة إلى أَبنية، وإنَّه ينبغي لنا أن نكونَ عَفْوِيِّينَ تمامًا، وبدونِ تَنظيم، أو أَبنية أو بُنية أصلاً. ولكنِّي لا أَظُنُّ أنَّ المسيحَ قَصَدَ ذلك البتَّة. بل أعتقد أنَّه إن رَجعتم إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح 18 [على سبيل المثال] ستجدون بوضوحٍ تامٍّ أنَّ المسيحَ تَنبَّأ أنَّ الكنيسة ستكونُ كِيانًا له شَكل مُعيَّن، وأنَّها ستَجتمِع في مكانٍ مُحَدَّد. ففي إنجيل مَتَّى والأصحاح 18 أعتقد أنَّ هناك آيات عديدة تُشيرُ إلى هذا الأمر. فنحنُ نَقرأ في العدد 15 مِن إنجيل مَتَّى والأصحاح 18: "وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ". فإن فَعَلَ مُؤمِنٌ شيئًا خاطئًا، اذهب وأخبرهُ. "وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، فَخُذْ مَعَكَ أَيْضًا وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ، لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَة".
والآن، لا بُدَّ أنَّه يُشيرُ إلى مجموعة مَنظورة مِن الأشخاص. فالكنيسة لم تَكُن قد ابتدأت بعد. فهي لم تَبتدئ إلاَّ في يوم الخمسين. ولكنَّ المسيحَ يَتنبَّأ بأنَّ الكنيسة ستأخذ شَكلاً مَنظورًا إذْ إنَّ مجموعةً مِن الأشخاص ستَجتمع في مكانٍ مَحَلِّيٍّ خاصٍّ بقصدِ الشَّركة، والعبادة، أو كما هي الحالُ هُنا: بقصدِ التَّأديب. لِذا نَجِدُ هُنا (في العهدِ الجديد) إشارةً مُحدَّدةً إلى أنَّ اللهَ قَصَدَ في خُطَّتِه أن تكونَ هناك كنيسة مَنظورة.
فمِن المُستحيل أن تُعرَضَ مُشكلة كهذه على الكنيسة غير المَنظورة. فلا بُدَّ مِن وجودِ أشخاصٍ يَلتقونَ معًا ويَجتمعونَ بهذا الشَّخص؛ وعليه فإنَّ هذه الجماعة لا تَقِلُّ عن ثلاثة أشخاص. لِذا فقد تَنبَّأ المسيحُ بأنَّ الكنيسة ستكونُ جَماعة مَنظورة مِن الأشخاص الَّذينَ يَلتقونَ معًا في مكانٍ مُعَيَّن، وأنَّه ستكونُ لها بُنية، وأنَّه سيكونُ لها شكل. لِذا، عندما نَبتدئُ بقراءة سِفْر أعمالِ الرُّسُل نَجِدُ أنَّ الكنيسة غير المَنظورة صارت مَنظورةً أكثر فأكثر. فبادئ الأمر، كانت الكنيسة غير المَنظورة والكنيسة المَنظورة سِيَّان. أمَّا اليوم فإنَّ الكنيسة غير المَنظورة والكنيسة المَنظورة ليستا دائمًا سِيَّان. فهناك مَجموعات تَجتمع وتَبدو كأنَّها كنيسة مَنظورة، ولكنَّها ليست الكنيسة الحقيقيَّة البتَّة. فَهُمُ الكنيسة الزَّائفة. وَهُم الزَّانية. فَهُم الكنيسة الزَّانية.
ولكن في الأصل، صارت الكنيسة غير المَنظورة مَنظورةً عندما ابتدأوا يَجتمعون معًا في سِفْر أعمالِ الرُّسُل، وعندما ابتدأوا يَلتقونَ معًا بصورة مَنظورة أمام العالَم. وكانوا يَجتمعونَ بادئ الأمر في البيوت. وعندما لا تَعودُ البُيوتُ تَتَّسِع لهم، كانوا يَنتشرونَ ويَجتمعون في مَكانٍ مُلْحَقٍ بالمَنزِل. بعد ذلك بوقتٍ قصير، في نحو القرن الثَّالث الميلاديّ، صارت الكنيسة تَجتمع في مَبانيها الخاصَّة بعدَ أنْ نَمَتْ.
وفي هذا الصَّباح، أريد أن نَنظُر إلى جانِبَيْن كِتابيَّيْن للكنيسة. وقد أعطيتُكم مُخطَّطًا طويلاً لأنِّي أريدُ منكم أن تَحتفظوا به كمَرجِع لدراستكم المستقبليَّة. ولكنِّي أريدُ منكم أن تَرَوْا نُقطتين عامَّتين بخصوص الكنيسة: تأسيس الكنيسة، وخِدمة الكنيسة. فأنا أريد منكم أن تَرَوْا تاريخَها، وأين كانت، وأن تَرَوْا نَمَطَها، وأين ينبغي أن تكون اليوم؛ أي تاريخَها ونَمَطَها الَّذي يَنبغي أن تكون عليه اليوم. وأريد منكم أن تَعلموا أنَّ الهيئة الَّتي كانت الكنيسة عليها عندما ابتدأت هي الهيئة الَّتي يَنبغي أن تكون عليها اليوم. والآن، هناك وسائِط جديدة للتَّواصُل، وهناك وسائِل جديدة، وهناك مشاكل جديدة تُواجِهُنا في القرن العِشرين. وأعتقد أنَّ الرَّبَّ يُريدُ مِنَّا أن نكونَ كنيسة القَرن العِشرين. ولكن يَنبغي لنا أن نَلتَزِم بصورة رئيسيَّة (على مُستوى المبدأ الرُّوحيّ) بالمبادئ ذاتِها الَّتي كانت تَلتزِمُ بها كنيسة القرن الميلاديّ الأوَّل.
أوَّلاً، أريد منكم أن تَرَوْا تأسيسَ الكنيسة لأنَّنا نستطيعُ أن نَتعلَّم الكثير مِن التَّاريخ. فكما قرأنا في سِفْر أعمالِ الرُّسُل 2: 42-47، فإنَّ الاجتماعَ الأوَّل عُقِدَ في أورُشليم. وقد ضَمَّ بصورة رئيسيَّة أشخاصًا مُتواضِعينَ مِنْ صَيَّادي السَّمَكِ وغيرِهم. فقد كانَ يَضُمُّ الكثيرَ مِن الفُقراء. وكان يوجد أشخاصٌ مَيسورو الحال، ولكنَّ الأغلبيَّة السَّاحقة الفقيرة تَظهرُ مِن خلال حقيقة أنَّ جميعَ مَن كانوا مَيسوري الحالِ أَعطُوا الأشخاصَ الَّذينَ لا يَملكونَ شيئًا. لِذا، "كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا". فقد كانوا مُضطَهَدين. وقد وَجدوا صُعوبةً بالغةً في العَيش في مُجتمعهم لأنَّهم نُبِذوا بسبب إيمانهم بيسوعَ المسيح. وكان يوجد بينَهُم عددٌ كبيرٌ جدًّا مِن الفقراء. لِذا، كانَ مِن الصَّعبِ عليهم أن يَسُدُّوا حاجاتِ الفُقراءِ في وَسْطِهم. لِذا، "كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا".
والحقيقة هي أنَّ هذا المبدأ لا وجودَ له في أيِ كنيسة أخرى في كلِّ سِفْر أعمالِ الرُّسُل. فلم يَكُن مِن الشَّائع أن تكونَ الكنيسة جَماعةً اشتراكيَّة. ولم يَكُن مِن الشَّائع أن تَشتركَ الكنيسة في كلِّ شيء بطريقة اشتراكيَّة أو اجتماعيَّة بأيِّ حالٍ مِن الأحوال. ولكنَّ ذلك حدث بصورة خاصَّة في أورُشَليم بسبب العدد الهائل مِن الفقراء والأحوال غير العاديَّة لكنيسة أورُشَليم.
والآن، لقد وُلِدَت الكنيسة في أورُشَليم في اجتماعِ صلاة. فقد وُلِدَت في يوم الخمسين. فقد حَلَّ الرُّوحُ ومَلأَ الأشخاصَ الَّذينَ كانوا يَنتظرونَ في العِليَّة فابتدأت الكنيسة في تلك اللَّحظة. فقد تَشَكَّلَ الجسد. وقد تَمَّتْ مَعموديَّة الرُّوح في ذلك المكان وذلك الوقت. وقد تَشكَّلت أوَّل رَعيَّة في نفس اليوم؛ أي يوم الخمسين. وقد كانت كنيسة مُتحمِّسة. وهي أوَّل كنيسة في أورُشَليم حرفيًّا. والشَّيء المدهش بخصوصها هو أنَّهم خُدِمُوا جميعًا. فقد امتلأوا جميعًا بالرُّوح القُدُس. وكانوا جميعًا يُمارسون مواهبَهُم. وكانت وَحْدَة الرُّوح ومحبَّة المسيح ظاهرتَيْن أمامَ كلِّ العالَم.
وكانوا يَنْمونَ بسرعة هائلة. فقد انضمَّ ثلاثةُ آلافِ شخصٍ في اليوم الأوَّل. وقد صاروا حالاً رَعيَّةً كبيرة. إذًا، لقد وُلِدَت كنيسة أورُشليم في يومٍ واحد، وكانت تَضُمُّ ثلاثة آلاف شخص. وقد تقول: "لا يمكنك القيام بذلك. فلم يكن هناك وقت لتنفيذ برنامجك". هذا صحيح. هذا صحيح. فخدمة رُوح الله حَقَّقَتْ القَصد. فقد تَمَّ ذلك بإرشاد الرُّوح. وكانت خدمة الرُّوح هي الَّتي حَقَّقت ذلك بطريقة فريدة. والمُدهش في الأمر هو أنَّه إن لم يكن ذلك العددُ كافيًا في ذاتِه إذ إنَّ ثلاثة آلاف شخصٍ نالوا الخلاصَ، فإنَّ كثيرين منهم كانوا زُوَّارًا مِن أماكن أخرى. وعندما كانوا يَرجِعون إلى بُيوتهم، كان المزيدُ يَخلُصون. لِذا فإنَّ الكنيسة كانت تَنمو وتَنمو وتَنمو إلى أن صارت كنيسة كبيرة.
ثُمَّ إنَّ الأمرَ امتدَّ إلى مناطق عديدة في الأرياف، وانتشرَ وانتشرَ وانتشرَ في كلِّ أرضِ إسرائيل. وكما ذَكرتُ عندما عَرَضْتُ لكم شَرائحَ العَرض يوم الأحد مساءً قبل مُدَّة، فقد تَمَّ العُثورُ على مكانٍ في كَفْرَنَاحوم يَعتقدون أنَّه منزل بُطرس. وهو واحد مِن الأماكن الَّتي كانت الكنيسةُ تَجتمع فيها لأنَّه كانَ مَفتوحًا. وهناك أدِلَّة كثيرة جدًّا على أنَّ كنيسةً كانت تَجتمع في ذلك المكان. لِذا فقد انتشرت الكنيسة في أورُشليم وأسَّسَت رَعايا في كلِّ مكانٍ ذهب إليه المؤمنون في كلِّ أرض إسرائيل.
والآن، أريد منكم أن تُلاحظوا في العدد 42 العناصِر الأساسيَّة في حياتهم الكَنَسيَّة: تَعْلِيم الرُّسُل، وَالشَّرِكَة، وَكَسْر الخُبْز [أيْ مائدة الرَّبِّ أو عشاء الرَّبّ]، وَالصَّلَوَات. هذا هو كلُّ شيء. فقد كان هذا هو كلُّ ما يَفعلونَه. والشَّيءُ الوحيدُ الَّذي يمكنكم أن تُضيفوه إلى ذلك هو الكِرازة ببشارة يسوعَ المسيح. ففي الشَّوارعِ، كانوا يَكرِزونَ بها. وفي الهيكلِ، كانوا يَكرِزونَ بها. وفي البيوتِ وكلِّ مكانٍ يَجِدونَ فيهِ فُرصةً للتكلُّم، كَرَزَت تلك الكنيسة الباكرة بيسوعَ المسيح. فقد كانوا يَجتمعونَ معًا للشَّركة، وكَسْر الخُبز، وتعليم الرُّسُل، والصَّلاة، ثُمَّ كانوا يَتفرَّقونَ للكِرازةِ بكلمة الله للعالَم. وكان يوجد آلاف الكارِزين في رَعيَّتهم. وكان تأثيرُهم رائعًا. فنحنُ نَقرأ في العدد 47: "وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُون".
وفي ذلك الموقف، كانت لديهم كلُّ العناصر الَّتي يحتاجون إليها للحصول على كنيسة نَشِطَة، ومُباركة، ومُنقادة بالرُّوح. فَهُم لم يكونوا بحاجة إلى أيِّ شيءٍ آخر. ولم تَكُن هناكَ أيُّ حاجة إلى استخدامِ الجاذبيَّة البشريَّة. ولم تَكُن هناك أساليب بَشريَّة. ولم تَكُن هناك حِيَل، ولا أَلاعيب، ولا مُسابقات. فالتَّأهيلُ الوحيدُ الَّذي حصلوا عليه هو فقط ذاكَ الَّذي وَفَّرَهُ لهم الرُّوحُ القُدُسُ نَفسُهُ. وكانت الخدمة مُتَّزِنَة. وكانت الخدمة كاملة. ولم تَكُن الخدمة تَفتَقِرُ إلى أيِّ شيء. والسَّببُ في ذلك هو أنَّ رُوحَ اللهِ كانَ يَقودُها. هذا هو المبدأُ الأوَّل. ولكن ثانيًا، كان النَّاس يَتبعون إرشاد الرُّوح.
أمَّا اليوم فقد غَيَّرنا أُمورًا كثيرًا، وصارت لدينا الكثير مِن الأساليب، والكثير مِن الحِيَل، والكثير مِن المنافسة، والكثير مِن التَّرفيه مِن أجل جذب النَّاس إلى الكنيسة. والحقيقة هي أنَّ هذه محاولة للتَّعويض عن حقيقة أنَّ المسيحيِّين لا يَقبلون مسؤوليَّة اتِّباع إرشاد الرُّوح في خدمتهم الحياتيَّة. فكلُّ الأساليب المُلتوية المستخدمة في الكنيسة اليوم إنَّما تُستخدَم لاجتذاب النَّاس كبديلٍ عن حقيقة أنَّ النَّاس هناك لا يَفعلون ما هو صَواب.
كذلك، كانت لديهم حياة اجتماعيَّة. فالأمرُ لم يكن مُجرَّد عملٍ مِن دونِ شركة كما هو واضح. فقد كانت لديهم وليمة تُسَمَّى "وليمة الأغابي" أو "وَليمة المحبَّة"، وهي وليمة جَماعيَّة تَشترك فيها كلُّ الكنيسة. وعندما وُلِدَت الكنيسة في كورِنثوس، ابتدأت المتاعِب لأنَّ الأغنياء كانوا يُحضرونَ طعامَهُم ويأكلونَه، ويَجعلونَ الفُقراءَ يُحضرونَ طَعامَهُم ويأكلونه. وقد فَقدوا خدمة المشاركة في وليمة المَحبَّة. لِذا، كان لا بُدَّ أن يُقدِّم لهم بولس مجموعةً مِن الإرشادات. وقد جَعلوا الوليمةَ عَرْبَدَةً أيضًا في كورِنثوس. لِذا فقد تَدهورت الأمور.
ولكن بالرَّغمِ مِن ذلك، في البداية كانت الكنيسة تَجتمع معًا للشَّركة حول المائدة ويأكلون معًا، ويَتشاركون طَعامهم. وكان النَّاس يُعطون بسخاء بعضُهم بعضًا. وكانوا يَخدمونَ بسخاء بعضُهم بعضًا. ولكنِّي أودُّ أن أُضيفَ مَرَّةً أخرى أنَّها لم تكن حياة اشتراكيَّة. فالكنيسة لم تُوجَد يومًا لتكونَ مُجتمعًا اشتراكيًّا. فهناك جَماعاتٌ تَظهَر في كلِّ مكان مِثل "جَماعَةُ أولادِ الله" (The Children of God) وغيرهم مِن الجماعاتِ الَّتي لا تُدرك المعنى الحقيقيِّ للشَّركة. فما يُنادون به لا صِلةَ له بما يقولُهُ العهدُ الجديد.
وأعتقد أنَّ واحدًا مِن الأمثلة الرَّائعة على ذلك هو ما جاء في الأصحاح الخامس مِن سِفْر أعمال الرُّسُل ابتداءً مِن العدد الرَّابع. هل تَذكرونَ حَنانِيا وسَفِّيرة اللَّذانِ كَذَبا على الرَّبّ؟ فنحنُ نقرأ في العدد 4 ما يلي... وهذا بكلِّ تأكيد هو كَلامُ بُطرس لهما. فقد كانا يَملِكان أرضًا. وقد قالا: "إن بِعناها سنُعطي كَذا للرَّبّ". ثُمَّ إنَّهما باعا الأرضَ ولم يُعطيا ذلك المبلغ الَّذي وَعَدا بأن يُعطياه للرَّبّ، بل كَذَبا عليه. وكانت هذه هي خطيئتهُما. ولكنَّنا نقرأ في العدد الرَّابع أنَّ بطرس قال: "أَلَيْسَ وَهُوَ بَاق كَانَ يَبْقَى لَكَ؟" بعبارة أخرى، لم يكن هناك ما يُلزمهما بأنَّه لكونهما مُؤْمِنَيْن، يجب عليهما أن يَبيعا الأرضَ ويُعطيا ثَمَنها للجميع. فقد كانت لهما. وبطرس يقول: "أَلَيْسَ وَهُوَ بَاق كَانَ يَبْقَى لَكَ؟" فقد كانَتِ الأرضُ مِلكًا لكَ. "وَلَمَّا بِيعَ، أَلَمْ يَكُنْ فِي سُلْطَانِكَ؟" فعندما حَصلتَ على المال، كانَ المالُ لَك. بعبارة أخرى، لم يَكن بولس يَتوقَّع منهما أن يُعطيا المالَ للكنيسة ليصيرَ نَوعًا مِن المُجتمعِ الشُّيوعيّ.
ولكنَّ المشكلة كانت كالتَّالي: "فَمَا بَالُكَ وَضَعْتَ فِي قَلْبِكَ هذَا الأَمْرَ؟ أَنْتَ لَمْ تَكْذِبْ عَلَى النَّاسِ بَلْ عَلَى الله". فالمشكلة ليست أنَّك بِعتَ أرضكَ ولم تُعطِ المالَ كُلَّه لله. فهو لم يَطلب منك أن تُعطيه كلَّ المال. ولكنَّ المشكلة هي أنَّكَ قلتَ إنَّك ستُعطي مَبلغًا مُعيَّنًا وأعطيتَ مَبلغًا أقلّ، وكَذبتَ. ولأنَّها كانت الكنيسة الباكرة، وكان لا بُدَّ أن يكون التَّأديبُ صَارِمًا بسبب الطَّبيعة الحَرِجَة لتأسيسِ الكنيسة، وَقَعَ حَنانِيا وسَفِّيرة وماتا حالاً لأنَّهما كَذَبا على الرُّوح القُدُس.
ألستُم سُعداء لأنَّكم تَنتمون إلى كنيسة القرن العِشرين؟ كم مَرَّة وَعَدتَ اللهَ قائلاً: "إنْ حَصلتُ على هذا المبلغ سأُعطيه للرَّبّ"؟ إنَّها نفسُ الخطيَّة يا أصدقائي. ولكنَّ اللهَ مُتسامِحٌ أكثر الآن. ولا أدري لماذا، ولكنِّي أشكُرُهُ على ذلك. وكما قُلتُ، فإنَّنا لا نَرى في الكنائس الَّتي تأسَّسَت لاحقًا هذا النَّوعَ مِن المشاركة، ولا نَرى هذا النَّوعَ مِن الاشتراكيَّة؛ بالرَّغم مِن أنَّنا نَرى أنَّهم كانوا يُمارسونَ مَوهبة العَطاء ويَسُدُّونَ حاجاتِ الأشخاص المُحتاجين.
لِذا، لقد كانت رَعيَّةً ابتدأت بقوَّة الرُّوح القُدُس واستمرَّت بقوَّة الرُّوح القُدُس. وكانوا مُنهمِكينَ بقوَّة الرُّوح في خِدمة يسوعَ المسيح. وكان القادة في هذه الكنيسة الباكِرة هُم الرُّسُلُ الاثنا عشر. فقد كانوا هُمُ القادة لأنَّ الأمرَ تَطَلَّبَ وَقتًا لإعداد قادة. وبعد وقتٍ مَا، سيكونُ هناك شُيوخ وشَمامسة. ولكن لا يجوزُ أن يكونوا أَغرارًا، أو أن يكونوا حَديثي الإيمان. فقد كان الجميعُ حَديثَ الإيمان في الكنيسة الباكرة. لذا فقد تَرَكَ اللهُ الرُّسُلَ الاثني عشرَ في تلك الكنيسة في أورُشَليم لمُدَّة لا تَقِلُّ عن سبع سنوات، أو رُبَّما عشر سنوات. وقد خَدموا الرَّعيَّة، وخَدموا بوصفهم شُيوخًا وشَمامسة. والحقيقة هي أنَّهم كانوا يَفعلونَ كلَّ شيء. فقد خَدَمَ الرُّسُلُ حَرفيًّا في تقديمِ الطَّعام. فقد خَدَموا مَوائِد. لقد فَعلوا كلَّ شيء. وكانوا هُمُ قادة النَّاس الموجودين في الكنيسة الأولى؛ أي الرَّعيَّة الباكرة. وفي وقتٍ لاحق، بعد مُرورِ كلِّ تلك السِّنين، شَعروا أنَّ هناكَ أشخاصًا نَمَوْا وصاروا مُؤهَّلينَ ليكونوا قادةً روحيِّينَ بسبب نُضجِهم، فابتدأوا يَختارونَ بعضًا منهم ليكونوا شُيوخًا وشمامسةً مِن تلك الرَّعيَّة.
وفي وقتٍ لاحق، اتَّضحَ أنَّ بعضًا مِن هؤلاءِ القادة كانوا أُمناءَ جدًّا، وأنَّ بعضًا مِن هؤلاء الشَّمامسة كانوا أُمناءَ جدًّا حتَّى إنَّ اللهَ أَفرَزَهُم ليصيروا كَارِزينَ ورُعاةً مُعَلِّمين. ولكن في تلك الأثناء، كانَ الرُّسُل يَخدمونهم بصفتهم القادة والأنبياء، بالإضافة إلى كَونهم أعمدة الكنيسة.
وأخيرًا، بعد فترة لا تَقِلُّ عن سبع سنوات، صاروا جاهزينَ لإرسالِ مُرْسَلٍ آخر وتأسيس كنيسة أخرى. وقد تَطلَّبَ الأمرُ سبعَ سنوات لكي يُرسلوا بَرنابا إلى أنطاكِيَة لتأسيس الكنيسة في أنطاكِيَة. فقد احتاجوا إلى ذلك الوقت للاستعداد، واستجماعِ قُوَّتهم، وتَثبيتِ أنفسهم قبل أن يُرسلوا أيَّ شخصٍ للقيام بالعمل في مكانٍ آخر. سبع سنوات.
والآن، يُمكنكم أن تَتخيَّلوا أنَّه عندما ابتدأ ذلك الأمر الصَّغير في مكانٍ صغيرٍ كهذا أنَّهم كانوا يَتلهَّفونَ كثيرًا لنَشرِه في كلِّ العالَم. ولكن بِروحِ الحِكمة، بَقَوْا سبعَ سنوات على الأقل قبل أن يَبتدئوا بالتَّحرُّك. ثُمَّ ابتدأت كنائس أخرى تَتأسَّس هُنا وهناك وفي كلِّ مكانٍ آخر وَصلوا إليه. وقد زَرَعَ الرَّسول بولس بعضًا مِنها مع سِيلا وبرنابا وآخرين. وقد صارت كلُّ كنيسة مُستقلَّة. وكانت كلُّ كنيسة تَنقادُ بالرُّوحِ القُدُس. ولم تكن هناك طَوائِف تجْمَعُهم معًا تَنظيميًّا. فَلِمَ يُكَلِّفونَ أنفُسَهُم عَناءَ ذلك؟ فقد كانوا في الأصل واحدا في الرُّوح. فَما الَّذي يَدعوهم إلى تأسيسِ هَيئَة تَضُمُّهم معًا؟ فالسَّببُ الوحيدُ الَّذي يَدفعُكَ إلى تأسيسِ هَيئة لِضَمِّ النَّاسِ معًا هو عندما لا يكونُ هُناكَ وِفَاق. ولكن إن كانوا يُدركونَ أنَّهم واحدٌ في الرُّوح، وأنَّ هذا هو ما يحتاجونَ إليه، فإنَّ هذا يَكفي.
وبالرَّغم مِن ذلك، كانوا مُتَّحدينَ برباطٍ مُشترك. ففي رسالة رومية 16: 16، يقولُ بولس: "كَنَائِسُ الْمَسِيحِ تُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ". فقد كانت هناك وَحدة بينهم. فمَعَ أنَّ كلَّ رَعيَّة مَحليَّة كانت مُستقلَّة، كانت هناكَ وَحدة. وكانت تلك الكنائس تَضُمُّ كلَّ أنواعِ المؤمنين: اليهود، والأُمم، وكلَّ طَبقاتِ المؤمنين مِن أغنياء وفُقراء ومُتعلِّمين وغير مُتعلِّمين مِن كلِّ طَبقاتِ المُجتمع. وكان الجميعُ يَعملونَ معًا ويَخدِمون معًا ككِيانٍ واحد. وكانت البُنية التَّنظيميَّة الوحيدة الَّتي يَملكونها، والشَّكل الوحيدُ لديهم هو ذاك الَّذي أَسَّسَهُ الرُّوحُ القُدُس.
والآن، هذا هو التَّأسيسُ الرَّئيسيُّ للكنيسة. وهذه هي الطَّريقة الَّتي نَمَتْ بها مِن أورُشَليم. ولكنَّ الكنيسة تَغيَّرت كثيرًا. أليس كذلك؟ فقد صارت مُعَقَّدة جدًّا وشبيهة جدًّا بالمؤسَّساتِ التِّجاريَّة. فالكنيسة اليوم صارت مِن أَوجُه عديدة مُؤسَّسة ضخمة لها طَوائف، وهيئات، ولِجان، ومَجلسٌ عالَميٌّ، ومَجلسٌ وَطنيٌّ، ومَجلس مُديرين، وبرامِج. فقد جَعلوها تَعمل كمؤسَّسة تجاريَّة، لا كجسد. وجَعلوها تَعمل كمَصنَع، لا كعائلة. وجَعلوها تَعمل كشرِكَة، لا كمُجتمَع. فقد صارت الكنيسة اليوم لُعْبَةَ نَجاح لها أهدافٌ سَطحيَّة، ولديها جَائزة تَفوزُ بها الكنيسة الَّتي تَستقطِب أكبر عددٍ مِن النَّاس وتَحجِز أكبرَ عددٍ مِن المقاعِد في أغلبِ أيَّامِ الأحد.
وقد قال "بروس لارسون" (Bruce Larson): "مِن دون استثناء، تُقاسُ الكنائس والخدمات بِسِجلاَّتِ العَطاءِ ومُعدَّلاتِ زيادة العُضويَّة. والمَعنى الضِّمنيُّ الواضح لذلك هو أنَّ زيادة الأعداد والميزانيَّة الضَّخمة هُما الهَدفان الرَّئيسيَّان للكنيسة المحليَّة" [نهاية الاقتباس].
وكما تَعلمون، مِن المدهش أنَّه إن تَفحَّصتُم وضع الكنيسة، مَتى تَشعُرُ الكنائسُ بالهَلَع؟ إنَّهم لا يَشعرونَ بالهَلع الشَّديد عندما يكونُ التَّعليمُ مُبتَذلاً. وَهُم لا يَشعرونَ بالهَلع الشَّديد عندما تَظهَر مشاكل روحيَّة. ولكنَّهم يَشعرونَ بالهَلع الشَّديد عندما يَبتدئُ المُؤشِّرُ بالنُّزول على جَداوِل الحُضور والكُشوف الماليَّة... الجانبُ الماليّ. وقد صارت الكنائس أيضًا في حالاتٍ كثيرة مَركَزًا للتَّسلية تُقامُ فيهِ عُروضٌ أمامَ جُمهورٍ بَليدٍ، ولا يُبالي، ولا يَفعلُ شَيئًا مُفيدًا.
وكلُّ ما يَحدُثُ في هذه الكنائس يَهدِفُ إلى اجتذابِ النَّاسِ إليها، لا إلى القيام بشيءٍ ما معهم عندما يأتون. وأودُّ أن أقولَ لكم مِن قلبي، ومِن قلبِ شُيوخِنا وقادةِ هذه الكنيسة، بقوَّةِ اللهِ وخِدمتكم وصلواتكم وتكريسكم باستخدامِ مواهبكم: سوف نَعملُ، نحنُ الشُّيوخ، كلَّ ما في وُسعِنا لكي نَجعلَ الرُّوحَ القُدُسَ يُرينا بدقَّة ما ينبغي أن تكونَ عليه كنيسة النعمة (Grace Church). ويجب علينا أن نَبتدئَ بالنَّموذجِ الكِتابيّ. وبعد أن نُرَسِّخَ النَّمَطَ الَّذي وَضَعَهُ الرُّوحُ القُدُس، سوفَ نَخطو الخُطوة التَّالية الَّتي تَليها.
والآن، أريد منكم أن تَروا ما هي الخدمة الكِتابيَّة للكنيسة. وهذه هي النُّقطة الرَّئيسيَّة الثَّانية. وأريدُ أن نَنظر إلى ثلاث رسائل في العهد الجديد: الرِّسالتَيْن الأوَّلى والثَّانية إلى تيموثاوس، والرِّسالة إلى تِيطُس لأنَّنا نَجِدُ في هذه الرَّسائل نَموذجَ تَنظيم وبُنية وشَكل الكنيسة الباكرة أو أيَّة كنيسة أخرى فيما يَختصُّ بهذا الجانب. والآن، لقد كان تيموثاوسُ وتيطُس كَارِزَيْن. وكانَ الكَارِزُ في الكنيسة الباكرة هو زَارِع كَنيسة. فقد كان يَذهب إلى منطقة لم يَسمعِ النَّاسُ بها باسم المسيح، وكان يَرْبَحُ نُفوسًا للمسيح ويُؤسِّس رَعيَّة. وكانَ يَبقى مع تلك الرعيَّة غالبًا نحوَ سنة، أو رُبَّما وقتًا أطول قد يَصِل إلى سَنتين أو ثلاث سنوات إلى أن يُعلِّمَهُم ما يَكفي لِنُضْجِ مجموعةٍ منهم. وعندما يَنضُج بعضٌ منهم، كان يُقيمُ شُيوخًا في تلك المدينة كي يَرعوا تلك الكنيسة، ويُعَلِّموا في تلك الكنيسة، ويَخدموا في تلك الكنيسة. ثُمَّ كان يَنتقل إلى مكانٍ آخر لم يَسمع النَّاسُ فيه اسمَ المسيح، ويَربَح مَزيدًا مِن النُّفوس للمسيح، ويُؤسِّس رَعيَّةً أخرى، ويَبقى هناك بِضع سِنين، ويُقيمُ شُيوخًا في تلك المدينة لمُتابعة الخدمة. ثُمَّ إنَّه كان يَذهب إلى مكانٍ آخر ويَستمرُّ وحسب في القيام بذلك. فقد كان هذا هو عمل الكارِز. فقد كانَ زَارِع كَنائِس.
وكان تيموثاوُس وتيطُس يَفعلان ذلك. وكانا أحيانًا يقومان بعمل الرَّاعي المُعَلِّم؛ أي: تَعليم الرَّعيَّة. وحتَّى إنَّ الكارِزَ كانَ مَدْعُوًّا إلى القيام بذلك. ولكن عندما ننظر إلى هذه الرَّسائل الثَّلاث (أي الرِّسالتَيْن الأوَّلى والثَّانية إلى تيموثاوس، والرِّسالة إلى تِيطُس) نَرى النَّموذجَ الصَّحيحَ للكنيسة. ولكي أُريكُم إيَّاه، انظروا إلى رسالة تيموثاوس الأولى 3: 14: "هذَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكَ رَاجِيًا أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ عَنْ قَرِيبٍ". والآن، يَكتُب بولس إلى تيموثاوس الَّذي كان كارِزًا يَزرع كنائس. وإليكم ما قالَهُ: "[السَّببُ الَّذي أكتُبُ لأجلِه هو:] وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أُبْطِئُ" [فهذا هو سَبَبُ كِتابتي]، فَلِكَيْ تَعْلَمَ كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي بَيْتِ اللهِ، الَّذِي هُوَ كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ". بعبارة أخرى، أنا أكتبُ إليكَ لكي تَعلم كيف تتصرَّف في الكنيسة. وأنا أُقَدِّمُ إليك الأساسَ لما ينبغي أن تكونَ عليه الكنيسة. فهذه هي مبادئ الحياة الكَنسيَّة. وهي مبادئ واضحة جدًّا. فهي ليست ضَبابيَّة، بل هي واضحة كلَّ الوضوح.
والآن، أريد أن أُبيِّن لكم ما هي. أوَّلاً، ما هي المَهمَّة الرئيسيَّة للكنيسة؟ المَهمَّة الرئيسيَّة للكنيسة هي أن تُعَلِّمَ العقيدةَ القويمة. فهذه هي مَهمَّة الكنيسة. لا أن تُقدِّمَ رأيَ راعي الكنيسة، ولا أن أُقدِّمَ إليكم رأيي الشَّخصيَّ، ولا أن أُقدِّمَ إليكم أمثلةً تَوضيحيَّةً تَجعلُكم تَبكون، ولا أن أحاول أن أتلاعبَ بمشاعِركم، ولا أن أُشَجِّعَكُم على التَّبرُّع بأموالكم، ولا أن أَنهَمِكَ في القيامِ بهذا العَمل وذاكَ العمل، ولا أن أُوفِّرَ البرامجَ ووسائلَ التَّرفيهِ، ولا أن أُقدِّمَ أفكارًا روحيَّةً مَبتورةً وتأمُّلاتٍ أسبوعيَّة. فخدمةُ الكنيسة الرئيسيَّة هي أن تُعَلِّمَ العقيدةَ القويمة... أن تُعَلِّمَ العقيدةَ القويمة. رسالة تيطُس 2: 1. فكما تَرَون، إليكم ما يقولُهُ أيضًا لهذا الخادِم الَّذي كان يَزرَع كنيسةً: "وَأَمَّا أَنْتَ فَتَكَلَّمْ بِمَا يَلِيقُ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيح". فهذه هي الغاية الرئيسيَّة للكنيسة. فقد كان ينبغي لهؤلاء الكارِزينَ أن يُعلِّموا الكنيسة التَّعليمَ الصَّحيح. فهذا هو أساسُ كلِّ شيء. وهذا هو ما يجب علينا أن نَفعلَه.
ونَقرأ في الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس 1: 3: "كَمَا طَلَبْتُ إِلَيْكَ أَنْ تَمْكُثَ فِي أَفَسُسَ..." [فهذا هو ما يَقولُهُ بولس لتيموثاوس]، "...إِذْ كُنْتُ أَنَا ذَاهِبًا إِلَى مَكِدُونِيَّة". لماذا؟ "لِكَيْ تُوصِيَ قَوْمًا أَنْ لاَ يُعَلِّمُوا... [ماذا؟] تَعْلِيمًا آخَرَ"؛ أي أن يُعلِّموا فقط التَّعليم الصَّحيح. وفي العدد 6: "الأُمُورُ الَّتِي إِذْ زَاغَ قَوْمٌ عَنْهَا، انْحَرَفُوا إِلَى كَلاَمٍ بَاطِل". فإن نَظرتم إلى كنيسة لا تُعَلِّم دائمًا التَّعليمَ الصَّحيح، ستجدون أنَّها تَنجرف وراءَ أيِّ فِكرة تُطرَح هُنا أو هُناك. "يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا مُعَلِّمِي النَّامُوسِ، وَهُمْ لاَ يَفْهَمُونَ مَا يَقُولُونَ، وَلاَ مَا يُقَرِّرُونَهُ". فإن لم تَكُن الكنيسة تُعَلِّم التَّعليمَ الصَّحيح، فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَرغبونَ في التَّعليم سيُعلِّمونَ تَعليمًا غير صحيح. وفي العدد 10: "لِلزُّنَاةِ، لِمُضَاجِعِي الذُّكُورِ، لِسَارِقِي النَّاسِ، لِلْكَذَّابِينَ، لِلْحَانِثِينَ، وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ آخَرُ يُقَاوِمُ التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ". والكلمة "صَحيح" هُنا هي تَرجمة لكلمة يونانيَّة اشْتُقَّت منها الكلمة "سَليم". فهي تَعني: "مُعافَى" ويَبني الجِسم. فأيُّ نوعٍ آخر مِن التَّعليم الَّذي يَهدِم الجسد ليس له مَكان لأنَّه تعليم غير سَليم. ولكنَّ التَّعليمَ المَطلوبَ هو التَّعليمُ القويمُ الَّذي يُرَكِّز على كلمة الله.
والآن انظروا إلى الأصحاح الرَّابع والعدد الأوَّل. وسوفَ نَتجنَّب الحديثَ عن الأفكارِ الأخرى. الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس 4: 1: "وَلكِنَّ الرُّوحَ يَقُولُ صَرِيحًا: إِنَّهُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَة..." [أي في وَقتِنا الحاضِر] "...يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ، تَابِعِينَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً...". فَهُمْ لا يَتبعونَ التَّعليمَ القويم، بل ماذا؟ "تَعَالِيمَ شَيَاطِينَ [أو أَبالِسَة]، فِي رِيَاءِ أَقْوَال كَاذِبَةٍ، مَوْسُومَةً ضَمَائِرُهُمْ". والآن، كيف تَحمونَ الكنيسة مِن تَعاليم الشَّياطين؟ وكيف تَحمونَ الكنيسة مِن الأرواحِ المُضِلَّة؟ بصفتي راعيًا للكنيسة، وبصفتي راعيًا مُعَلِّمًا، فإنَّ عملي يَقتضي مِنِّي أن أَحمي الرَّعيَّة. وكيف أفعلُ ذلك؟ هل أَصرِفُ كلَّ وقتي في التَّدقيقِ في صِفاتِ كلِّ شخص؟ لا، بل إنَّ الجوابَ مَذكورٌ بوضوح في العَدَدَيْن 6 و7: "إِنْ فَكَّرْتَ الإِخْوَةَ..." [الأصحاح الرَّابع] "إِنْ فَكَّرْتَ الإِخْوَةَ بِهذَا، تَكُونُ خَادِمًا صَالِحًا لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، مُتَرَبِّيًا بِكَلاَمِ الإِيمَانِ وَالتَّعْلِيمِ الْحَسَنِ الَّذِي تَتَبَّعْتَهُ". فالطَّريقةُ الوحيدة الَّتي تَستطيعُ مِن خلالها أنْ تَحمي الكنيسة مِن التَّعليمِ الخاطئ هو أن تُقَدِّمَ للرَّعيَّة التَّعليمَ الصَّحيح.
وفي العدد 7: "وَأَمَّا الْخُرَافَاتُ الدَّنِسَةُ الْعَجَائِزِيَّةُ فَارْفُضْهَا، وَرَوِّضْ نَفْسَكَ لِلتَّقْوَى". انظروا إلى الأصحاح الرَّابع والعدد 13. فنحنُ نَجِد هنا نَموذجًا لكيفيَّة الوعظ. فهل تريدون أن تَعلموا كيف ينبغي أن تَعِظوا؟ وأنا أُخاطِبُ هنا الأشخاصَ الَّذينَ يَرغبونَ في أن يكونوا وُعَّاظًا في يومٍ مَا في المستقبل حَسَبَ مشيئة الله، أو في الحاضر. فنحنُ نَجِد هنا نَموذجًا لكيفيَّة الوعظ: "إِلَى أَنْ أَجِيءَ اعْكُفْ عَلَى الْقِرَاءَةِ [أيْ قِراءةِ كلمة الله] وَالْوَعْظِ [أيْ تَقديمِها] وَالتَّعْلِيمِ [أيْ شَرحِها]. فهذا هو لُبُّ الوعظ. اقرأها، عِظْ بها، اشرَحها. فهذا هو كلُّ ما في الأمر. وهذا يُسَمَّى: "الوعظ التَّفسيريّ". فأنتَ تَقرأُ النَّصَّ، وتُقدِّمُ النَّصَّ، وتَشرَحُ النَّصَّ... تُعلِنُه وتَعِظ به. والكلمة "قِراءة" هنا تَعني القِراءة الجَهريَّة، وتُشيرُ إلى خِدمة الوعظ. فيجب علينا أن نَقرأَ الكلمة. ويجب علينا أن نُفَسِّرَ الكلمة بالتَّفصيل وبعُمق. ويجب علينا أن نَعِظَ النَّاسَ. فيجب علينا أن نُعلنَ الحقَّ. ونقرأ في العدد 15 عن الدَّور الَّذي ينبغي للخادم أن يقوم به: "اهْتَمَّ بِهذَا. كُنْ فِيه". فينبغي أن يكونَ تَركيزُ القادة في الكنيسة مُنْصَبًّا على كلمة الله. لا على أيِّ شيءٍ آخر، بل على كلمة الله. لا على البرامِج أو أيِّ نوعٍ مِن الأنشطة الجانبيَّة، بل يجب علينا أن نُرَكِّز جدًّا على التَّعليم. وفي العدد 16: "لاَحِظْ نَفْسَكَ..." [وماذا؟] "...وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ...". فلا توجد طريقة أخرى. "لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هذَا، تُخَلِّصُ نَفْسَكَ [أي: تُخَلِّص نَفسَكَ مِنَ المُعلِّمينَ الكَذَبة] وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا".
فالمُعلِّمون المسكونونَ بأرواحٍ شيطانيَّة ويحاولونَ أن يَدخُلوا خِفيةً إلى الكنيسة لا يمكن التَّخلُّص منهم إلاَّ عندما تُعَلِّم الكنيسةُ بصورة مُتكرِّرة ودائمة وأمينة التَّعليمَ الصَّحيحَ إن أردنا توفير الحماية لكنيسة يسوعَ المسيح. وإن أرادتِ الكنيسةُ أن تكونَ طاهرة، يجب أن يهتمُّ الشُّيوخُ الَّذينَ يَقودونَها بأن يكونوا أُمناءَ لكلمة الله. فلا يجوزُ الانشغالُ بالاجتماعاتِ والمؤتمراتِ والمَجالِس ودفعُ فواتير باهظة. فَمِنَ السَّهل جدًّا القيام بذلك لأنَّ هناكَ أمورًا جيِّدة، ولكنَّها ليست أولويَّات. وبصفتي خادمًا ليسوعَ المسيح، فإنَّني ومَن مَعي مِن الخُدَّام الآخرين الَّذينَ يَخدمونَ باسم الرَّبِّ مسؤولونَ أمامَ الله عن نَقاوة الكلمة. فيجب علينا أن نُعلِّمَها بكلِّ نقاوتها. ونحنُ مسؤولونَ عن حمايتكم مِن التَّعليم الزَّائف. فنحنُ مسؤولون أمامَ يسوعَ المسيح عن أمانتِنا في القيام بذلك، وعن أمانتِنا في حماية الرعيَّة وتغذية شعب الله. فهذا هو ما يَتوقَّعُهُ المسيحُ مِن كلِّ خادِم. وما أَرهبَ أن تَجلسَ وتُفَكِّرَ في ما يَتوقَّعُهُ اللهُ منك. لِذا فإنَّ يعقوبَ يقول: "فَكِّر مَلِيًّا قبلَ أن تُقَرِّر أن تصيرَ خادمًا". فالمسؤوليَّة خَطِرة. ولكن إن قَدَّمَ اللهُ لك الدَّعوة فإنَّه سيُقِّدم لك الفرصة لكي تَخدِمَه.
لِذا، يجب علينا أن نُكَرِّسَ كلَّ حياتِنا (باستمرار مِن دون تَوَقُّف إلى أن يأتي يسوعُ) للوعظِ والتَّعليم؛ أي للتَّعليمِ والوعظِ التَّفسيريِّ لكلمة الله. ومِن المُؤسِف والمُحزِن أنَّ الرُّعاة الَّذينَ يتحدَّثونَ إليَّ كلَّ أسبوع تقريبًا عندما ألتقي بهم يُعبِّرونَ لي عن حُزنهم العميق لأنَّ كنائَسُهم تتوقَّع منهم أن يفعلوا كلَّ شيءٍ آخر تحت الشَّمس، لا الشَّيءَ الَّذي يُريدُ المسيحُ منهم أن يَفعلوه؛ وهو أن يُعلِّموا كلمة الله. لِذا فإنَّ طاقَتَهُم تَنفَد بسبب قيامهم بكلِّ الواجبات الأخرى عِوَضًا عن القيامِ بواجبهم الرَّئيسيّ.
والآن، في الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس والأصحاح الأوَّل على سبيل المثال، نَجِدُ أنَّ الرِّسالة هي نفسُها إذ نقرأ في العدد 13: "تَمَسَّكْ بِصُورَةِ الْكَلاَمِ الصَّحِيح". تَمَسَّكْ بِصُورَةِ الْكَلاَمِ الصَّحِيح. وهل تَعلمون معنى الكلمة "صُورة" هنا؟ إنَّها تُشيرُ ضِمنيًّا إلى أنَّ نَمَط الكنيسة عندما تَجتمع ينبغي أن يكونَ: تَعليمُ "الكلامِ الصَّحيحِ الَّذِي سَمِعْتَهُ مِنِّي، فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوع". وفي العدد 14: "اِحْفَظِ الْوَدِيعَةَ الصَّالِحَةَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ السَّاكِنِ فِينَا". ثُمَّ نقرأ في الأصحاح الثَّاني أنَّه يقول: "فَتَقَوَّ أَنْتَ يَا ابْنِي بِالنِّعْمَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أَيْضًا". فهذا هو كلُّ ما في الأمر. فيجب علينا أن نُعَلِّمكم التَّعليمَ الصَّحيح لكي تَتمكَّنوا مِن الذَّهابِ وتَعليمِ آخرينَ التَّعليمَ الصَّحيح. فهذا هو القصدُ البَديعُ لِروحِ الله. وخِدمةُ تَعليم آخرين في جسد المسيح هي جُزءٌ مِنها وحَسْب. فهذا هو ما ينبغي لكم أن تَفعلوه. وكما ذَكرتُ في مَعرِضِ دراستِنا لرسالة أفسُس، فإنَّ خدمة الشُّيوخِ والمُعلِّمينَ هي تَكميلُ القِدِّيسينَ لكي يَتمكَّنَ القِدِّيسونَ مِن القيام بعمل الخدمة.
والمِفتاحُ بكلِّ تأكيد، للقيام بذلك، هو ما جاء في رسالة تيموثاوس الثَّانية 2: 15 إذ نَقرأ: "اجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ للهِ مُزَكُى، عَامِلاً لاَ يُخْزَى، مُفَصِّلاً كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاسْتِقَامَة". والكلمة الأولى في هذه الآية هي المِفتاحُ لأيِّ خدمة. وأودُّ أن أقول في هذا الصَّباح إنَّني فَرِحٌ ومُتحمِّسٌ جدًّا لأنِّي أَرعَى كنيسةً، ولأنِّي جُزءٌ مِن كنيسة يَرغبُ شَعبُها مِن كلِّ قلبِهم أن يَتعلَّموا كلمة الله، بل يَرغبونَ فيها أكثر مِن أيِّ شيءٍ آخر حتَّى إنِّي أصرفُ وقتًا طويلاً في الدِّراسة. فهذا يُثْلِجُ صَدري. وأنا مُتيقِّنٌ أنَّه في أغلب الأحيان، عندما يَرغبُ النَّاسُ في الاتِّصال والتَّحدُّثِ إليَّ [رُبَّما في أمرٍ طارئ]، وأكونُ مُنهمكًا في دراسة كلمة الله لساعات طويلة أحيانًا، وأَرى أنَّكم تَتَفَهَّمونَ أنَّ هذا هو ما يُريدُه اللهُ، فإنَّ الفرحَ يَملأُ قلبي. وأنا أشكُرُكم على هذه الرَّغبة الشَّديدة مِن جِهَتِكُم.
لِذا فإنَّ الخدمة الفعَّالة هي خدمة تَعليم. ولكي تكون هذه الخدمة فعَّالة فإنَّها تتطلَّب منكَ أن "تَجتهِدَ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ للهِ مُزَكُى"؛ ولا سيَّما إن كنتَ تَتعلَّمُها في أثناء خِدمَتِك، وأنَّكَ لا تفعل ذلك بطريقة باردة وخالية مِن المحبَّة. فَهُوَ يقول في العدد 24 مِن الأصحاح نفسِه: "وَعَبْدُ الرَّبِّ لاَ يَجِبُ أَنْ يُخَاصِمَ، بَلْ يَكُونُ مُتَرَفِّقًا بِالْجَمِيعِ، صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ، صَبُورًا عَلَى الْمَشَقَّاتِ، مُؤَدِّبًا بِالْوَدَاعَةِ الْمُقَاوِمِينَ، عَسَى أَنْ يُعْطِيَهُمُ اللهُ تَوْبَةً لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ". بعبارة أخرى، لا يجوزُ لك أن تفعلَ ذلك بروحٍ عُدوانيَّة، بل بمحبَّة وتواضُع.
ثُمَّ إنَّهُ يقولُ في رسالة تيموثاوس الثَّانية 3: 14 ما يلي: "وَأَمَّا أَنْتَ فَاثْبُتْ عَلَى مَا تَعَلَّمْتَ وَأَيْقَنْتَ، عَارِفًا مِمَّنْ تَعَلَّمْتَ. وَأَنَّكَ مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ، بِالإِيمَانِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوع". وما المِقدارُ الَّذي ينبغي أن نُعَلِّمَهُ مِن كلمة الله؟ العدد 16: "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ". ولماذا نُعَلِّم؟ "لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلاً، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ".
اسمعوني: إن أردنا أن نَبني القِدِّيسينَ وأن نَنضُج في حياتِنا الشخصيَّة، يجب علينا أن نَفعل ذلك مِن خلال خِدمة الكلمة. وهذا هو شَغَفُنا. ثُمَّ إنَّ بولسَ يقول لتيموثاوس في تلك الذُّروة الرَّائعة في الأصحاح الرَّابع: "أَنَا أُنَاشِدُكَ إِذًا أَمَامَ اللهِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْعَتِيدِ أَنْ يَدِينَ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ، عِنْدَ ظُهُورِهِ وَمَلَكُوتِهِ: اكْرِزْ بِالْكَلِمَة. اعْكُفْ عَلَى ذلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ [وماذا؟] وَتَعْلِيم". لِذا، نَرى أنَّ خدمة الكنيسة بسيطة: التَّعليم الصَّحيح... التَّعليم الصَّحيح. فهذه هي المَهمَّة الرئيسيَّة للكنيسة. فالطَّريقة الوحيدة الَّتي يُمكننا مِن خلالها أن نَبني القِدِّيسين هي أن نُقَدِّمَ العقيدةَ السَّليمة. والطَّريقة الوحيدة الَّتي يُمكننا مِن خلالها أن نُرضي الرَّبَّ ونُطيعَ الرُّوح هي أن نُقدِّمَ العقيدةَ السَّليمة. وأيُّ شيءٍ أقلّ مِن ذلك هو خطيَّة. وقد كان الكارِزونَ الأوائِل يَفعلون ذلك.
إذًا ما هي القيادة الرئيسيَّة؟ يجب علينا مَرَّةً أخرى أن ننظر إلى تيموثاوس وتيطُس. فما هي القيادة الرئيسيَّة للكنيسة؟ هناكَ فِئَتانِ للقادة في الكنيسة. فهذا هو كُلُّ التَّنظيمِ الَّذي كان لديهم: الشُّيوخُ والشَّمامِسَة. فأوَّلاً، كان هناك شُيوخ. فقد كان هناك العديدُ مِن الشُّيوخ. فلم يكن هناك رَجُلٌ واحدٌ مسؤول عن الكنيسة. وأنا أُوْمِنُ بهذا مِن كلِّ قلبي. فأنا أُوْمِنُ بأنَّه يجب أن تكون هناك وَحدة بين الرِّجال المسؤولين عن الكنيسة. وأنا واحدٌ مِن هؤلاء وحسب. فقد حَظَيْتُ بالامتيازِ، بنِعمةِ الله العَجيبة، أن أكون مسؤولاً عن التَّعليم، وبأن أكون الشَّيخ المُعَلِّم [إن جاز القول]. ولكنَّ قدراتي محصورة في ذلك النِّطاقِ وَحدَهُ. فحياةُ الكنيسة تَعتمِد على جميع الشُّيوخِ الَّذينَ يَخدِمون بإرشادِ رُوحِ الله. فأنا لا أزيدُ عن أيِّ شَيخٍ آخر مِن شُيوخ هذه الكنيسة. بل أنا واحدٌ منهم وحسب، ولكنَّ خِدمتي الرئيسيَّة هي خِدمة التَّعليم. فلا يوجد رَجُل واحد مَسؤولٌ عن القيامِ بكلِّ المَهامّ. البتَّة! فالرَّاعي هو ليس حَلاَّل المَشاكل المُختصّ الَّذي يَجُوْلُ حامِلاً حقيبةَ الأدواتِ الكَنَسِيَّة بانتظارِ المُشكلة التَّالية الَّتي ينبغي له أن يُعالجها أو الدُّولابَ التَّالي المُزعِج الَّذي يَحتاجُ إلى التَّشْحيم. فالأمرُ أكبر مِن ذلك.
والشَّيخُ يُسَمَّى أيضًا في العهد الجديد بالأُسقُف. فالكلمة "شَيخ" هي لَقَبُه، وأمَّا الكلمة "أُسقُف" فهي وظيفتُه. والكلمة "أُسقُف" تَعني: "مُشرِف". فهو يُشرِف على الرَّعيَّة. وهي خدمة روحيَّة موجودة دائمًا في العهد الجديد. فقد كان الشَّيخُ يَهتمُّ دائمًا بشيئَيْن: الصَّلاة، وخِدمة الكلمة. وكان الشُّيوخُ يُقامونَ في كلِّ مدينة. وقد قال بولس لتيطُس في الأصحاح الأوَّل والعدد الخامس: "وَتُقِيمَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شُيُوخًا". وقد تَمَّ اختيارُ هؤلاء مِن تلك الرَّعيَّة. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ الكنيسة تكونُ في أفضلِ حالٍ وأقوى حالٍ عندما يَنمو أُناسٌ مِن شَعبِها ويصيرونَ قادَةً لها. ونحنُ نؤمنُ بهذا هنا. لِذا فإنَّنا فَرِحونَ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِن العامِلين هنا، وكلَّ واحدٍ مِن الأشخاص الَّذينَ يَخدمونكم هنا هو مِن رعيَّة هذه الكنيسة. فنحنُ نؤمن بأنَّ هذا الأمرَ كِتابيٌّ، وبأنَّ اللهَ يريدُ مِنَّا أن نُقيم شُيوخًا في هذا المكان تَدَرَّبوا في هذه الخدمة، ويستطيعونَ أن يَقودوا هذه الخدمة بنجاح. لِذا، إنَّها خدمة روحيَّة. وهؤلاءِ الشُّيوخُ هُم أشخاصٌ أَهَّلَهُم رُوحُ الله. وقد تَمَّ إعدادُهم وإقامَتُهم ليخدِموا في الكنيسة المَحليَّة.
ولكي أُريكم المؤهِّلات المطلوبة مِن الشَّيخ، انظروا إلى رسالة تيموثاوس الأولى والأصحاح الثَّالث: "صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ: إِنِ ابْتَغَى أَحَدٌ الأُسْقُفِيَّةَ..." – وهذه هي الفِكرة نَفسُها. فالكلمة "أُسقُف" تُشيرُ إلى عَمَلِه بصفتِهُ مُشرِف. فهو شَيخ. وهي تَعني الشَّيءَ نَفسَهُ. "إِنِ ابْتَغَى أَحَدٌ الأُسْقُفِيَّةَ فَيَشْتَهِي عَمَلاً صَالِحًا". إذًا، إليكم مُؤهِّلات الشَّيخ. وأريدُ أن أقولَ لكم إنَّنا شُيوخ. فالعامِلونَ هُنا هُم شُيوخ. وهناكَ أشخاصٌ يَجلسونَ هُنا، وَهُمْ شُيوخ. وقد لا تكونونَ مِن العامِلينَ هُنا، ولكنَّكم تَملِكونَ كلَّ المؤهلاَّتِ لتكونوا شُيوخًا. ونحنُ نُصَلِّي أن يأتي بِكُم اللهُ قريبًا جدًّا إلى موقعِ القيادة الحقيقيَّة معنا لنعمل معًا. فلا يوجد تَسَلسُلٌ هَرَمِيٌّ هنا... البتَّة! بل هي وَحدة بين أولئك الَّذينَ دَعاهُمُ اللهُ ليكونوا شُيوخًا. ونَجِدُ هنا مُؤهِّلات الشُّيوخ. فإن كنتَ تَشعُر في قلبِك... إذا كنتَ تَشعُر وتؤمن في قلبِك بأنَّك شَيخ، وبأنَّكَ تَستوفي هذه المُؤهِّلات، وبأنَّ هذا هو ما يريدُ اللهُ منك أن تَفعله في القيادة، أريدُ أن أَعلم عن ذلك شخصيًّا، وأريدُ أن تُخبرني بذلك.
العدد الثَّاني: "فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ" – أي أنَّه يجب أن يَتمتَّع بِسُمعة داخليَّة طَيِّبة في وسط المؤمنين. ومِن الواضح أنَّ هذا لا يَعني الكَمال. "بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ" – أي أن يكونَ مُخلِصًا لزوجته الواحدة والوحيدة. "صَاحِيًا، عَاقِلاً، مُحْتَشِمًا، مُضِيفًا لِلْغُرَبَاءِ، صَالِحًا لِلتَّعْلِيم". والعبارة "صالحًا للتَّعليم" لا تَعني بالضَّرورة أن يكونَ مُعَلِّمًا، بل تَعني أنَّه يستطيعُ أن يُعَبِّرَ عن إيمانِه. "غَيْرَ مُدْمِنِ الْخَمْر". والكلمة "مُدمِن" هُنا تُشيرُ إلى الشَّخص الَّذي يُعاقِر الخَمْر. هل فَهِمتُم الصُّورة؟ "غَيْرَ مُدْمِنِ الْخَمْر، وَلاَ ضَرَّابٍ، وَلاَ طَامِعٍ بِالرِّبْحِ الْقَبِيحِ [أيْ لا يَسعى وراءَ المال]، بَلْ حَلِيمًا، غَيْرَ مُخَاصِمٍ، وَلاَ مُحِبٍّ لِلْمَالِ، يُدَبِّرُ بَيْتَهُ حَسَنًا، لَهُ أَوْلاَدٌ فِي الْخُضُوعِ بِكُلِّ وَقَارٍ. وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْرِفُ أَنْ يُدَبِّرَ بَيْتَهُ، فَكَيْفَ يَعْتَنِي بِكَنِيسَةِ اللهِ؟" والمَعنى هُنا واضحٌ جدًّا. "غَيْرَ حَدِيثِ الإِيمَانِ [أي ليسَ مِنَ الذينَ آمَنوا منذُ وقتٍ قصير] لِئَلاَّ يَتَصَلَّفَ فَيَسْقُطَ فِي دَيْنُونَةِ إِبْلِيسَ. وَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ شَهَادَةٌ حَسَنَةٌ مِنَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَارِجٍ". فيجب عليك أن تَتمتَّع بسُمعة حَسَنة في الدَّاخل، وسُمعَة حَسَنة في الخارج. "لِئَلاَّ يَسْقُطَ فِي تَعْيِيرٍ وَفَخِّ إِبْلِيسَ".
إذًا، تجدونَ هنا نَموذجًا رئيسيًّا لمُؤهِّلات الشَّيخ. أيُّها الرِّجال، إن كنتُم تَملكونَ هذه المُؤهِّلات... إن كنتَ تَملِك هذه المُؤهِّلات، وتَرى أنَّك شخصٌ مُناسب، وتَصرِف وقتًا في الصَّلاة... ونحنُ نَعلَمُ بكلِّ تأكيد أنَّك لستَ كاملاً. فهذا أمرٌ واضحٌ نَعرِفُهُ جميعًا. ولكن إن كنتَ تُؤمن بأنَّك تَملِك كلَّ هذه المُؤهِّلات، وأنَّ هذا هو شَوقُ قلبِك أمام الله، فإنَّ اللهَ قد وَهَبَكَ لهذه الكنيسة المحليَّة (أي كنيسة غريس)، لكي تَكونَ شَيخًا وقائدًا ومُعلِّمًا. ولا يَهُمُّ أن تكونَ عُضوًا في مَجلس الشُّيوخ. فهذه ليست النُّقطة الجوهريَّة، بل إنَّ النُّقطة الجوهريَّة هي أن تكون شخصًا اختارَهُ اللهُ ليكونَ شيخًا. ونحنُ نَرجو ونُصلِّي ونَثِقُ بأنَّ جميعَ الأشخاصِ الَّذينَ اختارَهُمُ اللهُ ليكونوا شيوخًا سيصيرونَ شيوخًا وأن نَخدِمَ معهم. وهذا لا يَعني أنَّنا نَفعل ذلك بسرعة ودونُ تَدقيق. فالآية 1تيموثاوس 5: 22 تقولُ ما يلي: "لاَ تَضَعْ يَدًا عَلَى أَحَدٍ بِالْعَجَلَة". وهناكَ مَن يقول إنَّ هذه الآية تُشيرُ إلى إقامة شُيوخٍ دونَ تَفكير. وهناكَ مَن يَقول إنَّها تُشيرُ إلى التَّعامُل مع الأشخاص الَّذينَ يعيشون في الخطيَّة، وإنَّها تُشير إلى التَّوبيخ وما إلى ذلك. وهي قد تَعني هذا أو ذاك. ولا أدري أيُّ المَعْنَيَيْنِ أَدَقّ. ولكن إن كانت تُشيرُ إلى الشُّيوخ، مِن المؤكَّد أنَّها تُشيرُ إلى التَّدقيق.
ونقرأ في رسالة كورِنثوس الأولى 5: 17: "أَمَّا الشُّيُوخُ الْمُدَبِّرُونَ حَسَنًا". وهذا يعني أنَّه ينبغي للشُّيوخِ أن يُدَبِّروا. ففي الكنيسة المحليَّة، يَعملُ الشُّيوخُ على تَدبيرِ أحوال الكنيسة لأنَّهم يَخدِمونَ بدعوةٍ مِنَ المسيح. وَهُم مسؤولونَ أمامَ المسيح. فالشُّيوخُ ليسوا مسؤولينَ أمام الرعيَّة. والشُّيوخ ليسوا مسؤولينَ أمامَ مَجْلِسِ الإدارة. وحتَّى إنَّ الشُّيوخَ ليسوا مسؤولين أمامَ زوجاتهم ولا يَنبغي لهم أن يَفعلوا كلَّ ما تَطلُبُهُ منهم زوجاتُهم. بل إنَّ الشُّيوخَ مسؤولونَ أمام المسيح حتَّى يقودوا الكنيسة. لذا، "أَمَّا الشُّيُوخُ الْمُدَبِّرُونَ حَسَنًا فَلْيُحْسَبُوا أَهْلاً لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ، وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَالتَّعْلِيم". وهذا يُريكم أنَّه يمكنك أن تكونَ شيخًا مِن دون حتَّى أن تكونَ مُنخَرِطًا بالضَّرورة في تعليم العقيدة. فهناك مَهامّ أخرى وَفقًا لإرشاد الرُّوح. فالشُّيوخ يَتَّخذون القرارات. ولكنَّهم لا يَخضعون للرَّعيَّة، ولا يَخضعونَ لأيَّة مجموعة، بل يَخضعون فقط ليسوعَ المسيح. ويجب عليهم أن يَتَّخذوا كلَّ قرارٍ بعد الصَّلاة، وبعد دراسة كلمة الله بعناية لكي يَتَّخذوا القرارات وَفقًا لفكرِ المسيح وبقوَّةِ الرُّوح حتَّى يَنعكس ذلك بصورة إيجابيَّة على الرَّعيَّة كُلِّها.
لِذا يا أصدقائي، إنَّها دَعوة عُليا. وقد تقولون: "هل هي دعوة للمُسِنِّينَ فقط؟" لا، إنَّها ليست كذلك. فبولس يقول لتيموثاوس: "لاَ يَسْتَهِنْ أَحَدٌ [بماذا؟] بِحَدَاثَتِكَ". ومِن الجيِّد أنَّ هذه الآية موجودة هنا. ويجب على الشُّيوخ أن يُواظبوا على الصلاة، وأن يُواظبوا على دراسة كلمة الله، وأن يبحثوا عن فِكْرِ المسيح ويَعرفوه. وأعتقد أنَّه إن كان ينبغي للشُّيوخ أن يَتَّخذوا قرارًا، يجب عليهم أن يَتَّخذوه بالإجماع لِئلاَّ يكونَ هناك شخصٌ ليسَ له فِكر المسيح. وأعتقد أنَّه يجب اتِّخاذ ذلك القرار بالإجماع بعد أن يقوم هؤلاء الشُّيوخ بالصَّلاة ودراسة الكلمة. وقد يَحتاجون إلى الصَّوم أيضًا.
ويجب على الشُّيوخ أن يُعالجوا المشاكلَ في الكنيسة. ويجب عليهم أن يُعالجوا مُشكلة المُعلِّمين الكَذبة. هل تَعلمون ذلك؟ ففي الرِّسالة إلى تِيطُس 1: 9، كان ينبغي لهم أن يُعالجوا مُشكلة المُعلِّمين الكذبة: "مُلاَزِمًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي بِحَسَبِ التَّعْلِيمِ، لِكَيْ يَكُونَ قَادِرًا أَنْ يَعِظَ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ وَيُوَبِّخَ الْمُنَاقِضِين. فَإِنَّهُ يُوجَدُ كَثِيرُونَ مُتَمَرِّدِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالْبَاطِلِ، وَيَخْدَعُونَ الْعُقُولَ، وَلاَسِيَّمَا الَّذِينَ مِنَ الْخِتَانِ، الَّذِينَ يَجِبُ سَدُّ أَفْوَاهِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَقْلِبُونَ بُيُوتًا بِجُمْلَتِهَا، مُعَلِّمِينَ مَا لاَ يَجِبُ، مِنْ أَجْلِ الرِّبْحِ الْقَبِيح". فيجب على الشُّيوخ أن يَتخلَّصوا مِن المُعلِّمين الكذبة. ويجب على الشُّيوخ أيضًا أن يُتلمِذوا المؤمنينَ الَّذين يَزيغون عن الحقِّ الكِتابيّ. فنحن نقرأ في الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس 2: 18 أنَّ "هِيمِينَايُس وَفِيلِيتُس... زَاغَا عَنِ الْحَقِّ، قَائِلَيْنِ: «إِنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ صَارَتْ» فَيَقْلِبَانِ إِيمَانَ قَوْمٍ". وقد كانت تلك مُشكلة خَطِرة. وَيقولُ بولس في العدد 4: 14: "إِسْكَنْدَرُ النَّحَّاسُ أَظْهَرَ لِي شُرُورًا كَثِيرَةً". ثُمَّ إنَّه يقول: "لِيُجَازِهِ الرَّبُّ حَسَبَ أَعْمَالِهِ". بعبارة أخرى، هناكَ هَراطقة في الكنيسة. ويجب التَّصَدِّي لهم.
وقد تقول: "وكيفَ نَتصدَّى لهم؟" نقرأ في الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس 1: 19: "وَلَكَ إِيمَانٌ وَضَمِيرٌ صَالِحٌ، الَّذِي إِذْ رَفَضَهُ قَوْمٌ، انْكَسَرَتْ بِهِمِ السَّفِينَةُ مِنْ جِهَةِ الإِيمَانِ أَيْضًا، الَّذِينَ مِنْهُمْ هِيمِينَايُسُ وَالإِسْكَنْدَرُ [وإليكم ما ينبغي أن تَفعلوه] اللَّذَانِ أَسْلَمْتُهُمَا لِلشَّيْطَانِ لِكَيْ يُؤَدَّبَا حَتَّى لاَ يُجَدِّفَا". وهذه إشارة إلى التَّأديبِ يا أصدقائي. فهناك أشخاصٌ بحاجة إلى التَّأديب. فعندما يكون هناك خطأٌ في التَّعليم، يجب أن يُطرَد الشَّخص المسؤول عن ذلك مِن شركة الكنيسة إلى أن يُوْصِلَهُ الشَّيطانُ إلى أَدنى مكانٍ، ورُبَّما يَرتَطِم في القَعر، على رجاءِ أن يَرُدَّهُ اللهُ.
كذلك، يجب علينا أيضًا أن نُوَبِّخ الأشخاصَ الَّذينَ يُخطئون في أفعالهم، لا فقط في التَّعليم. فنحن نقرأ في الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس والأصحاح الخامس... وسوف نتحدَّث قليلاً عن هذا الموضوع في هذا المساء: "اَلَّذِينَ يُخْطِئُونَ" – ما هي الكلمة الَّتي تَلي ذلك في رسالة تيموثاوس الأولى 5: 20؟ "اَلَّذِينَ يُخْطِئُونَ [ماذا؟] وَبِّخْهُمْ". وما هُما الكلمتان التَّالِيَتان؟ "أَمَامَ الْجَمِيع، لِكَيْ يَكُونَ عِنْدَ الْبَاقِينَ خَوْفٌ". فنحنُ نَملِكُ السُّلطانَ لتوبيخ الخطيَّة أمامَ الجميع. لِذا فإنَّ أَعلى مكانة في الكنيسة هي للشُّيوخ إذ إنَّهم يَخدمونَ تحتَ سُلطانِ المسيح، وتحت سُلطانِ الرَّاعي الأعظم لأنَّهم مسؤولون عن تعليم العقيدة، والتَّدبير، والتَّأديب، وحماية الرَّعيَّة، والصَّلاة لأجل الرَّعيَّة، ودراسة كلمة الله. فالشَّيخُ مسؤولٌ أمام يسوعَ المسيح عن تلك الخدمة. هذه هي بداية خدمة الكنيسة الباكرة. وسوفَ نُتابِع حديثَنا عنها في المَرَّة القادمة.
نَشكُرُك يا أبانا في هذا الصَّباح على حَقِّك وحِكمتِك. ونَشكُرُك لأنَّنا نَعلم ما ينبغي أن تفعلَهُ الكنيسة: أن تُعَلِّمَ التَّعليمَ الصَّحيح. ونَشكُرُك يا رَبّ لأنَّ هذا واضحٌ جدًّا. ونَشكُرُك يا أبانا على الشُّيوخ الَّذينَ وَهَبْتَهُم لكنيسة غريس والَّذين يَخدِم كثيرون منهم بِصِفتهم شيوخًا عِلمانيِّين. ونَشكُرُك يا رَبّ على الشُّيوخ الموجودين هنا والَّذين لا نَعرِفهم بعد، والَّذين أَرسلتَهُم إلينا لكي يَخدموا معنا، والَّذين هُم ليسوا حَديثي الإيمان، والَّذين يَملكونَ كلَّ تلك المُؤهِّلات إذ إنَّهم بلا لَوم، ولديهم شَهادة حَسَنة في الدَّاخل والخارج يُمَجِّدونَ مِن خلالها المسيح. ونحنُ نَشكُرُك يا أبانا لأنَّ بعضًا منهم يجلسونَ هنا في هذا الصَّباح. ويا أبانا، إنَّهم لا يخدِمون معنا الآن رُبَّما لأنَّنا لم نُمَيِّز بعد أنَّهم شُيوخ وَهبتَنا إيَّاهُم. يا أبانا، نُصَلِّي أن يَشْتَهوا القيام بتلك الخدمة في حياتهم لأنَّها شيءٌ صالح، وأن يَنهضوا للخدمة معنا في قيادة هذه الرَّعيَّة. ويا أبانا، أنا لا أقدرُ أن أقومَ بمسؤوليَّة القيادة بمفردي يومًا واحدًا. فأنا خاطئ، وقراراتي ليست سليمة دائمًا، وأنا لا أُريدُ القيامَ بذلك بمفردي. لِذا، أشكُرُك على الرَّغبةِ الَّتي يُوَلِّدُها فينا الرُّوحُ القُدُسُ في أن نَفعلَ ذلك معًا بفكرٍ واحد مِن خلال الصَّلاة ودراسة الكلمة. يا أبانا، اكشِف لنا عن القادة الموجودين في وَسْطِنا لكي نَراهم. ونحنُ نَشكُرُك على الأشخاصِ الآخرين الَّذينَ هُم ليسوا شُيوخًا ولكنَّهم يَخدمونَ بأمانة شديدة. فَهُم يَخدِمونَ بأمانة شديدة في العديدِ مِن المَهامِّ إذ إنَّهم يُساعدونَ، ويُعلِّمونَ، ويُدَبِّرونَ، ويَخدمونَ، ويَزورونَ، ويَتَّصلونَ بالمرضى، ويُصَلُّونَ، ويُعطونَ، ويُشاركون. يا أبانا، نَسألُك في هذه اللَّحظة أن تجعل هذه الكنيسة كَما تُريدُ لها أن تكون. باسم المسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
